8 شباط 1963
أولاً : السلطة
الانقلابية الجديدة .
1 ـ تعيين عبد
السلام عارف رئيساً للجمهورية.
2 ـ إصدار قانون مجلس قيادة الثورة ، وتشكيله .
3 ـ تشكيل مجلس الوزراء
.
4 ـ تعيين قيادات الجيش
، والأجهزة الأمنية.
ثانياً : ما هو برنامج
حزب البعث ؟
ثالثاً : البعثيون
والحزب الشيوعي .
رابعاً : وقوع انقلاب
بعثي في سوريا ، ومشروع الوحدة الثلاثية .
خامساً : البعثيون
يشنون الحرب على الأكراد .
سادساً : انتفاضة
الشيوعيين في معسكر الرشيد .
أولاً : السلطة
الانقلابية الجديدة :
1 ـ عبد
السلام عارف رئيساً للجمهورية وأحمد حسن البكر رئيساً للوزراء:
حال
ما أستتب الأمر للانقلابيين في السيطرة على الوضع في البلاد ،
باشروا باقتسام السلطة ، فجرى تنصيب عبد السلام عارف رئيسا ًللجمهورية ، لكونه
أعلى رتبة من البكر ، إضافة إلى وجود عدد كبير من المؤيدين له في صفوف الضباط
المشاركين في الانقلاب ، ولدوره السابق في
ثورة 14تموز 958 ، والذي أكسبه الشهرة والتأييد في صفوف القوى القومية .
لقد
كان البعثيون مضطرين إلى هذا التعيين ، رغم عدم
اطمئنانهم له ، ورغبتهم في مسك السلطة كلياً بأيديهم . ولذلك فقد تم معادلة منصب
رئيس الجمهورية بمنصب رئيس الوزراء الذي أسند إلى احمد حسن البكر
، بالإضافة إلى سيطرة البعثيين على معظم الوزارات المهمة ، ومجلس قيادة
الثورة الذي شكلوه بعد الانقلاب .
وفي
الوقت نفسه كان عبد السلام عارف غير مرتاح لازدواجية السلطة ،
وهو معروف بحبه للاستئثار بها ، ومحاولته
قلب سلطة عبد الكريم قاسم في أوائل أيام ثورة 14 تموز 958 ، لكنه تقبل الواقع على مضض ، وبدأ يخطط لانتزاع السلطة من البعثيين في اقرب فرصة
سانحة وتصفية نفوذهم، وركز اهتمامه على الجيش نظرا لوجود عددا كبيرا من الضباط
المؤيدين له، فيما كان موقف البعثيين داخل
الجيش ضعيفا، ولذلك وجدناهم يركزون اهتمامهم على الحرس القومي الذي شكلوه من الحزبيين ، والعناصر المؤيدة لهم
، والذي كان تعداده [ 21 ألفاً]، وعهدوا بقيادته إلي [ منذر الونداوي ] أحد ضباطهم
العسكريين ، والطيار الذي هاجم وزارة الدفاع بطائرته يوم الانقلاب ، وعمل الونداوي
على توسيع قاعدة الحرس القومي حتى بلغ تعداده [34
ألفاً ].
2 ـ
مجلس قيادة الثورة :
كانت
الخطوة التالية للبعثيين تشكيل ما يسمى [ مجلس قيادة الثورة ]، في 8 شباط 63 بموجب البيان رقم 15 ، وأعطى القرار صلاحيات واسعة للمجلس ، تشريعية ، وتنفيذية
ومن تلك الصلاحيات :
1 ـ
إصدار القوانين ، وتعديلها .
2 ـ
تعين الوزراء ، وإقالتهم .
3 ـ
منحه صلاحيات القيادة العامة للقوات المسلحة .
4 ـ
الإشراف على شؤون الجمهورية .
5 ـ
الإشراف على جهازي الأمن ، والاستخبارات العسكرية
وجاء
المجلس المشكل مكوناً من [ 18 عضواً ]، منهم 15 عضواً من حزب البعث ، وعضوين فقط من
القوميين ، كان أحدهم عبد السلام عارف الذي رقي من رتبة عقيد ركن إلى رتبة مشير
ركن وهي أعلى رتبة عسكرية في الجيش ، وجاء تشكيل المجلس على الوجه التالي :
1ـ
عبد السلام عارف ـ رئيس الجمهورية .
2 ـ أحمد حسن البكر ـ
عضو القيادة القطرية لحزب البعث.
3 ـ
علي صالح السعدي
ـ أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث .
4 ـ
حازم جواد ـ عضو القيادة القطرية للحزب
5 ـ
طالب شبيب ـ "
" "
"
6 ـ
حمدي عبد المجيد ـ
" " "
"
7 ـ
كريم شنتاف ـ "
" "
"
8 ـ
محسن الشيخ راضي ـ "
" "
"
9 ـ
صالح مهدي عماش ـ "
" " "
10 ـ
هاني الفكيكي ـ "
" " "
11 ـ
حميد خلخال ـ
" " "
"
12 ـ
عبد الستار عبد اللطيف ـ عضو المكتب العسكري للحزب .
13 ـ
خالد مكي الهاشمي
ـ
" "
" "
14 ـ
حردان التكريتي ـ " " "
"
15 ـ
عبد الكريم مصطفى نصرت ـ " "
" "
16 ـ
أنور عبد القادر الحديثي ـ كادر بعثي ،عين سكرتيراً
للمجلس.
17 ـ
طاهر يحيى ـ بعثي أسمياً ،رقي إلى رتبة لواء .
18ـ
عبد الغني الراوي ـ
زعيم ركن ،إسلامي النزعة ،وصديق لحزب البعث .
ومن
هذه التشكيلة يتبين أن حزب البعث قد احكم سيطرته على هذا المجلس دون منازع ، أصبحت له اليد الطولى في إدارة شؤون البلاد .
2 ـ مجلس وزراء الانقلابيين :
تشكل
مجلس الوزراء من ( 20 ) عضواً ، كانت حصة حزب البعث منها
( 13 ) عضواً ، أي ثلثي أعضاء المجلس ، واحتفظ البعثيون بأغلب الوزارات المهمة ،
وجاء تشكيله على النحو التالي :
1 ـ
أحمد حسن البكر ـ رئيساً للوزراء
2 ـ
علي صالح السعدي ـ نائباً لرئيس الوزراء ، ووزيراً
للداخلية .
3 ـ
صالح مهدي عماش ـ وزيراً للدفاع .
4 ـ حازم جواد
ـ وزيراً لشؤون رئاسة الجمهورية .
5 ـ
طالب شبيب ـ وزيراً للخارجية
.
6 ـ
عزت مصطفى ـ
وزيراً للصحة .
7 ـ
سعدون حمادي ـ
وزيراً للإصلاح الزراعي .
8 ـ
مهدي الدولعي ـ
وزيراً للعدل .
9 ـ
مسارع الراوي ـ
وزيراً للإرشاد .
10 ـ
صالح كبه ـ وزيراً للمالية
11ـ
أحمد عبد الستار الجواري ـ وزيراً للتربية .
12 ـ
عبد الكريم العلي ـ وزيراً للتخطيط .
13 ـ
حميد خلخال ـ وزيراً للعمل
14 ـ
عبد الستار عبد اللطيف ـ وزيراً للمواصلات .
15 ـ
ناجي طالب ـ
وزيراً للصناعة .
16 ـ
شكري صالح زكي ـ وزيراً للتجارة .
17 ـ عبد العزيز الوتاري ـ وزيراً للنفط .
18 ـ محمود شيت خطاب ـ وزيراً للبلديات .
19 ـ
بابا علي الشيخ محمود ـ وزيراً للزراعة .
20 ـ
فؤاد عارف ـ
وزير اً للدولة
وهكذا ضمت الوزارة ثلاثة من القوميين هم كل من : ناجي طالب ، وشكري
صالح زكي ، وعبد العزيز الوتاري ، وضمت واحداً من الإسلاميين هو محمود شيت خطاب ،
فيما ضمت اثنان من الأكراد ، هما بابا علي الشيخ محمود ، وفؤاد
عارف .
3 ـ
الانقلابيون يرتبون أوضاع الجيش والأجهزة الأمنية :
*
كما
أسلفنا سابقاً كان موقف حزب البعث داخل الجيش ضعيفاً ،
ومعظم الضباط البعثيون من ذوي الرتب الصغيرة ، ولذلك فقد جاءت تشكيله قيادات الجيش
من عناصر قومية في غالبيتها ، وكان لتلك العناصر الدور الحاسم في إسقاط سلطة حزب
البعث ، بعد 9 اشهر من وقوع انقلاب 8 شباط 963 ، وفيما يلي التعينات
التي أجريت في الجهاز العسكري إثر وقوع الانقلاب :
1 ـ
تعيين العقيد طاهر يحيى رئيساً لأركان الجيش ، مع ترقيته
إلى رتبة لواء .
2 ـ
تعيين المقدم خالد مكي الهاشمي نائباً لرئيس الأركان وترقيته إلى رتبة عقيد .
3 ـ
تعيين المقدم حردان التكريتي قائداً للقوة الجوية ،
وترقيته إلى رتبة عقيد .
4 ـ
تعيين المقدم صبحي عبد الحميد مديراً للعمليات العسكرية ورقي إلى رتبة عقيد
5 ـ
تعيين المقدم سعيد صليبي ، أمراً للانضباط العسكري ،
ورقي إلى رتبة عقيد .
7 ـ
تعيين المقدم محمد مجيد ، مديراً للتخطيط العسكري ، ورقي
إلى رتبة عقيد .
8 ـ
تعين الرئيس محي الدين محمود ، مديراً للاستخبارات
العسكرية .
9ـ
تعين العقيد رشيد مصلح التكريتي حاكماً عسكرياً عاماً،ورقي
إلى رتبة زعيم.
وفي
الوقت نفسه أصدر الانقلابيون قراراً ت أخرى بتعين قادة الفرق العسكرية ، وجاءت على
الوجه التالي :
1 ـ
تعين العقيد عبد الكريم فرحان ـ قائداً للفرقة الأولى،ورقي
إلى رتبة زعيم.
2 ـ
العقيد إبراهيم فيصل الأنصاري ـ قائداً للفرقة الثانية،ورقي
إلى رتبة زعيم .
3 ـ
تعيين العقيد عيد الغني الراوي
ـ قائداً للفرقة الثالثة ،ورقي إلى رتبة زعيم .
4 ـ
تعيين الرائد عبد الكريم نصرت قائداً للفرقة الرابعة المدرعة،ورقي
إلى رتبة عقيد.
5 ـ
تعيين العقيد عبد
الرحمن عارف- قائداً للفرقة الخامسة ،ورقي إلى رتبة زعيم.
أما
كتائب الدبابات ، فقد أسندت إلى الضباط التالية أسماؤهم
:
1ـ المقدم صبري خلف الجبوري ـ قائداً لكتيبة خالد .
2 ـ
المقدم الركن حسن مصطفى النقيب ـ قائداً لكتيبة الدبابات الأولى
.
3ـ
المقدم محمد المهداوي ـ قائداً لكتيبة الدبابات الثالثة .
4 ـ
المقدم خالد مكي الهاشمي ـ قائداً لكتيبة الدبابات الرابعة ،إضافة
إلى منصبه كنائب لرئيس أركان الجيش .وكان واضحاً أن البعثيين أرادوا إبقاء هذه الكتيبة ، التي كان لها الدور الحاسم في الانقلاب ، بين أيديهم
.
*
ثانياً:
ما هو برنامج حزب البعث ؟
لم
يكن حزب البعث قد وضع له أي برنامج ، سواء قبل استلامه
السلطة ، أم بعدها ، وكل من كان لديه هي شعاراته الجوفاء حول الوحدة ، والحرية ،
والاشتراكية !!!، تلك الشعارات التي أستخدمها عند قيام ثورة 14 تموز مباشرة ، لشق جبهة الاتحاد الوطني ، واللجنة العليا للضباط
الأحرار ، وتبين فيما بعد أن تلك الشعارات لم تكن إلا وسيلة للوثوب إلى السلطة ،
فلا وحدة ، ولا حرية ، ولا اشتراكية ، بل كان جُلّ همهم يتركز حول وسائل تثبيت
حكمهم ، والسيطرة على المرافق العامة للدولة ، العسكرية منها والمدنية ، وقد جرّت
سياستهم تلك إلى فرض حكم الحزب الواحد ، وتقليص دور شركائهم القوميين ، مما أدى
إلى قيام ، وتنامي الصراع بين الجانبين .
لقد
اعتمد البعثيون في تحقيق آمالهم ، وأهدافهم هذه على قوات
[ الحرس القومي ] الفاشية ، التي أعدوها قبل الانقلاب ،وجرى توسيعها ،إعطائها صفة
رسمية بعد نجاح الانقلاب ، وضم أعضاء ، ومؤيدي الحزب إليها ، كما ضمت أعداد كبيرة
من دعاة القومية ، من العناصر المعادية لثورة 14 تموز ، واتجاهاتها الديمقراطية
والتقدمية ، واخذوا يوسعون قاعدة حرسهم
حتى وصل عدده إلى ( 34 ) ألفاً ، هادفين إلى أن يكون لهذه القوات اليد الطولى
،متجاوزين على الجيش وضباطه ، حتى وصل بهم الأمر إلى إهانة الجيش ، وتوقيف ضباطه ،
وتفتيشهم ، وإهانتهم ، وبلغ بهم الاستهتار حدوداً بعيدة .
لكن
حسابات البعثيين كانت خاطئة ، فالحرس القومي مهما بلغ
تعداده ، فهو لا يصل إلى تعداد قوات الجيش ، كما أن السلاح الذي يمتلكه الحرس
القومي لا يمكن أن يقاس بما لدى الجيش من أسلحة ثقيلة ، ومعدات ، وطائرات ، وخبرات
قتالية ، وإمكانات مختلفة ، هذا بالإضافة إلى افتقار
الحرس القومي ، وقيادته إلى الحكمة ، والتبصر ، فقد اتسمت كل تصرفاتهم بالاستهتار
، والتسرع ، والهمجية ، مما أفقدها أي تعاطف ، سواء كان من الشعب ، أو من الجيش ،
وزاد في الطين بلة ، سعيهم إلى تقليص نفوذ الضباط
القوميين داخل الجيش مما دفع بالصراع بين الطرفين إلى مرحلة أعلى ، وبعد اقل من
تسعة أشهر حُسم الصراع لصالح القوميين ، وتم إسقاط سلطة البعث .ولابد أن أشير هنا
إلى أن قيادة حزب البعث كلها ، كانت من العناصر الشابة ،
التي ينقصها الخبرة السياسية ، وأتسمت قراراتها بالتسرع ، والتهور .
لقد
أدرك مؤسس الحزب ـ ميشيل عفلق ـ تلك الحقيقة ، وعبر
بوضوح عن حال تلك القيادة في أحد الاجتماعات الحزبية المغلقة ، حيث قال :
{
بعد الثورة ، يقصد انقلاب 8 شباط ، بدأت اشعر بالقلق من
فرديتهم ، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور ، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة
بلد وشعب ، بل إنهم يصلحون فقط لظروف " النضال السلبي " ، ولا يعني ذلك إلا الأعمال
الإرهابية ، كالاغتيالات ، والاعتداءات ، وغيرها من الأعمال الإجرامية التي كانوا
يمارسونها قبل انقلابهم }.(4)
أما
أحمد حسن البكر ـ رئيس جمهوريتهم ـ فقد ذكر لعفلق قائلاً :
{
كنت في السابق الاحظ المحبة في عيون الناس ، أما الآن ،
فإني اهرب إلى الشوارع الخلفية غير المطروقة للابتعاد عن عيون الناس ، وتجنب نظرات
الكراهية } .(5)
أما
ثالثهم على صالح السعدي ـ أمين سر الحزب ، ونائب رئيس
الوزراء ووزير الداخلية ، فقد صرح قائلاً :
{
لقد ضعنا في الحكم ، وكان انقلاب شباط يمثل قفزة نحو
المجهول .(6)
*
البعثيون
والحزب الشيوعي :
عندما
جاء البعثيون إلى الحكم في 8 شباط 1963 ، كان في مقدمه
أهدافهم شن حرب لا هوادة فيها ضد الحزب الشيوعي ، وسائر القوى الديمقراطية ، وكان
هذا هو هدف الإمبريالية التي جاءت بهم إلى الحكم ، فلقد راعها المد الشيوعي الذي
أعقب ثورة 14 تموز 958، وتعاظم قوة الحزب ولاسيما بعد مسيرة الأول من أيار 959 ،
والتي رفع من خلالها الحزب الشعار المطالب بإشراكه في السلطة ، واعتبرت ذلك
تجاوزاً خطيراً على مصالحها في هذه المنطقة الهامة من العالم ، حيث تمتلك نصف
الخزين العالمي من النفط ، ولذلك فقد سعت الإمبريالية بكل جهودها من أجل إسقاط
حكومة عبد الكريم قاسم ، وإنهاء دور الشيوعيين في العراق ،واستعان الإمبرياليون بحزب
البعث ، كما جاء على لسان أمين سر الحزب [ على صالح السعدي ] عندما صرح بأن الحزب
جاء إلى الحكم بقطار أمريكي .
جاء
البعثيون إلى الحكم
لينفذوا الأهداف التي خططها لهم الإمبرياليون ،فشنّوا حملة إبادة شواء ضد أعضاء ومناصري الحزب الشيوعي وجماهيره ،لم يشهد
لها العراق مثيلاً من قبل ، بادئين حملتهم ببيانهم السيئ الصيت [ رقم 13 ] والذي
دعوا فيه إلى إبادة الشيوعيين ، وهذا نصه :
بيان
رقم 13 صادر من الحاكم العسكري العام :
نظراً
للمحاولات اليائسة للعملاء الشيوعيين ـ شركاء عدو الكريم !!،في
الجريمة ، لزرع الفوضى في صفوف الشعب ،وتجاهلهم للأوامر والتعليمات الرسمية ، فقد
كُلف قادة الوحدات العسكرية ،والشرطة ،والحرس القومي بالقضاء على كل من يعكر صفو
السلام ،وإننا ندعو أبناء الشعب المخلصين إلى التعاون مع السلطات بالإعلام عن
هؤلاء المجرمين ،وإبادتهم !!! .
لم
يشبع نهم البعثيين ،آلاف الشيوعيين وسائر الوطنيين ،
الذين سقطوا دفاعاً عن ثورة الرابع عشر من تموز ، يوم انقلابهم المشؤوم ،فقد
بادروا ،بعد أن أستتب لهم الأمر ، إلى شن حملة إعتقالات
واسعة شملت العراق ،من أقصاه إلى أقصاه ،مستخدمين حرسهم القومي ،وجهاز الأمن الذي
أنشأه ورعاه الإمبرياليون وعملائهم ،وعلى رأسهم [ نوري السعيد ] ،والذي لم يناله
من حكومة ثورة 14 تموز سوى الضرر اليسير .
وهكذا
جاء اليوم الذي ينفذون فيه الهجوم الكاسح على الحزب الشيوعي والشيوعيين
، وكل من يحمل فكراً ديمقراطياً تقدمياً ، وشملت الإعتقالات
مئات الألوف من الوطنيين ، وكانت عصابات الحرس القومي تداهم البيوت ، في الليل
والنهار بحثاً عن كل من يمت بصلة مع الشيوعيين.
ونظراً
لكثرة المعتقلين ، فقد استخدم الإنقلابيون الملاعب
الرياضية ، ودور السينما ، والنوادي ، والدور السكنية كمعتقلات ، ومارسوا فيها
أبشع أنواع التعذيب والقتل ، وتقطيع الأطراف ، وقلع العيون ، والأظافر ، وكل ذلك
جرى بموجب قوائم أعدت سلفاً بأسماء الشيوعيين ومؤيديهم ، من قبل المخابرات
المركزية الأمريكية ، وكانت إذاعة تابعة للمخابرات المركزية ، تبث من الكويت ،
تذيع أسماء وعناوين سكن الشيوعيين المعروفين لغرض اعتقالهم وتصفيتهم من قبل عصابات البعث .
وقد
جاء ذلك على لسان الملك حسين في حديث معه ،أجراه الصحفي
المعروف محمد حسنين هيكل رئيس تحرير صحيفة الأهرام القاهرية كما سبق أن مر ذكره من
قبل .
لقد بدأت عصابات
الحرس القومي التحقيق مع المعتقلين ، عسكريين ومدنيين ، ، ومن ضمنهم معظم قادة الحزب الشيوعي وكوادره ، باستخدام أبشع
أساليب التعذيب الجسدي والنفسي ، لمحاولة انتزاع الاعترافات منهم عن تنظيمات الحزب
، وقضى تحت التعذيب عدد كبير منهم ، بعد أن قطعت أطراف البعض ، وقلعت عيونهم ،
وأحرقت ألسنتهم ، ونزعت أظافرهم ، وأعتدي على شرف النساء ، أمام أزواجهن وأقاربهن
، وبنيت أعمدة من الطابوق والسمنت حول أجساد عدد
منهم،وكان من بين الذين استشهدوا تحت التعذيب من قادة الحزب:
1 ـ
سلام عادل ـ حسين محمد الرضي ـ السكرتير الأول للحزب .
2 ـ
جمال الحيدري ـ عضو المكتب
السياسي للحزب .
3 ـ
حسن عوينه
ـ " " " "
4 ـ
محمد حسين أبو العيس - " " " "
5 ـ
نافع يونس ـ عضو اللجنة المركزية
للحزب .
6ـ جورج تللو ـ
" " " "
7ـ
طالب عبد الجبار ـ "
" " "
8 ـ
محمد صالح العبلي ـ
" " " "
9 ـ عزيز الشيخ
ـ " "
" "
10 ـ
شريف الشيخ ـ "
"
" "
11 ـ
حمزة سلمان ـ "
"
" "
12 ـ
عبد الرحيم شريف ـ " " " "
13 ـ
عبد الجبار وهبي ـ "
" " "
14 ـ
مهدي كريم ـ "
" " "
15 ـ
لطيف الحاج ـ
عضو قيادة فرع بغداد .
هذا
على مستوى القيادة ، أما كوادر وأعضاء ، ومناصري الحزب
فلا يمكن عدهم ، فقد بلغ إجرام الحرس القومي ، وعلى رأسه [ عمار علوش ] و[ ناظم
كزار ] و[خالد طبره ] واعضاء
اللجنة التحقيقية العسكرية في معسكر الرشيد ـ حيث يوجد السجن رقم واحد ـ وهم كل من :
[حازم الصباغ ] و[حازم الشكرجي ] و[طه حمو] ،أقصى درجاته ، فقد كان شغلهم الشاغل ، في الليل والنهار ،
هو تعذيب المعتقلين ، مدنيين وعسكريين لنزع الاعترافات منهم ، وقد قضى المعتقلون
أشهراً عديدة في المواقف ،ومراكز الحرس القومي ، وقصر النهاية ، السيئ الصيت ،ومقر
محكمة الشعب سابقاً ، والتي أتخذها عمار علوش وزمرته مقراً لهم ،وكانوا يمارسون
التعذيب فيها بحق المعتقلين ، وكل يوم يمر يموت فيه عدد من المعتقلين بسبب التعذيب
، حتى أزكمت جرائمهم الأنوف ، واضطر الحاكم العسكري العام ، رشيد مصلح التكريتي
إلى إصدار أمرٍ بعدم جواز بقاء الموقوفين لدى الحرس القومي ،ووجوب إرسالهم إلى
السجن بالنسبة للمدنيين ، وإلى سجن رقم واحد ،بالنسبة للعسكريين .
وبعد
أن أتمت لجانهم التحقيقية عملها ، أحيل المعتقلون إلى
المجالس العرفية التي شكلوها ، والتي بدأت بمحاكمتهم ،وإصدار الأحكام القاسية
بحقهم ،فأرسلت أعداداً كبيرة منهم إلى المشانق ، أو الإعدام رمياً بالرصاص ، وبالآلاف
منهم إلى السجن ، محملين بأحكام الطويلة تراوحت بين السجن لمدة ثلاث سنوات ،
والسجن المؤبد . ولم يكتفِ
الانقلابيون بذلك ،بل أعادوا محاكمة السجناء السابقين ،
الذين حكمتهم المجالس العرفية في عهد عبد الكريم قاسم ، خلافاً للقانون، وحكموا
عليهم بالإعدام ، ونفذوا الحكم فيهم في ساحات ، وشوارع الموصل وكركوك .
وحتى
الذين لم يثبت انتماؤهم للحزب الشيوعي أمام المجالس العرفية ،
فكان رئيس المجلس يطلب منهم سبّ الحزب الشيوعي وقادته ،وعند رفضهم ذلك ،يحكم عليهم
بموجب المادة 31 بالسجن لمدة تتراوح بين سنة ،وعشر سنوات ،متخذاً من رفضهم دليلاً
على الاتهام .
لقد
أدى سلوك حزب البعث هذا ، وحربه الشعواء
ضد الحزب الشيوعي ، إلى فقدان علاقاتهم بالاتحاد السوفيتي ،والمعسكر الاشتراكي ،
آنذاك ،وأخذت إذاعتهم تتهجم على تلك البلدان ، وغدت الإذاعة وكأنها إحدى إذاعات
أمريكا الموجهة إلى البلدان الاشتراكية ، وانجروا نحو الحرب الباردة ،إلى جانب
الإمبريالية .
رابعاً : وقوع انقلاب
بعثي في سوريا،ومشروع الوحدة الثلاثية :
لم
يكد يمضي سوى شهر واحد على وقوع انقلاب 8 شباط 963 في العراق ،
حتى قام البعثيون السوريون بانقلاب عسكري في سوريا، في 8 آذار 963 ، بقيادة [ لؤي الأتاسي ] ، بالتعاون مع عدد
من الضباط الآخرين .
أثار
الانقلاب السوري موجة عارمة من الفرح لدى انقلابيي 8 شباط،في
بغداد ، وتملكهم الغرور ، وشعروا أن العالم العربي قد اصبح
رهن أيديهم ، وجرى لقاء بين قادة الانقلابيين في العراق وسوريا وبدأوا يخططون لمشروع وحدة ثلاثية ، تضمهم إلى
جانب العربية المتحدة ، بشروطهم الخاصة .
وبالفعل
سافر وفد من بعثي العراق وسوريا، إلى القاهرة ، حيث جري
اللقاء مع الرئيس عبد الناصر وجرت مفاوضات
بين الأطراف الثلاثة لإقامة وحدة ثلاثية، خلال سنتين ، يجري خلاها التنسيق بين
الأطراف، في المجالات المختلفة ، وكان المشروع لا يعدو عن كونه أدنى من [الاتحاد الفدرالي ] الذي وقف البعثيون ضده
بقوة عند قيام ثورة 14 تموز 958 ، مطالبين بالوحدة الفورية .
وبعد
مفاوضات طويلة ، تم عقد [اتفاقية 17 نيسان 963 ]، لقيام
علاقات وحدوية مع العربية المتحدة ، لم تصل إلى حتى مستوى الاتحاد الفدرالي ، وعاد
الوفدان العراقي والسوري إلى بلديهما ،
وأدرك الرئيس عبد الناصر أن البعثيين لم يكونوا صادقين في شعاراتهم ونواياهم ،
وخاب أمله بهم وبحزبهم .
ومما
زاد في الطين بلة، اشتداد التناقض بين البعثيين والقوميين ، ومحاولة البعثيين تحجيم العناصر القومية والناصرية
والحركية ، الذين حُرموا من المشاركة في المنظمات المختلفة ، ومما زاد في تأزم
العلاقة بين الطرفين وقوع مصادمات بين أتباع تلك الحركات وقوات الحرس القومي في
الموصل وبغداد ، وغيرها من المدن الأخرى ، ووقوع عدد من القتلى بين الطرفين ، مما
حدا بمجلس قيادة الثورة ، الذي يسيطر عليه البعثيون ، أن يصدر بياناً في 25 أيار
وَصفَ فيه الحركيين ،بالرجعيين والأذناب ،والانتهازيين و بأنهم عناصر حاقدة تدبر
مؤامرة سوداء ضد الدولة (7).
ورد
الحركيين على البيان ، واصفين تلك التهم بأنها زائفة ،
ولا تعدوا عن كونها محاولة خسيسة لتصفية العناصر الوحدوية ، داخل الجيش وخارجه (8)
لقد
كان الشقاق الذي حصل بين حزب البعث ، وبين القوميين
والناصريين والحركيين ، لا يعني إلا الشقاق بين حزب البعث وعبد الناصر ، وبالفعل
لم يمضِ سوى شهر واحد على اتفاقية 17 نيسان ، حتى طواها النسيان .
أما
في سوريا فقد سارت الأمور هناك نحو الأسوأ ، فقد حدث
انشقاق في صفوف حزب البعث ، وظهر حزب جديد يقوده [ صلاح جديد ،وحافظ الأسد ومحمد
عمران ]، أعلن معارضته إقامة أية وحدة مع العربية المتحدة ، متأثرين بالظروف التي
آلت إليها سوريا خلال تجربة الوحدة عام 958 .
وكان
هؤلاء الضباط ذوي تأثير ، ونفوذ كبيرين في صفوف الجيش
،وثبتوا أقدامهم بعد انفصام الوحدة ،وعملوا على تطهير الجيش من العناصر القومية
المؤيدة للوحدة .
وهكذا
كان الفتور في التوجه الحقيقي نحو الوحدة ، بادياً
للعيان ، انتهى الاتفاق بعد أسبوع من ولادته .وبدأ عبد الناصر يوجه سهامه نحو عفلق ،وصلاح الدين البيطار ، متهماً إياهم بالخيانة لقضية
الوحدة .حاول عبد السلام عارف مصالحة عبد الناصر مع البعثيين ،إلا
أنه فشل في مسعاه ،وتوسعت الخلافات بين البعثيين وعبد السلام عارف ، والضباط القوميين
في صفوف الجيش ،وباتت تنذر بالخطر على سلطة حزب البعث .وهكذا تخلى البعثيون عن شعار الوحدة الفورية
مع الجمهورية العربية المتحدة ،ذلك الشعار الذي رفعوه منذُ اليوم الأول لثورة
14تموز ،وكان سبباً في شق وحدة جبهة الاتحاد الوطني ، وحركة الضباط الأحرار ،وفي
الصراع السياسي الذي تبع ذلك بين القوى ذات التوجه الديمقراطي ، والقوى ذات التوجه
القومي ، والذي أدى بدوره إلى انتكاسة ثورة 14تموز .
*
خامساً
: البعثيون يشنون الحرب على الأكراد:
اتسمت العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب
البعث العربي الاشتراكي بالفتور والتنافر منذ بداية تشكيل جبهة الاتحاد الوطني عام
1957 بسبب المواقف الشوفينية لهذا الحزب من القضية الكوردية ،
ورفضه انضمام الحزب الديمقراطي الكردستاني للجبهة رغم كل المحاولات التي بذلها
الحزب الشيوعي في إقناع حزب البعث بقبول
الحزب الديمقراطي الكوردستاني بعضوية الجبهة ، مما اضطر
الحزب الشيوعي إلى عقد تحالف ثنائي معه .
وعندما مزق حزب البعث جبهة الاتحاد الوطني وتآمر على
ثورة 14 تموز وقيادتها المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم وقف الحزب الديمقراطي
الكردستاني إلى جانب الحزب الشيوعي في الدفاع عن الثورة وقيادتها وساهم الحزبان
مساهمة فعالة في قمع انقلاب العقيد عبد الوهاب الشواف وحدثت القطيعة بين الحزبين
منذ ذلك الحين وحتى عام 1961 عندما ساءت العلاقات بين حكومة عبد الكريم قاسم
والقيادة الكردية بزعامة السيد مصطفى البارزاني ، وتعمق
الخلافات بين الطرفين حول الحقوق القومية للشعب الكردي ،مما أدى في نهاية الأمر
إلى تصادم قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بحكومة عبد
الكريم قاسم ، واندلاع القتال بين الطرفين رغم كل
المساعي التي بذلها الحزب الشيوعي لتجنب الحرب .
و دخلت كردستان في حرب طرافها يمثلان قوى وطنية ،و
أستمر لهيبها حتى نهاية حكم عبد الكريم
قاسم ، وفي تلك الفترة كان أعداء ثورة 14 تموز يعدون العدة لإنقلابهم الفاشي مستغلين
وقوع الحرب في كردستان وانشغال الحكومة وقوت الجيش في تلك الحرب .
وفي
تلك الأثناء حصلت القناعة لدى قيادة الحزب
الديمقراطي الكردستاني أن
تحالفاً مع تلك القوى البعثية والقومية ، لإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم ، يمكن أن
يحقق لهم آمالهم في نيل حقوقهم القومية المشروعة !.
وهكذا
بدأت القيادة الكردية بمغازلة الانقلابيين من
أجل إقامة التعاون بينهم ، وكان ذلك التفكير ينم عن عدم إدراك لطبيعة هذه القوى ، وتوجهاتها القومية الشوفينية وكراهيتها للشعب الكوردي .
ورغم
التحذيرات المتكررة التي وجهها الحزب الشيوعي للقيادة الكردية ، من مخاطر انجرارهم
إلى التآمر على ثورة تموز ، والتي سوف تصيب الشعب الكردي بأفدح الأضرار ، إلا أنهم لم يأخذوا بتلك النصيحة ،
واخذوا يتبادلون المذكرات واللقاءات مع الانقلابيين ، وشاءت الظروف أن تقع بين
يديّ ، المذكرات المتبادلة بين السيد إبراهيم
احمد ـ سكرتير حزب البارت ، وطاهر يحيى ، ممثل الانقلابيين ، بعد يوم من وقوع
انقلاب 8 شباط مباشرة . وهكذا
، ومع مزيد الأسف
، وضعت القيادة الكردية أيديها بأيدي الانقلابيين ، أعداء القومية
الكردية ، الذين لا يعترفون بالأكراد كقومية ، وهللوا وتظاهروا فرحين ، يوم
الانقلاب ، في الثامن من شباط ، وأسرع ممثليهم ، صالح اليوسفي ، وفؤاد عارف إلى
دار الإذاعة صباح يوم الانقلاب لتقديم التهاني
والتبريكات للانقلابيين ، وكانوا فرحين
مستبشرين بالعهد الجديد ، يحدوهم الأمل بأن يمنح هؤلاء الشوفينيين
القتلة الحقوق القومية للشعب الكردي !!!.
غير أن الانقلابيين
كانوا يضمرون كل الشر للأكراد ،وتظاهروا في لقاءاتهم ، ومذكراتهم بحرصهم على تلك الحقوق ،وكانوا يهدفون
من وراء ذلك تجميد الأكراد يوم الانقلاب ،وضمان عدم التصدي لهم كما فعل الشيوعيون
،ولاشك أنه كانت لهم كل الإمكانية للقيام بدور فاعل في كركوك،والسليمانية
،والموصل،وأربيل وسائر المناطق الكردية ،بالتصدي للانقلابيين ،وإفشال مؤامرتهم ضد
ثورة تموز المجيدة .
لكن
القادة الأكراد وقعوا في الفخ الذي نُصب لهم ،وتنكّروا لثورة 14 تموز ،شاءوا أم أبوا، وضيعوا ليس حقوق
الشعب الكردي فحسب ،بل الشعب العراقي كافة ،فلم يكد يمضي سوى أقل من ثلاثة أشهر
على الانقلاب حتى بادر الانقلابيون بدون سابق إنذار إلى شن حملة عسكرية واسعة
النطاق على كردستان ، مستخدمين أبشع السبل للتنكيل بالشعب الكردي ،وهدم قراهم
،وتقتيل الآلاف من أبنائهم .
لقد
شهدت بأم عيني ماذا فعل الانقلابيون في مدينة السليمانية ،ففي
فجر اليوم الأول من أيار 963 طافت سيارات عسكرية تحمل مكبرات الصوت و تدعوا الناس
إلى عدم مغادرة منازلهم ، وتعلن منع التجول ،وبنفس الوقت ، تحركت قطعانهم العسكرية
، تداهم المنازل ، منزلاً منزلاً ،وحسب الأرقام ،
وتفتشها تفتيشاً دقيقاً ، وتعتقل كل شخص تجاوز السادسة عشرة من عمره .
كنت
في ذلك الوقت متخفياً في السليمانية ،منذُ وقوع انقلاب 8
شباط ، وتمكنت ، بأعجوبة من الإفلات من قبضة الانقلابيين .
لقد
أعتقل الانقلابيون الآلاف من أبناء الشعب الكردي ،ولم
يسلم من الاعتقال الحكام ، والأطباء
والمحامون ، والمهندسون وسائر الموظفين ، وبدأ الانقلابيون يجرون عملية فرز
للمعتقلين ، فمن كان شيوعياً ،أو بارتياً أطلقوا عليه
الرصاص في الحال ، دون محاكمة ،حيث استشهد منهم المئات ،وكان من بينهم العديد من
زملائي ، وقام الانقلابيون بحفر خنادق كبيرة بالبلدوزرات
العسكرية ،وتم دفنهم بصورة جماعية ، بصورة سرية ،في مكان قريب من معسكرهم .
أما
الذين بقوا رهن الاعتقال في معسكرات الجيش ، فقد أبقاهم
الانقلابيون ثلاثة أيام متوالية دون طعام ، ومنعوهم من أخذ أي شيء معهم إلى
المعتقل ،ومكثوا في الاعتقال عدة اشهر ،ويوم خروجهم من المعتقلات كانت لحاهم ،
وأظافرهم قد أصبحت طويلة جداً ، فلم يسمح لهم الانقلابيون حتى بأخذ ماكنة الحلاقة .
لقد
قام الانقلابيون أثناء حملة التفتيش للمنازل بقتل العديد من الأكراد أمام عوائلهم ، ومنعوا ذويهم من الخروج لدفنهم ،مما اضطرهم إلى
دفنهم في فناء منازلهم ، كما جرى نهب العديد من المحلات التجارية وحرقها ، وكل هذا
ليس إلا غيض من فيض من الجرائم التي أرتكبها البعثيون الفاشست في كردستان ،وسائر
المدن العراقية .
أستمر
لهيب الحرب في كردستان حتى سقوط حكم البعث ، وتولي عبد
السلام عارف الحكم ، إثر انقلابه على البعثيين ،في 17 تشرين الثاني من نفس العام ،
حيث توصل البارتيون وعبد السلام عارف ، عبر وساطة
الرئيس عبد الناصر ، في 10 شباط 964 إلى إيقاف القتال .غير أن تباين التطلعات
القومية لدى القوميين العرب ، والأكراد ، جعل من
المستحيل استمرار تلك الهدنة الهشة ، واندلع القتال من جديد في 5 نيسان 965 ، وعلى
عهد عبد السلام نفسه أيضاً .
*
سادساً : انتفاضة
الشيوعيين في معسكر الرشيد ببغداد :
بعد
وقوع انقلاب 8 شباط ، وحملة التنكيل بالحزب الشيوعي ،
وفقدانه الكثير من قياداته وكوادره،وبعد
امتصاص تلك الضربة الموجعة التي وجهها الانقلابيون له ،بدأ الشيوعيون تجميع صفوفهم
وتنظيمها من جديد ،وكان هناك عدد من قياديي الحزب مازالوا طليقين ،قسم منهم لم يكن
مكشوفاً ،وقسم آخر كان في الاختفاء .
بدأ أولئك
القادة حملة نشيطة لإعادة بناء الحزب من جديد ،والنضال
ضد الانقلابيين ،وكانت هناك مجموعة كبيرة من العناصر الثورية الجريئة في صفوف
الحزب ،وكانت تلك العناصر مستعدة لكل التضحيات في سبيل القضية العادلة التي ناضلوا
من اجلها . كان من بين تلك
العناصر الوطنية الشجاعة الشهيد [إبراهيم محمد علي ] مسؤول الخط العمالي ،والذي كان المسؤول الحزبي ل [محمد حبيب ] الملقب أبو سلام والذي كان بدوره
يقود مجموعة الشهيد [ حسن سريع ]،والتي
كانت تضم أعداداً كبيرة من الجنود وضباط الصف الشيوعيين والذين أخذوا على عاتقهم
القيام بعمل ثوري جرئ ينطوي على مهاجمة معسكر الرشيد القريب من بغداد ، والسيطرة
عليه ، وإطلاق سراح الضباط الشيوعيين والديمقراطيين المعتقلين في سجن رقم واحد
داخل المعسكر ،وكان عددهم يقدر بأكثر من 1300 ضابط من مختلف الرتب والأصناف ،بينهم
مجموعة كبيرة من الطيارين ،وكان إطلاق سراحهم وسيطرتهم على المعسكر ،وقاعدته
الجوية يمكن أن يقلب موازين القوى ،
ويقتلع حكم البعث ، ذلك أن الجنود ،وضباط الصف ، كانوا لا يدينون بالولاء لتلك
السلطة الغاشمة ، التي أغرقت العراق بالدماء ، بل كانوا ،على العكس من ذلك يدينون
بالولاء لثورة الرابع عشر من تموز التي أغتالها الانقلابيون ، وقائدها الزعيم عبد
الكريم قاسم .
كان
تحرير الضباط من السجن ،وقيادتهم للجنود ، وضباط الصف
والعديد من الضباط ذوي الرتب الصغيرة الذين لم يكشفهم الانقلابيون ،والاستيلاء على
قاعدة الرشيد الجوية ، يشكل تهديداً خطيراً لسلطة الانقلابيين.
وبالفعل
،تهيأت تلك المجموعة للعمل ، وأجرت اتصالها بقيادة الحزب عن
طريق الشهيد [ إبراهيم محمد علي الديزئي ] المسؤول الحزبي الأعلى للمجموعة معلنة
استعدادها للتحرك .
في فجر 3 تموز 1963 ،وتحت جنح الظلام تحرك قائد
المجموعة ورفاقه من جنود وضباط صف المدرسة المهنية العسكرية ،ومجموعة من المدنيين
الذين كانوا قد لبسوا الملابس العسكرية ، وحمل بعضهم رتب الضباط ، والتحق بهم
مجموعة أخرى من الجنود وضباط الصف من وحدات أخرى منطلقين نحو كتيبة الهندسة ،
وعندما أصبحت المجموعة قريبة جداً من باب الحرس صرخ حسن سريع بأعلى صوته داعياً
الحرس إلى إلقاء أسلحتم ، وفوجئ الحرس بمشاهدة مجاميع من الجنود المسلحين تتقدم
نحوهم فأسرعوا إلى إلقاء السلاح وأعلنوا استسلامهم . واندفعت القوة التي يقودها حسن سريع لتسيطر بسرعة خاطفة على
كتيبة الهندسة ، ومن ثم السيطرة على أغلب أقسام معسكر
الرشيد حيث يضم أكبر قوة عسكرية في بغداد
،وحيث تضم القاعدة الجوية بطائراتها ، وأعداداً كبيرة من الدبابات
والمدرعات ،وتمكنت المجموعة من اعتقال
وزير الخارجية [طالب شبيب] ووزير شؤون رئاسة الجمهورية [حازم جواد ]والقائد العام
للجيش الشعبي [منذر الونداوي ]،حيث كانوا متواجدين داخل المعسكر آنذاك ،و اعتقال
عدد من الضباط الموالين لسلطة البعث ، وقاموا بتجهيز عدد من الطائرات بالعتاد
انتظاراً لتحرير الضباط الشيوعيين والقاسميين من سجن
رقم واحد ، وكان من بينهم العديد من الطيارين والذين قدر عددهم 1300 ضابط من مختلف
الصنوف العسكرية .
كانت
المجموعة الصدامية تلك تعوّل على تحرير الضباط السجناء ليتولوا
قيادة االقطعات
العسكرية في معسكر الرشيد والمعسكرات الأخرى في التاجي وأبو غريب والمحاويل ، وكان في تلك المعسكرات مجموعات كبيرة من الجنود
وضباط الصف المستعدين للقيام بمهماتهم في اللحظة الحاسمة ، وكان قد جرى تبليغهم
بساعة الصفر التي تبدأ حال وصول الضباط المطلق سراحهم من السجن لتلك الوحدات .
كما
أجرت الحركة اتصالات مع العديد من التنظيمات الشيوعية في بغداد والفرات الأوسط ، وبعض المحافظات الأخرى ، وكانت المجموعة يحدوها الأمل
الكبير في انضمام الجنود وضباط الصف الذين كانوا يدينون بالولاء للزعيم عبد الكريم
قاسم ، وكانت الحركة من التنظيم والتصميم والاندفاع والشجاعة ما يؤهلها لتحقيق
النصر لو تمكنت من تحرير الضباط في السجن داخل المعسكر .
لكن تخاذل قائد الدبابة الوحيدة المتقدمة نحو
باب السجن والتي كان يقودها الجندي [ خلف شلتاع ] ،ودفاع قوة حراسة السجن المستميتة هي التي أخرت كسر أبواب
السجن وإطلاق سراح الضباط ، وأعطت الفرصة للسلطة البعثية لجلب قوات كبيرة مجهزة بأسلحة ثقيلة من خارج
المعسكر ،حيث اشتبكت تلك القوات مع المجموعة الثورية المهاجمة ، ودارت معركة شرسة
بين الطرفين قبل وصول المجموعة إلى
السجن لتحرير الضباط .
و بسبب عدم وجود أي تكافئ بين الطرفين من جهة ،واعتماد المجموعة على الأسلحة الخفيفة من جهة أخرى استطاع
انقلابيوا شباط إجهاض الانتفاضة ،بعد ااستشهاد عدد كبير
منهم ،وتم اعتقال ما تبقى من المجموعة ،حيث نقلوا إلى مقر اهيئة
الحقيق لزمرة عمار علوش ،وناظم كزار ،وخالد طبرة وغيرهم
من القتلة حيث تعرضوا لصنوف من التعذيب الوحشي
الذي أدى إلى استشهاد العديد منهم ،وكان من بين المعتقلين مسؤولهم الحزبي محمد
حبيب[ أبو سلام ] الذي رأيته بنفسي عندما القي القبض على الشهيد إبراهيم محمد علي
[ عديلي ] وكان في طريقه للقاء عضو المكتب السياسي للحزب [ كريم أحمد ] حيث تعرض
للضرب الوحشي وكانت الدماء تسيل من قمة رأسه حتى أخمص قدميه وجاؤا
به إلى البيت الذي كنت مختفياً فيه معه
،مع عائلتينا وتم نقلنا إلى مقر الهيئة التحقيقية [ مقر محكمة الشعب سابقاً ] بعد
أن جرى تفتيش الدار وإخراج عائلتي منه واخذ مفاتيح الدار وإبقاء عدد من إفراد
الحرس القومي فيه ضناً بأن الدار وكراً حزبياً وكانوا يمنون أنفسهم بإلقاء القبض
على عناصر شيوعية أخرى ربما تتردد على الدار .
كان
محمد حبيب ملقى
على الأرض في غرفة التعذيب فاقداً الوعي لفرط ما عذبه المجرمون ،زمرة عمار علّوش
وناظم كزار، وحيث اعترف على الشهيد إبراهيم في نهاية الأمر .
لم يسبق لي التعرف على محمد حبيب من قبل ، وفي لحظة وصولنا
سألني االجلاد ناظم كزار ،إن كنت أعرفه وقد
أجبته بالنفي ، ثم عاد وسألني قائلاً : ألا تعرف أبو سلام ؟ هذا أبو سلام ، ولما أجبته ، من هو أبو سلام ؟ أنهال علي ، هو وزبانيته ضرباً مبرحاً وهو يصرخ : ألا تعرف من هو أبو
سلام ؟ وعند ذلك عرفت من هو أبو سلام.
كان
محمد حبيب قد اعترف على الشهيد إبراهيم بكونه مسؤوله الحزبي ، ولذلك فقد اعتبر ناظم كزار وزمرته المجرمة أن صيداً
ثميناً قد وقع بأيديهم ، وأن بإمكانهم الوصول إلى من تبقى من أعضاء اللجنة
المركزية عن طريق الشهيد اإبراهيم ، لكن أملهم خاب واستشهد إبراهيم تحت التعذيب الشديد
خلال يومين دون أن ينالوا منه كلمة واحدة ، وكان له الفضل الحاسم في إنقاذ حياتي
من االجلادين ،حيث أصر على عدم وجود أي علاقة حزبية أو
نشاط حزبي لي ، وأن وجودي مع عائلتي في الدار كان زيارة تهنئة لزواجه من شقيقة
زوجتي ، وساعدني في ذلك أنني لم اعمل في بغداد ولست معروفاً فيها .
أما
زوجة الشهيد إبراهيم استطاع
الحرس القومي إلقاء القبض عليها عند عودتها من الطبيب حيث فوجئت بوضع مريب في المنطقة ، وحاولت العودة والهرب ، لكن الحرس القومي لحقوا بها
واستطاعت الركوب بالباص
لكنهم لحقا به واستطاعوا إيقافه وتم إنزالها من الباص وأخذها إلى المعتقل حيث
تعرضت للتعذيب الشديد وفقدت على أثرها الجنين الذي كانت تحمله من زوجها الشهيد ابراهيم ، وقد حُكم عليها فيما بعد من قبل المجلس العرفي
العسكري بالسجن لمدة 7 سنوات وبمراقبة الشرطة لمدة سنتين .
أما
من تم إلقاء القبض عليهم من المشاركون في انتفاضة الرشيد فقد تعرضوا للتعذيب الشديد ، ومات قسم منهم وأحيل القسم الآخر على المجلس العرفي
العسكري الذي حكم عليهم بالإعدام وتم تنفيذ الحكم بهم وكان على رأس االمعدومين القائد
حسن سريع .
على
أثر فشل انتفاضة معسكر الرشيد بادرت السلطة الفاشية بنقل كافة الضباط المعتقلين
إلى سجن [نقرة السلمان ]الواقع في البادية الجنوبية ،حيث
تم حشرهم في عربات الحمل الحديدية التي ليس فيها أي تهوية ، وفي ذلك الشهر الشديد
الحرارة من اشهر الصيف ، وكان الفاشيون يرمون بذلك إلى القضاء عليهم بسبب شدة
الحرارة ، وفقدانهم للسوائل ، ولولا شهامة سائق القطار الذي أسرع بسيره حتى مدينة
السماوة لهلك الجميع . كما كان للموقف الوطني البطولي لأبناء السماوة
،رغم أنف جلاوزة السلطة ،الذين استقبلوا المعتقلين ،وقدموا لهم المياه
والملح للتعويض عن السوائل المفقودة لكان الكثير منهم قد هلك ، فقد كان المعتقلون
في وضع خطير جداً ،وقد تم بعد ذلك نقل المعتقلين بواسطة السيارات إلى سجن نقرة
السلمان ،في وسط الصحراء بعيداً عن أهلهم وذويهم .