الفصل الثاني
فجر الثورة
أولاً : الأعداد
للثورة .
ثانياً :
ساعة الصفر.
ثالثاً :البيان
الأول للثورة .
رابعاً :مهاجمة قصر
الرحاب ، ومقتل العائلة المالكة .
خامساً :الثورة تواصل
تثبيت أقدامها .
سادساً : الثورة ورد
الفعل العربي والدولي .
سابعاً : البيانات
والمراسيم الصادرة في اليوم الأول للثورة .
ثامناً : صدور
الدستور المؤقت .
تاسعاً : مراسيم أخرى
تصدرها قيادة الثورة .
أولاً:
الإعداد للثورة
إثر
قيام الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 ،قررت حكومة نوري السعيد
،بإيعاز من سادة حلف بغداد ،إرسال قوات عراقية إضافية إلى الأردن ،حيثُ سبق وأن
أرسلت رتل الهادي من قبل بغية التهيئة
والأعداد للعدوان على سوريا ، وفك الوحدة ،ومن ثم التقدم نحو لبنان لتقديم الدعم
والإسناد لرئيس الجمهورية اللبنانية [كميل
شمعون ]،ولقمع الثورة التي أشتعل لهيبها آنذاك .(1) وقع الخيار على اللواء التاسع عشر الذي يقوده
الزعيم الركن [ عبد الكريم قاسم ]،واللواء العشرين الذي
يقوده الزعيم الركن [حقي محمد علي] وهو لا يرتبط
بأي علاقة بالضباط الأحرار . كان اللواء
العشرين يضم ثلاثة أفواج ،يقود الفوج الأول فيه العقيد
[عبد اللطيف الدراجي ]،فيما يقود الفوج الثالث
العقيد الركن [ عبد السلام عارف ]، أما الفوج الثاني فكان بقيادة العقيد
الركن [يسين محمد رؤوف ]،وهو من غير المنتمين لحركة
الضباط الأحرار .
صدرت
الأوامر بتحرك القوات المذكورة في 3 تموز 958 من جلولاء نحو الأردن
، لكن التحرك أرجئ لمدة عشرة أيام بسبب بعض النواقص التي كانت تعيق حركتها،
وتقرر أن تتحرك ليلة13/ 14 تموز 958 .
وهكذا جاءت الفرصة المناسبة للثورة ،ولاسيما وأن عبد الإله ونوري السعيد ،اللذان كانا قد
غادرا العراق ، عادا إلى بغداد في 12تموز ،وكان من المقرر سفرهما مع الملك فيصل
الثاني صباح ذلك اليوم المقرر الثورة إلى
تركيا ،لحضور اجتماع قمة حلف بغداد .
وعليه عقدت القيادة العليا لحركة الضباط الأحرار
اجتماعاً لدراسة التحرك ،وتم ّالاتفاق على أن يقوم
اللواء العشرين بتنفيذ الثورة أثناء مروره في بغداد ،في طريقه إلى الأردن ، فيما
يقوم اللواء التاسع عشر بحماية مؤخرة اللواء العشرين ،من جهة ،والتوجه نحو بعقوبة
للسيطرة على مقر قيادة الفرقة الثالثة ، واعتقال قائدها اللواء الركن [غازي
الدغستاني ] أحد كبّار الضباط المعتمدين للنظام الملكي . هكذا إذاً حلت الفرصة
التاريخية التي طال انتظارها ،وجرى على عجل التخطيط
والتهيئة لمستلزمات السيطرة على بغداد ،وبقية المدن الأخرى ،وتعبئة القوى الثورية
المنضوية تحت لواء اللجنة العليا للضباط الأحرار ،وجرى الاتصال برتل الهادي في
الأردن ،في يوم 13تموز ،قبل يوم واحد من قيام
الثورة ،حيث قام الملازم الأول [محمد
حسن شلال ]
بإبلاغ
الرتل المذكور .
كان عدد الضباط الأحرار في الرتل 22ضابطاً، بقيادة المقدم الركن [عبد الكريم
فرحان] حيث بادر الضباط المذكورون إلى عقد اجتماع لوضع خطة السيطرة على الرتل ،والخروج من الأردن والعودة إلى بغداد دون علم آمر الرتل
،الزعيم الركن [هادي علي رضا ]،لكي لا يُستخدم الرتل المذكور لإجهاض الثورة من جهة
، وليكون قوة دعمٍ وإسناد للثورة من جهة أخرى ،وهكذا جرى توزيع المهام وتهيأ
الجميع للاستماع إلى دار الإذاعة ،.كما جرى الاتصال بقيادة اللجنة العليا لجبهة الاتحاد
الوطني ،وتمّ إبلاغهم بموعد الثورة من أجل التهيؤ
لإسنادها من قبل جماهير الشعب حال انطلاقها وبالفعل أصدر الحزب الشيوعي العراقي
بياناً داخليا وزع بصورة محدودة على الكوادر العليا للحزب ،في 12تموز 58، يشير إلى
قرب وقوع أحداث هامة ،ويعطي التوجيهات التالية :
توجيه عام :
نظراً للظروف السياسية المتأزمة ، الداخلية والعربية ،ووجود احتمالات تطورها بين آونة
وأخرى، وبغية ضمان وحدة النشاط السياسي لمنظماتنا الحزبية في الظروف الطارئة
،والمعقدة نرى من الضروري في الوقت الحاضر أن تكون شعاراتنا الأساسية: الخروج من ميثاق بغداد ،وإلغاء الاتفاقية مع
بريطانيا والوقوف ضد مبدأ أيزنهاور إطلاق الحريات الديمقراطية لجماهير الشعب [حرية
التنظيم الحزبي والنقابي ،وحرية النشر والاجتماع ...الخ ]،وإعلان
العفو العام عن المحكومين السياسيين ،وإطلاق سراحهم، وإلغاء المراسيم والقوانين
اللادستورية ،التي تستهدف الحركة الوطنية واتخاذ التدابير الفعالة لحماية ثروتنا
الوطنية واقتصادنا ،والعمل على حل المشاكل المعيشية لجماهير الشعب ، وقيام حكومة
تنتهج سياسة وطنية عربية مستقلة ،تدعم نضال الشعب اللبناني وسائر الشعوب
العربية،وتخدم السلم ،وتحول {الاتحاد العربي } إلى اتحاد حقيقي بين الأردن والعراق
ليضمن مصالح شعبنا ،ويخدم النضال ضد الاستعمار والصهيونية ،ومن أجل الوحدة العربية
، وإقامة اتحاد فيدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة . ونرى التأكيد على ما يلي :
1 ـ ضرورة تجنب إبراز شعارات مبهمة
،أو متطرفة ،أو تلك التي تمجد هذا الزعيم أو ذاك من قادة الحركة الوطنية
،على حساب طمس شعاراتنا الأساسية والتقليل من شأن نضال الجماهير الشعبية،والجبهة
الوطنية .
2 ـ ضرورة إبداء
اليقظة السياسية العالية تجاه مختلف المناورات والمؤامرات ،وتجاه نشاط عملاء
الاستعمار ،والعمل بحزم وبأمانة تامة لسياسة الحزب ،واعتبار أن واجبنا الأساسي في
كل الظروف ،هو تعبئة أوسع الجماهير الشعبية ولفها حول الشعارات الصائبة ،في اللحظة
المعينة ،وحول الشعارات الكبرى لحركتنا الوطنية الديمقراطية .
الحزب الشيوعي
العراقي 12 تموز 1958
كان
إذاعة البيان الأول عبر دار الإذاعة بمثابة ساعة الصفر لتحرك قوى الثورة ،وقيام الضباط الأحرار في رتل الهادي بالسيطرة على
الرتل ،وإعلان ارتباط الرتل بقيادة الثورة ،وتلقي الأوامر منها ،وفعلا تمّ إعداد
كل شيء .كما جرى تحديد الأهداف التي ينبغي التوجه إليها والسيطرة عليها على جانبي
الكرخ والرصافة وهي:
1ـ دار الإذاعة ،التي تتسم بأهمية خاصة
،حيث ينبغي إذاعة البيان الأول للثورة ،الذي يمثل ساعة الصفر لبقية القوى المشاركة
في الثورة ،ولدفع جماهير الشعب للنزول إلى الشوارع لدعم الثورة وإسنادها .
2ـ
السيطرة على قصر الرحاب ،قرب جسر الخر، حيث كان الملك
فيصل ،وولي العهد عبد الاله متواجدين فيه في تلك الليلة
،استعداداً للسفر إلى تركيا صباح ذلك اليوم ،14 تموز، للمشاركة في اجتماع القمة
لدول حلف بغداد .
3ـ
السيطرة على مديرية شرطة القوة السيارة ،الجهاز القمعي
الذي جرى إعداده لقمع أي تحرك شعبي ضد الحكومة ،والذي كان يتميّز بالتدريب العالي
،وقوة السلاح ،وسرعة الحركة ،فكان لابد من السيطرة عليه ،وشل حركته .
4ـ
السيطرة على معسكرات
الوشاش ،وأبو غريب ،والرشيد ،والقاعدة الجوية فيه ،لضمان شل حركة
العناصر الموالية للسلطة .
5 ـ
السيطرة على شبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية :لضمان
شل تحرك السلطة وقواتها المسلحة،وقطع اتصالاتها مع بقية القطعات العسكرية
المتواجدة في أنحاء البلاد.
6ـ
السيطرة على مطار بغداد الدولي ،لضمان عدم هروب كبار
رجال السلطة إلى الخارج.
7ـ
السيطرة على قصر نوري السعيد ،واعتقاله ،حيث يعتبر أخطر
شخصية يمكن تهدد نجاح الثورة .
8ـ
السيطرة على وزارتي الدفاع والداخلية ،ومديرية الشرطة
العامة ،ومديرية التحقيقات الجنائية [مديرية الأمن العامة ]،والبنك المركزي ،ومن
ثم بقية الوزارات الأخرى .
9ـ
السيطرة على كافة النقاط الحساسة في بغداد كالطرق والجسور ومراكز الشرطة وغيرها من
الأماكن الهامة .
10ـ وقد
جرى تعيين ضابط دلالة للقطعات
نحو أهدافها المقررة من ضباط وحدات بغداد .
ثانياً : ساعة الصفر :
كان
موعد الحركة للقوات العسكرية قد حُدد الساعة الثالثة فجراً ،
وفي الوقت المحدد، قبيل تحرك القوات استطاع عبد السلام عارف ،وعبد اللطيف الدراجي
التحفظ على آمر اللواء ء العشرين الزعيم الركن احمد حقي وإرساله إلى الفلوجة أمام الرتل المتقدم دون أن يفقه سبب ذلك ،واعتقال
آمر الفوج الثاني ،العقيد الركن ياسين عبد الرؤوف ،بعد أن فاتحه عبد السلام عارف
للانضمام إلى قوى الثورة ورفضه التعاون ،وبذلك تمّ لعبد السلام عارف التحرك نحو
بغداد بعد أن وزع العتاد الذي كان قد خزنه بصورة سرية استعداداً لهذا اليوم.
وفي
الوقت نفسه تحرك عبد
الكريم قاسم آمر اللواء التاسع عشر نحو مقر الفرقة الثالثة في بعقوبة للسيطرة عليها ،واعتقال قائدها اللواء الركن [غازي الداغستاني ]الذي
كان يعتمد عليه النظام الملكي . وقد
قام بتنفيذ هذا الواجب الرئيس قاسم الجنابي آمر
سرية هندسة اللواء . كما جرى إبلاغ رفاقهم في حركة الضباط الأحرار في الديوانية
،حيث مقر قيادة الفرقة الأولى بضرورة إعتقال قائد الفرقة ،الزعيم الركن [عمر علي ] وآمر لواء المشاة الأول في المسيب الزعيم الركن [وفيق عارف] شقيق رئيس أركان الجيش ،ومساعديه من الضباط كل من الرئيس الأول [ مهدي الدريعي] والرئيس [ ناجي القيسي] ضابط استخبارات اللواء .
كان
الهدف الأول لعبد السلام عارف السيطرة على دار الإذاعة ،لإذاعة
البيان الأول للثورة، حيث توجه إليها وبصحبته قوة تتألف من دبابتين ،فيما سبقه
إليها النقيب [خزعل السعدي] وبإمرته ثمان
دبابات أخرى ،وتمّ لقوى الثورة السيطرة على دار الإذاعة بكل يسرٍ وسهولة ،وأسرع
عبد السلام عارف بإذاعة البيان الأول في
تمام الساعة السادسة والنصف من صباح يوم 14 تموز 1958 .
ثالثاً : البيان الأول للثورة :
بيان
من القائد العام للقوات المسلحة :
بسم
الله الرحمن الرحيم :
أيها
الشعب العراقي الكريم :
بعد
الاتكال على الله ،ومؤازرة المخلصين من أبناء الشعب
والقوات المسلحة ،أقدمنا على تحرير الوطن العزيز من سيطرة الطغمة الفاسدة ،التي
نصّبها الاستعمار لحكم الشعب ،والتلاعب بقدراته لمصلحتهم ،وفي سبيل المنافع
الشخصية .
أيها
الأخوان :إن الجيش هو منكم واليكم ،وقد قام بما تريدون
،وأزال الطبقة الباغية ،التي استهترت بحقوق الشعب، فما عليكم إلا أن تؤازروه ،
وأعلموا أن الظفر لا يتم إلا بترصينه والمحافظة عليه من مؤامرة الاستعمار ،وأذنابه
،وعليه فأننا نوجه إليكم نداءنا للقيام بإخبار السلطات عن كل مفسد ومسيء، وخائن
لاستئصاله ، ونطلب منكم أن تكونوا يداً واحدة للقضاء على هؤلاء والتخلص من شرهم .
أيها
المواطنون : إننا في الوقت الذي نكبر فيكم الروح الوطنية
الوثابة ،والأعمال المجيدة ،ندعوكم إلى الخلود للهدوء والسكينة ،والتمسك بالنظام
،والاتحاد ،والتعاون ،والعمل المثمر في سبيل مصلحة الوطن.
أيها
الشعب: لقد أقسمنا أن نبذل كلّ عزيز علينا في سبيلكم ،فكونوا
على ثقة واطمئنان بأننا سنواصل العمل من أجلكم ،وأن الحكم يجب أن يعهد إلى حكومة
تنبثق من الشعب ،وتعمل بوحي منه ،وهذا لا يتم إلا بتأليف جمهورية شعبية تتمسك
بالوحدة العراقية الكاملة ،وترتبط برباط الاخوة مع الدول العربية والإسلامية
،وتعمل بمبادئ الأمم المتحدة ،وتلتزم بالعهود والمواثيق ،وفق مصلحة الوطن
،وبقرارات مؤتمر [باندونك ]،وعليه فأن الحكومة الوطنية ،تسمى منذُ ألان {
الجمهورية العراقية}،وتلبية لرغبة الشعب قد عهدنا رئاستها بصورة وقتية إلى مجلس
سيادة ،يتمتع بسلطة رئيس الجمهورية ،ريثما يتم استفتاء الشعب لانتخاب الرئيس فالله
نسأل أن يوفقنا قي أعمالنا لخدمة وطننا
العزيز ،إنه سميعٌ مجيب .
بغداد
،في اليوم السادس والعشرين من شهر ذي الحجة 1377هجرية ،والموافق لليوم الرابع عشر من تموز
1958 .(1)
الزعيم الركن عبد الكريم قاسم القائد العام للقوات المسلحة
رابعاً:
مهاجمة قصر الرحاب ومقتل العائلة المالكة :
كان
إذاعة البيان الأول للثورة بصوت عبد السلام عارف ،إيذانا
بحلول ساعة الصفر ،وتحرك القوات العسكرية الثورية بقيادة الضباط الأحرار ،للسيطرة
على جميع المرافق العامة، وكافة الأهداف المحددة، حيث واصلت تقدمها ،وسيطرتها على
وزارة الدفاع ،ومديرية الشرطة السيارة ،ومعسكر الوشاش ،ومطار بغداد الدولي
والاتصالات السلكية واللاسلكية ، فيما تقدمت قوة أخرى إلى قصر الرحاب ،حيث يتواجد
الملك فيصل الثاني ،وولى العهد عبد الإله، وكان على رأس تلك القوة إحدى
سرايا المشاة بقيادة آمر السرية الرئيس [ منذر سليم] مكلفة
باحتلال قصر النهاية ومعه أمراء الفصائل
كل من الملازم [عبد الجواد حمبد] والملازم [عبد
الكريم رفعت] وكانت ملاكات السرية
غير كاملة ولدى كل جندي عشون طلقة
بندقية ولما اقتربت السرية من الباب الخارجي
للقصر أحس بهم حرس القصر وبعد تبادل
الكلام والصياح بين الطرفين أطلق الجنود بعض الاطلاقات بأمر آمر
السرية ،وعلى أثر انسحاب الحرس إلى داخل القصر
تقدمت
السرية ودخلت إلى حديقة القصر وأخذ الجنود
وضع الانبطاح مستفيدين من شجيرات وسواقي الحديقة
ومن ثم بدأ إطلاق النار وحيث أن العتاد كان
على وشك النفاذ لدى الجنود فقد أصبح موقف
السرية محرج ،وفي تلك اللحظة حضرت مدرعة عسكرية
بقيادة الملازم الأول [عبد الرزاق غصيبة] ومعه
الملازم [جبار خضر الحيدر] وهما من
الحزب الشيوعي قدما للاستفسار عن الموقف بعد أن احتلا
معسكر الوشاش ،وبعد أن أخبرهما
آمر
السرية بالموقف وحاجته إلى عتاد
فقد ذهبا إلى مدرسة الأسلحة في معسكر الوشاش مقابل القصر
وكان فيها آنذاك كل من الملازم الأول
[عبد
الستار العبوسي] والملازم الأول
[عبد الله الحديثي] وهما من
الضباط المعلمين في المدرسة لتدريب التلاميذ على
رمي الصواريخ من القاذفة حجم 105 مم
المحملة على سيارة جيب فقام عبد الستار
بفتح مشجب المدرسة وأخذ العتاد وركب معهما
الملازم [مصطفى
عبد الله] الذي كان من ضباط الدورة
التدريبية وذهبوا جميعا إلى قصر الرحاب
وقاموا بتسليم العتاد ،واستمر تبادل إطلاق النار والتحاور بين
الطرفين للتسليم للثوار دون قيد أو شرط
فمن جانب الثوار كان المفاوض آمر
السرية ومن الجانب المقابل كان المفاوض
مرافق الملك الملازم الأول [ يونس ثابت]
والذي هو بنفس الوقت ضابط الخفر لتلك
الليلة ، كما كان في القصر رئيس خفر
هو الرئيس [محمود صالح]الذي اتصل بمقدم الخفر لتلك
الليلة المقدم [ طه البامرني] الذي كان في مقر لواء الحرس
في ثكنة قصر الزهور
إلا أنه لم يستجب لطلب تحريك القطعات لصد
الثوار ، وفي هذه اللحظة تقدم الملازم الأول [ عبد
الستار العبوسي] بعجلته
وبمدفعها ضد الدبابات وأطلق طلقة
واحدة أصابت عمود شرفة الباب ( الدنكة
) ومن ثم أطلق الطلقة الثانية فأصابت جدار القصر الايسر ، وعندها
ظهرت راية بيضاء علامة الاستسلام ، وعندها خرج
الملك فيصل الثاني وولي العهد عبد الإله والملكة نفيسة، أم عبد الإله، والأميرة
عابدية، شقيقة عبد الإله، والأميرة هيام زوجة عبد الإله وابنة أمير ربيعة بلاسم
الياسين، اكبر إقطاعيي العراق، وبمعييتهم الخادمة رازقية، والطباخ التركي، حاملين
الرايات البيضاء ومعلنين الاستسلام
وكان يتقدمهم الملازم الأول [يونس
ثابت] وهو
رافع المنديل الابيض ،وعند اقترابهم من الثوار، وعلى بعد
عشرون متراً أو أقل ، نهض الجنود وهم بوضع التهيئ
للرمي لغرض استلام الخارجين ، وفي لحظة مفاجئة
سحب الملازم الأول يونس ثابت مسدسه وأطلق عدة عيارات منه أصاب بها الملازم [ مصطفى عبد الله] وعدد آخر من
الجنود كما فتح
بعض الجنود النار من شرفة
القصر في الطابق الثاني ، وعلى الأثر بادر النقيب
[عبد الستار السبع] ورفقه الثوار
إلى إطلاق النار على جميع أفراد العائلة المالكة وأرداهم قتلى في الحال ،ما عدا
الأميرة هيام زوجة عبد الإله ، التي أُصيبت بجروح ، لكنها استطاعت أن تزحف إلى داخل
القصر ، ثم نُقلت فيما بعد إلى المستشفى ،وهكذا كانت نهاية العائلة المالكة في
العراق .
وهنا يتبادر إلى الذهن ،الأسئلة التالية
حول حقيقة الموقف :
1ـ هل كان مقرراً قتل الملك ،وعبد الإله
،وبقية الآسرة المالكة ؟
2ـ هل تلقى المهاجمون أمراً من قيادة الثورة بقتل العائلة المالكة أم
تصرفوا بذاتهم؟
3ـ لماذا لم يدافع لواء الحرس الملكي عن القصر ؟
فيما يخص السؤالان الأول والثاني ،أدعى عبد
الكريم قاسم وعبد السلام عارف في لقاءات متعددة معهما ، بأنهما لم يأمرا بقتل
الملك ،وولي عهده عبد الإله ،والعائلة المالكة وكان هدف الثورة ،إلقاء القبض على
الملك وعبد الإله ،وتقديم الثاني للمحاكمة ،حتى أن عبد الكريم قاسم كان يحتفظ
بتقرير قدمه له النقيب عبد الستار السبع ،يؤكد فيه أنه هو المسؤول عن قتل العائلة
المالكة ،وأنه لم يتلقَ أمراً من أحد . وهنا يتبادر للذهن السوأل التالي
:
إذا كان من المقرر اعتقال الملك وعبد الإله ،وعدم
قتلهما فلماذا لم يلتزم المهاجمون بالأمر ؟ ولماذا لم يحاسبوا
على عملهم هذا ؟ فقد طويت القضية ،ولم يتعرض لها أحد فيما بعد .
وأغلب الظن أن التخلص من
العائلة المالكة كان قد تقرر سلفاً ،بغية منع أي محاولة
لإجهاض الثورة سواء كان ذلك من قبل القطعات العسكرية الموالية للملك ،أو من عدوان
خارجي يدبره حلف بغداد ، مما قد يؤدي إلى مواجهة دموية لا أحد يعرف مداها،فكان
قرار قتل العائلة المالكة، دفعاً لما قد يحدث ما هو أعظم بكثير ،سواء كان ذلك من
وقوع حرب أهلية ، أو رداً لعدوان خارجي .
أما ما يخص السوأل الثالث ، فأغلب الظن أن
العقيد الركن طه البامرني ـ كردي
الأصل ـ إما أنه كان مع الثورة ،أو أنه تعاطف معها في اللحظة الحاسمة ،والا لكان قد قام بعمل
الكثير دفاعاً عن القصر ، والعائلة المالكة ، حيث كان لواء الحرس الملكي مجهزاً
تجهيزاً جيداً ومدرباً تدريباً عالياً ، ويملك كميات كبيرة من العتاد ، في حين أن
قوى الثورة كانت لا تملك سوى كمية قليلة جداً من العتاد .
لكن طه البامرني آثر الوقوف مع الشعب وثورته ،
ولم يحاول المقاومة ، بل سارع إلى الاستسلام لقوى الثورة .
أخذت جثث أفراد العائلة
المالكة في سيارة ـ بك آب ـ عسكرية إلى الطب العدلي ، في باب المعظم
، وفي الطريق،أوقفت الجموع الهائجة السيارة ، وأنزلت جثة عبد الإله من السيارة
ومثلوا فيها ،وعلقوها على أحد الأعمدة الكهربائية،وكان هذا العمل يمثل أساء للثورة
، وما كان ينبغي السماح لتلك العناصر القيام بهذا العمل ، الذي لم يجلب أي فائدة
للثورة بل أساء إليها ،رغم كل ما أقترفه عبد الإله من جرائم بحق الشعب والوطن .
أما نوري السعيد ،
أخطر رحالات العهد الملكي ، والحاكم الفعلي للعراق ،والمعتمد الأول للسفارة
البريطانية في بغداد ،والذي كان يشغل منصب رئيس وزراء الاتحاد الهاشمي فقد أسرع
للهرب من قصره حال سماعه إطلاق النار ، وقبل أن تصل إليه قوات الثورة ، حيث أستخدم
زورقاً صغيراً، عبر به متنكراً نهر دجلة
إلى جانب الرصافة في كرادة مريم ، حيث قصد دار الدكتور [صالح مهدي البصام ] ،
وانتقل بعد ذلك بسيارته إلى دار صديقه المدعو [الحاج محمود الاستربادي ]،ومنه
أنتقل مرة أخرى إلى دار شقيق الوزير ضياء جعفر ، المدعو [هاشم جعفر]،وكان يرتدي ملابس نسائية وعباءة
،خوفاً من الجماهير المتحمسة لإلقاء القبض عليه .
لكن
نوري السعيد شكّ بابن هاشم جعفر ،الذي خرج من
الدار،خوفاً من إبلاغ السلطة الجديدة عن مكان وجوده ،فغادر الدار متوجها إلى قصر
الإقطاعي الكبير [محمد العربي ] ،في
منطقة البتاويين وبرفقته زوجة الاستربادي وخادمه .
وفي الطريق اكتشفته جماهير الشعب
، فراح يطلق النار في الهواء من مسدسه ، لعله يستطيع التخلص منهم ، لكنه
فشل في ذلك ، وأضطر إلى أن يطلق آخر رصاصة على رأسه ، مفضلاً الانتحار على الوقوع
بأيدي الشعب ، وقد مثلت الجماهير بجثته ولم تبقِ لها أثراً ، وكان ذلك العمل خاطئاً لا يمكن تبريره ، حيث كان من
المفروض أن يمثل نوري السعيد أمام محكمة الشعب ليجب عن التهم التي التصقت به طيلة
مدة حكمه .
خامساً : الثورة تواصل
تثبيت أقدامها
اندفعت
قوات الثورة ، بعد إذاعة البيان الأول لأحكام السيطرة
على بقية القطعات العسكرية والمرافق العامة في شتى أنحاء القطر ، فقامت قوة عسكرية
بالسيطرة على قاعدة الحبانية ، البريطانية
وأجهزة الرادار فيها ، دون أية مقاومة ، وتمّ نزع سلاح القوات البريطانية
المتواجدة في القاعدة وتولى مسؤولياتها الزعيم الركن [محي الدين عبد الحميد]أحد أعضاء
اللجنة العليا لحركة للضباط الأحرار.
كان لهذه
العملية أهمية كبرى ، لحماية الثورة ، ومنع القوات
البريطانية من تقديم أي دعم للنظام الملكي ، كما سيطر الزعيم الركن [ناظم
الطبقجلي] آمر اللواء الخامس ، وآمر موقع الموصل على المدينة ، وهي ثاني مدن
العراق ، دون إراقة قطرة دماء .
وقامت
مجموعة أخرى في كركوك بالسيطرة على مقر الفرقة الثانية بسلام ،
وتمّ تعين الزعيم الركن ناظم الطبقجلي قائداً للفرقة المذكورة .
وهكذا
بدا أن الثورة أخذت تثبت أقدامها ، ساعة بعد ساعة ،
وبدأت المراسيم الجمهورية تتوإلى من دار الإذاعة لأجراء
التغيرات الضرورية في أجهزة السلطة حاول
اللواء الركن [ عمر علي ] قائد الفرقة الأولى في الديوانية التصدي للثورة ، والزحف
إلى بغداد ، فأصدر أوامره إلى اللواء الأول في المسيب ، الذي يقوده الزعيم الركن [
وفيق عارف ] شقيق رئيس أركان الجيش ، وإلى آمر حامية البصرة ، [الزعيم الركن ناجي
طالب] للتحرك نحو بغداد . لكن الضباط الأحرار ، بقيادة
العقيد [فاضل عباس المهداوي ] كانوا أسرع منه ، حيث تمكنوا من اعتقال [وفيق عارف]
والسيطرة على اللواء المذكور ، فيما كان آمر حامية البصرة أحد أعضاء اللجنة العليا
لحركة الضباط الأحرار [الزعيم الركن ناجي
طالب] قد سيطر على البصرة ،مما أُسقطَ في يد
عمر علي ،كما أن الجماهير الفلاحية التي
هبت لمساندة الثورة ،والتي أحاطت بمقر الفرقة كان لها أثرها البالغ في إفشال خطط
[عمر علي] للزحف إلى بغداد ، وإخماد الثورة .
أما في كركوك ، فقد أصدر قائد الفرقة الثانية
الزعيم الركن [عبد الوهاب شاكر ] أوامره بالزحف إلى بغداد ، لكن الضباط الأحرار في
الفرقة ،كانوا أسرع منه ، استطاعوا السيطرة على مقر الفرقة واعتقاله ، وبذلك زال
أخطر تهديد للثورة من قيادة الفرقتين الأولى، والثانية ،فيما كان عبد الكريم قاسم
قد سبقهم في السيطرة على الفرقة الثالثة في بعقوبة . وفي الأردن حاول الزعيم الركن [ هادي علي رضا ] قائد رتل الهادي ، والملحق العسكري في الأردن [ صالح مهدي السامرائي ] وبدعم من السلطات الأردنية السيطرة على
الرتل ،والتوجه به نحو بغداد ، لإجهاض الثورة ، لكن الضباط الأحرار أخذوا زمام
المبادرة للسيطرة على الرتل رافضين تلقي الأوامر منه معلنين تأييدهم للثورة
،واستلام الأوامر من قيادتها في بغداد .
ومساء
يوم الثورة تلقى الضباط الأحرار في الرتل أمراً من القائد العام للقوات المسلحة [
الزعيم الركن عبد
الكريم قاسم ] بالعودة
إلى [H3 ] داخل الحدود العراقية ،واتخاذ الحيطة
والحذر خلال الانسحاب ،وقد تمّ الانسحاب و الوصول إلى [H3 ] في الساعة الخامسة من صباح يوم 15 تموز 958 ،فيما وصلت
الدبابات التابعة للرتل ظهر السادس عشر من تموز ، وبذلك استطاع الضباط الأحرار
الاثنان والعشرون من إحباط مساعي آمر الرتل ، والملحق العسكري ، والقيادة الأردنية
،وتحول ذلك الرتل من مصدر خطر على الثورة إلى داعم لها ،وإسنادها ،وحماية حدود
العراق مع الأردن من أي محاولة للتدخل من جانب القوات الأردنية ، أو الدول الأجنبية . (2)
استطاعت قوى الثورة تدعيم مركزها
،وتحصينها ضد أي محاولة لإجهاضها من قبل القيادات الموالية للنظام الملكي
،وتم لها السيطرة الكاملة على كامل القطعات العسكرية ،بوقت قياسي قصير جداً .
أخذت برقيات التأييد من القطعات العسكرية ،في كافة أنحاء العراق تتوالى على قيادة الثورة وتمّ
إبلاغها بسيطرة قوى الثورة الكاملة على كافة المدن ،وكافة مرافق البلاد،دون إراقة
الدماء ،وهكذا تمّ حسم المعركة مع النظام الملكي الرجعي بأقل ما يمكن من الخسائر
البشرية ، حيث بلغ عدد القتلى حوالي الثلاثون فرداً ،من ضمنهم الأسرة المالكة ،كما
تم حسم الثورة في وقت قياسي قصير جداً أذهل الإمبرياليين وأعوانهم داخل البلاد .
سادساً : الثورة ورد
الفعل العربي والدولي :
أصيبت
القوى الإمبريالية ودول ميثاق بغداد بصدمة كبرى لم يكن يتوقعونها من قبل ،وبهذه السرعة التي استطاعت قوى الثورة حسم المعركة مع
النظام الملكي ، تلك الصدمة التي أفقدتهم توازنهم وجعلتهم يسارعون إلى إنزال
قواتهم العسكرية في الأردن ولبنان ، حيث أنزلت بريطانيا قواتها في الأردن ، فيما
أنزلت الولايات المتحدة قواتها في لبنان ، وحيث حشدت تركيا قواتها العسكرية على
الحدود العراقية في محاولة الاعتداء على العراق ، وإجهاض الثورة .
وفي
الوقت نفسه ، أصدر حلف بغداد بياناً أستنكر فيه أحداث
الثورة واصفاً إياها بأنها [ تأثير هدام قادم من الخارج ،وأن قادة الانقلاب
يستلهمون أفكارهم من دول أجنبية ] .(3)
كما
أصدرت الحكومة التركية بياناً حول الثورة ،جاء فيه :
[ إن
المغامرين السياسيين في العراق ،يرتئون من وراء الانقلاب
القضاء على حلف بغداد ،الذي يعتبر مصدر السلام في الشرق الأوسط !!،وإن اختيار يوم اجتماع مجلس الحلف لتنفيذ الانقلاب هو خير
دليل على ذلك ] .(4)
وفي
الوقت نفسه قابل الملحق العسكري الإسرائيلي في أنقرة [ألباي
ميشيل] رئيس أركان الجيش التركي
يوم 15 تموز ، وأجرى معه محادثات مستفيضة حول الوضع الجديد في العراق ، وابلغه أن
الولايات المتحدة وبريطانيا ستتكفلان بحماية نظام الحكم في الأردن ولبنان ، وإن
إسرائيل ستفصم الوحدة بين سوريا ومصر وأن على تركيا أن تتعاون مع إيران لإعادة
النظام الملكي إلى العراق. (5)
وفي 18 تموز صرح وزير خارجية تركيا
،في مؤتمره الصحفي بأنقرة قائلاً :
[ إن
رئيس الاتحاد الهاشمي هو
الملك حسين ،وأن الحكومة الشرعية الآن هي حكومة الأردن] . أما الملك حسين فقد طلب من الولايات المتحدة وبريطانيا العمل
على إعادة العراق إلى وضعه السابق معلناً أنه الملك الشرعي للبلاد.
هكذا
إذاً كانت حمى التآمر للاعتداء على العراق ،وإجهاض
الثورة تجري على قدم وساق من قبل
الإمبرياليين الذين أرعبتهم أحداث الثورة ،لكن رد الفعل العربي ،ودول
المعسكر الاشتراكي ،وفي المقدمة منهم الاتحاد السوفيتي ،كان سريعاً وجاداً في
تحذير الإمبرياليين وحلف بغداد من مغبة
الأقدام على أي خطوة في اتجاه الاعتداء على العراق .
لقد
وقف الشعب العربي ،في مشرقة ومغربه ،بجانب الشعب
العراقي، وأعلن الرئيس عبد الناصر ، على الفور اعترافه بالجمهورية العراقية
الوليدة ، وحذر من أن أي اعتداء عليها سوف يعتبر اعتداء على الجمهورية العربية
المتحدة ، وأنها ستقف إلى جانب العراق ، وتدافع
عنه بكل ما تملك من وسائل ، واضعاً كل إمكانيات الجمهورية العربية المتحدة على
أُهبة الاستعداد للدفاع عن ثورة العراق جيشاً
وشعبا.(6)
كما
غادر الرئيس عبد الناصر بلغراد ، حيث كان يقوم بزيارة
رسمية ليوغوسلافيا حال سماعه نبأ قيام
الثورة إلى موسكو ، واجتمع على الفور
بالرئيس السوفيتي [نيكيتا خرشوف] طالباً منه الوقوف إلى جانب الثورة في العراق ،
ومنع الإمبرياليين الأمريكيين والبريطانيين وحلفائهم في حلف بغداد من محاولة
الاعتداء على العراق ، وإجهاض الثورة الوليدة ، وقد طمأنه الرئيس خرشوف إلى أن
الاتحاد السوفيتي سيقف إلى جانب العراق ، وسارع إلى الاعتراف بالحكومة التي شكلتها
الثورة ، بعد يوم واحد من قيامها .(7)
كما أصدر بياناً في 16 تموز ،وأتبعه
ببيان ثانٍ، في 18 منه ، هاجم فيه إنزال الولايات المتحدة وبريطانيا قواتهما في
لبنان والأردن ، وحذر هاتين الدولتين من مغبة التدخل ، والاعتداء على الجمهورية
العراقية الوليدة ،كما أرسل الرئيس السوفيتي [نكيتا خرشوف] في 19 تموز مذكرات إلي حكومات الولايات المتحدة ، وبريطانيا وفرنسا أكد فيها
أن التدخل الإمبريالي المسلح في لبنان والأردن ، والذي يشكل تهديداً خطيراً على
العراق وعلى السلم والأمن الدوليين ، قد
يؤديان إلى نتائج غير متوقعة ،وفي منتهى الخطورة ،ويخلق سلسلة من ردود الفعل ،قد
يكون من المتعذر وقفها ،وطالبت المذكرات بسحب القوات الأمريكية والبريطانية من
لبنان والأردن ،وعقد مؤتمر لبحث وتسوية المشاكل في الشرق الأوسط .(8)
كما
أتبع الاتحاد السوفيتي مذكراته هذه ،بتحذير جديد ،شديد
اللهجة ،في 20 تموز 58 ،حذر فيه حكومات الدول الغربية من مغبة الأقدام على أية
محاولة للتدخل في العراق ،كما نبه حكومات ألمانيا الغربية ـآنذاك ـ وإيطاليا
وإسرائيل من مغبة السماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها لنقل قواتها إلى
المنطقة .كما وجهت صحيفة البرافدا ،لسان حال الحزب
الشيوعي السوفيتي ، تحذيراً آخر للولايات المتحدة ،من المضي في مسعاها للعدوان على
العراق قائلة : [ أن المتطوعين السوفيت سيكونون على أُهبة الاستعداد للتوجه إلى
الشرق الأوسط إذا لم تتوقف عن محاولاتها للتدخل والعدوان على العراق ] .
كما
وجه الاتحاد السوفيتي تحذيرا شديداً إلى تركيا في 18 تموز 958 من مغبة العدوان على
العراق حيث راحت
تركيا تحشد قواتها على الحدود العراقية ، وأقرن الاتحاد السوفيتي أقواله وتحذيراته
بالأفعال ، فحشد قواته العسكرية على طول الحدود مع تركيا ، وأجرى مناورات عسكرية واسعة وحمّل الحكومة التركية مسؤولية أي اعتداء تقوم
به ضد العراق .(9)
وهكذا
أُسقط في يد الإمبرياليين،وأخذوا يحسبون للتحذيرات
السوفيتية ألف حساب
واضطروا
في نهاية المطاف لتبديل خططهم في العدوان المباشر على العراق بالقوة العسكرية،
والعمل على قلب النظام الجديد من الداخل كما سنرى فيما بعد .
وهكذا صمدت الجمهورية العراقية الوليدة ،وأخذت ترسخ أقدامها يوماً بعد يوم ، وتوالت اعترافات
دول المعسكر الاشتراكي ، ودول عدم الانحياز ، وبقية الدول العربية ،كما سارع مجلس
السيادة بإرسال برقية للرئيس عبد الناصر ، أعرب فيها عن شكر الجمهورية العراقية
لموقفها من الثورة ، وأعلن اعتراف العراق
بالجمهورية العربية المتحدة ،حيث كان الحكام السابقون قد رفضوا الاعتراف بها .وفي
نهاية المطاف اضطرت الدول الغربية إلي الاعتراف بالجمهورية العراقية كأمر واقع ، وخوفا على مصالحها النفطية ، لكنها بقيت تتحين الفرص
للإطاحة بالثورة .
كان العراق في تلك الأيام الحرجة من عمر الثورة ، بأشد الحاجة للأسلحة ، بسبب التهديدات الأمريكية ،
والبريطانية والتركية ، وظهر بعد قيام الثورة أن كل ما قيل عن تسليح الجيش العراقي
من قبل حلف بغداد لم يكن سوى محض خيال ، وكان كل هم الإمبرياليين هو حفظ الأمن
الداخلي والتصدي لانتفاضات الشعب ،فلم يكن هناك رادار ، ولا أسلحة متطورة يستطيع
العراق بواسطتها الدفاع عن نفسه ، ولذلك فقد سارع العراق إلى طلب المساعدة من
الشقيقة مصر ،وبالفعل أرسلت الحكومة المصرية باخرة محملة بالأسلحة البريطانية
الصنع نظراً لأن السلاح العراقي بريطاني المنشأ ، كما تم إرسال كتيبة مدفعية
مقاومة للطائرات ،وسرب من طائرات [ الميك
] من سوريا .(10)
كما
أرست حكومة الثورة وفداً عالي المستوى ، ضم كل من الوزراء [عبد السلام
عارف ]، و[محمد حديد ] و[ صديق شنشل ] و[عبد الجبار الجومرد ]
لمقابلة [عبد الناصر] في دمشق وأجراء
محادثات معه حول وسائل دعم الجمهورية العراقية الوليدة ، وحول تطوير العلاقات
الأخوية بين البلدين ، والتنسيق الكامل بينهما ،والتأكيد على ميثاق الجامعة
العربية ،والدفاع المشترك ،والتكامل الاقتصادي .
سابعاً:البيانات،والمراسيم الصادرة في اليوم الأول للثورة:(11)
بيان
رقم ـ2ـ يقضي بتعيين مجلس السيادة من السادة :
محمد نجيب الربيعي ـ رئيساً
محمد مهدي كبه ـ عضواً
خالد النقشبندي ـ عضواً
وقد روعي في تشكيل مجلس السيادة أن يمثل الطوائف
الإسلامية ،الشيعية والسنية ،والقوميتان العربية
والكردية .هذا وقد صدرت عن قيادة الثورة المراسيم التالية :
1 ـ مرسوم جمهوري رقم (1 )
يقضي بتعين كل من :
الزعيم الركن عبد الكريم قاسم قائداً عاماً
للقوات المسلحة .
العقيد الركن عبد السلام عارف نائباً للقائد
العام للقوات المسلحة .
2 ـ
مرسوم جمهوري رقم (2)
يقضي الرسوم بتشكيل
أول وزارة للجمهورية العراقية ، تم اختيار أعضائها من
أعضاء اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار ،واللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني
،وجاءت الوزارة على الوجه التالي :
1ـ
عبد الكريم قاسم ـ رئيساً للوزراء ، ووزيراً للدفاع .
2ـ
عبد السلام عارف ـ نائباً لرئيس الوزراء ، ووزيراً
للداخلية .
3ـ
ناجي طالب ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
4 ـ
عبد الجبار الجومرد ـ وزيراً للخارجية .
5 ـ
جابر عمر ـ وزيراً للمعارف .
6 ـ
محمد حديد ـ وزيرا للمالية .
7 ـ
هديب الحاج جمود ـ وزيرا ًللزراعة .
8 ـ
إبراهيم كبه ـ وزيراً للاقتصاد .
9 ـ
مصطفى علي ـ وزيراً للعدلية .
10 ـ
محمد صالح محمود ـ وزيراً للصحة .
11 ـ
فوآد الركابي ـ وزيراً للأعمار .
12 ـ
صديق شنشل ـ وزيراً للإرشاد .
13 ـ
بابا علي الشيخ محمود ـ وزيراً للمواصلات .
غير
أن الحقيقة التي لا جدال فيها أن مجرد قيام الثورة قد شكل أكبر استفزاز للإمبرياليين ،ومع ذلك فقد أعلن الحزب الشيوعي عن وضع كافة
إمكاناته في خدمة الثورة .
ضمت الوزارة بالإضافة للعسكريين الثلاثة من
اللجنة العليا للضباط
الأحرار [عبد
الكريم قاسم] و[عبد السلام عارف ] و[
وناجي طالب] ، ممثلاً لحزب البعث بشخص أمينه العام [ فوآد الركابي] ،وممثل الحزب
الاستقلال بشخص نائب الرئيس[ صديق شنشل ]،بالإضافة إلى عضو مجلس السيادة ،رئيس
الحزب [محمد مهدي كبه] .
أما
الحزب الوطني الديمقراطي ، فقد مثله كل من [ محمد حديد
]، نائب رئيس الحزب و[هديب الحاج حمود ]، عضو قيادة الحزب .
ومن الناحية القومية فقد مثل الأكراد كل من
[بابا علي الشيخ محمود] ،و[مصطفى علي]، فيما مثل
القوميين المستقلين كل من الدكتور[عبد الجبار الجومرد] و[جابر عمر] والدكتور [محمد
صالح محمود ].
3 ـ مرسوم جمهوري رقم (
3) يقضي بتعيين قادة القوات المسلحة وكما يلي :
الزعيم
الركن احمد صالح العبدي ـ رئيساً لأركان الجيش .
الزعيم الركن الطيار جلال الأوقاتي ـ قائداً
للقوة الجوية
الزعيم
الركن عبد العزيز العقيلي ـ قائداً للفرقة الأولى.
الزعيم
الركن ناظم الطبقجلي ـ قائداً للفرقة الثانية.
الزعيم
الركن خليل سعيد ـ قائداً للفرقة الثالثة.
الزعيم
الركن محي الدين عبد الحميد ـ قائداً للفرقة الرابعة المدرعة.
العقيد
طاهر يحي ـ مديراً عاما للشرطة.
العقيد
عبد المجيد جليل ـ مديراً للأمن العام.
4 ـ مرسوم جمهوري رقم (4
)
بتغير أسماء ألوية الجيش التي كانت تعود لأسماءٍ ملكية.
5 ـ مرسوم جمهوري رقم
(5) يقضي بتعيين عدد من كبار الضباط بوظائف مدنية ، حيث يقضي
القانون العسكري بعدم جواز وجود من هو أعلى رتبة من القائد العام في الجيش
والمتمثل بالزعيم عبد الكريم قاسم .
7 ـ
صدور بيان رقم (3 ) صادر من القيادة العامة للقوات المسلحة
معلناً سريان الأحكام العرفية في كافة أنحاء البلاد ،
وتنصيب الزعيم الركن [احمد صالح العبدي] حاكماً عسكرياً عاما ، و ذكر البيان أن
الأحكام العرفية لها صفة مؤقتة، من
أجل حماية الثورة، وتثبيت أركانها، لكن
ما يؤسف له كثيراً أن الأحكام العرفية بقيت سارية المفعول حتى النهاية .
لقد
استند بيان الأحكام العرفية إلى مرسوم الإدارة العرفية رقم 18 لسنة 1935، الذي صدر
على عهد وزارة المدفعي، وكان رشيد عالي الكيلاني وزيرا ًللداخلية آنذاك ، وكان بالإمكان أن يكون البديل عن هذا المرسوم اللادستوري، محكمة الشعب ـ المحكمة العسكرية العليا الخاصة
التي صدر قرار بتشكيلها، وتوسيع صلاحياتها لضمان حماية الثورة، وانتهى اليوم الأول
للثورة بتدعيمها وتعزيزها وشل قدرة النظام السابق ، ومنعه من القيام بأي عمل ضدها
لإجهاضها والقضاء عليها.
لقد
حمت الثورة نفسها وثبت أقدامها بمساندة ودعم جماهير الشعب التي نزلت في شوارع
بغداد، وبقية المدن الأخرى بمئات الألوف، مما أرعب القوى المضادة للثورة وشل حركتها .
ثامناً : صدور الدستور
المؤقت
كان طبيعياً ،بعد نجاح
الثورة ،وسقوط النظام الملكي ،أن يسقط الدستور تلقائياً ،وهذه القاعدة لها سوابق
كثيرة ،ولذلك فقد ارتأت حكومة الثورة إصدار دستور مؤقت للبلاد ،لحين انتخاب مجلس
تأسيسي يأخذ على عاتقه وضع دستور دائم للبلاد.
وهكذا فقد عهدت حكومة الثورة إلى لجنة برئاسة
المحامي [حسين جميل ] العضو القيادي في الحزب الوطني الديمقراطي
، وعضوية السيدين [حسين محي الدين] و[عبد الأمير العكيلي] وهم جميعاً من رجالات القانون
المعروفين ، مهمة وضع مسودة دستور مؤقت للبلاد في 20 تموز 1958 بعد أن أعطيت لهم الخطوط العريضة في توجه
حكومة الثورة ، ليسيروا على هديها ، وقد أتمت اللجنة عملها ورفعته إلى مجلس
الوزراء ، الذي صادق عليه ،بعد أن أجرى عليه بعض التعديلات وأحاله إلى مجلس
السيادة الذي صادق عليه بدوره ،وصدر في بغداد في 27 تموز 1958 ، وتضمن مقدمة
،وأربعة أبواب .(12)
نص
الدستور المؤقت :
المقدمة :
لما
كانت الحركة الوطنية التي قام بها الجيش العراقي ،
بمؤازرة الشعب وتأييده ، في 14تموز
1958 تهدف إلى تحقيق سيادة الشعب ، والعمل
على منع اغتصابها ، وضمان حقوق المواطنين وصيانتها ، ولما كان الحكم السياسي
السابق في البلاد الذي تمّ التخلص منه
قائما على أساس الفساد السياسي حيث أغتصب السلطة أفراداً حكموا البلاد على خلاف
إرادة الأكثرية ، وضد مصالح الشعب ، وإذ كان هدف الحكم تحقيق منافعهم ، وحماية
مصالح الاستعمار ، وتنفيذ مآربه كما جاء في البيان الأول ، الذي أُعلن للشعب في 14
تموز 1958 ، في بدء الحركة الوطنية، فأننا باسم الشعب ، نعلن سقوط القانون الأساسي
العراقي ، وتعديلاته كافة ، منذُ 14تموز 1958 ،ورغبة في تثبيت قواعد الحكم ، وتنظيم الحقوق والواجبات لجميع
المواطنين نعلن الدستور المؤقت هذا ، للعمل بأحكامه في فترة الانتقال ،أن يتمّ
تشريع الدستور الدائم .
الباب
الأول
الجمهورية
العراقية
المادة ا : الجمهورية
العراقية ،جمهورية مستقلة ذات سيادة .
المادة
2: العراق جزء من الأمة العربية .
المادة 3 : يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة ، باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ، ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ،ويقرّ هذا الدست