الفصل التاسع عشر

 

قرار الحرب

 

 

 

أولاً : قرار مجلس الأمن رقم 678 { قرار الحرب },

 

ثانياً : بوش يقترح لقاء بيكر  لصدام، ولقاء طارق عزيز به :

 

ثالثاً : لقاء في جنيف ،  بين بيكر وطارق عزيز .

 

رابعاً : السكرتير العام للأمم المتحدة( ديكويلار ) في بغداد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً : مجلس الأمن يصدر قرار الحرب رقم  678

 

 في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1990 ، انتقلت الأزمة مرة أخرى إلى مجلس الأمن ، بعد تحرك مكثف لوزير الخارجية الأمريكية [ جيمس بيكر ]لإقناع أعضاء مجلس الأمن بإصدار قرار يخول الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين استخدام كل الوسائل الضرورية ، بما فيها القوة العسكرية ، لتنفيذ قرار المجلس رقم 660 القاضي بإخراج القوات العراقية من الكويت .

لقد استطاع بيكر أن يقنع الأعضاء الدائميين في مجلس الأمن ، ومن بينهم الاتحاد السوفيتي ، بالموافقة على مشروع القرار رقم 678  في 29 تشرين الثاني 1990 ، وضمنت الولايات المتحدة امتناع الصين عن التصويت ، ولم يعترض على مشروع القرار سوى اليمن ، وكوبا .وهذا نص القرار:

  قرار رقم 678 ـ 29 تشرين الأول 1990

 إن مجلس الأمن :

إذ يشير إلى ، ويعيد تأكيد قراراته 660 ، 661 ، 662 ،664 ، 665، 666، 667 669 ، 670 ، 674 ، 6777 ، لعام 1990 .

وإذ يلاحظ ، رغم كل ما تبذله الأمم المتحدة من جهود ، أن العراق يرفض الوفاء بالتزامه بتنفيذ القرار 660 ، والقرارات اللاحقة ، ذات الصلة المشار إليها أعلاه ، مستخفاً بمجلس الأمن ، استخفافاً صارخاً .

وإذ يضع في اعتباره واجباته ومسؤولياته المقررة بموجب ميثاق الأمم المتحدة ، تجاه صيانة السلم والأمن الدوليين وحفظهما .

وتصميماً منه على تامين الامتثال التام لقراراته .

وإذ يتصرف بموجب الفصل السابع من الميثاق :

1 ـ يطالب أن يمتثل العراق امتثالاً تاماً للقرار 660 (1990 ) ، وجميع القرارات اللاحقة ، ذات الصلة ، ويقرر في الوقت الذي يتمسك بقراراته ، أن يمنح العراق فرصة أخيرة ، كلفتة تنم عن حسن النية للقيام بذلك .

2 ـ يأذن للدول الأعضاء المتعاونة مع حكومة الكويت ، ما لم ينفذ العراق في 15 كانون الثاني 1991 ، أو قبله ، القرارات السالفة الذكر ، تنفيذاً كاملاً كما هو منصوص عليه في الفقرة أعلاه ، وتنفيذ القرار 660 (1990 ) ،جميع القرارات اللاحقة ، ذات الصلة ، وإعادة السلم والأمن الدوليين في المنطقة .

3 ـ يطلب من جميع الدول أن تقدم الدعم المناسب للإجراءات التي تتخذ ، عملاً بالفقرة 2 من هذا القرار .

4 ـ يطلب من الدول المعنية أن توالي إبلاغ مجلس الأمن تباعاً بالتقدم المحرز فيما يتخذ من إجراءات  عملاً بالفقرتين 2 ، 3 ، من هذا القرار .

5 ـ يقرر أن يبقي المسألة قيد النظر . (1)  

انتشى الرئيس الأمريكي بوش فرحاً لصدور هذا القرار ، الذي يخوله باستخدام القوة العسكرية ، فقد أصبحت يده طليقة للمضي بالمخطط المرسوم لضرب العراق .وجدير بالذكر أن جميع القرارات التي صدرت كانت بموجب الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة .

إن قرار مجلس الأمن هذا في حقيقة الأمر ، لا يمثل الشرعية الدولية ، ويخالف مخالفة صريحة ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على مسؤولية قوات الأمم المتحدة في صيانة السلام والأمن الدوليين ، وتحت راية الأمم المتحدة .

غير أن الولايات المتحدة جعلت من نفسها فوق الميثاق ، وخولت نفسها ، بالتعاون مع حلفائها الغربيين ، صلاحية استخدام قواتهم المسلحة ، ليس فقط لتحرير الكويت ، بل لتدمير العراق ، مدفوعين بحماية مصالحهم الإمبريالية في الخليج .

ولابد أن أشير هنا ، إلى تصريح الأمين العام للأمم المتحدة [ خافير بيرز ديكويلار ] بعد انتهاء الحرب ضد العراق ،   عّبر فيه عن رأيه بكل صراحة حيث قال :

[ هناك جانب آخر من الأزمة أود أن أشير إليه ، هو أن تنفيذ قرارات مجلس الأمن بالقوة لم يجرِ تنفيذه بالضبط كما أوردته المادة 42 ، وما تلاها في الفصل السابع من الميثاق ، وبدلاً من ذلك فإن المجلس خول استعمال القوة لبعض الدول ، والتحالف الذي نشأ بينها ، وفي الظروف التي كانت قائمة ، وبحساب التكاليف التي كانت مطلوبة ، فإن مثل هذا الوضع لم يكن ممكناً تجنبه ، وعلى أي حال فإن عمليات الخليج تدعونا إلى التفكير في إجراءات جماعية يتحتم إتباعها في المسائل المتعلقةباستعمال القوة لحفظ الأمن في المستقبل ، بطريقة تتفق مع الحقيقة .

 أن استعمال  القوة محصور بمجلس الأمن بمقتضى أحكام الفصل السابع من الميثاق ] .(2)

أن هذا التصريح يبين لنا أن الأمين العام للأمم المتحدة قد أعتبر تخويل مجلس الأمن للولايات المتحدة وحلفائها باستخدام القوة ضد العراق أمر غير قانوني ، ويشكل تحدياً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة ، وأنه كان ينبغي أن يكون أي استخدام للقوة ، من قبل قوات الأمم المتحدة ، وتحت رايتها .

جاء قرار مجلس الأمن رقم 678 ، بمثابة صدمة كبرى للنظام العراقي ، فقد صدر القرار بموافقة حليفه الاتحاد السوفيتي ، وامتناع الصين عن التصويت ، فلو أعترض هذان البلدان ، أو أحدهما لكان قد سقط مشروع القرار ، ولم يكن النظام العراقي يتصور أن يذهب الاتحاد السوفيتي إلى هذا الحد ، وكان هذا التصور من قبل النظام ، يدل على جهله بتطور الأوضاع الدولية ، وانهيار المعسكر الاشتراكي ، وبشكل خاص الأوضاع في الاتحاد السوفيتي ،وبداية تفككه ، وانحسار سلطانه كأحد القوتين العظميين ، بل وتحوله إلى تابع لسياسة الولايات المتحدة ، التي أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم ، والتي تتحكم في مصائر الشعوب .

حاول صدام حسين الاعتراض لدى محكمة العدل الدولية ، على قرار مجلس الأمن ، والطعن في شرعيته ، إلا أن محاولته ذهبت أدراج الرياح ، وتأكد النظام العراقي أن الولايات المتحدة ماضية في تنفيذ مخططاتها تجاه العراق ، مهما كانت المعوقات ، فالقوة قد أصبحت فوق القانون ، بعد أن هيمنت الولايات المتحدة على مجلس الأمن ، وأصبح المخرج الوحيد للنظام العراقي هو تنفيذ القرار 660، القاضي بالانسحاب من الكويت قبل الخامس عشر من كانون الثاني 1991 ، وهي المدة التي منحها القرار للعراق لكي ينسحب من الكويت ، وقدرها 45 يوماً ، وإلا واجه حرباً لا يمكنه الخروج منها سالماً .

*

ثانيا: بوش يقترح لقاء بيكر لصدام،ولقاء طارق عزيز به:

في الثلاثين من تشرين الثاني ، وبعد يوم من صدور قرار مجلس الأمن رقم 678 ، أقترح الرئيس الأمريكي بوش بأن يقوم طارق عزيز بزيارة للولايات المتحدة والالتقاء به ، على أن يقوم وزير الخارجية الأمريكية جيمس بيكر بزيارة بغداد ولقاء صدام حسين ، مدعياً أن الهدف من هذا اللقاء  هو [المشي ميلا إضافياً من أجل السلام ] !!، لكن بوش لم يكن صادقاً في دعواه إطلاقاً ، وهو الذي رفض أي محاولة ، ومن أي جانب للتوسط بين العراق والولايات المتحدة ، من أجل إيجاد حل للأزمة ، قائلاً [ إن خيار الحرب قد اصبح أمراً لابد منه ] ، فلماذا عرض بوش اقتراحه هذا ؟

إن كل ما أراده بوش هو محاولة خدع الرأي العام العالمي بصورة عامة ، والأمريكي والعربي بصورة خاصة ، والظهور بمظهر الحريص على السلام ، واستنفاذ كل الوسائل لتجنب الحرب !!! غير أن بوش فشل في ذلك ، أخذت نواياه تظهر شيئاً فشيئاً ، وتبين أنه عازم ليس على طرد القوات العراقية من الكويت ، وإنما يسعى لهدف أبعد ، يقضي بتدمير العراق عسكرياً واقتصادياً ، وتصفية أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق ، وإنهاء أي دور مؤثر له في منطقة الخليج بشكل خاص ،والشرق الأوسط بشكل عام .

كما أراد بوش احتكار التصرف إزاء الأزمة ، وعدم فسح المجال أمام الدول الأخرى ، وبشكل خاص بعض الدول العربية ، لمحاولة السعي من جديد ، خلال فترة ال 45 يوماً ، الممنوحة للعراق لسحب قواته من الكويت ، وإقناع العراق بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 660 ، والنفاذ بجلده من حرب مدمرة ، لا أحد يستطيع تقدير نتائجها . وفي كل الأحوال فإن بوش كان عازما على ضرب العراق ، وإن قراره لا رجعة فيه .

أحدث اقتراح بوش ردود فعل مختلفة لدى الدول العربية ، ومنها العراق ، ولدى بعض الدول الأخرى ، فقد رأت دول الخليج ، وبشكل خاص حكام الكويت ، أن هذه المبادرة هي بادرة تراجع للولايات المتحدة ربما كانت بسبب تأثيرات داخلية من جانب الشعب الأمريكي ، بينما رأت بعض الدول العربية الأخرى أنها يمكن أن تكون بادرة خير لحل الأزمة ، وتفادي الحرب !! وإمكانية إقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت قبل نهاية المدة الممنوحة للعراق .

وبالفعل توجه الملك حسين إلى بغداد ، وتبعه ياسر عرفات ، ثم نائب رئيس جمهورية اليمن ، والتقى الجميع مع صدام حسين يوم 4 كانون الأول ، طالبين منه استغلال المبادرة وسحب قواته من الكويت ، وتجنب الحرب .

وبعد اللقاء أجتمع مجلس قيادة الثورة ، برئاسة صدام حسين وأصدر بعد الاجتماع بياناً في 5 كانون الأول يعلن فيه الاستجابة للمبادرة الأمريكية ، وأصدر صدام بعد ذلك قراراً بالسماح للرهائن الغربيين بمغادرة العراق خلال أسبوعين ، لكي يقضوا عيد الميلاد مع ذويهم ، وذلك كبادرة حسن نية من النظام العراقي ، بل وزاد النظام على ذلك ، بأن تخلى عن مطالبته بربط قضية الانسحاب من الكويت بحل قضايا الشرق الأوسط ، كما جاء في حديث صدام حسين مع القادة العرب الذين زاروا بغداد ،عندما قال :[إن ربط القضيتين هو ربط سياسي وليس ربطاً بتواريخ الأيام ] 

إلا أن الآمال التي عُقدت على مبادرة بوش سرعان ما تبخرت ، وبدأت الأخبار تتسرب إلى النظام العراقي عن حقيقة أهداف المبادرة ، والتطمينات التي قدمها بوش لحكام السعودية والكويت ، من أن الولايات المتحدة لا زالت مصممه على تنفيذ خططها تجاه العراق . وزاد في فضح موقف الولايات المتحدة ، الخطاب الذي ألقاه  [هنري كيسنجر ] أمام لجنه القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي وجاء فيه :

{لنقم بأية مبادرة نريد القيام بها ، ولنعطِ أنفسنا حرية الحركة كما نشاء ، ولكننا يجب أن نكون واثقين من أن حل الأزمة يجب أن يحقق نزع وسائل القوة العراقية ، التي تلقي بظلها على جيرانه في المنطقة ، وبدون هذا التغير الضروري في موازين القوى ، فإن أي حل نتصوره للأزمة سوف يكون مجرد تأجيل لها ] . 

وهكذا أدرك النظام العراقي أنه أمام حرب لا مفر منها مهما فعل معتبراً إياها قدر العراقيين الذي لا مرد له !!!. وتبدد التفاؤل بحل الأزمة ، ليعود التشاؤم من جديد ينيخ بكواهل العراقيين المبتلين بطغيان صدام والولايات المتحدة ، والذين كانوا يرقبون بقلق بالغ ما سوف يؤول إليه مصيرهم ، ومصير العراق .

وجاء تصريح بوش يوم 21 كانون الأول ، كضربة قاضية لكل أمل في حل الأزمة ، عندما أعلن صراحة ، أن انسحاب القوات العراقية من الكويت ليس كافياً لحل الأزمة ، وإنما يتحتم نزع قوة العراق العسكرية ، وإزالة مصانعه الحربية وقواعد صواريخه ، وكافة منشآته النووية ، وكذلك يتعين على العراق أن يدفع تعويضات كاملة عن كل الأضرار التي لحقت بجميع الأطراف في المنطقة .

أما رد فعل بوش على إطلاق سراح الرهائن ، والسماح لهم بمغادرة العراق فقد قلل من أهميتها قائلاً: [ مع ترحيبي بإطلاق سراح الرهائن ، فإن الإفراج عنهم لم يفعل شيئاً ، وإنما صحح جريمة أرتكبها النظام العراقي حين أحتجزهم ، في المقام الأول . وإن الإفراج عن الرهائن أزاح عن ضميري عبئاً معنوياً كبيراً ] .!!!

ولاشك أن بوش كان يعني في كلامه أنه أصبح ، بعد إطلاق سراح الرهائن قادراً على توجيه الضربة للعراق ، دون أي عائق يمكن أن يسبب له انتقاد ، إذا ما أصيب الرهائن في الحرب ، لو بقوا في العراق . وبعد كل هذه التطورات التي حدثت ، أصبح موضوع لقاء طارق عزيز مع بوش ، ولقاء بيكر مع صدام أمر لا طائل من ورائه، وبدا صدام وكأنه غير راغب في اللقاء ،ولا يعلق عليه أي أمل في حل الأزمة .

كان المقرر أن يتم لقاء طارق عزيز بالرئيس بوش في واشنطن ، ثم يليه لقاء بيكر بصدام في بغداد ، لكن صدام أعتذر عن لقاء بيكر في وقت مبكر ، بحجة انشغاله وارتباطاته ، وطلب أن يكون اللقاء يوم 13 كانون الثاني ، أي قبل نهاية المدة الممنوحة للعرق بيومين ،فيما أرادت الولايات المتحدة  أن يكون اللقاء يوم 3 كانون الثاني .

وعادت الولايات المتحدة وغيرت موقفها من اللقاءين ، واقترح الرئيس بوش أن يتم لقاء بين طارق عزيز وجيمس بيكر في جنيف ، وتقرر الموافقة على اللقاء ، وحدد له يوم 9 كانون الثاني 1991 .

كانت الولايات المتحدة في تلك الأيام تبذل قصارى جهدها في تجميع كل المعلومات الممكنة ، عن جميع المراكز العسكرية والمدنية الحساسة في العراق ، من مصانع عسكرية ، وقواعد إطلاق الصواريخ،وقواعد الرادار ، ومراكز الاتصالات السلكية واللاسلكية والمعامل البتر وكيماوية ، ومصافي النفط ، وجميع المنشآت النفطية ، وطرق المواصلات والجسور ، وجميع المصانع المدنية ، ومحطات الطاقة الكهربائية ، المفاعل النووي العراقي .

 وخلاصة القول كل القواعد الأساسية للاقتصاد العراقي . ولعبت الشركات الغربية واليابانية دوراً كبيراً في تقديم تلك المعلومات ، حيث كانت قد قامت فيما مضى ببناء معظم تلك المنشآت ، ولديها كل الخرائط المتعلقة بها ، وكانت القوات الأمريكية والحليفة تعد العدة لتوجيه الضربة القاصمة لهذه الأهداف ، وتدميرها تدميراً كاملاً .

 الموقف الفرنسي من الأزمة :

 لقد اثبت الوقائع أن فرنسا ، التي  ارتبطت بأوثق العلاقات مع النظام العراقي إبان حربه مع إيران ، قد خدعت النظام في سعيها لمنع وقوع الحرب ، والقيام بدور فاعل في حل الأزمة ، وتبين أن فرنسا تشارك بشكل فعال في تنفيذ الخطط الأمريكية المعدة للعدوان على العراق ، وأدى موقف الرئيس  [ميتران ] إلى استقالة وزير الدفاع الفرنسي [ جان بيير شيفيمان ] في 29 كانون الثاني 1991 ، بعد أن وجد أن الجيش الفرنسي قد تعدى الخطط المتفق عليها لتحرير الكويت ، وتحول إلى الحرب ضد العراق ، وأعلن بعد استقالته ، أن الحرب كان بالإمكان تجنبها ، ولكن الرئيس الأمريكي بوش كان قد عقد العزم ، منذ اليوم الأول لوقوع الأزمة على اللجوء إلى القوة العسكرية ، لتوجيه ضربة قاصمة للعراق .

وقيل آنذاك أن الرئيس الفرنسي ميتران كان قد بعث بالأميرال [ جاك لاكساند ] إلى الولايات المتحدة ، ليبلغ الرئيس بوش بأنه يستطيع الاعتماد على فرنسا، كما يعتمد على بريطانيا بالضبط.

وقد برر ميتران موقفه هذا فيما بعد ، بأن  المصالح الفرنسية هي التي فرضت عليه سلوك هذا الطريق ،  وقديماً قال السير [ ونستن تشر شل ] رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية قولته المشهورة [ ليس هناك صداقات دائمة ، بل هناك فقط مصالح دائمة ] .

 ثالثاً : لقاء في جنيف ،بين بيكر وطارق عزيز :

 

أخذت الأيام تمر ، منذُ صدور قرار مجلس الأمن رقم 678، دون أن يحدث أي تطور باتجاه انفراج الأزمة ، بل على العكس كانت الولايات المتحدة وحلفائها يضعون اللمسات الأخيرة على مخططاتهم بضرب العراق ، فيما بدا النظام العراقي وكأنه قد سلم قدره للظروف ، وبقي على إصراره في التشبث بالبقاء في الكويت ، معللاً ذلك بأن الولايات المتحدة وحلفائها سيضربون العراق سواء خرج الجيش العراقي من الكويت أم لم يخرج .

لقد أضاف صدام حسين بموقفه هذا خطأ جديداً إلى أخطائه السابقة ، فحتى في حالة إصرار الولايات المتحدة على ضرب العراق ، فأن خروج القوات العراقية من الكويت كان سيسبب أكبر إحراج للولايات المتحدة إذا ما أقدمت على ضرب العراق ، ويمكن أن يؤدي إلى فورة كبرى هيجاناً على امتداد الوطن العربي الكبير ، وانقساماً في صفوف الدول العربية التي سارت في ركاب الولايات المتحدة ، من أجل تحرير الكويت .

كما أن الرأي العام العالمي كان سيقف ضد تصرف الولايات المتحدة ، بعد أن زال مبرر الحرب ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى كان سحب القوات العراقية من مناطق تجمعها في الكويت سيجعلها في مواقع اكثر أماناً فيما لو تعرضت للهجوم . ولو أقدمت الولايات المتحدة على ضرب القوات العراقية ، وهي تنسحب من الكويت ، خلال المدة التي منحها مجلس الأمن للعراق ، والبالغة 45 يوماً فإن ذلك سيعني لدى الرأي العام العالمي أن الولايات المتحدة قد خالفت قرار مجلس الأمن الدولي ،واعتدت على العراق دون مبرر طالما هو في حالة انسحاب من الكويت .

إن إصرار صدام حسين على المضي في مواقفه الرعناء لم يكن يعني سوى الانتحار المحتم بالنسبة للجيش العراقي ، ولشعب العراق ،وهذا ما كانت تريده الولايات المتحدة بالضبط ،وإن صدام حسين نفسه يتحمل  مسؤولية كل ما سوف يحدث بعد نهاية المدة الممنوحة للعراق .

لم يبقَ أمام النظام العراقي إلا الانتظار لما سيسفر عنه لقاء جيمس بيكر وطارق عزيز في جنيف ، وربما علق صدام بعض الآمال على ذلك اللقاء المنتظر ، إلا أن كل الدلائل كانت تشير إلى عكس ذلك تماماً .

كان بوش ينتظر بفارغ الصبر انتهاء الفترة التي منحها مجلس الأمن للنظام العراقي للانسحاب من الكويت دون قيد أو شرط ، ولسان حاله يقول ، ليت صدام حسين يركب رأسه ويصر على البقاء في الكويت ، لكي ينفذ المخطط المرسوم لضرب العراق .

وجاء الموعد المنتظر ، يوم التاسع من كانون الثاني 1991 ، حيث وصل وزير الخارجية الأمريكية ، جيمس بيكر ، ووزير خارجية العراق ، طارق عزيز ، إلى جنيف ، وجرى اللقاء بينهما في إحدى قاعات فندق [ الكونتنانتل ] في جو من الترقب والقلق ، عمّ العالم العرب ، بشكل خاص ، والعالم بشكل عام .لقد وضع الشعب العراقي ، ومعه الشعوب العربية ، قلوبهم على أيديهم في تلك اللحضات الحاسمة ، منتظرين ما ستسفر عنه نتائج اللقاء ، وماذا سيحل بالعراق ، إذا ما فشل الاجتماع ، وبقيت الأوضاع على حالها ، انتهت المدة الممنوحة للعراق للانسحاب من الكويت .

جلس الوفدان ،العراقي والأمريكي ، وجهاً إلى وجه إلى مائدة الاجتماع ، بعد أن أجرى الوفدان مصافحة بعضهما البعض ، وكانت الابتسامة الصفراء تبدو على وجه وزير خارجية الولايات المتحدة  الذي أسرع إلى فتح حقيبته ، وأخرج منها مظروفاً وسلمه إلى طارق عزيز ، قائلا له :

[ إن هذه الرسالة ، كلفني الرئيس بوش أن أسلمك إياها ، لتسلمها بدورك إلى رئيسك صدام حسين]. تناول طارق عزيز الرسالة ووضعها جانباً ، غير أن بيكر طلب منه أن يقرأ الرسالة ، وقد أجابه عزيز إن الرسالة موجهة إلى الرئيس صدام حسين ، وليس من حقي أن افتحها ، وأقراها . ورد عليه بيكر على الفور قائلاً :

[ إن ما سوف نتحدث عنه هنا يتعلق بما ورد في هذه الرسالة ، ولابد لك أن تقرأها أولاً لنستطيع التحدث فيما بعد ] .

تناول طارق عزيز الرسالة مرة أخرى وفتحها ، وبدأ يقرأ ما ورد فيها ، ولم يكد يفرغ من قراءتها ، حتى دفعها إلى بيكر مرة أخرى قائلاً له :

[إنني لا أستطيع أن انقل مثل هذه الرسالة إلى رئيسي ، لأنها كتبت بصيغة لا يليق التخاطب بها بين الرؤساء ، وهي لا تحتوي سوى عبارات التهديد والوعيد للعراق وقيادته ] ،  وفيما يلي نصها

*

نص رسالة بوش لصدام حسين :

 السيد الرئيس :

{ إننا نقف اليوم على حافة حرب بين العراق وبقية العالم ، وهذه الحرب بدأت بقيامكم بغزو الكويت ، وهي حرب يمكن أن تنتهي فقط بانسحاب عراقي كامل ، وغير مشروط ، وفق قرار مجلس الأمن رقم 678 .وإنني اكتب لك الآن مباشرة ، لأني حريص على أن لا تضيع هذه الفرصة ، لتجنيب شعب العراق مصائب معينة ، وأكتب لك مباشرة أيضاً لأنني سمعت من البعض أنك لست على علم بمدى عزلة العراق عن العالم ، نتيجة لما وقع ، وأنا لست في مركز يسمح لي بأن أحكم ما إذا كان هذا الانطباع صحيحاً أم لا ، وقد وجدت أن خير ما استطيع عمله هو أن أحاول بواسطة هذا الخطاب ، أن اعزز ما سوف يقوله وزير الخارجية بيكر إلى وزير خارجيتكم ،وحتى أزيل أي اثر للشك أو الالتباس ، قد يكون في فكركم ، فيما يتعلق بموقفنا ، وما نحن مستعدون لعمله .

أن المجتمع الدولي متحد في طلبه إلى العراق أن يخرج من كل الكويت بلا شروط ، ودون أي تأخير ، وهذه ببساطة ، ليست سياسة الولايات المتحدة وحدها ، وإنما هي موقف المجتمع الدولي ،كما يعبر عنه ما لا يقل عن 12 قراراً صادراً عن مجلس الأمن .

إننا نفضل الوصول إلى نتيجة سلمية !! ، ولكن أي شيء أقل من التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 678  هو أمر غير مقبول بالنسبة لنا ، ولن تكون هناك مكافئة للعدوان ، ولن تكون هناك مفاوضات ، لان المبادئ ليست قابلة للمساومة . وعلى كل حال فإن العراق إذا قام بالتنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن ، يستطيع أن ينظم إلى المجتمع الدولي ، وفي المدى القريب ، فإن البنيان العسكري العراقي يستطيع أن يهرب من التدمير .

ولكن إذا لم تقم بالانسحاب من الكويت ، انسحاباً كاملاً ، غير مشروط ، فإنك سوف تخسر ما هو أكثر من الكويت . إن ما هو مطروح الآن ليس مستقبل الكويت ، فالكويت سوف يتم تحريرها  وحكومتها سوف تعود إليها ، ولكن المطروح هو مستقبل العراق ، وهو خيار يتوقف عليك .

إن الولايات المتحدة  لن تنفصل عن شركائها في التحالف ، فهناك 12 قراراً لمجلس الأمن ، و28 دولة بقواتها العسكرية لضمان تنفيذ هذه القرارات ، وأكثر من 100 دولة التزمت بتنفيذ العقوبات  وهذا كله كافٍ ليؤكد لك أن القضية ليست العراق ضد الولايات المتحدة ، ولكنه العراق ضد العالم  إن معظم الدول العربية والإسلامية تقف ضدك ، وهي جميعها مستعدة لتعزيز ما أقول ، والعراق لا يستطيع ، ولن يستطيع أن يبقى في الكويت ، أو يحصل على ثمن لقاء خروجه منها . وقد يغريك أن تجد راحة في اختلاف الآراء الذي تراه في الديمقراطية الأمريكية ،ونصيحتي لك أن تقاوم هذا الإغراء .

إن اختلاف الأراء لا ينبغي خلطه بالانقسام ، ولا ينبغي لك ، كما فعل آخرون غيرك ، أن تقلل من أهمية الإرادة الأمريكية .

إن العراق بدأ يشعر بآثار العقوبات التي قررتها الأمم المتحدة ، وإذا جاءت الحرب ، بعد العقوبات ، فستكون تلك مأساة لك ولشعبك ، ودعني أنبهك إلى أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ، أو أي تدمير للمنشآت البترولية في الكويت . وفوق ذلك فإنك سوف تعتبر مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن أي عمل إرهابي يوجه إلى أي دولة عضو في التحالف .

وفي هذه الحالة سوف يطلب الشعب الأمريكي أقوى رد ممكن عليك ، ولسوف تدفع أنت وبلادك ثمناً فضيعاً إذا أقدمت على عمل من هذا النوع . إنني لا اكتب لك هذا الخطاب لكي أهددك ، إنما اكتبه لمجرد إخطارك ، ولست أفعل ذلك لسعادة ، فالشعب الأمريكي ليست له معركة مع شعب العراق .!!!

السيد الرئيس

إن قرار مجلس الأمن رقم 678 ، تحدد فرصة لاختبار حسن النوايا ، تنتهي يوم 15 كانون الثاني حتى تنتهي هذه الأزمة دون عنف ، واستغلال هذه الفرصة للهدف الذي أتيحت من أجله ، لتجنب العنف ، هو خيار في يدك وحدك ، وإني لآمل أن تزن خياراتك،وأن تنتقي منها بعقل لأن كثيراً سوف يتوقف على ذلك}(3)

                                                                  جورج بوش

 وبعد ذلك تحدث طارق عزيز ،موجهاً كلامه  إلى بيكر قائلا:

[ لقد ظننت أننا جئنا هنا لنتحادث ، وليس لنتخانق ]  .

ورد بيكر قائلاً :

 [ نعم جئنا لنتحادث ، ولكن على أساس ] ، ثم سأل بيكر طارق عزيز عما إذا كان يريد هو أن يتحدث أولاً ، أجابه طارق عزيز بأنه يريد أن يسمع منه كل شيء .

وتحدث بيكر قائلاً :

[إننا جئنا هنا ليس للتفاوض ، وإنما جئنا لنحث العراق ، كمحاولة أخيرة للانسحاب من الكويت ، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن ، وإن أمامكم مهلة أقصاها يوم 15 كانون الثاني ( أي بعد 6 أيام فقط ) وهي بالتأكيد مدة قصيرة ، ولكن هذا ليس ذنبنا  بل ذنبكم انتم ، فقد منحكم مجلس الأمن 45 يوماً ، ولم تحاولوا تنفيذ تلك القرارات  واقترحنا أن تقوم بزيارة واشنطن وتلتقي بالرئيس بوش ، وأن أقوم أنا بزيارة بغداد ، والتقي بالرئيس صدام حسين ، وخيرتكم في موعد زيارتي خلال 18 يوماً ،إلا أن رئيسكم أعتذر عن مقابلتي بحجة انشغاله وارتباطاته بمواعيد مسبقة ، في حين كان رئيسكم يقابل شخصيات من السياسيين السابقين ، كادوارد هيث ، وولي برانت، وناكاسوني ، وحتى الملاكم العالمي السابق محمد علىكلاي ،ومع احترامي لأولئك الساسة ، إلا إنني أقول انهم ليسوا في مراكز المسؤولية  في حين كنت أمثل بلدي ، الولايات المتحدة ، الطرف الرئيسي في الأزمة ، وفي فترة من أخطر الفترات التي يمكن أن تقرر مصير السلم أو الحرب ، وهو تصرف لا يمكن قبوله . ثم وجه بيكر إنذاره للعراق من أن انتهاء المدة الممنوحة للعراق دون أن ينسحب من الكويت سيجعل قوات التحالف مطلقة اليد لطرد قواته من الكويت ، وعليكم أن تعرفوا أنكم أمام تحالف عسكري قوي يضم 28 دولة ، بما فيها عدد من الدول العربية ، ذات التأثير الكبير في العالم العربي ، كمصر والسعودية وسوريا والمغرب .

وبدأ بيكر يتحدث عن قوة التحالف الدولي ضد العراق ، وما يملكه من أسلحة ومعدات ، قائلاً :

[ إن 6 حاملات طائرات ، وعلى ظهرها مئات الطائرات ، في منطقة الخليج والبحر الأحمر ، مع مجموعة كبيرة من القطع البحرية الأخرى المجهزة بصواريخ وتوماهوك ،هذا بالإضافة إلى أن العراق محاط بمجموعة من القواعد التي تتمركز فيها أكثر من 2000 طائرة ، وليس المهم عدد الطائرات ، وإنما المهم نوع التكنولوجيا التي سوف تستعملها قيادة التحالف في تنفيذ ما أوكل لها .

ثم تحدث بيكر عن القوات العسكرية البرية للدول الحليفة ، والتي جاوزت 350 ألفاً ، وعن نوعية سلاحها ،وقوة نيرانها ،والتي لم يسبق استعمالها من قبل في أية حرب ].

ثم أنتقل بيكر بعد ذلك إلى النقطة الحساسة في الحديث قائلاً :

[ إننا ندرك أن لديكم مخزوناً من الأسلحة الكيماوية ، ونحن ننصحكم ، وكما نصح الرئيس بوش في رسالته ، أن لا تحاولوا استخدام هذه الأسلحة ، في أي مرحلة من مراحل الحرب ، وإذا ما أقدمتم على ذلك ، فسيكون رد الولايات المتحدة حازماً وقوياً ، وبالأسلحة غير التقليدية ]، وكان بذلك يشير إلى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام الأسلحة الذرية والكيماوية ضد العراق .(4)

لقد أسهب بيكر في الحديث عما تملكه قوات التحالف من أسلحة ومعدات متطورة للغاية  ومستعرضاً ما سوف تؤدي الحرب بالعراق من خراب ودمار لم يعرف له مثيلً من قبل ، مهددا بإعادة العراق إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية .وعندما انتهى بيكر من حديثه ، التفت إلى طارق عزيز قائلاً :

[ الآن استطيع أن اسمع ما عندك ].

في تلك اللحظة كانت الأنظار متجهة إلى طارق عزيز ، سواء من قبل أعضاء الوفد الأمريكي أو الوفد العراقي ، ليسمعوا ماذا سيقول طارق عزيز ، بعد كل الذي سمعه من بيكر .

وتحدث عزيز قائلاً :

 [إن الصورة التي رسمتها الآن لقوات التحالف ليست جديدة علينا ، وليست مفاجئة لنا ، فنحن نعرفها من قبل ، ونفهم ما تعنيه] .

ثم راح طارق عزيز يذكر بيكر بالدور الذي قام به العراق ، لما أسماه بحماية أمن الخليج ، ودفع ثمن عمله ذاك ثمناً باهضاً ، سواء في الأرواح أو الأموال ، بالإضافة إلى ما سببته تلك الحرب ضد إيران ، من تدهور الاقتصاد العراقي ، ثم انتقل إلى جذور الأزمة الكويتية ، وأدعا أن العراق بذل جهوداً كبيرة لتجاوز الأزمة مع الحكومة الكويتية ، إلا أن الحكام الكويتيين أصروا على موقفهم ، مدفوعين بموقف الولايات المتحدة التي حاولت سد كل باب للتفاهم .

ورد بيكر على عزيز قائلاً : [ إن صدام حسين قد خدع الرئيس مبارك عندما قال له بأنه سوف لن يستعمل القوة ضد الكويت ، ولكنه فاجأ الجميع بالهجوم ، واحتلال الكويت ] .

وحاول طارق عزيز أن يوضح لبيكر أن صدام لم يقل هذا الكلام بالضبط لمبارك ، وإنما قال له ، سوف لن يلجأ إلى القوة إلا بعد لقاء مؤتمر جدة وما سيسفر عنه من نتائج .

ثم أنتقل بيكر إلى تهديدات صدام حسين لحرق نصف إسرائيل ، ورد عليه عزيز بأن الحديث الذي نقل عن الرئيس صدام حسين مبتور ، فقد قال في خطابه ، إثر تهديد إسرائيل بضرب العراق بالقنابل النووية  بأنه سوف يحرق نصف إسرائيل بالكيماوي المزدوج ، إذا ما اعتدت على العراق بالسلاح النووي . ورغم أن لقاء بيكر مع عزيز أستغرق 3 جلسات ، خلال ذلك اليوم ، إلا أن ما تحدث عنه بيكر خلال 45 دقيقة في بدء الاجتماع ، كان هو جوهر اللقاء ، فكل ما أراده بيكر ، وسيده بوش  هو تحذير صدام حسين من استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ضد القوات الأمريكية والحليفة  مهددا العراق باستخدام الأسلحة النووية . أما أي حديث عن حل للأزمة ، فقد فات أوانه ، فقد اتخذت الولايات المتحدة قرارها بضرب العراق منذُ بداية الأزمة .

وفي نهاية الجلسة الثالثة ، أُعلن عن أن بيكر وعزيز سوف يعقدون مؤتمراً صحفياً في الساعة السابعة حسب توقيت جنيف ، بقاعة المؤتمرات بالفندق الذي جرى فيه اللقاء ، وفي الموعد المحدد ، تحدث بيكر أولاً قائلاً :[ لقد تحادثت مع طارق عزيز حول ضرورة تطبيق العراق لقرارات مجلس الأمن ، أبلغته أن تنفيذ القرارات غير قابل للتفاوض ، وإني لأسف أن أقول لكم أيها السيدات والسادة ، إنني لم اسمع اليوم شيئاً يدل على مرونة في موقف العراق ، ولا على استعداده للامتثال لقرارات مجلس الأمن ، وقد قمت في نهاية اللقاء بالإتصال بالرئيس بوش ، أبلغته بكل ما دار في اللقاء ].

 وبعد أن أجاب بيكر على أسئلة الصحفيين ، تحدث طارق عزيز فقال :

[ لقد جئنا إلى هذا الاجتماع بقلب وعقل مفتوحين ، وبنية صادقة ، وكنت أتمنى أن يقع هذا الاتصال المباشر بين العراق والولايات المتحدة في مرحلة مبكرة من الأزمة ، فأن كل الفرص التي كانت متاحة قد أهدرت ، فرصة بعد فرصة ، حتى التقينا هنا في هذه اللحظات الأخيرة ، وإني أود أن أشير إلى أن الولايات المتحدة تصرفت منذ اللحظة الأولى في الأزمة ، بطريقة لا تدع مجالاً للشك في نواياها الحقيقية . لقد حدثناهم طويلاً عن قضايانا العادلة ، وكان ردهم أنهم يشكون فينا ، وقلنا لهم لماذا لا تجربوا ؟ لكنهم لم يكن لديهم الاستعداد ] .

ثم انتقل طارق عزيز إلى رسالة بوش وما حوته من تهديد ووعيد ، بقوله :

[ إذا ما قررت الولايات المتحدة الاعتداء على العراق ، فإن العراق لا يستغرب ذلك ، فنحن نسمع التهديدات كل يوم ، وقد قلت للوزير بيكر بأننا سندافع عن بلادنا بكل قوة ، وإن الشعب العراقي  شعب شجاع ، وأن الأمة العربية لن تقبل إخضاع شعبها في العراق ، وكسر إرادته ، لأن إرادته جزء من إرادتها ]

وبعد نهاية الحديث ، وجه إليه أحد الصحفيين سؤالاً عما إذا كان العراق ينوي مهاجمة إسرائيل إذا قامت الحرب ؟ وكان جواب عزيز ( نعم ) .

وهكذا  انتهى اللقاء إلى لا شئ ،وبدأ العد العكسي لقيام الحرب التي أصبحت لا مفر منها ،فصدام ركب رأسه ،واقترف خطأً تلو الخطأ،لا بل جريمة تلو الجريمة ،حتى تراكمت أخطائه وجرائمه ،وأوصلت الأزمة إلى هذا الحد الذي باتت فيه الحرب أمراً محتماً .

أما الجانب الأمريكي فقد نصب الفخ لصدام ، ليغزو الكويت ، لكي تجد الولايات المتحدة  المبرر المطلوب لتوجيه الضربة الكبرى للعراق ،وعملت بكل الوسائل والسبل لسد الطريق للحل السلمي للأزمة ،من أجل إكمال السناريو الذي أعده بوش للعراق وشعبه ،حفاظاً على المصالح الإمبريالية في الخليج ،من أي تهديد من جانب العراق مستقبلاً ،وليكون درساً لكل من تسول له نفسه تهديد المصالح الغربية في هذه المنطقة الهامة من العالم ،التي تنتج اكثر من نصف الإنتاج العالمي من النفط ، وتحتوي على أعظم احتياطيات النفط في العالم اجمع .

أما مصير رسالة بوش لصدام حسين ، فقد رفض طارق عزيز استلامها ، كما رفض بيكر استعادتها  وتُركت الرسالة على طاولة المباحثات ،عندما غادر الوفدان القاعة ، وأُودعت في خزانه فندق الكونتنانتل .

غادر بيكر جنيف متوجهاً إلى السعودية ، ليبلغ الملك فهد بقرار شن الحرب ، إلا أنه لم يبلغه بساعة الصفر ، لكنه أخبر الملك بأنه سوف يسمع من الأمير بندر ، سفير السعودية في واشنطن ، موعد ساعة الصفر ، بكلمة السر[ تصلكم الأشياء التي طلبتموها الليلة] .

ومن ناحية أخرى عاد طارق عزيز إلى بغداد ، وبصحبته برزان التكريتي ، أخو صدام غير الشقيق حيث قابلا صدام حسين فور وصولهما ، وقدم طارق عزيز له تقريراً عما دار في الاجتماع .

وهكذا سارت خطى الحرب إلى غير رجعة ، وأصدر الكونجرس الأمريكي قراراً يخول الرئيس بوش استخدام القوة ضد العراق ، وصوت لصالح القرار 52 عضواً ضد 47 في مجلس الشيوخ ، و250 ضد 30 في مجلس النواب ، وبذلك اصبح بوش طليق اليدين ، لشن الحرب على العراق .

*

 رابعاً:السكرتير العام للأمم المتحدة،ديكويلار،في بغداد :

في 12 كانون الثاني ، دعا بوش السكرتير العام للأمم المتحدة [ خافير بيرز ديكويلار] إلى لقائه في كامب ديفيد ، على العشاء ، وقد اعتذر ديكويار عن تلبية الدعوة بادئ الأمر ، حيث أنه كان على وشك أن يغادر إلى أوربا ، إلا أن بوش ألحّ عليه لحضور العشاء ، وبعدها يكون في حل من أمره .

وتوجه ديكويار إلى كامب ديفيد ، وتناول العشاء مع بوش ، وخلال الحديث الذي دار بين بوش وديكويار ، طلب  بوش من ديكويار التوجه إلى بغداد ، والالتقاء بصدام حسين .

حاول ديكويار الاعتذار عن هذه المهمة ، قائلاً إن الوقت قد فات ، ولم يعد هناك متسع لفعل أي شيء ، وفي حقيقة الأمر ، لم يرضَ ديكويار حشر أسمه في الأزمة ، بعد أن أخذت الولايات المتحدة زمام الأمور كلها بيدها ، وأحس أن ذلك قد يسبب إساءة إلى سمعته ، إضافة إلى أن صدام حسين ، الذي أصابه اليأس من موقف الولايات المتحدة في لقاء جنيف ، لم يعد يعر أية أهمية لأي جهود جديدة ، سواء من قبل الأمين العام ، أو من قبل أي دولة أخرى .

لكن بوش ألحّ على ديكويار أن يسافر إلى بغداد  ، ولو لعدة ساعات ، وأمام ضغط بوش ، تراجع ديكويار عن موقفه ووافق على السفر إلى بغداد ، وبالفعل أرسلت سكرتارية الأمم المتحدة رسالة مستعجلة إلى بغداد ، تطلب تحديد موعد للأمين العام ديكويار لمقابلة صدام حسين ، وجاء الرد بالموافقة ، وتوجه ديكويار إلى بغداد في 13 كانون الثاني 1991 ، والتقى مساء ذلك اليوم بصدام حسين .وفي بداية الحديث مع صدام، تحدث ديكويار قائلاً :

{ في البداية أريد أن أؤكد لكم أنني لا احمل رسائل من أحد ، ولا أعتبر نفسي مبعوثاً لأي شخص . أنا هنا رجل يمثل نفسه ، وقد تتذكرون أنني قابلتكم قبل ذلك مرتين ، أثناء الحرب مع إيران ، وتتذكرون أنني كنت دائماً أحاول أن أقترب من المشاكل ، على أساس غير متحيز ، وأنا أقابلكم اليوم بنفس الروح ، على أنني أريدكم أن تعلموا أنني يجب أن أكون في أوربا غداً ، فلدي واجب هناك .ثم واصل ديكويار حديثه ليدخل في صميم الموضوع ، فقال : إن العراق عضو في الأمم المتحدة ، وهذه المنظمة تعمل على أساس قرارات تصدرها ، ومن سوء الحظ أن تاريخ الأمم المتحدة يظهر أمامنا أن هناك قرارات لمجلس الأمن لا تنفذ ، ولكن إن هناك قرارات لابد من تنفيذها ، وأتصور شعوركم تجاه هذا الوضع ، وكصديق لبلادكم ، فإن قرارات مجلس الأمن بشأن أزمة الخليج هي من تلك القرارات التي يجب أن تنفذ ، ولا نأخذ منها بالمثل السيئ لقرارات لم تنفذ . وأنا أريد إن أساعد لتجنب مواجهة تؤدي بهذه الأزمة إلى الحرب ، وأنا لست ساذجاً لأتصور أننا نستطيع أن نحل هذه المشكلة الليلة ، وكل ما أريده هو أن تعطني شيئاً أستطيع أن أبني عليه موقفاً يزيل التوتر ، وأن أحرم دعاة الحرب من فرصة يظنونها مؤاتية ، وهذا هو كل ما عندي } (5)

وكان رد صدام حسين على ديكويار ما يلي : [ صحيح أن الرأس هو الذي ينظم كل شيء ، وسوف أفضي لك بسر ، لقد أردتك أن تجئ إلى بغداد ولا تجئ في نفس الوقت ، فأنت السكرتير العام للأمم المتحدة ، ونحن أعضاء في هذه العائلة ، ونحن بالطبع نريد أن نراك ، ونرى الأمم المتحدة تؤدي دورها ، ولكنني كنت قلقاً من مجيئك في هذه الظروف التي نسمع فيها قعقعة السلاح ، فعندما لا تحمل من عندنا ما يرضيهم ، فإنهم قد يستعملون مجيئك ذريعة للحرب .وأضاف صدام قائلاً ، إن العراق قدم مبادرات كثيرة لحل الأزمة ، وكان على استعداد لقبول مبادرات كثيرة ، ولكن الرئيس بوش كان يرفض كل واحدة منها بعد ساعة من صدورها ، وإن القرارات التي أصدرها مجلس الأمن  هي في الحقيقة قرارات أمريكية ، وليست قرارات الأمم المتحدة . إننا اليوم في عصر أمريكي ، والولايات المتحدة تحصل على ما تريد هي ، وليس على ما يريد مجلس الأمن ] .

 ثم انتقل صدام إلى الحديث عن مسالة الانسحاب من الكويت قائلاً :

[ إننا لا نستطيع أن نقول كلمة الانسحاب في هذه اللحظة ، بينما الجيوش الأمريكية تواجهنا ، والحرب قد تقع في ظرف ساعات . وإذا قلت شيئاً عن انسحاب عراقي ، دون أن يكون في مقابله شيئاً عن انسحاب أمريكي ، فإن كل ما أكون قد حققته في هذه الساعة هو أن أعطي الأمريكيين فرصة لخلق بلبلة نفسية تمكنهم من الانتصار علينا ] !!! . وكان رد ديكويار ،بعد أن أنهى صدام حديثه أن قال جملته المشهورة  [إنني أشعر أن السيف قد خرج من غمده ، وهو مُشهرْ فوق العالم ، وليس على رأسي فقط ] . وفي اليوم التالي 14 كانون الثاني ، غادر ديكويار بغداد عائداً إلى أورباولم كن قد بقي على الموعد المحدد لانسحاب العراق من الكويت سوى يوم واحد فقط.

وهنا يتبادر لنا السؤال التالي :

هل كانت زيارة ديكويار التي كلفه بها بوش لبغداد تهدف حقاً لمنع الحرب ؟

وأستطيع بكل تأكيد أن أقول كلا ، ذلك أن كل الذي أراده بوش هو إشعار العالم أن المشكلة ليست بين الولايات المتحدة والعراق ، بل بين العراق والأمم المتحدة ، وأن الأمم المتحدة قد بذلت جهودها ، حتى أخر يوم من الفترة التي منحها مجلس الأمن للعراق للانسحاب من الكويت ، ولكن العراق أصرّ على موقفه .

بدأ العالم يحصي الساعات ، بل والدقائق ، وهي تمر مثل كابوس هائل على العالم ، ومرّ اليوم الأخير دون حدوث أي تغيير على أوضاع الأزمة ، وبذلك أصبح العالم يترقب ساعة الانفجار . واتصل الأمير بندر بن سلطان ، سفير السعودية في واشنطن ، بالملك فهد في اليوم التالي 16 كانون الثاني 1991 ، وابلغه بكلمة السر ،[ ساعة الصفر لبدء حرب الخليج الثانية ].

وفي نفس اليوم ، اتصل جيمس بيكر ، وزير الخارجية الأمريكية ، بوزير خارجية الاتحاد السوفيتي ، الكسندر بسمرلنك ، وابلغه بساعة الصفر ، وعلى الفور دعا غورباتشوف القيادة السوفيتية إلى    اجتماع عاجل في الكرملين ، وعاد وزير الخارجية السوفيتي إلى الاتصال بوزير خارجية الولايات المتحدة بيكر، لينقل له طلب الرئيس غورباتشوف بتأجيل العملية لمدة يوم واحد فقط ، لكن بيكر رد عليه قائلاً :  لقد فات الأوان والعمليات قد بدأت فعلاً .