الفصل الثامن عشر

 

تطورات أزمة احتلال الكويت

 

 أولاً : ماذا فعل النظام العراقي في الكويت ؟

 

 ثانياً : ما هو دور إسرائيل في الأزمة ؟

 

 ثالثاً : ما هو موقف الاتحاد السوفيتي من الأزمة ؟

 رابعاً : الانقلاب العسكري الفاشل في الاتحاد السوفيتي ، وتأثيره على الأزمة .

 خامساً : مجلس الأمن يوالى إصدار القرارات بحق العراق .

 سادساً : الموقف الرسمي العربي من العراق هل خدم الأمة العربية ؟

 سابعاً : النظام العراقي في حيرة .

 ثامناً : المعارضة العراقية توقع ميثاق دمشق .

 تاسعاً : بريماكوف في بغداد .

 عاشراً : النظام العراقي ومسألة الرهائن .

 أحد عشر : الغرب يكمل استعداداته الحربية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً : ماذا فعل النظام العراقي في الكويت ؟

 في الوقت الذي كانت الأزمة بين النظام العراقي والغرب تتصاعد ، وحمى الاستعدادات الحربية تشتد  كان النظام العراقي يسابق الزمن لتشديد قبضته على الكويت ، وكبح جماح أي مقاومة لاحتلاله  بأقسى الإجراءات ، وأكثرها وحشية .

لقد عّين صدام حسين ، ابن عمه [ علي حسن المجيد ] حاكماً عاماً للكويت ، وهو المعروف بوحشيته اللا متناهية ، والذي لقبه الشعب العراقي ب[ علي كيماوي ] حيث ارتبطت باسمه جريمة استخدام القنابل الكيماوية ضد المواطنين الأكراد ، عند ما عينه الدكتاتور صدام حسين قائداً لحملة الأنفال السيئة الصيت ضد الشعب الكردي عام 1988 والتي ذهب ضحيتها أكثر من 182 ألف مواطن كردي ، وأباد أكثر من 5000 مواطن كردي بالسلاح الكيماوي  في حلبجة خلال بضعة دقائق .

لقد مارس هذا الجلاد أبشع الأساليب عدوانية ضد الشعب الكويتي ، كما مارس بشكل منظم عملية سرقة كل ما وقعت عليه يده ، سواء ما كان يعود منها للدولة ، أو للمواطنين الكويتيين ، حيث كان نقل المسروقات يجري على قدم وساق بسيارات النقل الضخمة ، العسكرية منها والمدنية ، إلى العراق كغنائم ، مثل ما كانت تفعل القبائل في القرون الغابرة عندما يغزو بعضها بعضاً .

وهكذا لم يترك النظام الصدامي شيئاً في الكويت إلا وسطى عليه ، بدءاً من الخزينة المركزية ،في البنك المركزي الكويتي ، من ذهب وعملات نادرة ، ومروراً بكل المعدات والأجهزة المستخدمة في الدوائر والمؤسسات الكويتية ، والمستشفيات ،والبنوك ،وانتهاءً بالمحلات التجارية الخاصة والسيارات ومساكن المواطنين .فلم يكن صحيحاً ما ادعاه صدام عن عودة الفرع إلى الأصل ، بل كان عملية سطو مسلح مع سبق الإصرار ، وجاء على كل شيء ، كما تأتي موجات الجراد على المزارع فتتركها جرداء قاحلة خلال ساعات ، وقد خلقت أفعال النظام الصدامي وزبانيته شعوراً من العداء الشديد لدى الشعب الكويتي تجاه العراق يصعب محوه لسنوات طوال .

وفي الخامس عشر من آب ، أعلن النظام الصدامي ضم الكويت إلى العراق رسمياً ، واتخذ العديد من الإجراءات لمحو كل ما يشير إلى الكويت ككيان ودولة ، فقد أقدم على إلغاء هوية الأحوال المدنية الكويتية ، وإبدالها بهوية الأحوال المدنية العراقية ، وأبدل أرقام السيارات الكويتية بالعراقية ، وأعلن النظام العراقي أن الدينار الكويتي مساوياً للدينار العراقي وجرى استخدامه في التعامل في الكويت ، وأصر على تحدي العالم كله ، الذي لم يعترف بإجراءاته ، ووقف ضدها ، دون أن يبالي بما سوف تسببه مواقفه تلك من مآسي وويلات للشعب العراقي فيما بعد .

لقد ظن صدام أن بإمكانه أن يربح الحرب إذا ما نشبت ، كما نجح في حربه مع إيران ،وبلغ معه الغرور مداه ، بحيث جعله يتبجح بقوته،أمام عدسات التلفزيون قائلاً:

[ليس لدي أدنى شك، ولو واحد في المليون بأننا سنربح الحرب إذا نشبت ]  وفاته أن نجاحه في حربه ضد إيران  ما كان  ليتحقق لو لم تكن حرب أمريكية ، خاضها صدام حسين نيابة عنها.

ثانياً : ما هو دور إسرائيل في الأزمة ؟

كانت أجهزة المخابرات الإسرائيلية ـ الموساد ـ تراقب عن كثب ، خلال سني حرب الخليج الأولى  جهود النظام العراقي في تطوير آلته الحربية ، وحصوله على مختلف أنواع الأسلحة التي كانت تنهال عليه من الشرق والغرب على حد سواء . وسرعان ما تحولت حالة  الترقب لدى إسرائيل ، إلى حالة من القلق ، بعد أن استطاع العراق أن ينشئ المصانع الحربية ، ويطور الصواريخ التي حصل عليها من مصادر متعددة ، ويزيد من مداها ، لتصل إلى عمق إسرائيل ، هذا بالإضافة إلى تصنيع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية ، وسعيه الحثيث لتصنيع القنبلة النووية .

ورغم أن إسرائيل استغلت انشغال النظام العراقي بحربه ضد إيران ، وأقدمت على ضرب مفاعله النووي عام 1981 ، إلا أن العراق استطاع أن يحتفظ بما يزيد على 13 كغم من اليورانيوم المنقى ، والذي يكفي لصنع قنبلة نووية ، وبذل النظام العراقي جهوداً كبيرة لإعادة بناء مفاعله النووي ، وكان بعد حرب الخليج الأولى على وشك أن يستطيع إكمال برنامجه لإنتاج القنبلة النووية .

وهكذا فقد بدأت إسرائيل ، بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية ، تشن حملة واسعة النطاق على العراق  على لسان المسؤولين فيها ،وعِبر وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الصهيونية العالمية في مختلف أرجاء العالم ،وعلى امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل ، وهدد قادة إسرائيل بشن حرب وقائية ضده ، لتدمير قواعد صواريخه ، ومصانع أسلحته ، ومفاعله النووي .

ورد صدام حسين على التهديدات الإسرائيلية قائلاً ، عِبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ، بأنه إذا ما تعرض العراق للهجوم من جانب إسرائيل ، فسوف يرد عليها بالكيماوي المزدوج ، ويحرق نصفها .

وهكذا تصاعدت لهجة التهديد ،والتهديد المضاد بين الطرفين، ووصل الأمر إلى درجة التوقع بحدوث أمر ما بين العراق وإسرائيل . لكن صدام حسين استدار على حين غرة ، من توجهه نحو إسرائيل ، إلى الكويت ، ليغزوها في 2 آب 1990 ، وليثير الرأي العام العالمي ضد العراق .

وتنفست إسرائيل الصعداء ، فقد وقع صدام حسين في الفخ الذي نصبته له الولايات المتحدة ولن يستطيع الخروج منه ، وبدأ الغرب، بزعامة الولايات المتحدة، بتحشيد القوات العسكرية في السعودية استعداداً لتوجيه الضربة القاضية للعراق .

كان صدام ، في تلك الأيام يحاول كسب الرأي العام العربي ، ويعوّل عليه في دعمه للضغط على الحكومات العربية لكي تقف إلى جانبه ، عن طريق التهديد بضرب إسرائيل بصواريخه . وأرادت إسرائيل أن تسبق العراق ، وتوجه ضربة واسعة لقواعد الصواريخ والمنشآت النووية ، إلا أن الولايات المتحدة استطاعت أن تضغط على حكومة شامير اليمينية المتطرفة ، لتمسك أعصابها ، ولكي لا تسبب أية تحركات إسرائيلية، رد فعل عربي ، والشعبي منه بوجه خاص ، مما يضيّع الفرصة على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين للسير بالمخطط المرسوم لضرب العراق .

وسارعت الولايات المتحدة إلى نقل مجموعات كبيرة من صواريخ [ باتريوت ] المضادة للصواريخ إلى إسرائيل ، وتم الاتفاق بين الطرفين ، الأمريكي والإسرائيلي ،على أن تشارك إسرائيل في المجهود الحربي الغربي من وراء الستار ، لكي لا تتحول الحرب المقرر شنها على العراق ، إلى حرب عربية إسرائيلية بإنجرار إسرائيل إلى حرب مكشوفة مع العراق  ، ولاسيما وأن الولايات المتحدة استطاعت أن تجر مصر وسوريا والمغرب ، بالإضافة إلى دول الخليج، إلى المشاركة في تأمين الغطاء العربي للحرب ضد العراق ، بحجة تحرير الكويت ، ولتدمير كافة المقومات الاقتصادية والعسكرية للعراق ، كما خططت له الولايات المتحدة . وانصاعت إسرائيل لرغبة الولايات المتحدة ، ولم تبدِ رد فعل ضد العراق ، حتى عندما أطلق صدام حسين عليها عدد من الصواريخ بعيدة المدى ، وهي المعروفة بالرد السريع والعنيف على أي هجوم عليها مهما صغر شأنه ، وسارعت الولايات المتحدة بتعويضها بمليار دولار عن كل صاروخ سقط فوق إسرائيل ، مدفوعاً من خزائن السعودية وبلدان الخليج .

*

ثالثاً : موقف الاتحاد السوفيتي من الأزمة :

 في تلك الظروف التي وقع فيها الغزو العراقي للكويت ، كان المعسكر الاشتراكي قد تهاوى ، وبدأت عوامل التفكك والانهيار بادية للعيان في الاتحاد السوفيتي ، وأصبح انهياره أمراً محتماً ، وانكفأ من المسرح الدولي كقوة عظمى ، وأصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم، تلعب الدور الرئيسي في تقرير مصائر الشعوب ، دون معارضة تذكر من جانب الاتحاد السوفيتي ، بل على العكس ، بدا الاتحاد السوفيتي منساقاً إلى تأييد الخطوات الأمريكية حيال الأزمة العراقية .

وقبل يوم من قيام العراق بغزو الكويت ، كان وزير الخارجية الأمريكية [ جيمس بيكر ] في زيارة رسمية للاتحاد السوفيتي ، حيث أجرى مباحثات مع وزير الخارجية السوفيتية [ إدوارد شيفرنادزا ] في فيلادوفسك ، حول مختلف القضايا الدولية ، ثم غادر بيكر في اليوم التالي أي إلى منغوليا في زيارة رسمية ، ولم يكد بيكر يمضي سوى ساعات في منغوليا حتى أُبلغ بوقوع الغزو العراقي على الكويت .

سارع بيكر إلى الاتصال مجدداً بوزير الخارجية السوفيتي شفرناتزا، طالباً منه اللقاء من جديد ، لبحث موضوع الغزو العراقي ،وانعكاساته على الوضع الدولي .

واستجاب شفرناتزا  لطلب بيكر،الذي قطع زيارته على الفور ،وتوجه إلى موسكو ، حيث عقد مع الوزيرالسوفيتي اجتماعاً مطولاً معه ،حال وصوله ،وناقشا معاً مسألة الغزو العراقي للكويت ،وموقف الاتحاد السوفيتي ،والولايات المتحدة منه ، وقد أتسم جو اللقاء بين الوزيرين بالتفاهم ، حيث أكد الطرفان في بيان مشترك ، استنكارهما للغزو ، ودعيا العراق إلى سحب قواته من الكويت فوراً ،ودون شروط ، وظهر بيكر وشيفرناتزا بعد نهاية الاجتماع بأنهما قد اتفقا على كل شيء ، وبدا الاتحاد السوفيتي في مواقفه وكأنه قد فقد إرادته، واصبح تابعاً للولايات المتحدة ، وقد تجلى ذلك بجلاء عندما أجتمع مجلس الأمن في نفس اليوم [ 2 آب 1990 ]وأصدر قراره الأول ،رقم 660 ضد العراق ،والذي طالب العراق بالانسحاب الفوري من الكويت دون قيد أو شرط ،فقد وقّع المندوب السوفيتي على مشروع القرار دون تردد.

ولابد أن أشير هنا إلى أن العراق الذي يرتبط مع الاتحاد السوفيتي بمعاهدة صداقة وتعاون ،وعلاقات إستراتيجية ،لم يحاول إبلاغ الاتحاد السوفيتي بعزمه على غزو الكويت واحتلاله ، في حين أن بنود المعاهدة كانت تقتضي التشاور بين البلدين ، مما اغضب الاتحاد السوفيتي .

لقد أخطأ صدام حسين عندما ظن أن الاتحاد السوفيتي يمكن أن يقف إلى جانبه ويدعمه ، بموجب المعاهدة المعقودة بين البلدين ،ولم يضع في حسبانه أن الظروف قد تغيرت ، وتغير معها الاتحاد السوفيتي ،وفقد قوة تأثيره في السياسة الدولية ،وقد تجلى ذلك في تصريح للرئيس السوفيتي [غورباتشوف]،لأحد القادة العرب حيث قال : [إن غزو العراق للكويت مخالف لكل المواثيق والأعراف الدولية ] ،وهو لا يلام على ذلك ،لكن غورباتشوف أردف قائلا :

[ إن الأمريكيين قالوا لنا بان لهم مصالح حيوية في بترول الشرق الأوسط ، وانهم سيحاربون من أجل حمايتها مهما حدث ، ونحن نتفهم وجهة نظرهم ] .

هكذا بدا موقف الرئيس السوفيتي ،من عزم الولايات المتحدة على الحرب ،دفاعاً عن مصالحها النفطية ،وقد عّبر الرئيس الأمريكي بوش عن عظيم امتنانه وسعادته لموقف الاتحاد السوفيتي الجديد .

وفي 9 أيلول 1990 ،التقى الرئيسان [بوش] و[غرباتشوف] ، في هلسنكي بفلندا ، في مؤتمر للقمة ضمهما ، وكان بوش قد عقد العزم ، قبل هذا اللقاء على استخدام القوات المسلحة لضرب العراق ، وإجباره على سحب قواته العسكرية من الكويت ، وخلال اللقاء تحدث بوش عن تصميم الولايات المتحدة على استخدام القوة ضد العراق ، وزاد على ذلك بأن طلب من غورباتشوف المساهمة بقوات عسكرية معه في الجهد العسكري الغربي ، إلا  أن غورباتشوف أعتذر عن المشاركة مدعياً بأنه قد وعد الشعب السوفيتي بأن لا يرسل جيشه للقتال خارج الاتحاد السوفيتي ، بعد تورطه في أفغانستان ، وكان واضحاً من رده بأنه لا يعارض الخطط الأمريكية فيما يخص أزمة الخليج .وقد ظهر الرئيسان بعد اللقاء ، وفي مؤتمرهما الصحفي، وعلامات الرضا والارتياح ، عما دار في الاجتماع بادية على وجهيهما .

لقد تجلى التجاذب السوفيتي الأمريكي في أجلى مظاهره عندما كان بيكر وشيفرناتزا مجتمعان لبحث مشروع القرار رقم 678  الذي قدمته الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن ،حول تفويض المجلس للولايات المتحدة وحلفائها باستخدام القوات العسكرية لطرد القوات العراقية من الكويت .

فلم يكن هناك أي خلاف جوهري بين الطرفين حول مشروع القرار ، وكل  ما حدث هم خلاف بسيط حول صيغة القرار ، فقد أرتأ[ شيفرناتزا ]عدم ضرورة استخدام عبارة [ استخدام القوات العسكرية ]والاستعاضة عنها بعبارة [ باستخدام كل الوسائل الضرورية ] بدلاً منها ، مؤكداً للجانب الأمريكي أن العبارة الجديدة تشمل كل شيء ، ومن ضمنها استخدام القوة العسكرية ، وأضاف شفرناتزا قائلاً [أنا وأنت ندرك ذلك تماماً ] .

لقد أراد شفرناتزا التلاعب بالألفاظ والعبارات ،ولم  يشأ أن يلزم نفسه بصراحة باستخدام القوة ،فقد كان قلقاً من تطورات الأوضاع الداخلية في الاتحاد السوفيتي ، حيث كانت الدلائل تشير إلى قرب وقوع انقلاب عسكري في البلاد ، يطيح بزمرة غورباتشوف ـ شفرناتزا ، مما  قد يعرضه لمحاسبة قاسية على موقفه من استخدام القوة العسكرية ، استعاض عنها بعبارة مطاطية ،يمكن  تفسيرها كما يشاء الجانب الأمريكي .

رابعاً : الانقلاب العسكري الفاشل ،وتأثيره على الأزمة : 

وفي يوم 25 آب 1990 ، وقع بالفعل انقلاب عسكري في الاتحاد السوفيتي ، عندما كان غورباتشوف في منتجعه على البحر الأسود ، حيث  تم وضعه تحت الإقامة الجبرية ، محاطاً بالحرس ، إلا أن الانقلاب سرعان ما تهاوى وفشل ، بعد يومين من وقوعه ، وبرز [ بوريس يلتسين ] المطرود من عضوية المكتب السياسي ،واللجنة المركزية للحزب الشيوعي ، في عهد الرئيس [ برجنيف ] ، وبدا يلعب دوراً كبيراً في تصفية أجهزة الجيش ، والأمن ، والدولة ، والتخلص من كل العناصر التي كانت تدين بالولاء للحزب الشيوعي ، وغدا الاتحاد السوفيتي وكأنه قد أصبح تابعاً يدور في فلك الولايات المتحدة ، وباشرت السلطة الجديدة في الاتحاد السوفيتي عملية هدم كبرى لكل المنجزات التي حققها الشعب السوفيتي خلال 70 عاماً ، وقدم من أجلها التضحيات الجسام ، وحولته إلى شعب فقير معدم ، يرثى لحاله ، إثر تحويل اقتصاده الاشتراكي إلى اقتصاد السوق الرأسمالي على يد حكومة يلتسين ،ولم يعد الاتحاد السوفيتي ذلك الند الذي كان يقف بالمرصاد لكل المخططات الإمبريالية الرامية إلى استعباد الشعوب ، ونهب ثرواتها ، بل لقد سكتت حكومة الاتحاد السوفيتي الجديدة ، حتى عن الكلام والاعتراض على تصرفات الولايات المتحدة  وتحكمها برقاب الشعوب  .

لقد تجلت مواقف الاتحاد السوفيتي  بكل وضوح ، عند ما التقى طارق عزيز ، وزير الخارجية العراقية  بالرئيس غورباتشوف ، في 5 أيلول 1990 ، فقد تحدث غورباتشوف مع طارق عزيز حول الأزمة قائلاً :

{ إن غزو العراق للكويت يتناقض مع تفكيرنا الجديد ، وعلى النظام العراقي أن يُقرَّ بأن للأمريكان مصالح حيوية في الشرق الأوسط .

 إننا من جانبنا نعترف بهذه المصالح ، ونعرف أن الولايات المتحدة على استعداد لاستخدام القوة العسكرية إذا تعرضت هذه المصالح للتهديد ، ونحن في الاتحاد السوفيتي لا نستطيع أن نفعل شيئاً في هذا وأنتم في العراق لابدّ أن تجروا حساباتكم لمواقفكم على هذا الأساس}.(1)

ورد عليه طارق عزيز قائلاً :

[لقد كنا نتصور أنكم سوف تقفون معنا ،معنوياً على الأقل ، للحيلولة  دون وقوع الحرب ] .

وكان جواب غورباتشوف :

 [ إن ما قمتم به عمل من أعمال العدوان ، ونحن  لا نستطيع أن نساعدكم لا مادياً ولا معنوياً ] .(2)

وهكذا اسقط في يد النظام العراقي ، وبدا كورقة من أوراق الخريف ، تذروها الرياح K حيث يقف أمام أعتى الدول الإمبريالية ، وأقواها عسكرياً ، من دون أن يجد له أي عضيد يقف إلى جانبه ، بل لقد استطاعت الولايات المتحدة جر معظم الدول العربية إلى جانبها ، والمساهمة في الجهد العسكري ضده ، وكان الشعب العراقي في حيرة من أمره ، فيما يمكن أن تجره مغامرة صدام حسين الطائشة من خراب ودمار ، وهو لا ستطيع أن يفعل شيئاً أمام فاشية النظام وقهره ، مسلماً مصيره للأقد*********

 خامساً:مجلس الأمن يوالي إصدار القرارات بحق العراق :

 في الفترة ما بين 13 أيلول ، و29 تشرين الثاني أصدر مجلس الأمن 7 قرارات بحق العراق استهدفت تشديد الضغط ، وإحكام الحصار على العراق ، حيث صدرت القرارات 666في 13 أيلول ، و667 في 16 أيلول ، و669 في 24 أيلول ، و 670  في 25 أيلول ، و674 في 29 تشرين الأول، و677 في 28 تشرين الأول و 678 في 29 تشرين الأول من عام 1990 وفيما يلي أهم ما جاء بهذه القرارات :

قرار رقم 666ـ 13 أيلول 1990: (3)

  إن مجلس الأمن :

إذ يشير إلى قراره 661 (1990 )الذي تنطبق الفقرتان 3ج ، و4 منه على المواد الغذائية المستثناة ، وبإدراك للظروف التي قد تستجد لتجعل من الضروري إرسال المواد الغذائية اللازمة للمدنيين في العراق والكويت ، متوخياً التخفيف عن البؤس البشري ، وبما أن اللجنة المشكلة بموجب الفقرة السادسة من ذلك القرار قد تلقت عدة رسائل من عدة دول أعضاء ، وإذ يؤكد أن مجلس الأمن هو الذي يحدد وحده ، أو من خلال اللجنة ، ما إذا كان قد نشأت ظروف إنسانية ، وإذ يساوره القلق البالغ لعدم وفاء العراق بالتزاماته المحددة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 664 (1990 )فيما يتعلق بسلامة رعايا الدول الثالثة ورفاتهم وإذ يؤكد من جديد أن العراق يتحمل المسؤولية الكاملة في هذا الشأن ، بموجب القانون الدولي ، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة ، حيثما أنطبق ذلك .وإذ يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، يقرر :

1 ـ تُبقي اللجنة الحالة فيما يتعلق بالمواد الغذائية في العراق والكويت قيد الاستعراض مستمرة ، حتى يتسنى أن يحدد على النحو اللازم لأغراض الفقرة ج3 ، والفقرة 4 من القرار 661 ، ما إذا كانت ظروف إنسانية قد نشأت .                 

2 ـ يتوقع من العراق أن يفي بالتزاماته بموجب قرار مجلس الأمن رقم 664 (1990 ) فيما يتعلق برعايا الدول الثالثة ، ويؤكد من جديد أن العراق يبقى مسؤولاً مسؤولية كاملة عن سلامتهم ورفاههم ،وفقاً للقانون الدولي بما فيه اتفاقية جنيف الرابعة ، حيثما تنطبق ذلك .                                                                    3 ـ يطلب من الأمين العام ، لأغراض الفقرتين 1 ، 2 أن يلتمس بصفة عاجلة ومستمرة ، معلومات من وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة ، وغيرها من الوكالات الإنسانية المناسبة ، وجميع المصادر الأخرى ، عن مدى توفر الأغذية في العراق والكويت ، وأن ينقل هذه المعلومات بصفة منتظمة إلى اللجنة .                      

4 ـ ويطلب كذلك أن يولي اهتمام خاص عند التماس مثل هذه المعلومات وتقديمها للفئات التي يمكن أن تتعرض للمعانات بوجه خاص ، مثل الأطفال دون سن الخامسة عشر ، والحوامل ، والوالدات ، والمرضى والمسنين .                                  

5 ـ يقرر أن تقوم اللجنة إذا رأت ، بعد تلقي التقارير من الأمين العام،أنه قد نشأ ت ظروف توجد فيها حاجة ماسة لإمداد العراق والكويت بالمواد الغذائية لتخفيف المعانات البشرية ، بإبلاغ المجلس فوراً بقرارها المتعلق بكيفية تلبية هذه الحاجة .  6 ـ يشير على اللجنة أن تضع في اعتبارها ، عند صياغة قراراتها ، أنه ينبغي أن يتم توفير المواد الغذائية من خلال الأمم المتحدة ، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، أو غيرها من الوكالات الإنسانية ، وأن يتم توزيع  المواد الغذائية بمعرفتها ، أو تحت إشرافها ، لضمان وصولها إلى المستفيدين المستهدفين  7 ـ يطلب من الأمين العام استخدام مساعيه الحميدة من أجل إيصال المواد الغذائية إلى العراق والكويت وتوزيعها وفقاً لأحكام هذا القرار ، وغيره من القرارات الأخرى ذات الصلة.                                                                          

 8 ـ يشير إلى أن القرار 661 (1990)، لا ينطبق على الإمدادات المرسلة على وجه التحديد للأغراض الطبية ، ولكنه يوصي في هذا الصدد بتصدير الإمدادات الطبية أو تحت الإشراف الدقيق لحكومة الدولة المصدرة ، أو بواسطة الوكالات الإنسانية المناسبة .

 والجدير بالذكر أن هذا القرار بقي حبراً على ورق ، واستمرت معانات الشعب العراقي بسبب فقدان الغذاء والدواء ، فلم يكن ما يهم الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين تأمين الحاجيات المادية الضرورية لشعب العراق ، بل على العكس ، كان في مقدمة أهدافهم تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية للعراق ،وإذلال شعبه .

 قرار رقم 667 ـ 16 أيلول 1990

وقد أدان هذا القرار انتهاك النظام العراقي للمقار الدبلوماسية في الكويت، واختطاف الموظفين الدبلوماسيين والرعايا الأجانب المتواجدين قي تلك المقار، وحمل النظام العراقي مسؤولية ذلك العمل  وطالب بالإفراج عنهم ، وتأمين سلامتهم .

كما طالب القرار بأن يمتثل العراق بصورة فورية وتامة لالتزاماته الدولية ، بموجب قرارات مجلس الأمن 660 ، 662 ، 664 ، واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية ، والقانون الدولي .

 قرار رقم 669 ـ 24 أيلول 1990

 وقد تضمن القرار الطلب إلى اللجنة المنشأة بموجب القرار 661 (1990 ) بشأن الحالة بين العراق والكويت بمهمة دراسة طلبات المساعدة المقدمة في إطار أحكام المادة 50 من ميثاق الأمم المتحدة ، والتقدم بتوصيات إلى رئيس مجلس الأمن لاتخاذ الإجراء الملائم بشأنها .

 قرار رقم 670 ـ 25 أيلول 1990

وتضمن هذا القرار فرض حصار جوي محكم على العراق ومنع كافة الطائرات من الإقلاع من المطارات العراقية ، أو الهبوط فيها ، وفرض على جميع الدول عدم السماح لأي طائرة عراقية بالطيران في أجوائها ، أو الهبوط في مطاراتها،ما لم تأذن اللجنة المكلفة من قبل مجلس الأمن بقيام الرحلة .

كما طلب القرار تشديد الحصار البحري على العراق والكويت ، ألزمت جميع الدول باحتجاز أي سفينة عراقية تدخل موانئ تلك الدول .

كما أدان هذا القرار العراق لاستمراره باحتلال الكويت ، وسوء معاملة القوات العراقية للشعب الكويتي ، وطالب النظام العراقي بالالتزام باتفاقية جنيف الرابعة ، والكف عن الانتهاكات التي يرتكبها ضد الشعب الكويتي .

قرار رقم 670 ـ 25 أيلول 1990

 وقد طالب هذا القرار جميع الدول بالالتزام الكامل بالقرار 661 ، ولاسيما الفقرات 3 ،4 ،5 منه  أكد القرار على تشديد الحصار الجوي والبحري على العراق والكويت ، واحتجاز أي طائرة أو سفينة مسجلة في العراق ، وعدم السماح بإقلاع أي طائرة إلى العراق أو الكويت ما لم يكن مرخص لها من قبل اللجنة الخاصة التابعة لمجلس الأمن .

 قرار رقم 674 ـ 29 تشرين الأول 1990

 وتضمن هذا القرار إدانة النظام العراقي لاستمراره باحتجاز الرهائن ، وطالب بالسماح لهم بمغادرة العراق فوراً .وأتهم النظام بخرق ميثاق الأمم المتحدة .

وطالب جميع الدول أن تجمع كل ما في حوزتها من معلومات بشأن حالات الخرق الخطير من جانب حكومة العراق ، وتقديمها إلى مجلس الأمن .

كما طالب القرار حكومة العراق بأن تكفل فوراً ، توفر الأغذية والمياه والخدمات اللازمة لحماية ورفاه الرعايا الكويتيين ، ورعايا الدول الأخرى .

و أدان القرار إقدام النظام العراقي على إعدام السجلات المدنية لسكان الكويت ، والقيام بشكل غير مشروع بتدمير الممتلكات العامة والخاصة في الكويت أو الاستيلاء عليها ، وحمل النظام العراقي المسؤولية عن كافة الخسائر والأضرار التي تصيب الممتلكات العامة والخاصة في الكويت ، بموجب القانون الدولي .

وطلب القرار إلى جميع الدول بتقديم المعلومات ذات الصلة المتعلقة بمطالبتها ، ومطالبات رعاياها وشركاتها في العراق بجبر الضرر، أو التعويض المالي ، بغية وضع ما قد يتقرر من ترتيبات ، وفقاً للقانون الدولي .

 قرار رقم 677 ـ 28 تشرين الثاني 1990

 وقد تضمن هذا القرار إدانة النظام العراقي لمحاولاته تغيير التكوين الديموغرافي لسكان الكويت ،وإعدام السجلات المدنية التي تحتفظ بها الحكومة الكويتية ، وكلف مجلس الأمن ،الأمين العام للأمم المتحدة بأن يودع نسخة من سجل سكان الكويت التي كانت قد صادقت عليها الحكومة الكويتية لغاية1 آب 1990 لدى مجلس الأمن

سادساً:الموقف العربي الرسمي هل خدم الأمة العربية ؟

 بدءاً أقول ، رغم أن أحداً ممن يحمل عقلاً سليماً ، وفكراً ناضجاً ، لا يمكنه أن يقرّ النظام العراقي على فعلته بغزو الكويت ، ولا يقبل أن تحكم العلاقات العربية قعقعة السلاح ، ويشجب العدوان على أي بلد كان ، فكيف إذا كان البلد شقيقا ؟

إلا انه رغم كل ما جرى ،ورغم كل الجرائم التي أقترفها النظام الصدامي،يتبادر    لنا السوآل التالي :

هل خدم الموقف العربي الرسمي الأمة العربية ؟

وللإجابة على هذا السؤال ، بروح من الدقة والعقلانية  أستطيع القول أن ذلك الموقف ، وبشكل خاص ، موقف مصر وسوريا والمغرب ، وحتى السعودية ودول الخليج ، ليس فقط لم يخدم قضية العرب المصيرية ، بل على العكس من ذلك قد أدى إلى انهيار لم يشهد له العالم العربي من قبل ، أدى إلى تهديم كل ما بنته الأمة العربية ، عبر نضالها الطويل من أجل التحرر من ربقة الإمبريالية ، وهيمنتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، وأضاع جهود عشرات السنين، التي بذلتها الشعوب العربية ، وغدت حركة التحرر العربي التي قادها جمال عبد الناصر، ورفدها الزعيم عبد الكريم

قاسم ، قائد ثورة الرابع عشر من تموز في العراق عام 1958 ، وانتصار ثورة الشعب الجزائري على المستعمرين الفرنسيين .

لقد كان الأجدى بتلك الدول ، السعي لحل الأزمة ببذل الجهود العربية المكثفة والجماعية ، وعدم فسح المجال أمام الولايات المتحدة لتوجيه ضربتها لا للعراق فحسب ، بل لمجمل حركة التحرر العربي، ولكن الحكومات العربية المذكورة آثرت السير في ركاب الولايات المتحدة ، ودعمت مخططاتها ، والتقت بذلك مع صدام حسين في إحداث ذلك الانهيار الذي لم يرَ العرب له مثيل.

إن ما نراه اليوم من نتائج تلك المواقف الخاطئة ، من تفكك التضامن العربي ، والصراع ، والعداء بين الدول العربية ، وتهالك الحكومات العربية على الارتماء في الحضن الأمريكي والصهيوني ، وعقد معاهدات الصلح مع إسرائيل ، من دون أن تحقق هدفاً جوهريا للأمة العربية ، وقيام العديد من الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل ، في وقت لا تزال تحتل مساحات واسعة من الأراضي السورية واللبنانية والفلسطينية ، وتماطل حتى في تطبيق الاتفاقات التي وقعتها مع منظمة التحرير الفلسطينية .

إن كل هذا هو نتاج مباشر لجريمة النظام الصدامي في غزوه للكويت ، ونتاج المواقف الخاطئة ، والمتخاذلة للأنظمة العربية . لقد وصل الأمر لدى بعض حكام الخليج أن يمدوا أيديهم لتصافح قادة إسرائيل ، والتعاون معهم ، بدلاً من أشقائهم العرب ، وأصبح معظمهم ينظر لشعب العراق نظرة عداء وكره شديدين ، حتى لكأنما صدام هو الشعب العراقي ، والشعب العراقي هو صدام !!، ودون أن يعيروا أي اهتمام لما يعانيه الشعب العراقي على أيدي صدام وعصابته المتحكمة برقابه . إن هذا الموقف ، موقف اللا مبالاة لما يعانيه شعب العراق على يد جلاده ، وعلى يد الإمبريالية الأمريكية على حد سواء ، قد خلق فجوة كبيرة في علاقات الأخوة التي كانت تربط العرب ببعضهم ، وسوف يأتي اليوم الذي تدرك فيه الأنظمة العربية مدى عمق الجريمة التي ارتكبت بحق العراق وشعبه ، وبحق المصلحة العربية العليا .

إن نظام صدام حسين زائل لا محالة ، مهما طال به الزمن ، ولكن شعب العراق باقٍ لن يزول ، وهو بلا شك سيتذكر دائماً وأبداً ، المآسي والجوع و فتك الأمراض والحرمان بأبنائه ، وستبقى تلك الصورة المرعبة في ذاكرته ، وسوف تتناقل الأجيال القصص والحكايات حول تلك المآسي، والجوع  كما يتحدث شيوخنا عن جرائم الأتراك إبان الحرب العالمية الأولى ، والمجاعة التي سببوها للعراقيين ، وسوف يبقى شعب العراق يتذكر مواقف الحكام العرب الذين وقفوا بجانب العدوان على العراق وشعبه ، وضغطوا على شعوبهم بكل الوسائل والسبل لمنعها من التعبير عن رأيها في تلك الحرب المجرمة ، ولا شك أن هناك بوناً شاسعاً بين الشعوب العربية وحاكميها .

سابعاً:النظام العراقي في حيرة :

أصبح النظام العراقي واقعاً في حيرة لا يعرف كيف يخرج منها ، فهو في الوقت الذي كان يراقب عملية الحشد العسكري الغربي ، بقيادة الولايات المتحدة ، تتسارع يوماً بعد يوم ، ولهجة التحدي الصارمة للرئيس الأمريكي بوش ، وهو يعلن تصميمه ليس على طرد القوات العراقية من الكويت فحسب ، بل ونزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وتقليص قواته العسكرية ، وهذا ما أعلنه بوش، ولكن ما كان قد أخفاه أعظم ، فلقد صمم وخطط لتدمير البنية التحتية للاقتصاد العراقي ، وإعادته إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية ، كما صرح وزير خارجيته بيكر .

لقد جعل الموقف الصارم للولايات المتحدة ، النظام العراقي يصعّد من تحديه ، وإصراره على موقفه ، وكان خوف صدام حسين من أن يقدم العراق على تقديم تنازلات يمكن أن تؤثر على الموقف العام له ، ويثبط همة القوات المسلحة ، دون أن يحصل في المقابل على أي شيئ ، كما كان خوف صدام من نوايا الولايات المتحدة تجاه العراق حتى لو أقدم على سحب قواته من الكويت ، فقد كانت كل الدلائل تشير إلى أن بوش قد ذهب بعيداً في خططه لضرب العراق مهما كانت الظروف ، ومهما فعل النظام العراقي ، لأنه قد وجد فرصته التي ربما لا يستطيع الحصول عليها مرة أخرى، لإزاحة خطر النظام العراقي عن الخليج .

لقد حاول صدام حسين ، عن طريق الاتحاد السوفيتي ، ووسطاء آخرون في الحصول على ضمانات من الولايات المتحدة فيما إذا أقدم على الانسحاب من الكويت ، بأن لا يتعرض العراق وجيشه إلى الهجوم ، وحرص صدام على أن لا يتحدث عن الانسحاب بصورة علنية ، بل ويعلن إصراره على ضم الكويت ، وهذا ما أراده بوش بالضبط . لقد أراد بوش أن يفهم العالم أن لا مفر من استخدام القوات العسكرية ضد العراق . لقد أعتبر صدام حسين أي حديث عن ضرورة الانسحاب ، عمل خياني يرمي إلى إضعاف معنويات الجيش ، وأصدر حزبه تعميماً إلى كافة أعضائه ومؤيديه بالامتناع عن الحديث عن الانسحاب . (4)

 وهكذا كمَّ النظام الصدامي أفواه الشعب العراقي ، ومنعه من إبداء رأيه في أهم مسألة تتعلق بوجوده ومستقبله ، فقد كان الشعب العراقي مدركاً تمام الإدراك عمق الكارثة التي ستحل به  بسبب إصرار صدام على سياسته المتهورة ، لكنه لم يكن يملك  حولاً ولا قوة ، وسيف النظام الصدامي مسلط على رقابه ، وهو ينتظر اللحظة التي يسوقه فيها الجلاد إلى المجزرة .

ورغم وجود عدد من الأحزاب والقوى السياسية المعارضة لحكمه إلا أن أساليب القمع الوحشية ، وحملات الإعتقالات والتعذيب ، والإعدامات بالجملة ، جعلت معظم قيادات الأحزاب المعارضة تختار المنفى مجالاً لعملها السياسي ، تاركة جماهير الشعب العراقي دون قيادة فعالة ، قادرة على تعبئتها والسير بها نحو إسقاط النظام الصدامي ، هذا بالإضافة إلى عمق التناقضات في توجهات الأحزاب المعارضة ، وكل ما استطاعت عمله هو عقد ميثاق دمشق ، وإصدار عدد من القرارات التي لم تستطع أن تفعل شيئاً .

ثامناً: بريماكوف في بغداد :

في الوقت الذي كانت حرارة الأزمة تتصاعد ، والحشود العسكرية تتوإلى على السعودية ، ظهرت في صفوف القادة العسكريين السوفيت اعتراضات شديدة على سياسة وزير الخارجية [شيفرناتزا ] تلك السياسة التي أصبحت متطابقة مع السياسة الأمريكية، وسببت قلقاً لهم ، مما  دفع الرئيس  [غورباتشوف ] ، بعد  أن شعر أن العراق قد أعطى السوفيت إشارة حول إمكانية الانسحاب من الكويت إذا ما حصل على ضمانات بعدم تعرضه للعدوان الأمريكي ، ليرسل مبعوثاً خاصاً له إلى بغداد ، هو السيد [ بريماكوف ] العضو المرشح للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ، وكان اختياره لهذه الشخصية بسبب العلاقة الوثيقة التي تربطه به من جهة ،وعلاقات  بريماكوف ،وصلاته القديمة بصدام حسين ،وطارق عزيز ،حيث كان بريماكوف يقوم بزيارات متكررة للعراق عندما كان مندوباً لصحيفة البرافدا في الشرق الأوسط.

وصل بريماكوف إلى بغداد يوم 5 تشرين الأول ، حيث عقد مساء ذلك اليوم اجتماعاً مع صدام حسين ، وتباحث معه حول سبل الخروج من الأزمة ، وأبلغ بريماكوف صدام حسين ، وجهة نظر غورباتشوف ، والتي تتلخص بكون الموقف قد بات خطيراً ، وإن إصراره على مواقفه سوف يزيد من خطورة الوضع  ، وإن عليه أن يبادر بأسرع وقت ممكن إلى الانسحاب من الكويت .

كان  صدام حسين يبدو عليه التردد والحيرة لكي يعلن عن رغبته بالانسحاب قائلاً لبريماكوف :

{ إنك تطلب مني أن أعلن الانسحاب ، وكأن  هذه الكلمة السحرية التي يمكن أن تحل كل المشاكل دفعة واحدة ، وأنا لن أقول هذه الكلمة ببساطة ، وأضاف صدام قائلاً ، وحتى لو انسحبنا من الكويت فإن ذلك لن يكون كافياً لجعل الولايات المتحدة تشعر بالرضا ، وانتم ليست لديكم الضمانات التي يمكن أن تقدموها لنا ضد أي هجوم أمريكي } (5)

واخيراً أعرب صدام حسين عن قبوله بالانسحاب إذا ما حصل على الضمانات اللازمة بعدم الاعتداء على العراق ، وعدم المساس بالنظام القائم . إلا أن بريماكوف أجابه بأن طلب الضمانات سينظر فيها الرئيس الأمريكي بوش ، كشرط للانسحاب ، وهو الذي أصر على أن يسحب العراق قواته من الكويت دون قيد أو شرط ، ويشاركه في إصراره الكونجرس الأمريكي ، وكذلك الحلفاء الغربيين .

لم يستطع بريماكوف أن يحقق أي تقدم باتجاه حل الأزمة ،فقد كان الغرب ، بزعامة الولايات المتحدة مصراً على ضرب العراق  ،و كان صدام حسين يخالجه نفس الشعور بأن الولايات المتحدة عازمة على تحطيم القدرات العسكرية والاقتصادية للعراق ، وربما استغلت انسحاب الجيش من الكويت لتوجه له الطعنات في ظهره.

ثم انتقل بريماكوف إلى الحديث مع صدام حسين حول مسالة الخبراء السوفيت في العراق والبالغ عددهم [ 7830  خبيراً ]، وضرورة السماح لهم بمغادرة العراق ، وقد وافق صدام على مغادرة 1500 خبير كل شهر .

وبعد انتهاء الزيارة ، غادر بريماكوف العراق ، ليقوم بزيارة الولايات المتحدة ،  ويقابل الرئيس بوش ، ويطلعه على ما دار في المباحثات التي أجراها مع صدام حسين ، إلا أن الرئيس بوش لم يعر أي أهمية لتلك المباحثات ، وكان جلّ اهتمامه ينصب حول معرفة شخصية صدام حسين ، وتصرفاته ولم يزد على ذلك شيئاً وكان ، في حقيقة الأمر ، لا يريد أن ينسحب صدام حسين من الكويت ، فلا يستطيع عندئذٍ تنفيذ السيناريو الذي أعده لتدمير العراق .

وعندما ألح عليه بريماكوف ليسمع رأيه في سبل حل الأزمة ، أجابه بوش بأنه سوف يلتقي بمستشاريه  ويتباحث معهم ، وكان يريد بذلك التهرب من إعطاء أي جواب لبريماكوف ، وعاد بريماكوف بخفى حنين ، كما يقول المثل ، ولم يحصل على أي نتيجة من زيارته لواشنطن . (6)

 وفي طريق عودته إلى موسكو ، توقف بريماكوف في لندن والتقى رئيسة الوزراء  [ماركريت تاتشر]لإجراء مباحثات معها حول الأزمة ، لكنه  وجد تاتشر أكثر بأساً وصرامة وإصراراً على تدمير العراق من بوش ، وردت بعنف على بريماكوف قائلة :

[ نحن لا نريد لأي طرف أن يتدخل الآن لعرقلة هدفنا ،وليس هناك خيار آخر غير الحرب ].

وعندما حاول بريماكوف أن يشرح لها رأيه في حل الأزمة ، أجابته مقاطعة إياه :

[ لا ، لا أريد أن اسمع شيئاً ] .(7)

غادر بريماكوف عائداً إلى بلاده ، حيث قدم تقريراً للرئيس غورباتشوف ، عن  نتائج مباحثاته في كل من بغداد وواشنطن ولندن .

واستمرت دقات  طبول الحرب بالتصاعد في الغرب ، أخذت الحرب تقترب شيئاً فشيئاً ، ورأى غورباتشوف أن يبعث بريماكوف إلى بغداد مرة أخرى للالتقاء بصدام ، وحثه على الانسحاب بأسرع ما يمكن ، وبالفعل وصل بريماكوف إلى بغداد في أواخر تشرين الأول ، والتقى بصدام حسين  ونقل له وجهة نظر غورباتشوف بضرورة أن يعلن العراق انسحابه من الكويت ، قائلاً له :

[ إن الأيام تمر في غير صالح العراق ، وكل  يوم يمر تتغلب كفة المتشددين في الغرب ، الذين يلحون على توجيه الضربة للعراق ] .

ولكن صدام حسين أصّر على موقفه بالحصول على ضمانات بعدم الاعتداء ، وبتزامن الانسحاب مع انسحاب القوات الأمريكية والحليفة ، ورفع الحصار عن العراق ، والحصول على منفذ على الخليج .

غادر بريماكوف بغداد متوجهاً إلى باريس لمقابلة الرئيس غورباتشوف ، الذي كان في زيارة رسمية لفرنسا ، وليطلعه على نتائج رحلته إلى بغداد ، وقام غورباتشوف بدوره بإطلاع الرئيس الفرنسي  [فرانسوا ميتران ] على تطورات الأزمة ، ومحاولات بريماكوف نزع فتيل الحرب ، وقد أكد ميتران  أن انسحاب القوات العراقية من الكويت دون قيد أو شرط ، هو السبيل لتفادي الحرب . 

*

تاسعاً:صدام حسين،ومسألة الرهائن :

 ركزت الدول الغربية الكثير من اهتمامها لمسألة الرهائن ، الذين أحتجزهم النظام الصدامي ، وهدد بتوزيعهم على كافة المراكز العسكرية والاقتصادية ، كدروع بشرية ضد أي هجوم محتمل من قبل القوات الأمريكية والحليفة .

وقد سارع مجلس الأمن بإصدار القرار 664 (1990 ) والذي دعا النظام العراقي إلى السماح للرهائن بمغادرة العراق ، وحمله مسؤولية الحفاظ على حياتهم ، لكن صدام أصر على احتجازهم مدعياً بأنهم ضيوف على حكومة العراق !! .

وإزاء هذا الموقف المتعنت من صدام حسين ، باشرت الدول الغربية بإرسال العديد من الشخصيات السياسية ، غير الرسمية إلى العراق ، لمقابلة صدام حسين والتباحث معه حول مصير الرهائن ، وكان من أبرز الشخصيات التي زارت العراق والتقت بصدام ، كل من[كورت فالدهايم] رئيس جمهورية النمسا، والأمين العام السابق للأمم المتحدة ، و[ ولي برانت ] المستشار السابق لألمانيا الغربية ،وزعيم الحرب الاشتراكي فيها ، و[ إدوارد هيث] رئيس وزراء بريطانيا السابق و[ ناكاسوني ] رئيس وزراء اليابان السابق ، وغيرهم من الشخصيات التي لعبت دوراً هاماً ، يوماً ما في السياسة الدولية .

وفي حقيقة الأمر ، كان مجيء هؤلاء الزعماء إلى بغداد يرمي إلى تحقيق هدفين في آن واحد ، الهدف الأول ، السعي لإطلاق سراح الرهائن الغربيين ، والسماح لهم بمغادرة العراق ، قبل أن تقع الواقعة ، وتنشب الحرب ، وهم يدركون أن الحرب واقعة لا محالة . وبالفعل استطاع هؤلاء أخذ أعداد كبيرة من الرهائن معهم ، عند مغادرتهم العراق ، بعد الزيارة .

أما الهدف الثاني لتلك الزيارة ، فكان يرمي إلى التعرف عن كثب ، عما يدور في ذهن صدام حسين  ولتكوين فكرة دقيقة عن شخصيته، وقد بذلت تلك الشخصيات جهوداً كبيرة في محاولة لإقناع صدام بالسماح للرهائن بمغادرة العراق ، محذرين  من أن وجود هؤلاء لن يمنع الحرب ، فأمام المصالح الاقتصادية الغربية في منطقة الخليج ، يهون كل شيء .

كانت تلك الشخصيات تستغل وجودها في العراق ولقائها بصدام حسين لتثير معه مسألة الغزو العراقي للكويت ، وخطورة الوضع بالنسبة للعراق ، مؤكدين على ضرورة انسحاب القوات العراقية من الكويت فوراً لنزع فتيل الحرب . لكن صدام لم يكن مطمئناً إلى كل النصائح التي قُدمت له ، وكان إحساسه أن الحرب ستقع سواء انسحب من الكويت أم لم ينسحب ، وأراد صدام أن يخفف من غلواء الغرب حول مشكلة الرهائن ، فأخذ يطلق سراح أعداد منهم عند كل زيارة للشخصيات السياسية العالمية ، ويسمح لهم بمغادرة العراق بمعيتهم . وفي نهاية المطاف قرر صدام حسين في 17 تشرين الثاني أن ينهي مسألة الرهائن ، لعلها تساهم في تهدئة الموقف ، فأصدر قراراً بالسماح بمغادرة الرهائن جميعاً قبل حلول عيد الميلاد ، وبذلك أسدل الستار على هذه المشكلة . لكن بوش ، وحلفائه الغربيين ، قابلوا خطوة صدام بكل برود ، ولم تؤثر الخطوة على تصميمهم على توجيه الضربة القاصمة للعراق .

عاشراً : الغرب يكمل استعداداته الحربية :

في الشهرين الأخيرين من عام 1990 ، أخذت الاستعدادات الغربية للحرب تتكامل ، فقد بلغ مجموع القوات التي تم حشدها في السعودية ، حوالي 350 ألفاً من الجنود والضباط ، وما يزيد على 1000 طائرة حربية بالإضافة إلى ألوف الدبابات والمدفعية والصواريخ ، وأعداد كبيرة من القطع البحرية وحاملات الطائرات التي أخذت مواقعها في الخليج العربي ، وخليج العقبة ، وسواحل إسرائيل ، وهي تحمل الصواريخ البعيدة المدى ، والموجهة إلكترونياً ،والقادرة على ضرب أي منطقة من العراق ، بانتظار ساعة الصفر لبدء الحرب .

أما صدام حسين فقد أستمر في حشد قواته في الكويت ، حتى بلغت 450 ألف ضابط وجندي، تساندها ما يزيد على 4000 دبابة و 3000قطعة مدفعية ، و800 طائرة حربية ، إضافة إلى قواعد إطلاق الصواريخ البعيدة المدى، غير أن التكافؤ بين القوتين كان بعيد المنال ، نظراً لما يمتلكه الغرب من التكنولوجيا الحربية المتطورة ، هذا بالإضافة إلى عدم قناعة الجندي العراقي بتلك الحرب التي ساقه إليها صدام حسين دون مبرر ، ولما يمضي سوى سنتين على حربه المجرمة ضد إيران والتي دامت 8 سنوات ، ودفع ما يزيد على النصف مليون من الجنود والضباط حياتهم في تلك الحرب التي خاضها صدام نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية .

كان تحشيد هذه الأعداد الضخمة من الجيوش ، من قبل الولايات المتحدة وحلفائها ، يتطلب أموالاً كثيرة جداً ، ليس في وسع الولايات المتحدة تحملها لوحدها ، ولذلك فقد ضغطت على دول الخليج بان تدفع نصيبها من التمويل .

وسارعت السعودية والكويت ، وبقية دول الخليج بسحب مدخراتها ، وتقديمها إلى الولايات المتحدة . كما ضغطت الولايات المتحدة على اليابان ، وألمانيا الغربية لتقدم نصيبها من تكاليف الحرب ، واستطاعت أن تجمع ما يقارب 90 بليون دولار ، دفعت منها ألمانيا 10 بلايين ، واليابان 10 بلايين دولار أخرى ، ودفعت السعودية والكويت وبقية دول الخليج الباقي ، وبلغت حصة الولايات المتحدة من هذا المبلغ 54 بليون دولار ، في حين بلغت تكاليف حربها 31 بليون دولار ، أي أنها حققت ربحاً قدرة 23 بليون دولار . أما بريطانيا فقد حصلت على 6 بلايين دولار ، في حين بلغت تكاليفها الحربية 3 بلايين دولار ، أي إنها حققت ربحاً قدرة 3 بلايين دولار .كما حصلت تركيا على 3 بلايين دولار وحصلت إسرائيل على6,5بليون دولار ،مع تسهيلات بقيمة 10 بلايين دولار لغرض إنشاء المساكن للمهاجرين اليهود إليها .(8)

وهكذا استطاعت الولايات المتحدة الحصول ليس على تكاليف الحرب فحسب ، بل حققت ربحاً صافياً مقدار 23بليون دولار، لقاء حماية المصالح الغربية واليابانية في منطقة الخليج . وفي أواخر شهر تشرين الثاني من عام 1990 ، كانت الاستعدادات الحربية الأمريكية قد اكتملت ،وتم إعداد الخطة التي سينفذها الجنرال [ شوارتزكوف] التي أطلقت عليها الولايات المتحدة [ عاصفة الصحراء ] ، والتي ارتكزت على المراحل التالية (9)

1ـ المرحلة الأولى :

قيام السلاح الجوي بهجوم شامل على مراكز قيادات الجيش ، وقواعد الصواريخ ، والدفاعات الجوية ، ومحطات الرادارات ، والاتصالات ، والمطارات الحربية ، وطرق المواصلات ، والجسور ومصانع الأسلحة بأنواعها ، ومحطات الكهرباء ، وبدالات الهاتف، والاتصالات السلكية واللاسلكية ومصافي النفط وكافة المنشآت النفطية وجميع المصانع المدنية .

2ـ المرحلة الثانية :

هجوم جوي شامل على القوات البرية العراقية المتواجدة في الكويت ، وجنوب  العراق ، لإنهاكها ، وتحطيم معنوياتها، ذلك عن طريق القصف المركز والمستمر ،بأحدث ما توصلت له تكنولوجيا المصانع الحربية الأمريكية ، وقطع الإمدادات الغذائية والمياه عنها ، وقطع صلاتها بمقر القيادة العامة .

3 ـ المرحلة الثالثة :

الهجوم البري الشامل لسحق الفرق العسكرية العراقية ، وتدميرها ، مع استمرار القصف الجوي لكافة المرافق الاقتصادية في كافة أنحاء العراق ، والتأثير على معنويات الشعب العراقي وإرهابه .

لقد كانت الخطة تعتمد على قوة السلاح الجوي في مرحلتي الحرب الأولى والثانية ، وتجنب الالتحام بالقوات العراقية في البداية ، لكي لا تقع خسائر كبيرة في صفوف قواتهم ، وجعلت الهجوم البري ، مرحلة متأخرة ، لحين استكمال القصف الجوي لكافة الأهداف المحددة في المرحلتين الأولى والثانية .

كانت القوات الأمريكية والقوات الحليفة وأسلحتها من الضخامة والقوة ، أن بدت وكأن الغرب يعد لحرب عالمية ثالثة ، وليس حرباً ضد بلد صغير من بلدان العالم الثالث . (10)

 لقد وقف الرئيس الأمريكي جورج بوش يخطب في الكونجرس الأمريكي قبيل بدء القوات لأمريكية والقوات الحليفة للحرب ضد العراق قائلاً :{ إنني احتفظ بالحق في الانتقال إلى مرحلة الهجوم العسكري لتحقيق الأهداف الأمريكية في الخليج} وهذا هو واقع الحال ، فلو لم يوجد النفط في منطقة الخليج ، لما جاءت الولايات المتحدة وحلفائها بجنودهم إلى المنطقة ، ولما أصدرت هذا العدد الكبير من القرارات ضد العراق .

لقد اعتدت إسرائيل عام 1967 على البلدان العربية ، واحتلت الضفة الغربية من فلسطين ، وصحراء سيناء في مصر ، وهضبة الجولان السورية ، وأجزاء من غور الأردن ، كما اعتدت على لبنان عام 1980 واحتلت العاصمة بيروت ، وهي اليوم لا تزال تحتل أجزاء كبيرة من جنوب لبنان ، والجولان لكننا نجد  الولايات المتحدة لم تكتفِ بالسكوت عن العدوان ، بل دعمت وساندت إسرائيل في عدوانها ولم تحرك ساكناً على انتهاك كل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، منذُ قيامها عام 1948 وحتى اليوم، دون أن تلقى العقاب من مجلس الأمن ، والمجتمع الدولي. فقرارات مجلس الأمن لا تنطبق على إسرائيل ، بل على العرب وحدهم .