الفصل السادس عشر
أولاً : القوة
العسكرية للعراق .
ثانياً : الوضع
الاقتصادي للعراق بعد الحرب .
ثالثاً : العراق ، والولايات المتحدة ،
وإسرائيل .
رابعاً : مؤتمر القمة العربي في بغداد
.
خامساً : العراق يحول سهامه نحو الكويت .
سادساً : العراق يوقع معاهدة عدم
اعتداء مع السعودية .
سابعاً : تصاعد التوتر بين العراق
والكويت .
ثامناً :المخابرات الأمريكية تكشف
تحركات عسكرية عراقية تجاه الكويت
تاسعاً : خطاب صدام حسين ، ورسالة
العراق للجامعة العربية .
عاشراً : التحرك العربي لاحتواء الأزمة
العراقية الكويتية .
اأحد عشر :
السفيرة الأمريكية تقابل صدام حسين .
أولاً : القوة العسكرية
للعراق :
خرج
العراق من حربه مع إيران ، بعد ثمان سنوات من الدماء
والخراب ، وهو يملك جيشاً جراراً هو في واقع الحال أكبر جيش في الشرق الأوسط ،
ويمتلك ترسانة حربية ضخمة من شتى أنواع الأسلحة ، التقليدية منها ، وأسلحة الدمار
الشامل الصاروخية ، والكيميائية ، والبيولوجية
والجرثومية ، إضافة إلى الأعداد الهائلة من الدبابات ، والمدفعية
،والطائرات وكميات كبيرة من العتاد ،
والقنابل التي جرى حشوها بالغازات السامة ، كغاز السارين ، والخردل ، هذا بالإضافة
إلى أن العراق كان قد قطع شوطاً طويلاً في بناء مفاعله النووي لغرض الحصول على
السلاح الذري . لقد كانت الأسلحة تنهال على العراق خلال سنوات الحرب من دول الشرق
والغرب دون قيود، وكان النظام العراقي قد سخّر كل إمكانيات البلاد الاقتصادية ، وموارده النفطية ، من أجل التسلح ، كما ساهمت
السعودية وبقية دول الخليج مساهمة كبرى في دعم العراق اقتصادياً ، لضمان تدفق
السلاح إليه ، بسبب خوفهم من المد الإسلامي الإيراني من جهة ، وبضغط من الولايات
المتحدة من جهة أخرى .
لقد
قُدّرَ ما كان يملكه العراق من الطائرات ، عند نهاية
الحرب ، بما لا يقل عن
[
500 طائرة ] من مختلف الأنواع ، ومن الدبابات [5000 دبابة ]، بالإضافة إلى [3500
مدفع ] من مختلف العيارات ، وأعداد كبيرة من الصواريخ المختلفة المدايات والتي تتراوح ما بين 150 ـ 1250 كم وكميات كبيرة من القنابل الكيميائية ،
والبيولوجية ، والجرثومية ، هذا بالإضافة إلى القوة البحرية .
كانت
هيئة التصنيع العسكري ، التي كان يشرف عليها [ حسين كامل
] صهر صدام حسين، تعمل ليلاً ونهاراً من أجل توسيع المصانع الحربية ، وتخزين كميات
هائلة من إنتاجها ، وكان تحت تصرف حسين كامل 72% من موارد العراق النفطية ،
المسخرة للتسلح .
لقد
وسع النظام العراقي الجيش خلال سنوات الحرب ، حتى تجاوز
الرقم ، المليوني جندي وضابط، وإذا ما أضفنا إليه الجيش الشعبي ، الذي أجبر النظام
الصدامي جميع البالغين ، وحتى سن الستين ، على المشاركة بهذا الجيش خلال الحرب ،
فإن عدد قواته المسلحة لا يمكن حصرها .
ركز
الدكتاتور جهوده لإخضاع الجيش وضباطه ، بإقدامه على
إعدام أعداد كبيرة من الضباط ، حتى بمجرد الشك في ولائهم له ، وخلق أجهزة أمنية
واسعة ومتعددة داخل صفوف الجيش وخارجه ،
لتقدم له التقارير عن كل حركات الناس وسكناتهم ، وحماية نظامه الدكتاتوري الفاشي بشتى وسائل البطش والإرهاب والتعذيب والقتل
والسجون .
ولم
يكتفِ الدكتاتور بكل ذلك ، بل أقدم على تصفية معظم
قيادات حزبه ، وخلق قيادات هزيلة بدلاً منهم ، تأتمر بأوامره ولا تتجرأ على
معارضته .
وهكذا أصبح الحزب أداة طيعة في يده ، وغدا ما يسمى بمجلس قيادة الثورة ، والقيادة القطرية لحزب
البعث ، ومجلسه الوطني ، ومجلس وزرائه، مجرد موظفين عنده ، ينفذون أوامره لاغير ، والويل كل الويل لمن يشك في ولائه له . وصار صدام
حسين يتخذ وحده كل القرارات مهما كانت خطيرة ، دون أن
يجرأ أحد من أعضاء وزارته ، أو قيادة حزبه، أو مجلس ثورته ، على مجرد مناقشته ،
حتى ولو كان القرار يهدد مستقبل العراق ، وشعبه .
*
ثانياً:الوضع
الاقتصادي للعراق ،بعد الحرب:
خرج
العراق من حربه مع إيران ، بوضع اقتصادي لا يحسد عليه ،
فقد أستنفذ النظام الصدامي كل احتياطيات البلاد من العملة النادرة ، والذهب ،
البالغة [36 مليار دولار] ، وكل موارده النفطية خلال سنوات الحرب ، والتي تقدر
ب [ 20 مليار دولار سنوياً ]، وفوق كل ذلك
خرج العراق بديون كبيرة جداً ، للكويت ، والسعودية ، وفرنسا ، والاتحاد السوفيتي
السابق ، والبرازيل ، وغيرها من الدول الأخرى ، وقد جاوزت الديون [90 ملياراً من
الدولارات] ، وصار العراق ملزماً بدفع فوائد باهضة لقسم
من ديونه بلغت حدود 30 % ، مما جعل تلك الفوائد تتجاوز 7مليارات دولار سنوياً .
هذا بالإضافة إلى ما تطالب به إيران من تعويضات الحرب ،
بعد أن أقرت لجنة خاصة تابعة للأمم المتحدة بأن العراق هو المعتدي في تلك الحرب ،
وتطالب إيران مبلغ [160 مليار دولار ]كتعويضات حرب .لقد أثقلت الديون كاهل
الاقتصاد العراقي ، وتوقفت معظم مشاريع التنمية ، هذا
بالإضافة إلى ما يتطلبه تعمير ما خربته الحرب من أموال وجهود ، فقد جاء في تقرير
أمريكي عن وضع العراق الاقتصادي ما يلي :
{إن
الوضع الاقتصادي في العراق لا يبشر بخير ، دخله وصل إلى
25 مليار دولار ، في عام1988 ولكن صورة
الاقتصاد العراقي خلال السبعينيات قد تلاشت ، وحل محلها وضع اقتصادي مظلم ، وخراب
واسع في أنحاء البلاد ، وفي ظل الحكومة الحاضرة ، وسياستها الاقتصادية ، فإن
الاقتصاد يتحول من سيئ إلى أسوأ ، وإن ذلك يمهد لسياسة عراقية متهورة ،في محاولة
للخروج من المأزق الاقتصادي الذي يمر به}.
لقد
أصبح العراق بعد حربه مع إيران يملك القوة ، ولكنه في
الوقت نفسه يعاني من اقتصاد متدهور ، وديون تثقل كاهله ، وجواره بلدان عربية ضعيفة
عسكرياً ولكنها غنية جداً ، تغري ثرواتها أصحاب القوة ، وخاصة بالنسبة إلى بلد مثل
العراق ، الذي يحكمه نظام دكتاتوري يقوده رجل كصدام حسين ، هذا الرجل الذي أصابه
غرور لا حدّ له ، بعد أن أنتصر في حربه ضد إيران
واصبح لديه جيش جرار ، وترسانة هائلة من أسلحة
الدمار الشامل ، والأسلحة التقليدية ،
ومصانع حربية متطورة ، ولكنه يفتقد إلى المال لسداد ديونه ، وتعمير ما
خربته الحرب ، هذا بالإضافة إلى ما يتطلبه لإدامة جيشه ، ومواصلة تسلحه ، ناهيك عن
مشاريع التنمية التي تحتاجها البلاد ، والتي توقفت خلال سنوات الحرب .
ولاشك
أن هذه الظروف الاقتصادية الصعبة ، التي خلقها النظام
العراقي نتيجة تهوره ، واندفاعه لتنفيذ المخططات الإمبريالية ، بشنه الحرب ضد
إيران والتي ظنها نزهة قد تدوم بضعة أسابيع ، أو بضعة اشهر على أبعد الاحتمالات ،
وأراد لها مخططوها أن تدوم سنوات طوال ، وبقوا يغذونها باستمرار ، تارة يقدمون
المساعدات للعراق ، وتارة أخرى لإيران .
ولابد
أن أشير هنا إلى أن العراق ، الذي خاض ثمان سنوات من
الحرب ،لم يجابه خلالها نقصاً في السلع الغذائية ، وغيرها من السلع الأخرى ، فقد
كانت الأسواق تُملأ كل يوم ، بكل ما يحتاجه البلد ، حيث أغرقت الولايات المتحدة وحلفائها
الأسواق بالمواد الغذائية ، والألبسة ، والأجهزة المنزلية كافة ، فقد كان على
مشعلي الحرب أن يخففوا ما استطاعوا من التذمر الشعبي من تلك الحرب المجرمة ، التي
حصدت أرواح نصف مليون من خيرة شباب العراق ، ورملت عشرات الألوف من النساء ،
ويتّمت مئات الألوف من الأطفال ، ومزقت قلوب الآباء والأمهات ، وكل ذلك من أجل أن
تستمر الحرب ، لكي يعبئ كبار الرأسماليين جيوبهم ببلايين الدولارات ، على حساب بؤس
الشعبين ، العراقي والإيراني وعذاباتهم ،ودماء بنيهم .
ثالثاً : العراق،
والولايات المتحدة، وإسرائيل :
أصبح
العراق ، بعد نهاية الحرب مع إيران ، بما يمتلكه من قوة
، وسلاح ، مصدر خطر على الخليج وخاصة وأن أزمته الاقتصادية قد أصبحت من العمق ما
يهدد بوقوع انفجار جديد في المنطقة، ولا سيما وأن
العراق يحكمه نظام دكتاتوري متهور يقوده صدام حسين .
كانت
الولايات المتحدة وإسرائيل يراقبان عن كثب تسلح العراق ، وخاصة في مجال الصواريخ البعيدة المدى ، والأسلحة
الكيماوية ، والبيولوجية ، والجرثومية ، ومحاولات نظامه المتسارعة
لتطوير قدراته النووية ، بغية الوصول إلى إنتاج السلاح النووي ، كل هذا أثار حفيظة
الولايات المتحدة ، وإسرائيل ، وبدأت الشكوك تتصاعد حول مستقبل القوة العراقية ،
ثم سرعان ما تحولت الشكوك إلى حقيقة واقعة ، على الرغم من محاولات صدام حسين
المحمومة لتحسين صورته إمام الولايات المتحدة الأمريكية .
ففي
أواخر عام 1989 ، توجه [طارق عزيز ] نائب رئيس الوزراء ،
ووزير الخارجية ، إلى الولايات المتحدة ، حيث قابل الرئيس [ جورج بوش ] ، ووزير
خارجيته [جيمس بيكر ] ، وأجرى الطرفان
حواراً مطولاً وصريحاً حول العلاقات العراقية الأمريكية ، أصدر بعدها الرئيس بوش
توجيهاً داخلياً إلى إدارته ، يطلب منها أن تحرص على تنمية علاقات طبيعية مع
العراق قائلاً ، إن ذلك قد يساعد في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط .
ثم
عاد الرئيس بوش في 16 كانون الثاني 1990 ، فأصدر أمراً
رئاسياً جاء فيه :
[ إن
زيادة حجم التجارة مع العراق يمكن أن يكون مفيداً
للمصالح الأمريكية].(1)
وبالفعل
، حصلت [شركة بكتيل ] على عقود في العراق تصل قيمتها إلى [1200 مليون ] وفي
نفس الوقت أقدم العراق على وقف دعمه لميشيل عون في لبنان ، واتخذ موقفاً مرناً من
الصراع العربي الإسرائيلي ، حيث أعلن حكام العراق أن دول المواجهة مع إسرائيل حرة
في الحركة للوصول إلى تسوية سلمية للنزاع العربي الإسرائيلي .
إلا
أن تلك العلاقة لم تدم طويلا ، إذ ما لبثت وسائل الإعلام
الأمريكية ،التي تهيمن عليها الصهيونية العالمية ، أن بدأت في الشهور الأولى من
عام 1990 بشن هجومها على صدام حسين ، متهمة إياه بالعمل على تهديد الأمن والسلام
في الشرق الأوسط ، والسعي لامتلاك ، وتطوير أسلحة الدمار الشامل .
ورغم
محاولات الملك حسين ، ملك الأردن ، والرئيس المصري حسني
مبارك لتلطيف جو العلاقات بين العراق والولايات المتحدة ، فإن تلك المحاولات لم
تستطع تبديد شكوك الولايات المتحدة ، وإسرائيل ، وبالنظر لما تمتلكه إسرائيل من
تأثير كبير على السياسة الأمريكية ، وعلى وسائل الإعلام الأمريكي والعالمي ، فقد
لعبت إسرائيل دوراً كبيراً في تخريب العلاقات بين العراق والولايات المتحدة ،
وبدأت الصحافة الأمريكية ، والغربية عموماً ، تشن حرباً كلامية على النظام العراقي
، وتصاعدت حرب الكلمات إلى حرب أعصاب ، ثم إلي الكراهية ، لتسير بعد ذلك إلى الحرب
الحقيقية ، والدماء .
ففي
11 شباط 1990 قام [جون كيللي ]، مساعد وزير الخارجية الأمريكية ، بزيارة إلى بغداد ، وأجرى مباحثات مع حاكم بغداد ،
صدام حسين ، حول العلاقات العراقية الأمريكية ، أثار صدام حسين قضية الحملة
الإعلامية التي تشنها الصحافة الأمريكية ضد نظامه ، وحاول جون كيللي
التخفيف من آثار تلك الحملة ، مدعياً أن الصحافة تمثل وجهة نظرها ، وهي حرة في
الكتابة والتعبير ، وهي ليست بالضرورة تعبر عن السياسة الرسمية للولايات المتحدة
.(2)
وفي
15 شباط ، صدر تقرير عن لجنه حقوق الإنسان ، التابعة
للأمم المتحدة ، يتهم النظام العراقي بالقيام بممارسات منافية لحقوق الإنسان ، من
تعذيب ، وقتل ، واعدامات ، وقامت إذاعة صوت أمريكا
بإذاعة التقرير ، ثم أعقبته بتعليق يمثل وجهة النظر الرسمية للحكومة الأمريكية ،
وقد أحتوى التعليق على هجوم شديد على سلوك وتصرفات الحكومة العراقية .
وفي
19 شباط ، ألقت السلطات الأمريكية القبض على أحد عملاء
النظام العراقي ، بتهمة تدبير محاولة
اغتيال معارض عراقي لاجئ في الولايات المتحدة ، وقامت الحكومة الأمريكية على الأثر
، بطرد أحد أعضاء السفارة العراقية في واشنطن ، وردت الحكومة العراقية على الإجراء
الأمريكي ، بطرد أحد أعضاء السفارة الأمريكية في بغداد .
وفي
20 شباط 1990 ، أعلنت إسرائيل أنها اكتشفت وجود وحدات
عسكرية عراقية في الأردن ، وعلى الأثر قامت الطائرات الأمريكية بطلعات استكشافية
فوق الأردن ، أعلنت بعدها الولايات المتحدة عن اكتشاف 6 قواعد إطلاق صواريخ عراقية
قرب قاعدة ( H2
)
الجوية الأردنية ، وقامت إسرائيل إثر ذلك بتكثيف حملاتها على العراق ، واتخذ
الكونجرس الأمريكي قراراً بوقف بيع القمح الأمريكي للعراق.(3)
وفي
21 شباط 1990 نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً عن حقوق الإنسان في العراق يتألف من 12
صفحة ، وصفت فيه حكام العراق بكونهم أسوأ مُنتهك لحقوق الإنسان، وممارسة التعذيب ،
والقتل دون محاكمة ، أو إجراء محاكمات سريعة لا تتيح للإنسان الدفاع عن نفسه ،
وبدا وكأن الولايات المتحدة قد اكتشفت لتوها جرائم النظام الصدامي ، التي مارسها بحق الشعب العراقي منذُ تسلطه على الحكم في
البلاد عام 1968 ، والتي راح ضحيتها مئات الألوف من المواطنين الأبرياء ، وسكتت عن
حملة الأنفال الفاشية ضد الشعب الكردي ، وقتل سكان مدينة حلبجة عن بكرة أبيهم
بالسلاح الكيماوي ، فلم تكن كل تلك الجرائم تحرك ضمير حكام الولايات المتحدة ، طالما لا تؤثر على
المصالح الأمريكية ، والإسرائيلية .
وفي
9 آذار تصاعدت الحملات ضد النظام العراقي ، على أثر
إقدام النظام على اعتقال الصحفي البريطاني [فازاد بازوفت] مراسل صحيفة الابزورفر
البريطانية ، بتهمة التجسس ، حيث اتهمته بالقيام بزيارات لمنطقة عسكرية ، تضم
مجمعاً التجسس حيث اتهمته بالقيام بزيارات
لمنطقة عسكرية ، تظم مجمعاً لإنتاج الصواريخ ، أحالته إلى[ محكمة الثورة ] ، التي
أصدرت عليه حكماً بالإعدام .
ورغم جميع المحاولات التي قامت بها بريطانيا ، وحلفائها الغربيين لإنقاذ حياته ، فقد أقدم حكام
بغداد على تنفيذ حكم الإعدام به في 15 آذار ، وأدى ذلك الإجراء إلى تصاعد الحملات
على النظام العراقي في الصحف الغربية، ووصفت صحيفة [الابزورفر]
صدام حسين بأنه جزار بغداد ،وكأن صدام حسين لم يصبح جزاراً إلا بعد أن أقدم على
إعدام الصحفي بازوفت !! .
وفي 18 آذار ، أعلنت الحكومة البريطانية أنها عثرت على شحنات من
أجهزة [المتسعات ] التي تستخدم في
التفجيرات النووية كانت في طريقها إلى العراق ، وتمت مصادرتها .
وفي
نفس اليوم ، وقف صدام حسين في اجتماع عام ، أمام عدسات
التلفزيون ، وبيده مجموعة من المتسعات وهو يتحدث باستهزاء قائلاً :
[ هذه هي المتسعات
التي يتحدث عنها الإنكليز ؟لقد صنعها أبنائنا النشامى
في هيئة التصنيع العسكري ] .
وفي
27 آذار 1990 التقي صدام حسين
بملك السعودية [ فهد ] في حفر الباطن بالسعودية ، وشكى له من الولايات المتحدة ، وأبلغه بأن الولايات المتحدة
تضمر الشرّ للعراق ، وقد أجابه الملك فهد بأنه لا يعتقد ذلك ، وأن الرئيس بوش رجل
طيب !! ، ثم انتقل صدام في شكواه للملك فهد إلى حكام الكويت
، قائلاً :
[إن
حكام الكويت قد رفعوا إنتاجهم النفطي عن الحصة المقررة في مؤتمر الأوبك ،وأن هذا الإجراء قد أضر كثيراً ، ليس بالعراق فحسب ،
بل وبالسعودية أيضاً ، فقد أدى إلى انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية ، وهذا
ما أدى إلى انخفاض مداخيل العراق بشكل كبير ، ذلك أن
انخفاض بمقدار دولار واحد لبرميل النفط ، يعني خسارة العراق لمبلغ بليون دولار
سنويا ]، وقد وعد الملك فهد بالاتصال بأمير الكويت والتباحث معه حول الموضوع .
وكانت هذه الشكوى مؤشراً واضحاً على نوايا الحاكم بأمره في بغداد
.
وفي
الوقت نفسه وجه صدام حسين تحذيراً شديداً إلى الدول التي تتجاوز حصص الإنتاج ، وطالب برفع سعر البرميل الواحد من النفط إلى مستوى
25 دولار، وعدم السماح بهبوطه إلى ما تحت 18 دولار . وكان موقف الحكومة السعودية
مع الحفاظ على حصص الإنتاج ، وأقدمت الحكومة على إعفاء
وزير النفط [ أحمد زكي يماني ] من منصبه ،بالنظر لمساعيه الكبيرة ،والمكشوفة ،في
خدمة المصالح الأمريكية والغربية . وفي
29 آذار من نفس العام ، أعلنت بريطانيا أنها عثرت على
قطعة من مواسير المدفع العملاق ، الذي كان العراق يسعى لتصنيعه في طريقها إلى
العراق ، وجرت مصادرتها . وكانت المخابرات الإسرائيلية قد قامت قبل أسبوع من هذا
التاريخ [ 22 آذار] باغتيال العالم الدكتور [جيرالد بول] الخبير في صنع المدفع العملاق ، في أحد فنادق العاصمة البلجيكية [ بر وكسل ] .
وفي
30 آذار 1990 أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ، أن
إسرائيل لابد أن توجه ضربة وقائية للعراق ، في أي وقت تشعر فيه بأنه قد أصبح خطر
عليها . ثم أعقبه رئيس الوزراء [ شامير] بالقول بأن إسرائيل
ستوجه ضربة للعراق إذا أحست انه في طريقه لإنتاج قنبلة نووية .
في 1
نيسان رد صدام حسين على التهديدات الإسرائيلية قائلاً :
[ إن العراق سوف يرد على إسرائيل ، إذا ما تجرأت على استخدام السلاح النووي ضد العراق ، ويحرق نصف إسرائيل
بالكيماوي المزدوج ] . (4)
وفي
3 نيسان 1990 ، أطلقت إسرائيل قمرأً
تجسسياً ، وأطلقت عليه أسم [ الأفق ] ، وكان الهدف من
إطلاقه مراقبة ما يدور في الجانب العراقي .
وفي
14 نيسان وقف رئيس وزراء إسرائيل شامير يهدد ويعلن بأن
إسرائيل تحتفظ لنفسها بحرية العمل لتدمير قواعد الصواريخ العراقية
.
وفي
18 نيسان ، رد صدام حسين في مقابلة له مع وفد عربي من
اتحاد نقابات العمال قائلاً : [ إن أي هجوم من قبل إسرائيل على العراق سيواجه بحرب
شاملة ، لن تتوقف إلا بتحرير كامل الأرض العربية ] .
وفي 19 نيسان ، أعلن
الرئيس الفرنسي [ متران ] ، أن فرنسا تؤيد جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح
النووي ، وأن الأعضاء الدائميين في مجلس الأمن الدولي سوف يجتمعون في تموز القادم
لبحث الموضوع المذكور .
وفي
21 نيسان أعلن العراق
أن طائرة استطلاع أمريكية ، وطائرات الأواكس
، قد حلقت في سماء العراق وهكذا بدأت الحرب الكلامية ، وتصاعدت بين النظام العراقي
من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى ، حتى بدا وكأن الحرب على وشك
الوقوع في الشرق الأوسط ، بين العراق وإسرائيل ، وكان صدام حسين ينتهز كل فرصة
للتحدث عن قوته ، وسطوته ، وأسلحته، واستعداداته الحربية ويهدد بضرب اسرائيل بالكيماوي المزدوج ،ويتفاخر باستطاعة هيئة التصنيع
العسكر انتاج المتسعات في الوقت الذي
كان نظامه يعاني من أزمة اقتصادية حادة لا يعرف كيف يخرج منها .
رابعأ:عقد مؤتمر القمة العربية في بغداد :
في
خضم تصاعد الأزمة بين العراق والولايات المتحدة وإسرائيل ،
وتصاعد لهجة التهديدات من كلا الطرفين ، جرت الدعوة من قبل العراق وبعض الدول
العربية ، لعقد مؤتمر للقمة العربية في بغداد لدراسة الأوضاع العربية ، والتهديدات
الإسرائيلية بضرب العراق ، وتدهور العلاقات العراقية الأمريكية . وقد تمت الموافقة
على عقد المؤتمر ، وحُدد له يوم 28 أيار 1990 .
سبق
عقد المؤتمر اجتماع وزراء الخارجية العرب لإعداد جدول مباحثات القمة
، وفي أثناء الاجتماع حدثت خلافات حادة بين وزير الخارجية العراقية من جهة
، ووزيرا خارجية مصر ، والسعودية من جهة
أخرى ، حينما قدم العراق مشروع قرار يدين الولايات المتحدة ، ويتهمها بتهديد
العراق ، ودعمها لإسرائيل .فقد أعترض الوزيران على ذكر الولايات المتحدة ، ولم يتوصل المجتمعون إلى صيغة قرار بشأن الموضوع ،وتقررعرض الموضوع على الملوك والرؤساء للبت فيه .
وأنعقد المؤتمر في موعده المقرر في بغداد ،وكان جو المؤتمر كئيباً جداً ، حيث بدأ صدام حسين خطابه
الافتتاحي بمهاجمة الولايات المتحدة ، مما سبب إحراجاً ، وقلقاً كبيراً لدى العديد
من الملوك والرؤساء العرب ، كمصر ، والسعودية ، وحكام الخليج ، الذين يحرصون على
عدم إغضاب الولايات المتحدة . ومما جاء في خطاب صدام حسين قوله
:
[ إن
الأمة العربية كلها مستهدفة ، والعراق أول المستهدفين ،
فهو الآن في مواجهة مؤامرة أمريكية عسكرية
، واقتصادية ، وحصار تكنولوجي ، وإعلامي ، ويتحتم على الأمة العربية أن تتصرف على
اعتبار أنها كلها حالة واحدة ، لأن الأعداء يعاملونه كحالة واحدة ، حتى وإن
استعملوا البعض منا أحياناً ضد البعض الآخر . نحن جميعاً على فوهة بركان ، ولا يتصور أحد أن بمقدوره أن يجري بسرعة ليبتعد عن
مركز الانفجار،أو مجرى الحمم ] .
شعر
الملوك والرؤساء العرب بضيق شديد وتمنى معظمهم لو انهم
لم يحضروا المؤتمر ، وأخذوا يعدون الدقائق لانتهائه ،
والعودة إلى بلادهم ، فقد كان صدام حسين يتحدث إليهم والشرر تتطاير من عيونه .
وعندما طُرح
مشروع قرار بدعم منظمة التحرير الفلسطينية ، بمبلغ 150
مليون دولار ، سادت القاعة فترة من الصمت ، وكان عدم الرضا بادياً على المجتمعين ،
ولما طرح الأردن طلبه بتجديد الدعم الذي كان قد أقره مؤتمر القمة السابق ، عام
1979 ، أبدا ملوك وأمراء الخليج رأيهم في أن يكون قرار المساعدات للأردن على أساس
الاتصالات الثنائية ، وكان ذلك يشير بوضوح إلى رغبة حكام الخليج للتهرب من أي
التزام .وكان أن ثار صدام مرة أخرى ، موجهاً عتاباً مراً
لهم على تقصيرهم في تقديم العون للدول الشقيقة ، ولمنظمة التحرير الفلسطينية .
أشتعل
جو المؤتمر ، أحس الحاضرون أن كابوساً قد سقط فوق رؤوسهم
، وأرادوا إنهاء المؤتمر ، ومغادرة بغداد ، وفي النهاية ، في 30 أيار ، وقع المجتمعون على مقررات
المؤتمر دون اعتراض ، فقد كانت تصرفات صدام حسين قد أثارت المخاوف في نفوسهم ،
وكان أكثر من أغاظ صدام هو أمير الكويت ، فقد شكى صدام
للملك فهد من تصرفات حكومة الكويت تجاه العراق قائلاً :[ إن الكويتيين يضاربون على
الدينار العراقي ،لخفض سعره ، ويخربون أسعار النفط ، بتجاوزهم حصص الإنتاج ، مما
يضر كثيراً جداً بمصالح العراق الاقتصادية ] ، وقد أقترح الملك فهد عقد قمة مصغرة
تضم العراق ، والكويت ، والسعودية ، والإمارات للعمل على التوصل لحل حاسم وعادل
لقضية الحصص ، والأسعار .
وعند
مغادرة أمير الكويت ، الشيخ جابر الصباح ، وكان برفقته
إلى المطار ، صدام حسين ، جرى بين الاثنين حديث عن العلاقات الكويتية العراقية ،
ومسألة الديون البالغة [30 مليار دولار]،حيث طالبه صدام حسين بالتنازل عنها . وكان
رد الأمير ، أن الكويت لم تطالبكم بالديون ، إلا أن صدام
حسين رد عليه طالباً منه التنازل عن الديون بصورة رسمية ، وحاول الأمير التخلص من
إلحاح صدام قائلاً له : [
إن تنازل الكويت بصورة رسمية سوف يجعل الآخرين يطالبوننا بنفس الشيء ، هذا
بالإضافة إلى أن التنازل الرسمي عن ديوننا ، سيجعل ديونكم أقل لدى صندوق النقد
الدولي ، ويجعل الدائنين يطالبونكم بديونهم ، وكان واضحاً أن الكويت لا تريد
التنازل عن ديونها للعراق] .
خامساً : النظام العراقي
يحول سهامه نحو الكويت :
في
خضم الأحداث ، والتهديدات المتقابلة بين العراق من جهة
،وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى ، وتوجه أنظار العالم أجمع إلى ما يمكن
أن تتمخض عنه تلك التهديدات ، غيّر العراق على حين غرة اتجاه هجومه نحو الكويت ، فقد أعلن في 3 أيار
1990 أن الكويت تقوم بدور كبير في تخريب أسعار النفط ، حتى وصل سعر البرميل إلى
أدنى مستوى له منذُ عام 1972 ، وبلغ 11 دولار ، وإن هذا العمل يضر بمصالح العراق ،
الذي خرج من حرب دامت 8 سنوات ، دفاعاً عن البوابة الشرقية للوطن العربي !! ،
وحماية أمن الخليج !!، وقد سببت الحرب للعراق أزمة
اقتصاد حادة ،وذكّر حكام الكويت بأن هبوط دولار واحد من أسعار النفط يسبب للعراق
خسارة تتجاوز المليار دولار ، وإن العراق لا يمكنه السكوت على هذه الحال .
وفي
شهر تموز من عام1990 ، عاد صدام حسين مرة أخرى إلى
علاقته مع الكويت ، ومسألة التزام حكومتها بحصص الإنتاج المقررة من قبل منظمة
الأوبك ، والمحافظة على مستوى الأسعار ، التي أخذت تنحدر شهراً بعد شهر ، ولم تخفي
الحكومة الكويتية ، وحكومة الإمارات العربية المتحدة أنهما قد زادا من إنتاجهما تجاوزاً على الحصص المقررة ، مما أثار غضب العراق .
لقد
بدا من تصرفات الكويت ، والإمارات ، أن هناك أمراً يدبر
في الخفاء ، لا من قبل هاتين الدولتين ، وإنما من جهة كبرى ، وهي بالتأكيد
الولايات المتحدة ، التي رأت في
التضييق على العراق إقتصادياً ، خير سبيل لكسر
شوكته ، فليس من المعقول أن تتحدى دويلتان صغيرتان كالكويت والإمارات العراق
المزهو بنصره على إيران ، والذي يملك أقوى وأكبر جيش في الشرق الأوسط إذا لم يكن وراءهما الولايات المتحدة .
لقد
وصل الأمر بوزير النفط الكويتي [ على خليفة الصباح ] أن تحدى العراق علناً ، في مؤتمر الأوبك قائلاً بان الكويت لا تنوي الالتزام
بحصتها المقررة من الإنتاج ، وهي مليون وسبعة وثلاثين ألف برميل يومياً ، وتصر على
إنتاج مليون وثلاثمائة وخمسون ألف برميل
،وكان وزير النفط الكويتي يتحدث في المؤتمر ، وكأنه رئيس دولة عظمى ، تملي شروطها
على الآخرين ، ولاشك أن الكويت ما كانت لتجرأ على هذا التصرف لولا تحريض ، ودعم
الولايات المتحدة .
وحاول
الوزير الكويتي أن يجعل الخلاف ليس مع العراق وحده ،
وإنما مع السعودية كذلك، للتمويه، لأنها طالبت بالالتزام بحصص الإنتاج قائلاً : [
إن الكويت ، والسعودية على طريق التصادم المحقق بسبب حصص الإنتاج ، فنحن لا ننوي
التراجع عن موقفنا ] !!.
لكن كلام [علي
الخليفة الصباح] في حقيقة الأمر لم يكن موجهاً للسعودية ، وإنما بكل تأكيد موجهاً
للعراق ، وأنه بهذا الخلط أراد أن يُشعر العراق وكأن خلافات الكويت ليست مع العراق
فحسب ، وإنما مع السعودية أيضاً !! . كاد صدام حسين أن يفقد صبره في تلك الأيام ، من تصرفات حكام الكويت ، فقد سبب انهيار أسعار
النفط خسارة كبيرة قُدرت ب[ 7 بليون دولار ] ، في وقت هو أحوج ما يكون لهذا المبلغ
الكبير ، بعد حربه مع إيران .
وفي
الوقت الذي كانت فيه حكومة الكويت تزيد من إنتاجها النفطي ،
فأنها كانت تجني الأرباح الطائلة من استثماراتها في الخارج ، وتعوض فرق أسعار
النفط ، حيث أن نصف دخل الكويت يأتي من تلك الاستثمارات .
وهكذا
أخذت الأزمة بين العراق والكويت تتصاعد حدتها ، يوماً
بعد يوم ، وكانت الولايات المتحدة تدفع حكام الكويت على عدم الاستجابة لأي من
مطالب العراق ، لكي تعمق الأزمة ،وتوصلها إلى مرحلة الانفجار،وتدفع صدام حسين إلى
عمل متهور ضد الكويت ،لكي تتخذه ذريعة
لتوجيه ضربة قاضية للعراق ، ولتدمر ترسانته الحربية ،وبنيته الاقتصادية ،وتعود به
إلى الوراء عشرات السنين .
*
سادساً:النظام
العراقي يوقع معاهدة عدم اعتداء مع السعودية:
نتيجة
للتوتر الشديد الذي أصاب العلاقات العراقية الكويتية ،
بسبب عدم التزام الكويت بحصص الإنتاج ، وتدهور أسعار النفط في الأسواق العالمية
،ورفض حكومة الكويت التنازل رسمياً عن ديونها على العراق .
فقد اختمرت في عقل صدام حسين فكرة العدوان عليها ، وضمها للعراق .كان على صدام حسين أن يهيئ الظروف للعدوان ، وليطمئن السعودية ، وبقية دول الخليج بأنه لا يضمر لهم أي عدوان ، وعلى ذلك قرر صدام أن
يقوم بزيارة رسمية إلى السعودية ، بدعوى التباحث مع الملك فهد حول موضوع الالتزام
بحصص الإنتاج ، والعمل على رفع أسعار النفط إلى ما كانت عليه سابقاً ، ثم لينتقل
إلى الهدف الحقيقي من زيارته ، ليعرض على الملك فهد عقد معاهدة عدم اعتداء بين
العراق والسعودية ، ولكي يفهمه أنه لا يضمر شراً للسعودية .
فوجئ الملك فهد
باقتراح صدام حسين ، وسأله إن كانت المعاهدة ضرورية ،
فكان جواب صدام أن أطراف عديدة تحاول تخريب العلاقة بين البلدين ، وخاصة بعد أن
خرج العراق من حربه مع إيران منتصراً .وكان جواب الملك فهد ،
بأنه وأن كان يرى أن علاقة الدم هي أقوى من أي معاهدة ، فإنه على استعداد لعقد
المعاهدة المقترحة .كان صدام حسين في تلك الأيام يخطط لمهاجمة الكويت
، أراد أن يستغل المعاهدة المقترحة مع السعودية ، لكي يضمن حيادها ،ذلك أن
الكويت عضو في مجلس التعاون الخليجي ، وبينها وبين دول المجلس معاهدة للدفاع
المشترك ، والسعودية أكبر دول المجلس ، ولذلك أراد أن يطمئنها بأنه ليس له أي
أطماع في أراضيها ، كما أراد صدام حسين أن يطمئن الولايات المتحدة بصورة خاصة
والغرب بوجه عام ، بأنه لا ينوي الاعتداء على السعودية ، التي تتسم بأهمية خاصة جداً
بالنسبة لهم باعتبارها أكبر مصدر للنفط في
منطقة الخليج .
*
سابعاً : تصاعد التوتر
بين العراق والكويت :
بدأت العلاقات بين العراق والكويت تأخذ مجراً خطيراً ، فالكويت تصّر على
سياستها النفطية ، وزيادة إنتاجها ، متخطية حصتها المقررة بموجب قرارات الأوبك ، والعراق
يطالبها بالالتزام ، والعمل على رفع الأسعار . وكانت الولايات المتحدة تعمل في
الخفاء على إذكاء الصراع بين البلدين ، وإيصاله نحو
الذروة ، لدفع صدام حسين إلى المخاطرة باجتياح الكويت .
وفي
تلك الأيام انعقد مؤتمر الاوبك مرة أخرى لبحث الوضع
المتأزم بين العراق والكويت ، ومسألة الأسعار ،
والالتزام بحصص الإنتاج لكل دولة .
ومرة
أخرى أصر الوفد الكويتي على تجاوز حصته من الإنتاج ،
بدفع من الولايات المتحدة ، مما دفع صدام حسين إلى إرسال رسالة إلى أمير الكويت ،
الشيخ جابر الأحمد الصباح ، يطالبه فيها باتخاذ كل الإجراءات التي من شأنها الحفاظ
على مستوى معقول لأسعار النفط ، والتقيد بحصص
الإنتاج لكن الرسالة لم تغّير مواقف
الحكومة الكويتية ، والتي هي إرادة الولايات المتحدة بالطبع ، مما أدى إلى تصاعد
التوتر بين الطرفين .
حاولت
السعودية ، والأردن التوسط بين الطرفين ، لكن المحاولة
لم تثمر ، بل على العكس ظهرت أشياء جديدة أخرى على سطح الأحداث ، فقد أخذ صدام
حسين يتحدث عن حمايته لأمن الخليج بحربه
مع إيران طيلة 8 سنوات !! ، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء مئات الألوف من أبنائه ، وردت الكويت على دعاوى العراق ، بأنها قد ساعدت
العراق ، حيث قدمت له ، بعد أسابيع من بداية الحرب قرضاً بمبلغ 5 بلايين دولار ، ، وأنها كانت تصدر لحساب العراق 125 ألف برميل من النفط
يومياً للإيفاء بالتزامات العراق المالية المتعاقد عليها مع الدول الأخرى لغرض
التسلح .
أما
صدام حسين فقد رد على حكام الكويت قائلاً : [ إن الأموال
هي أرخص تكاليف الحرب ، وإن القرض هو دين علينا أن نرده ، وأن العراق خسر مئات البلابين ، ومئات الألوف من أرواح أبنائه دفاعاً عن الخليج]
!!.
وردت
حكومة الكويت بأنها هي أيضاً تعرضت لنيران الحرب ، حيث
جرى قصف منشآتها النفطية وناقلاتها
،واضطرت لشراء الحماية من الدول الكبرى لناقلاتها .وجاء الرد العراقي متهماً
الكويت بأنها لم توافق على إعطائه تسهيلات في جزيرتي[ بوربا ، وبوبيان]
وأن الكويت لو فعلت ذلك لاستطاع العراق تحرير الفاو منذ زمن طويل .وردت حكومة
الكويت بأنها لو أعطت تلك التسهيلات للعراق ، لتمسك بها
، ورفض الخروج منها ، ولم يكد صدام حسين يسمع الجواب حتى بادر إلى القول ، أن
الجزيرتين عراقيتان ، وسارع حكام الكويت إلى الرد بأن النظام العراقي بدأ يكشف عن
أطماعه في الكويت .
وهكذا تصاعدت لهجة حكام البلدين إلى درجة تنذر
بعواقب وخيمة ، فقد اتهم العراق حكام الكويت باستغلال
انشغال العراق في الحرب ، للزحف داخل الأراضي العراقية ، وتغير الحدود ، وسرقة نفط
حقل الرميلة الجنوبي ، وأن الكويت باعت نفطاً من هذا
الحقل ما مقداره[ 2000 مليون دولار ] .
وردت
حكومة الكويت بأن العراق يرفض تثبيت الحدود بين البلدين ،
وأن له أطماع في الكويت ، وأن ادعاء حكام العراق عن زحف مزعوم للحدود الكويتية
تجاه العراق ، وسرقة نفط حقل الرميلة الجنوبي لا أساس
له من الصحة . وفي واقع الحال كان العراق يتهرب دائماً من مسألة تثبيت الحدود بين البلدين ، بشتى الوسائل والأعذار ، مدعياً بأن العراق منشغل في
حربه مع إيران ، وأن الوقت غير مناسب للبحث في هذا الموضوع .
وعندما
انتهت الحرب ، وعاد السلام إلى المنطقة ، أرادت حكومة
الكويت فتح باب الحدود من جديد ، وتوجه ولي العهد الكويتي [ سعد العبد الله الصباح
] إلى بغداد ، في 6 شباط 1989 لتقديم التهنئة للحكومة العراقية على انتهاء الحرب ،
ولفتح ملف الحدود .
وفي
يوم وصوله ، نشرت صحيفة القادسية ـ لسان حال وزارة
الدفاع ـ مقالاً حول مسألة الحدود ، قبل أن يطرحها الشيخ سعد ، وكانت المقالة أشبه
بعاصفة إعلامية ، فقد أتهم المقال حكومة
الكويت بقضم أراضٍ عراقية ، وأعاد إلى الأذهان أن جزيرتي ، بوربا وبوبيان عراقيتان. أثار الشيخ سعد، في أول لقاء له مع نائب رئيس الوزراء ، ووزير الدفاع ، عدنان خير الله ، موضوع الحملة
الصحفية ، التي قيل آنذاك أن صدام حسين نفسه ، هو الذي أملى المقال على الصحيفة ،
وأشار الشيخ سعد بأنه فكر في قطع الزيارة ، والعودة إلى الكويت ، وكان رد الوزير
العراقي ، أن قطع الزيارة ليس في صالح العلاقات العراقية الكويتية .
رضخ
الشيخ سعد للواقع ، وعقد لقاءات مع طارق عزيز ، وزير
الخارجية ، وعزت الدوري ، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ، وجرى خلال اللقاءات نقاش
حول الحدود ، ثم حان وقت لقاء الشيخ سعد بصدام حسين ، وتحدث صدام مع الشيخ سعد ،
وكأنه لا يعرف شيئاً عن الموضوع ، وطلب من الشيخ سعد أن يلتقي مرة أخرى بطارق عزيز
، ويبحث معه الأمر ، وأبلغه بأنه مخول بكل شيء، ثم التفت صدام إلى طارق عزيز
قائلاً له : [لابد وأن تحلوا هذا الموضوع ، شكلوا لجنة على أعلى مستوى ، ودعونا
ننتهي منه ] . أقترح طارق عزيز أن تكون اللجنة بمستوى الجانب الكويتي
، أي أحد نواب رئيس مجلس قيادة الثورة ، بالإضافة إلى وزيرا خارجية البلدين
.
وفي
نهاية أيلول 1989 ، قام أمير الكويت بزيارة رسمية إلى
بغداد ، غير أنه لم يجر التطرق خلال الزيارة إلى مسألة الحدود ، إلا أن أحد
الوزراء المرافقين للأمير سأل رئيس الوزراء ، سعدون حمادي عن إمكانية عقد معاهدة
عدم اعتداء بين البلدين ، على غرار المعاهدة العراقية السعودية ، وقد أجابه سعدون
حمادي بأن الوقت غير مناسب ، قبل الانتهاء من مسألة تثبيت الحدود .
وهكذا
عاد أمير الكويت إلى بلاده دون أن يحقق شيئاً ، وبعد
شهرين من تلك الزيارة اشتدت الخلافات بين البلدين حول موضوع الالتزام بحصص الإنتاج
وسقفه ، وحول مسألة الأسعار ، واتهم صدام
حسين كل من الكويت والإمارات العربية بتخريب اقتصاد العراق .
وفي
كانون الثاني 1990 ، توجه سعدون حمادي إلى الكويت ،
وأجرى مباحثات مع وزير الخارجية ، صباح الأحمد الصباح ، وطلب من الحكومة الكويتية
قرضاً بمقدار [10 بلايين دولار] ، وقد أجابه الشيخ صباح بأن الحكومة سوف تدرس
الموضوع ، وترد على العراق فيما بعد .
وبعد
شهر تقريباً من تلك الزيارة قام الشيخ صباح الأحمد بزيارة إلى بغداد
، وأجرى لقاءات مع المسؤولين العراقيين ، ولمح خلال الاجتماع إلى الديون
الكويتية على العراق ، وأبلغهم أن الكويت لا تستطيع أن تقرض العراق أكثر من[ 500
مليون دولار] ، تضاف إلى الديون السابقة ، مما أثار غضب صدام حسين ، وجعله يصمم
على غزو الكويت .
ثامناً : المخابرات
الأمريكية تكشف تحركات عسكرية باتجاه الكويت :
*
في
السادس عشر من شهر تموز 1990 كشفت المخابرات العسكرية الأمريكية عن تحرك عراقي يضم
3 فرق عسكرية كاملة الاستعداد نحو الجنوب ، باتجاه البصرة
والكويت ، وهذه الفرق هي [فرقة حمورابي ] و[فرقة المدينة المنورة ] و[فرقة توكلنا على الله]
.
وعلى
الفور أستدعا رئيس أركان الجيش الأمريكي [ كولن باول ]
الجنرال [شور تزكوف] ، قائد القيادة المركزية المخصصة للتدخل السريع في الشرق
الأوسط ، حيث أكد له حقيقة تلك التحشدات .
وفي
30 تموز ، كشف [ والتر لانج ] مسؤول المخابرات العسكرية في الشرق الأوسط ، أن الحشد
العسكري العراقي يبدو معداً للهجوم ، وعلى أثر ذلك التقرير عن التحركات العراقية ،
أقترح رئيس أركان الجيش الأمريكي على وزير الدفاع أن توجه الحكومة الأمريكية تحذيراً
للعراق ، وقد طلب وزير الدفاع منه مهلة لأخذ رأي الرئيس بوش ، ولما تم لقاء وزير
الدفاع بالرئيس ، عرض عليه اقتراح كولن باول . إلا أن الرئيس سارع للقول بأنه لا
يرى ضرورة لتوجيه تحذير .(5)
لقد
كان واضحاً أن الولايات المتحدة كانت تريد بالفعل أن يقدم صدام حسين على غزو الكويت لكي تجد المبرر
الذي تريده لتوجيه ضربة قاضية للعراق ، وتجرده من كل أسلحة الدمار الشامل ،وتحطم
بنية العراق الاقتصادية ،وتعيده خمسون عاماً إلى الوراء .
تاسعاً:خطاب
صدام حسين ورسالة العراق للجامعة
العربية:
في
17 تموز 1990 ، وبمناسبة ذكرى انقلاب 17تموز 1968 ، ألقى
صدام حسين خطاباً نُقل عبر الإذاعة والتلفزيون ، تعرض فيه للوضع المتأزم في منطقة
الخليج ، وتدهور العلاقات العراقية الكويتية،
والعراقية الأمريكية .وكان أهم ما ورد في الخطاب قول صدام :{ أن الولايات المتحدة تستخدم دولاً
عربية في تنفيذ مخططاتها تجاه العراق ، عن طريق إغراق الأسواق العالمية بفائض
الإنتاج من النفط ، لكي يؤدي ذلك إلى خفض ، وتدهور الأسعار ، وقد سعت إلى حث دول
الخليج على عدم الالتزام بسقف الإنتاج ، ونظام الحصص ، وذلك بغية خنق العراق إقتصادياً }.
لم
يحدد صدام حسين أسم الدول المعنية ، إلا أن طارق عزيز ،
وزير الخارجية ، قدم فيما بعد رسالة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية ،
أثناء انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب في تونس ، لبحث مسألة هجرة اليهود
السوفيت إلى إسرائيل ، وتظمنت الرسالة شكوى العراق من
السياسة التي تتبعها حكومة الكويت ، والإمارات ، وما تسببه من أضرار للعراق ،
وذكرت الرسالة أن الكويت كانت قد استغلت انشغال العراق في حربه مع إيران ، وقامت
بزحف تدريجي مبرمج نحو الأراضي العراقية ، وأقامت المنشأت
العسكرية ، والمخافر فيها ، واستغلت حقل الرميلة
الجنوبي ،باستخراج النفط منه ، وبيعه في الأسواق العالمية ، بما يتجاوز 2400 مليون
دولار.
وبسبب
ظروف الحرب فقد سكتت حكومة العراق آنذاك ، مكتفية
بالتلميح ، فيما استمرت الكويت على إجراءاتها المذكورة . كما أشارت الرسالة إلى أن
الكويت ، ودولة الإمارات العربية المتحدة ، قد خرقتا
نظام الحصص ، الذي أقره مؤتمر الأوبك ،وقامتا بزيادة إنتاجهما
من النفط ، وإغراق السواق العالمية بالنفط ، مما سبب في انخفاض أسعاره إلى أدنى
مستوى يصله منذُ عام ، فبعد أن كان قد وصل
سعر البرميل الواحد إلى[ 29 دولاراً ]، عاد وهبط إلى مستوى[ 11 دولار] ،وقد أضّر هذا العمل بمصالح العراق الاقتصادية
بشكل خطير .
وفي
ظل ظروف اقتصادية صعبة يمر بها العراق ، بعد حربه
الطويلة مع إيران ، فقد خسر العراق خلال الفترة الزمنية الممتدة ما بين عامي 1981ـ
1990 [89 مليار دولار ] وإن العراق يعتبر عمل الكويت والإمارات بمثابة عدوان عليه
.
وقد
ردت الحكومة الكويتية ، بمذكرة رسمية ، وجهتها إلى
الجامعة العربية ، رفضت فيها الاتهامات العراقية ، واتهمت العراق بأنه هو الذي
أعتدي على أراضيها ، وحفر آباراً فيها ، واستولى على نفط كويتي . واختتمت المذكرة
الكويتية بطلب إلى الأمين العام للجامعة لتشكيل لجنة تابعه تتولى تسوية النزاع مع
العراق على الحدود .
أما
حكومة الإمارات العربية المتحدة ، فقد أنكرت ما ورد في
مذكرة العراق ، وأعربت عن استغرابها لهذا الاتهام .
وفي
تلك الأيام ، كانت تقارير الأنباء تشير إلى قيام العراق
بحشد قواته في الجنوب ، واستطاع أحد الملحقين العسكريين الغربيين أن يشاهد طابوراً
من المركبات العسكرية ، جاوزت[ 2000 مركبة] ، وكانت الملحقات الغربية ، ودول
الخليج تتابع بقلق أنباء التحشد العسكري العراقي ، ووصل
الأمر بالسفير الكويتي ـ إبراهيم الدعيج ـ أن يرسل
برقية إلى حكومته قال فيها :
{
إنني لا أريد التسبب في إثارة ذعرٍ لا مبرر له ،ولكني
تلقيت معلومات كثيرة عن تحرك قوات عراقية كبيرة إلى الجنوب ،وإنني لم أشأ أن أسأل
الحكومة العراقية عن أسباب ذلك التحشد ، فأنا واثق بأن
جواب الحكومة العراقية سيقول بأن المقصود بذلك إيران ، لا الكويت ، ولكن هذه
التحركات تثير الشكوك } . (6)
أراد
السفير الكويتي التأكد من تحركات القوات العراقية ، عن
طريق السفيرة الأمريكية [ إريل كلاسبي
]،حيث أقترح عليها زيارة الرئيس صدام حسين
، للتأكد من نواياه تجاه الكويت :
ولم يدرك حكام الكويت ما تخططه الولايات المتحدة ، ولا عن الفخ الذي نصبته للنظام العراقي ، وتشجيعها
له ، بصورة غير مباشرة للإقدام على مغامرته في اجتياح الكويت ، لكي تجد المبرر
الضروري لتوجيه ضربته القاضية للعراق .
*
عاشراً:التحرك
العربي لاحتواء الأزمة العراقية الكويتية :
بعد
تصاعد الأزمة بين العراق والكويت ، ووصولها إلى مرحلة
الانفجار ، بادر عدد من القادة العرب بالتحرك لاحتواء الأزمة ، فقد تحركت المملكة
العربية السعودية ، بشخص الملك فهد ، حيث أوفد وزير خارجيته [ سعود الفيصل ] إلى
بغداد ،في 31 تموز 1990 ، حاملاً رسالة إلى صدام حسين ، عارضاً فيها إجراء محادثات
على مستوى عالٍ بين الطرفين ، في جدة ، تحت رعايته المباشرة من أجل التوصل إلى حل
للأزمة ، كما طلب الملك فهد من صدام حسين أن يعمل جهده لتهدئة الأوضاع ، وتهيئه
الجو المناسب والهادئ لحل الخلافات بين البلدين الشقيقين ، وبالفعل تم الاتفاق بين الأمير سعود الفيصل ،
وصدام حسين على لقاء جدة ، وجرى الاتفاق على أن يرأس الوفد العراقي ، نائب رئيس
مجلس قيادة الثورة [عزت الدوري ] فيما يرأس الوفد الكويتي ، ولي العهد ، ورئيس
الوزراء الشيخ [سعد العبد الله الصباح ] .
وفي
نفس الوقت ، وصل وزير الدولة الكويتي [ عبد الرحمن العوضي ] موفدأ من الحكومة
الكويتية وأجرى مع المسؤولين العراقيين
محادثات مطولة حول الأزمة ، وسبل حلها .
كما
تحرك الملك الأردني ، حسين ، باتجاه العمل لمعالجة
الأزمة ، فغادر عمان ، إلى الإسكندرية ، للقاء الرئيس مبارك ، والتباحث معه حول
الوضع الخطر على الحدود العراقية الكويتية ، والذي يمكن أن ينفجر في أية لحظة ،
وجرى البحث في وسائل وسبل حل الخلافات العراقية الكويتية ،وتم الاتفاق بينهما على
أن يقوم الرئيس مبارك بزيارة بغداد ولقاء صدام حسين .
وفي
24 تموز وصل الرئيس مبارك إلى بغداد ،والتقى على الفور
بصدام حسين ، وأجرى معه نقاشاً مطولاً حول الأوضاع الملتهبة على الحدود العراقية
الكويتية ، وضرورة تهدئتها ،والعمل على حل المشاكل بين البلدين بالطرق السلمية
،وعدم اللجوء إلى استخدام القوة بين الأشقاء .
كان
اللقاء الذي جرى بين الرئيسين مغلقاً ، ولذلك فقد فسّر
كل طرف ما دار في ذلك اللقاء ، بعد وقوع الغزو ، كما يشاء . فقد ذكر الرئيس مبارك
أن صدام حسين كان قد وعده بعدم استخدام القوة ، فيما قال
صدام حسين ، بأنه كان قد قال لمبارك بأنه سوف لن يستخدم القوة ، انتظاراً لما قد
تسفر عنه مباحثات جدة .كان صدام حسين ، خلال لقائه مع مبارك ، حانقاً جداً على أمير الكويت وحكومته ، وفي
الوقت نفسه ،حاول صدام أن يكسب مبارك إلى جانبه قائلاً له:
[إن
الشيخ جابر يملك ثروة مقدارها 17 بليون دولار ، تصور يا
أبا علاء ـ يقصد مبارك ـ لو كان هذا المبلغ تحت تصرف الشعب المصري ..؟ كم من الأزمات الخانقة يمكن حلها ؟] .
وعندما
أنتهي اللقاء بينهما ، قال مبارك لصدام ، لابد أن أذهب
إلى الكويت ، لكي أطمئن الحكومة الكويتية لكن صدام حسين رد عليه قائلاً:
[
بالله عليك يا أبا علاء لا نفعل ذلك ، فهؤلاء الناس لا
يعرفون الحياء ] . غادر مبارك بغداد متوجهاً إلى الكويت ، والتقى أميرها الشيخ جابر ،
وولي عهده الشيخ سعد ، وأبلغهما بأن العراق لا ينوي
استخدام القوة ضد الكويت ، ورجاهما إتمام اللقاء في جدة ، والعمل على حل النزاع ،
بروح من الأخوة والتفاهم . ثم غادر مبارك إلى جدة ،
والتقى بالملك فهد ، وتحدث معه حول لقائه بصدام حسين ،
وأكد على ضرورة العمل على إنجاح مؤتمر جدة ،وقد رد عليه الملك فهد ، بأن الأمير
سعود الفيصل قد طمأنه بأن صدام حسين لا ينوي استخدام القوة ، غير أن استمرار
تحركات القوات العراقية ، يثير الشكوك والقلق حول نوايا العراق .
وعندما
بلغ الولايات المتحدة أمر المؤتمر المزمع عقده في جدة بين العراق والكويت ، وتحت رعاية الملك فهد لتهدئة الأوضاع ، وحل النزاع ،
سارعت بالطلب من أمير الكويت بأن يكون موقف حكومته صلباً تجاه المطالب العراقية ،
وأن يرفض تقديم أي تنازلات لصدام حسين ، ولا يخضع لتهديداته ، مؤكدة بأن باستطاعة
الحكومة الكويتية الاعتماد على حماية الولايات المتحدة .(7)
كانت
الولايات المتحدة تسعى جاهدة لإفشال لقاء جدة ، قبل
انعقاده ، وإيصال الأزمة إلى مرحلة الانفجار ، فبدون إقدام صدام حسين على مغامرته
بغزو الكويت ، لا تجد المبرر لضرب العراق .
وفي
الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تحث الكويتيين على عدم تقديم أي تنازلات لصدام حسين ، وتدعوها للوقوف بصلابة أمام تهديداته ، فإنها أوعزت إلى
سفيرتها في بغداد [ غريل كلاسبي
] ، في 24 تموز أن تطلب مقابلة صدام حسين ، بحجة إبلاغه بقلق الولايات المتحدة من
تطور الأحداث بين العراق والكويت .
إلا
أن الحقيقة كانت غير ذلك ، فقد كانت الولايات المتحدة
تنتظر ، بفارغ الصبر ، أن يقدم صدام حسين على مغامرته . وكان الهدف من مقابلة
السفيرة لصدام ، هو إبلاغه بأن الولايات المتحدة لا تنوي
التدخل في الخلافات العربية ، وأن على الحكام العرب أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم ،
وأرادت الولايات المتحدة بذلك ، أن توصل الإشارة لصدام بأنه حر اليدين في التعامل
مع الكويت .
حادي
عشر:السفيرة الأمريكية تقابل صدام حسين :
*
طلبت
السفيرة الأمريكية [ كلاسبي ]المقابلة
، وتمت الموافقة عليها في اليوم التالي ، 25 تموز990، وكان لدى صدام حسين
شيئاً يريد أن يقوله للرئيس الأمريكي [جورج بوش ] ، قبل إقدامه على غزو الكويت .
لقد أراد أن يبلغ الرئيس بوش ، أن العراق لا ينوي التعرض
للمصالح الأمريكية في الخليج ، وبصورة خاصة ، مصالحها النفطية ، لكي يضمن حيادها
!!! .
وتمت
المقابلة في 25 تموز ، وبدأ صدام حسين الحديث مع السفيرة
، مستعرضاً تطور العلاقات بين العراق ، والولايات المتحدة ، منذُ أن قطعها العراق
إثر حرب 5 حزيران عام 1967 ، وحتى إعادتها عام 1980، قبل قيامه بالعدوان على إيران
بحوالي الشهرين، وكان صدام حسين خلال حديثه الذي أستغرق
45 دقيقة يعمل جاهداً لتوضيح موقف العراق من الولايات المتحدة ، وضرورة تفهم بعضهم
للبعض الأخر ، وداعياً إلى إقامة علاقات جديدة من التعاون ، والثقة المتبادلة والمصالح المشتركة .
كما
تحدث صدام حسين عن حربه ضد إيران ، مذكراً الولايات
المتحدة أن النظام العراقي هو الذي وقف بوجه المطامع الإيرانية ، ولولا العراق لما
استطاعت الولايات المتحدة إيقاف اندفاع حكام إيران نحو الخليج !! ، فالولايات
المتحدة لا تستطيع تقديم عشرة آلاف قتيل ، في معركة
واحدة !! لكن العراق قدم أضعاف مضاعفة لهذا الرقم لحماية المصالح الأمريكية في الخليج .كان لسان حال صدام حسين يقول للسفيرة
، ألم نحارب 8 سنوات نيابة عنكم ، وخدمة لمصالحكم ؟مضحين بأرواح نصف مليون
مواطن عراقي ، ذلك أن قيمة الإنسان لدى هذا الدكتاتور
المتوحش ، لا تساوي شيئاً . وبعد استعراض العلاقة الأمريكية العراقية ، أنتقل صدام حسين في حديثه مع السفيرة إلى الوضع
الاقتصادي في العراق ، بعد حربه مع إيران قائلاً :
[ إن
العراق يواجه اليوم حرباً اقتصادية ، وأن الكويت
والإمارات هما أدوات هذه الحرب ، فالدولتان تجاوزتا حصص الإنتاج ، وأغرقتا الأسواق
العالمية بالنفط ، بحيث سبب ذلك إنهياراً في أسعاره ،
وبالتالي خسر العراق ما يزيد على [7 بليون دولار سنوياً] ، في وقت هو أحوج ما يكون
لها لإعادة اعمار ما خربته الحرب ، والنهوض بمشاريع
التنمية ، التي توقفت خلال الحرب ، وأخيراً الديون التي تراكمت على العراق ، أوجبت
أن عليه أن يدفع فوائد لتلك الديون بما يتجاوز 7 مليارات دولار سنوياً ، وإن العراق
لا يمكن أن يرضى بهذا الوضع ، إنهم يهدفون إلى إذلال شعب العراق . لقد تناسى صدام
أنه قد أذل شعب العراق ،منذ جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري
، وجعل من نفسه دكتاتوراً ليس له مثيل في عالم اليوم ،وأشعل الحروب ، وسبب المآسي
والويلات لشعبه .
وانتقل
صدام إلى مسألة الحدود ، موضحاً للسفيرة ، أن الكويت
استغلت انشغال العراق في حربه مع إيران ، وزحّفت حدودها نحو العراق ، وقامت
باستغلال حقل الرميلة الجنوبي ، وسرقت من النفط ما
قيمته[ 2400 مليون دولار ]، وأردف صدام قائلاً : [ إن حقوقنا سوف نأخذها حتماً ،
سواء غداً ، أو بعد شهر ، أو بعد عدة أشهر ، فنحن لن نتنازل عن أي من حقوقنا ].
وأنتقل
صدام بعد ذلك إلى محاولة تطمين الولايات المتحدة على
مصالحها النفطية في الخليج قائلاً :[نحن نفهم تماماً حرص
الولايات المتحدة على استمرار تدفق النفط ، وحرصها على علاقات الصداقة في المنطقة
، وأن تتسع مساحة المصالح المشتركة في المجالات المختلفة ، ولكننا لا نفهم محاولات
تشجيع البعض لكي يلحق الضرر بنا ] .
ثم
تحدث صدام ، وبغرور كبير عن احتمالات المواجهة العسكرية
في المنطقة قائلاً :
[نحن
نعرف أنكم دولة عظمى ، ونحن دولة صغيرة ، وأنتم قادرون
على إيذائنا ، غير أننا قادرون أيضاً على إيذائكم
، على الرغم من كوننا دولة صغيرة ، ونحن ندرك أنكم قادرون على جلب الطائرات
، والصواريخ لضربنا ، ولكننا سوف نستخف بكل هذا إذا شعرنا أنكم تريدون إلحاق الأذى
بنا ، فالموت افضل لنا من الذل ]!!.
وأخيراً
أختتم صدام حديثه بتوجيه التحية إلى الرئيس بوش ، راجياً
السفيرة أن ُتطّلع الرئيس على نص حديثه معها شخصياً .
وبعد
أن انتهي صدام من حديثه ، جاء دور السفيرة كلاسبي ،التي شكرت بادئ الأمر صدام على حديثه معها ، وأعربت
عن حرص الولايات المتحدة على صداقتها مع العراق ، وتطوير العلاقات معه في مختلف
المجالات ، ثم أضافت قائلة : (8)
[
سيدي الرئيس أود أن أعلق على نقطتين أساسيتين وردت في حديثكم ،
النقطة (الأولى حول موضوع الحرب الاقتصادية التي ذكرتموها ، وأود هنا أن أقول باسم
حكومتي ، أن الرئيس بوش ، لا يرمي إلى الحرب الاقتصادية ضد العراق ، وإنما يود أن
تكون هناك علاقات أفضل بين البلدين ، ولكن الولايات المتحدة لا تريد أسعاراً عالية
للنفط ، وتود أن يكون هناك استقراراً لسوق النفط ، فإن أي اضطراب لسوق النفط ،
وللأسعار ، يؤثران تأثيراً بالغاً ، ليس على اقتصادنا فحسب ، بل اقتصاد جميع الدول
الأخرى ] وقد رد صدام حسين قائلاً [ أن سعر 25 دولار للبرميل ليس غالياً]. ثم
انتقلت السفيرة إلى النقطة الثانية ، والتي هي بيت
القصيد في تلك المقابلة ، فقد تحدثت عن الخلافات العربية العربية
قائلة :[إن التوجيهات الموجهة إلينا، هي إننا لا ينبغي أن نبدي رأياً حول القضية،
فلا علاقة للولايات المتحدة بها ، ونحن نتمنى حل المشاكل بينكم بأي طريقة مناسبة ،
فنحن لا ننوي التدخل في هذه المشاكل ] .(9)
لقد
أرادت السفيرة أن تقول لصدام حسين ، أنه حر في تصرفاته
إزاء الأزمة مع الكويت ، وفهم صدام أن الضوء الأخضر قد فتح أمامه ليقوم بمغامرته ،
التي كانت الولايات المتحدة تنتظرها بفارغ الصبر .
وفي الوقت نفسه ضغطت الولايات المتحدة على حكومة
الكويت لكي لا تقدم أي تنازلات للعراق مهما كانت ، خلال محادثات مؤتمر جدة
المنوي عقده في 31 تموز . ومما يؤكد ذلك ، الخطاب الذي
عُثر عليه في مكتب أمير الكويت ، بعد الغزو ، والموجه من الأمير إلى الشيخ سعد ،
رئيس الوفد الكويتي ، والذي جاء فيه :
[ نحن نحضر
الاجتماع بنفس شروطنا المتفق عليها ، والمهم بالنسبة لنا
مصالحنا الوطنية ، ومهما ستسمعون من السعوديين والعراقيين ، عن الأخوة ، والتضامن
العربي ، لا تصغوا إليه ، فكل واحد منهم له مصالحه ، السعوديين يريدون إضعافنا ،
واستغلال تنازلنا للعراقيين ، لكي نتنازل لهم مستقبلاً عن المنطقة المقصودة ،
والعراقيون يريدون تعويض خسائر حربهم على حسابنا ، وهذا لا يحصل ، ولا ذاك . وهذا
رأي أصدقائنا في واشنطن ولندن . أصروا على موقفنا في مباحثاتكم ، فنحن أقوى مما يتصورون ] . (10)
ومعلوم أن الشيخ
جابر ما كان ليجرأ على تحدي العراق بهذا الشكل لولا الضغط والدعم الأمريكي فالكويت أضعف
من أن تقف أمام جيش العراق حتى ولو ليوم واحد ، لكن التوجيهات الأمريكية هي التي
فرضت ذلك ، وقد وضعت المخابرات الأمريكية خطة الحماية لحكام الكويت لتخرجهم سالمين
، عند أول تحرك للقوات العراقية ، لكي لا يقعوا بأيديهم ولتكن ذريعة بيد الولايات
المتحدة لإعادة الشرعية للبلاد .