الفصل الثاني

 

الاحتلال البريطاني للعراق

 

 أولاً: العراق تحت حكم الاستعمار العثماني .

 ثانياً : الاحتلال البريطاني للعراق .

 ثالثاً : الشعب العراقي يقاوم الاحتلال البريطاني .

 رابعاً  : ثورة 30 حزيران 1920{ ثورة العشرين }.

 خامساً : تأليف حكومة عراقية مؤقتة ،وتنصيب الأمير فيصل ملكا.

 سادساً : مؤتمر القاهرة لبحث مستقبل العراق .

 سابعاً : العفو العام عن المشاركين بثورة العشرين .

 ثامناً : ظهور الأحزاب السياسية، وصدور قانون الأحزاب والجمعيات.

 تاسعاً : دعوة الأمير فيصل للقدوم إلى العراق ،لتولي الملك .

 عاشراً : استقالة الوزارة ،وتكليف النقيب بتشكيلها من جديد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً : العراق تحت حكم الاستعمار العثماني :

 

   كانت الحقبة التي حكم فيها العثمانيون العراق ، والتي استمرت قرابة الأربعة قرون ،من أسوأ الحقبات في تاريخ العراق ، فقد كان عصر من التخلف قاتم الظلمة عانى خلاله الشعب العراقي صنوفاً من الاضطهاد البشع ،تجلى في سياسة التتريك ومحاولة طمس اللغة العربية ،وتجنيد شبابه في حروب استعمارية لا مصلحة للشعب العربي فيها ،واستغلال خيرات البلاد وثرواتها ،أبشع استغلال ،مما أعاد العراق إلى القرون الوسطى ،بعد أن كان قبلة العالم في تطوره وتقدم ،في الوقت الذي كانت أوربا تغوص في ظلامها الدامس .

   لم يكن الشعب العراقي راضياً بالاستعمار العثماني ،رغم محاولة الحكام العثمانيون تغليف حكمهم بجلباب الدين الإسلامي ،وكان يسعى جاهداً للإفلات من ذلك الطوق البشع ،فقد ظهرت عدة حركات وطنية ترمي إلى التحرر من تسلط الاستعمار التركي،وإقامة حكم وطني متحرر ، كما قامت العديد من الانتفاضات ،في الأرياف والمدن ،ضد الأتراك، كان أشهرها ثورة بغداد في 13 حزيران 1831. (1)

كما قامت عدة انتفاضات في الريف العراقي بقيادة بعض شيوخ العشائر ذوي النزعة الوطنية التحررية ،سواء في المناطق العربية أم الكردية، لكن الحكومة العثمانية كانت تلجأ إلى أقسى درجات العنف لقمع تلك الانتفاضات ، وتنفذ موجات من الاعدامات بحق النشطين من الوطنيين .

   وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أخذت الإمبراطورية العثمانية بالتفكك والانحلال ،حتى دُعيت [بالرجل المريض ] ، وأثار ضعف هذه الإمبراطورية  شهوة المستعمرين الأوربيين للحصول على موطئ قدم لهم في هذه البلاد الغنية بثرواتها إضافة إلى موقعها الاستراتيجي عن طريق الشركات التجارية وشركات الملاحة  مستخدمين العديد من الجواسيس والعملاء، واستطاعوا عن طريق الرشاوى والهبات أن يبسطوا نفوذهم على العديد من الولايات والسلاطين العثمانيين المتفسخين .

واشتد التكالب على النفوذ بين الإمبرياليين الإنكليز والألمان والفرنسيين بشكل خاص  للهيمنة على ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، وكان للعراق نصيب في هذا التنافس والتكالب الذي بلغ أشده عندما استطاعت المانيا الحصول على امتياز سكة حديد الشرق ،والذي أثار قلق الحكومة البريطانية الشديد .

كان الصراع بين الإمبرياليين الجدد لتقسيم نفوذهم وسيطرتهم على العالم يتصاعد شيئاً فشيئاً حتى بلغ ذروته في عام 1914،عندما لجأ الإمبرياليون إلي قعقعة السلاح فيما بينهم ،فقامت الحرب العالمية الأولى ،والتي اكتوى بلهيبها العالم اجمع ،وكان أن دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب إلى جانب المانيا ،ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية . كان الصراع بين المستعمرين رهيباً جداً،دفع خلاله العالم الملايين من الضحايا على مائدة أطماع الإمبرياليين ،الذين حاولوا جرّ العرب لإعلان الثورة ضد الأتراك،واعدين إياهم بتحريرهم من هيمنة الاستعمار العثماني ،ومنحهم حريتهم واستقلالهم، واستطاع الإنكليز النجاح في مسعاهم هذا وجرّ جانب كبير من الزعماء العرب إلى جانبهم ، وكان على رأس أولئك [الملك الحسين بن علي]،ملك الحجاز، الذي أعلن الثورة العربية ضد الأتراك ،إ ثر اتفاق  [مكماهون ] عام 1916 ، وقاتل إلى جانب بريطانيا اعتماداً على التعهد الذي قطعته له بضمان استقلال البلاد العربية ، وتنصيبه ملكاً عليها بعد نهاية الحرب .

لكن الإمبرياليين كانوا قد رتبوا أمورهم ،وتقاسموا النفوذ والسيطرة على البلاد العربية فيما بينهم  بموجب معاهدة [ سايكس بيكو ]السرية عام 1916،ومن ثم بموجب معاهدة [ سان ريمو ] في عام 1920، كما سنرى فيما بعد .

*

 ثانياً : الاحتلال البريطاني للعراق :

بدأ الاحتلال البريطاني للعراق في أواخر سنة 1914، بعد قيام الحرب العالمية الأولى،ودخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب المانيا .

 فقد هاجمت القوات البريطانية جنوب العراق ،وتمكنت من احتلال [شبه جزيرة الفاو ] دون مقاومة تذكر، وكانت حجة بريطانيا في حملتها على العراق آنذاك حماية نفط عبدان في إيران،وطريق الهند ، لكن الحقيقة كانت غير ذلك تماماً ، فقد أرادت بريطانيا فرض سيطرتها على العراق طمعاً في ثرواته .

وبعد أن تم للقوات البريطانية احتلال شبه جزيرة الفاو اندفعت نحو مدينة [البصرة] كبرى مدن العراق الجنوبية ،حيث اشتبكت مع القوات التركية في منطقة الشعيبة ، في أواسط شهر نيسان عام 1915، واستطاعت هذه القوات إلحاق الهزيمة بالجيش التركي ،واحتلال البصرة.

 ثم واصلت تقدمها شمالاً باتجاهين ،الاتجاه الأول نحو مدينة [الناصرية] الواقعة على نهر الفرات ، والاتجاه الثاني نحو مدينتي  [العمارة ] و[الكوت] على نهر دجلة ، ومن ثم نحو العاصمة [بغداد ].

   وفي الثلاثين من حزيران دخلت القوات البريطانية مدينة [العمارة ] وانتزعتها من أيدي الأتراك ، كما احتلت مدينة [الناصرية] في 25 تموز من العام نفسه ، واحتلت مدينة [الكوت ] في 28 أيلول نفس العام .

 واستمرت القوات البريطانية بقيادة الجنرال [ طاوزند ] بالتقدم نحو[بغداد] وخاضت معركة طاحنة مع الأتراك قرب [المدائن]،على مشارف بغداد ، لكن القوات التركية استطاعت إلحاق الهزيمة المنكرة بالجيش البريطاني المهاجم الذي انسحب نحو [ الكوت ]،ولحقت به القوات التركية،واستطاعت فرض الحصار على المدينة ،حيث استمر من 13 تشرين الثاني 1915 وحتى 29 نيسان 1916،و اضطرت القوات البريطانية المحاصرة في المدينة أخيراً إلى الاستسلام دون قيد أو شرط  للقوات التركية التي دخلت المدينة ،وقامت بأعمال انتقامية دموية لا مثيل لها ضد السكان ،بتهمة التعاون مع القوات البريطانية .

غير أن بريطانيا عادت وأرسلت قوات جديدة بقيادة الجنرال [ مود] الذي شرع بالتقدم نحو[بغداد] ووصلت قواته إليها في كانون الأول 1916،واستطاعت إلحاق الهزيمة بالجيش التركي المدافع عنها، ودخلتها في 11 آذار  1917 .

 وجه الجنرال مود عند دخوله العاصمة العراقية بياناً للشعب العراقي باسم السلطات البريطانية قال فيه :

{ إنني مأمور بدعوتكم بواسطة أشرافكم ،والمتقدمين فيكم سناً وممثليكم ، إلى الاشتراك في إدارة مصالحكم ، ولمعاضدة ممثلي بريطانيا السياسيين المرافقين للجيش ، كي تناضلوا مع ذوي قرباكم شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً ،في تحقيق طموحاتكم القومية }.(2)

لكن أهداف ومخططات الإمبرياليين البريطانيين ، والفرنسيين سرعان ما تكشّفت، عندما قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917، بقيادة [ فلاديمير لينين]،حيث فضح بنود اتفاقية [سايكس بيكو] المعقودة بين الإمبرياليين البريطانيين والفرنسيين وروسيا القيصرية حول اقتسام ممتلكات الإمبراطورية العثمانية فيما بينهم.

 وعلى أثر ذلك سارع قائد الحملة البريطانية،الجنرال [مود ] إلى إصدار بيان جديد للشعب العراقي ، في محاولة لتطمينه والتستر على النوايا الحقيقية  للإمبرياليين البريطانيين ، وجاء في ذلك البيان ما يلي :

{إن الغاية التي ترمي إليها كل من بريطانيا وفرنسا في خوض غمار الحرب في الشرق من جراء أطماع المانيا ،هي تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء الاستعباد التركي ،تحريراً نهائياً وتاماً، وتأسيس حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطاتها من رغبة نفس السكان الوطنيين ومحض اختيارهم } . (3)

استمرت القوات البريطانية بالتقدم شمالاً واحتلت مدينة [خانقين ] في كانون الأول 1917، ثم احتلال مدينة [كفري ] في نيسان 1918، ثم واصلت زحفها نحو مدينة [ كركوك ] حيث احتلتها في 30 تشرين الأول 1918 ، ثم واصلت زحفها نحو مدينة الموصل وانتزعتها من أيدي الأتراك في 8 تشرين الثاني 1918 .

وقامت الحكومة البريطانية بتعيين العقيد [لجمان ] حاكما سياسياً على المنطقة ، وامتدت سلطاته نحو أربيل، والسليمانية ،ودهوك ،وراوندوز،وبذلك أحكمت بريطانيا سيطرتها على كافة أرجاء العراق.

ولابد أن أشير إلى أن بريطانيا لاقت مصاعب جمة في سيطرتها على مدينة السليمانية ، التي تعتبر مركزاً لحركة التحرر الوطني الكردي ،مما اضطرها إلى تعيين الشيخ [ محمود الحفيد ] حاكماً على المنطقة في أواخر عام 1918، وعينت الميجر جنرال [ نوئيل ] مستشاراً له ، وخصصت له راتباً شهرياً مقداره 15000 روبية هندية[ الروبية تساوي 75 فلساً عراقياً آنذاك] ،وسمحوا له بتعيين عدد من الموظفين الأكراد لإدارة المنطقة .

 إلا أن الشيخ محمود الحفيد لم يكن راضياً على تلك الأوضاع ،واخذ يتحين الفرصة للثورة على المحتلين .

 بريطانيا تحكم سيطرتها على العراق :

*

استمرت بريطانيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في حكم العراق، حكماً عسكرياً ،وكان على رأس السلطة القائد العام للقوات البريطانية، يعاونه الحاكم الملكي العام السير [ بيرسي كوكس ] .

وكان من ضمن كادره الجاسوسة البريطانية المشهورة  [المس بيل ] حيث شغلت منصب السكرتيرة الشرقية ، ثم نقل فيما بعد إلى إيران ،وحل بعده  الكولونيل  [أرنولد ولسن ]،والذي عُرف بممارساته القمعية وأساليبه الوحشية ، التي أثارت المشاعر الوطنية ضد الإنكليز في مختلف مناطق العراق ، وخاصة في منطقة الفرات الأوسط .

 فقد قام [أرنولد ولسن] بتنظيم استفتاء مزور حول رغبات الشعب في مستقبل البلاد مستخدماً كل أساليب التزوير والرشاوي والإغراء لكي يخرج الاستفتاء بنتيجة تؤيد بقاء الوجود البريطاني واستمراره .

ومن أجل إحكام سيطرتهم على البلاد أسس البريطانيون عدداً من الدوائر المدنية لتسيير أمور الشعب ،ما عدا جهازي الشرطة والتعليم اللذين بقيا تحت إدارة ضابط سياسي بريطاني مسؤول أمام المفوض السامي ، وكان يتلقى منه الأوامر بصورة مباشرة .

وجرى تقسيم العراق إلى وحدات إدارية كبيرة تسمى  [اللواء ] ،وقسم اللواء إلى وحدات أصغر تسمى  لأقضية ]، ونصّب الإنكليز في كل وحدة إدارية ضابطا بريطانياً لشؤون الأمن الداخلي، ومنحوا الضباط السياسيين سلطات واسعة في الشؤون الإدارية والقضائية والمالية .

 كما باشر المحتلون بتشكيل قوات محلية مسلحة بإشراف ضباط بريطانيين ،ودُعيت  قوات [ الشبانة، أو لليفي ] من أبناء العشائر التي كان شيوخها موالين لهم ، ومن الآشوريين الذين اعتمدت عليهم بريطانيا كل الاعتماد ، واستخدمتهم في إثارة الفتن والتناحر والانقسامات .

 كما استخدمتهم في قمع الحركات الكردية مرات عديدة ،مما سبب في خلق الأحقاد والكراهية بين القوميتين ،وحقد الشعب العربي على أعوان الإنكليز.

 ثالثاً : الشعب العراقي يقاوم الاحتلال البريطاني :

*

 أصيب الشعب العراقي بخيبة أمل مريرة ،بعد أن تكشفت مخططات الإمبرياليين البريطانيين في الهيمنة على البلاد ،حيث ما كاد يتخلص من الاستعمار التركي ،ليقع تحت نير الاستعمار البريطاني الجديد ، الذي بدأ يركز أقدامه ،ويجمع حوله عدد من الضباط السابقين ،في الجيش العثماني بالإضافة إلى عدد من كبار رؤساء العشائر الذين منحتهم قوات الاحتلال مقاطعات واسعة من الأراضي ،لتربط مصيرهم بالإمبريالية الجديدة ، وتحمي مصالحها .

 لكن الشعب العراقي لم يكن راضياً على ما آلت  إليه الأمور،وبدأت طلائعه الثورية تعبئ الجماهير الشعبية وتحثها على الكفاح ضد الاستعمار البريطاني الجديد ، وتدعو إلى الاستقلال الوطني الناجز .

 ومما أثار وضاعف في عزم جماهير الشعب على مقاومة الاحتلال ، النداء الذي وجهه قائد الثورة الاشتراكية في روسيا [ لينين ] إلى شعوب الشرق والذي جاء فيه فيما يخص العراق ما يلي :

{يا فلاحي ما بين النهرين ، إن الإنكليز قد أعلنوا عن استقلال بلادكم !! إلا انه يوجد 80 ألفاً من جنود الاحتلال على أراضيكم ،يعملون فيكم نهباً وسلباً وقتلاً، ويستبيحون أعراضكم...الخ } . (4)

 أخذ قادة حركة التحرر الوطني يرددون النداء باستمرار، معلنين معارضتهم للاحتلال البريطاني ،ويشدون همم الشعب للنهوض والدفاع عن حريتهم واستقلال بلادهم ،وأخذت بذور الثورة تنمو وتكبر يوماً بعد يوم ،وكانت الانتفاضات الشعبية تتوالى في النجف ، وأبو صخير والحلة وكربلاء  والكوفة والسليمانية والعمادية في كردستان العراق ، مشددين الضغط على قوات الاحتلال لإجبار بريطانيا على الوفاء بوعودها التي قطعتها على نفسها بمنح الحرية والاستقلال لسائر البلدان العربية. وكان على رأس حركة التحرر الوطني هذه المثقفين والتجار المستنيرين، ورجال الدين ، وشيوخ العشائر الوطنيين .

كانت أخطر تلك الانتفاضات ثورة النجف في آذار 1918، حيث وقعت معارك  عنيفة مع جيش الاحتلال  بعد حصار للمدينة دام 45 يوماً ، وقد وقع الكثير من القتلى والجرحى في صفوف الطرفين ، واستطاعت القوات البريطانية اقتحام المدينة ، وقامت باعتقال أعداد كبيرة من المواطنين المشاركين في الثورة وأعدمت قسماً منهم ، وسجنت القسم الآخر . كما جرى نفي البعض الآخر إلى خارج البلاد .

 لكن الجولة مع الإمبرياليين الجدد لم تنتهِ ، بل كانت خير محفز لقوى العشائر العراقية على المقاومة ، والأعداد للجولة القادمة لا محالة .

  وفي السليمانية اندلعت ثورة الشيخ محمود الحفيد في عام 1919، بعد أن أدرك الحفيد أن الإنكليز ليسوا مهتمين بحقوق الشعب الكردي القومية ، وانهم إنما أرادوا إسكاته عندما عينوه حاكماً اسمياً على السليمانية، فقد كانت السلطة الحقيقية بيد مستشاره البريطاني،الميجر[نوئيل] .

 لقد دارت رحى المعارك الدامية بين قوات الاحتلال وقوات الليفي الآشورية من جهة ، والشعب الكردي من جهة أخرى ، وبسبب عدم تكافؤ القوى بين الطرفين استطاعت القوات البريطانية إخماد الثورة ، وألقت القبض على الشيخ الحفيد بعد أصابته بجروح أثناء المعارك ونفته إلى الهند ، ولكن إلى حين حيث لم يهدأ الشعب الكردي على الضيم الذي أصابه ،وأخذ يستعد للجولة القادمة .

*

 رابعاً : ثورة 30 حزيران 1920 { ثورة العشرين }:

لم يكد يمضِ وقت طويل حتى تكشفت كامل الأهداف الاستعمارية لبريطانيا، وتصميمها على إدامة هيمنتها على العراق ،فقد أصدرت عصبة الأمم ، التي كانت تهيمن عليها بريطانيا ،صك الانتداب البريطاني على العراق ، في 17 حزيران 1920، والذي جاء فيه :

{حيث أن حكومة جلالته قد تقررت وكالتها في خصوص العراق ، فنتوقع جعل العراق مستقلاً  تضمن استقلاله جمعية عصبة الأمم ، وتكليف الحكومة البريطانية بالمسؤولية في حفظ السلم الداخلي والأمن الخارجي ، وبعد انقضاء الإدارة العسكرية سنعطي السلطة للسير  [بيرسي كوكس ] لتنظيم مجلس شورى تحت رئاسة عربي } .  وهكذا كشف صك الانتداب الأهداف الحقيقية للسياسة البريطانية  وأثار صدوره موجة غضب عارمة لدى كافة فئات الشعب العراقي التواق للحرية والانعتاق من العبودية،وأخذ شرر ذلك الغضب ينذر بوقوع أحداث جسيمة.

كانت اجتماعات قادة التحرر الوطني في تلك الأيام تتوالى في المساجد والدواوين ،في بغداد والحلة والنجف وكربلاء وغيرها من المدن العراقية ،كما كانت الاتصالات مع رؤساء العشائر تجري على قدم وساق ،وأجراس الثورة تدق ، وأصواتها تتعالى شيئاً فشيئاً لتملأ أسماع العراقيين جميعاً .

وفي الوقت نفسه كان المحتلون البريطانيون يزدادون هستيرية وعنفاً في قمع نشاطات الوطنيين ،حيث منعوا [المواليد] التي كان يجتمع خلالها الناس ، وتلقى الخطب الوطنية فيها .

 فقد أصدر القائد العام البريطاني في 12 آب 1920 قراراً بمنعها ، وأنذر بإنزال أشد العقوبات بحق المخالفين ، وأقرن القائد أمره بالأفعال ، فأقدم على إعدام ستة من المناضلين الوطنيين لتحديهم ذلك القرار،وهم كل من الشهداء :1 ـ سليمان أحمد  2 ـ حسين أحمد  3ـ محمد سلمان  4 ـ صالح محمد 5 ـ أحمد عبد الله  6 ـ سامي محمود .

 وقد عرف هؤلاء الشهداء بمواقفهم البطولية، وجرأتهم في تحدي الاحتلال البريطاني ،وأدى إعدامهم إلى هياج الرأي العام العراقي ، ودفعهم إلى التظاهر ضد الاحتلال الغاشم . كما رفع المشاركون في التظاهر مذكرة للسلطات البريطانية تضمنت جملة من المطالب كان منها :

1 ـ تأليف مؤتمر يمثل الشعب العراقي ، ليقرر شكل الإدارة الوطنية وعلاقاتها بالدول الأجنبية .

2 ـ إطلاق حرية الصحافة والمطبوعات  ليستطيع الشعب التعبير عن آماله وتطلعاته الوطنية .

3 ـ رفع الحواجز البريدية  والبرقية بين أنحاء البلاد ، وبينها وبين الأقطار الأخرى.

كان الشعب العراقي في تلك الأيام ينتظر مَنْ يطلق الطلقة الأولى لتنبعث شرارة الثورة إلى شتى أنحاء العراق بعد أن أقدمت قوات الاحتلال على اعتقال الشيخ  [شعلان أبو الجون ] المعروف بعدائه للاحتلال ، وسبب اعتقاله هيجاناً كبيراً في صفوف العشائر .

                                            

 انطلاق ثورة العشرين :

صمم أبناء العشائر على إطلاق سراح الشيخ شعلان ، وتحدي قرار المحتلين باعتقاله، فانطلقت عشائر الرميثة تهاجم السجن الذي أودع الإنكليز فيه الشيخ شعلان ، وتم تحريره من الاعتقال ، وكانت هذه العملية إيذاناً ببدء اشتعال نار الثورة ، وبدء المعارك بين الشعب العراقي والمحتلين.

ففي مساء يوم 6 تموز 1920 توجهت قوة عسكرية بريطانية تضم 2000 ضابط وجندي بقيادة الكولونيل [دي مارفين ] نحو الرميثة ، التي سيطرت عليها قوى الثورة  في محاولة لفك الحصار عن القوات البريطانية المتواجدة هناك ، فكانت [معركة العارضيات ] التي يفتخر بها أبناء العشائر الثائرة والشعب العراقي كافة حيث لم تستطع القوات البريطانية من الوصول إلى[ الرميثة]، نظراً للمقاومة الباسلة التي واجهتها تلك القوات ، حيث تم إيقافها على بعد 7 كيلومترات منها  بعد معركة دامية دامت 17 ساعة متواصلة ، استبسل فيها أبناء الشعب ، واضطر قائد الجيش البريطاني إلى التراجع والانسحاب نحو الديوانية .

لكن تلك القوات لم تستطع الوصول إلى الديوانية ، حيث جوبهت بقطع الطريق عليها ، وقلع السكة الحديدية التي كانت القوات البريطانية تستخدمها في الانسحاب وجوبهت بوابل من الرصاص من قبل العشائر الأخرى التي هبت لدعم الثورة في الرميثة ، وهرب قائد الحملة البريطانية لينجو بنفسه تاركاً قواته تحت رحمة الثوار الذين استطاعوا قتل أعداد كبيرة منهم ، وتم أسر من بقي منهم على قيد الحياة واستولى الثوار على جميع أسلحة القوة البريطانية ، وقد بلغ عدد القتلى البريطانيين زهاء 260 فرداً .

ولما بلغ الأمر إلى قائد القوات البريطانية [ الميجر ديلي ] أمر بإعداد قوة أخرى قوامها 5000 ضابط وجندي مجهزين بكامل المعدات الحربية ، واستعدت قوى الثورة للمعركة القادمة ، وأخذت تنظم صفوفها ، وترتب استحكاماتها ،وتحفر الخنادق في منطقة العارضية على بعد 7 كم من الرميثة استعداداً لمجابهة قوات الاحتلال الجديدة بقيادة [ الميجر كونتنكهام ]، حيث وصلت تلك القوات إلى [الحمزة ] في 16 تموز 1920، تحت غطاء جوي من الطائرات الحربية.

أبدى الثوار مقاومة باسلة ،منقطعة النظير ،وانزلوا بقوات الاحتلال.خسائر فادحة في الأرواح والمعدات . وامتد لهيب الثورة إلى [ الرارنجية ] التي ضربت مثلاً رائعا في البطولة والفداء ، وقامت قوات الثورة بمحاصرة مدينة الكوفة في أواخر شهر تموز 1920 من جميع أطرافها مشددون الضربات على القوات البريطانية المحاصرة فيها ، والتي أصبح موقفها في غاية الصعوبة ، وطلبت النجدة من القائد البريطاني في الحلة، الذي أسرع إلى إرسال قوات كبيرة لفك الحصار عن القوات المحاصرة في الكوفة .

 تقدمت القوات البريطانية باتجاه المدينة حتى وصلت إلى[ الرارنجية ]، التي تبعد 12 كم عن مدينة الحلة و8 كم عن [ الكفل ] وعسكرت هناك .

واستعد الثوار لملاقاة القوات البريطانية في منطقة الكفل ،وقسموا قواتهم إلى قسمين، قسم أخذ مواقعه على طرف شط الهندية الشرقي ،والقسم الثاني أخذ مواقعه على امتداد سكة القطار التي تربط الحلة بالكفل، وكانت قوات الثورة مدفوعة بإيمانها بعدالة قضيتها ،وقد عقدت العزم على التصدي لقوات الاحتلال المدججة بشتى أنواع الأسلحة والمعدات الثقيلة ،وهي لا تملك سوى الأسلحة الخفيفة من بنادق قديمة ومسدسات وفؤوس ومكاوير، ولكنها كانت تملك الأيمان بعدالة القضية التي تناضل من اجلها ،والإصرار على التحرر من ربقة الاستعمار الجديد ،فيما كان الجنود البريطانيون الذين أتعبتهم الحرب يحاربون من أجل ملئ جيوب الرأسماليين الإمبرياليين.

كانت ثلة من الجنود البريطانيين برشاشاتهم الثقيلة قد أخذت مواقعها واستحكاماتها عند قنطرة على [قناة الرارنجية وعندما أزفت ساعة الهجوم انقضّتْ قوات الثورة على القوات البريطانية عند الجسر، وما هي إلا برهة حتى وقع الجسر في أيديهم ، فيما التحمت قوات الثورة من الجهتين مع القوات البريطانية في معركة شرسة ومتلاحمة بحيث تعذر على قوات الاحتلال استخدام المدافع في القتال ،وكانت المعركة تجري بالبنادق والسيوف والفؤوس والمكاوير،وكان الثوار يرددون الأهزوجة الشعبية المشهورة { الطوب احسن، لو مكواري }،فقد تغلب المكوار على السلاح البريطاني ،واندحرت قوات الاحتلال ،وهرب قائد الحملة تاركاً جثث المئات من أفراد قواته في ارض المعركة .

وفي الوقت الذي كانت قوات العشائر في الجنوب تخوض المعارك ضد المحتلين كان رصاص الثوار في كردستان ينطلق بغزارة ضد المحتلين هناك ،فقد هب ثوار كردستان بوجه المحتلين ، ووقعت بين الطرفين معارك شرسة في [ السليمانية وعقره وكفري ].

وتمكنت قوات الثورة في [ كفري ] بقيادة [ إبراهيم خان ] في أواخر تشرين الأول 1920 من الاستيلاء على المدينة وتحريرها من سيطرة قوات الاحتلال ، وقتل القائد البريطاني [ جاردن ] ، واستمر لهيب المعارك ضد المحتلين في المنطقة 23 يوماً ،قبل أن تتمكن القوات البريطانية التي وصلتها نجدات جديدة من إعادة احتلالها .

 لقد امتد لهيب الثورة إلى كل بقاع الوطن ، وانغمر فيها عدد كبير من رجال الدين ،وشيوخ العشائر والمثقفين والعمال والفلاحين الشجعان الذين كانوا عماد الثورة،   وكانت الثورة على الرغم من التأخر الذي سببه الاستعمار العثماني الطويل على درجة عالية من التنظيم والتخطيط والدقة ، ويستدل على ذلك من التوجيهات التي كانت تصدرها قيادات الثورة إلى القوات المشاركة فيها ،والتي جاء فيها : (5)

1 ـ يجب على كافة الأفراد أن يفهموا بأن المقصود من هذه الثورة إنما هو طلب الاستقلال التام .

2 ـ يجب أن يهتف الجميع للاستقلال في كل ميادين القتال .

 3ـ يجب التمسك بالنظام ، ومنع الاعتداء ، فلا نهب ولا سلب ،ولا ضغائن قديمة ولا أحقاد .

4 ـ يجب تأمين الطرق ، وحفظ المواصلات بينكم وبين مناطق الثورة .

5 ـ بذل الهمة لحفظ الرصاص،فلا يجوز إطلاقه في الهواء بدون فائدة .

6 ـ يجب الاعتناء بالأسرى ،ضباطاً وجنوداً ، إنكليزاً كانوا أم هنوداً .

7 ـ المحافظة على أعمدة الهاتف ،والأسلاك لضمان استمرار الاتصالات .

8 ـ الاهتمام بقطع السكة الحديدية ،ونسف الجسور،لمنع قوات الاحتلال من استخدامها.

9 ـ الحفاظ على كافة وسائل النقل التي تقع في أيدي قوات الثورة والاستفادة منها.

10 ـ المحافظة على الأسلحة المصادرة من العدو ،وإدامتها لغرض استخدامها ضده .

11 ـ عند تحرير أي مدينة ، يجب الاهتمام بتشكيل إدارة وطنية لها، والاهتمام بالأبنية الحكومية ، وعدم هدمها أو إحراقها والمحافظة على الوثائق فيها .

12 ـ المحافظة على المستشفيات وأدواتها وأجهزتها والأدوية الموجودة فيها .

13 ـ الرفق بالجرحى وإسعافهم، والاهتمام بهم ،والعمل على إنقاذ حياتهم .

هذه هي الوصايا التي عممتها قيادة الثورة على قواتها ، وهي تمثل أرقى درجات التنظيم في إدارة شؤون الثورة ، والحرص على سمعتها ، والتحلي بالخلق السامي في معاملة الأسرى والجرحى ، والاهتمام بمرافق البلاد من عبث العابثين ، وهي تدل دلالة أكيدة على الشعور العالي بالمسؤولية .

المحتلون يستقدمون قوات كبيرة من خارج البلاد لمجابهة الثورة :

بعد كل تلك الضربات القاسية التي وجهتها قوى الثورة لقوات الاحتلال البريطاني، وانتشار لهيب الثورة إلى كافة أنحاء العراق لجأ المحتلون إلى استقدام قوات كبيرة من خارج البلاد لمجابهة قوى الثورة الوطنية ، وجلبوا مختلف الأسلحة والمعدات الثقيلة لغرض إخماد لهيب الثورة ، وخاضت تلك القوات معارك شرسة دامت طيلة خمسة اشهر،ضد قوى الثورة التي كانت تفتقد السلاح الذي يمكن أن تحارب به قوات الاحتلال، واستخدم المحتلون أقسى درجات العنف وأشنعها ضد قوى الثورة، وضد أبناء الشعب ، وأبدى الثوار صنوفاً من البطولة النادرة ،رغم عدم تكافؤ أسلحة الطرفين ، والإمكانيات المادية والعسكرية للمحتلين الإمبرياليين الذين كانوا يمثلون أقوى دولة استعمارية في العالم ، واستطاع المحتلون في نهاية الأمر إجهاض الثورة ،بعد أن دفعت قواتهم ثمناً باهظاً من أرواح جنودهم ومن اقتصادهم الذي أنهكته الثورة ، لدرجة أن أصوات الشعب البريطاني ارتفعت عالياً مطالبة الحكومة بسحب قواتها من العراق وإنقاذ جنودها من لهيب المعارك مع الثوار، وامتدت صيحاتهم إلى مجلس العموم البريطاني نفسه ،حيث طالب العديد من أعضاء المجلس بانسحاب القوات البريطانية من العراق ، نظراً للتكاليف الباهضة التي دفعتها بريطانيا للإدامة سيطرتها على العراق، وتصاعد احتجاجات الشعب البريطاني على ارتفاع عدد القتلى من الجنود البريطانيين .

نتائج ثورة العشرين :

رغم أن ثورة العشرين لم تنجز هدفها الرئيسي في تحقيق الاستقلال الناجز للعراق ، إلا أن تلك الثورة كان لها الدور الحاسم في إسراع المحتلين البريطانيين في تغيير سياستهم تجاه العراق ، وصرف النظر عن حكمهم العسكري ، بعد أن كلفتهم الثورة آلاف القتلى والجرحى ، أثقلت كاهل خزانه الدولة البريطانية ، المثقلة أصلاً بأعباء الحرب العالمية الأولى .

لذلك فقد وجد المحتلون الإمبرياليون أن خير سبيل إلى تجنب المزيد من الخسائر البشرية والمادية هو إقامة ما سمي بالحكم الوطني ، وتأليف حكومة محلية ، والإتيان بالأمير فيصل أبن الحسين ملكاً على العراق ، مكتفين بالاحتفاظ ببعض القواعد العسكرية ، بعد تكبيل البلاد بقيود ثقيلة ، بموجب معاهدة سنة 1920، التي تم بموجبها لهم الهيمنة الفعلية على مقدرات العراق السياسية ، والاقتصادية ، والعسكرية والثقافية ، وسائر المجالات الأخرى .

أما لماذا لم تحقق الثورة هدفها الأساسي في الاستقلال الحقيقي والناجز فيمكن حصرها بما يلي :

1 ـ عدم تكافؤ القوى بين المحتلين والثوار ، وخاصة في مجال الأسلحة والمعدات الثقيلة والطائرات ، هذا بالإضافة إلى الخبرة العسكرية للجيوش البريطانية .

2 ـ ضعف مستوى الخبرات العسكرية للثوار ، على الرغم ما قدموه من التضحيات ، وصنوف البطولة التي يعتز بها كل عراقي ، وكانت مثار إعجاب الجميع .

3 ـ استخدام المحتلين لسياسة التفرقة ،وخلق الحزازات ،والصِدام بين العشائر، واستمالة عدد من رؤساء العشائر الكبار إلى جانبهم،وإغرائهم بالإقطاعيات والمناصب والسلطة ، كما استخدم المحتلون الخلافات الدينية والطائفية والعقائدية لتمزيق الوحدة الوطنية .

4 ـ ضعف القيادة السياسية،من حيث تنظيمها ، وتركيبها الطبقي، وخاصة البرجوازية الوطنية، الضعيفة جداً آنذاك، اقتصادياً وسياسياً ، مما حال دون أن تلعب دورها القيادي بشكل صحيح .

5 ـ عدم صلة الثورة بأي ارتباط أو دعم خارجي يساعدها على مقاومة المحتلين، فقد كان الثوار ينقصهم الكثير من الأسلحة والمعدات، والخبرات العسكرية والتدريب على استخدام الأسلحة المستولى عليها من العدو المحتل ، في حين كان العدو على أتم الاستعداد ومن كل الوجوه .

6 ـ عدم وجود قيادة موحدة للثورة ، وضعف التنسيق بين المناطق المختلفة ،ويعتبر هذا العامل من العوامل الهامة التي أدت إلى إجهاض الثورة ، وحالت دون تحقيق هدفها الرئيسي في الاستقلال الناجز .

*

خامساً: تأليف حكومة عراقية،وتنصيب الأمير فيصل ملكاً على العراق:

بعد أن تسنى للإمبرياليين البريطانيين إخماد الثورة ، وإحكام سيطرتهم على البلاد من جديد ، بدأت الحكومة البريطانية في ترتيب الوضع الداخلي ، متخلية عن أسلوب الهيمنة العسكرية المباشرة ، فأقدمت على تأليف حكومة عراقية مؤقتة برئاسة السيد  [عبد الرحمن النقيب ] في 25 تشرين الأول 1920، كما قررت تنصيب الأمير فيصل أبن الملك حسين بن علي ملك الحجاز ، ملكاً على العراق ، في محاولة منها لخداع الرأي العام العراقي ، وإيهامه بأن بريطانيا قد تخلت عن أحلامها في الهيمنة على العراق ، والسماح بقيام حكم وطني في البلاد .

 وهكذا شكل النقيب وزارته الأولى،والتي ضمت تسعة  وزراء وجاءت على الوجه التالي : (6)

1 ـ عبد الرحمن النقيب ـ رئيساً للوزراء  .

2 ـ طالب النقيب  ـ وزيراً للداخلية .

3 ـ ساسون حسقيل ـ وزيراً للمالية .

4 ـ مصطفى الآلوسي ـ وزيراً للأوقاف .

 5 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع .

6 ـ عبد اللطيف المنديل ـ وزيراً للتجارة .

7 ـ عزت باشا الكركوكلي ـ وزيراً للصحة .

 8 ـ محمد علي فاضل ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

9 ـ محمد مهدي بحر العلوم ـ وزيراً للمعارف .

أرتأ المندوب السامي البريطاني [ السير برسي كوكس ] أن يضيف إلى الوزارة عدد من الشخصيات العراقية كوزراء دولة لكي تكون هذه الشخصيات عوناً للحكومة في إدارة شؤون البلاد ، واختار المندوب السامي تلك الشخصيات من العناصر التي يثق بها ، وبقابليتها على تنفيذ السياسة البريطانية المرسومة للعراق وهكذا أصدر المندوب السامي قراره بتعيين 12 شخصية ليكونوا مجلساً استشارياَ للحكومة وهم السادة : (7)

1ـ عبد الرحمن الحيدري                      7ـ محمد الصيهود

 2 ـ حمدي بابان                                8 ـ عجيل السرمد

 3 ـ عبد الغني كبه                             9ـ عبد الجبار الخياط

 4 ـ أحمد الصانع                              10ـ سالم الخيون

 5ـ عبد المجيد الشاوي                        11 ـ داؤد يوسفاني

 6 ـ فخري الجميلي                            12 ـ هادي القزويني

وقد اعتذر كل من حمدي بابان ،وهادي القزويني عن قبول منصبيهما ، فاستعاض المندوب السامي عنهما بكل من : الشيخ ضاري السعدون ،ونجم البدراوي .

*

 سادساً : مؤتمر القاهرة لبحث مستقبل العراق :

بعد أن تسنى للمحتلين البريطانيين إعادة تثبيت سيطرتهم على العراق، وقمع ثورة العشرين، دعا المستر [ تشرشل ] وزير المستعمرات البريطاني الحكومة العراقية إلى حضور مؤتمر في القاهرة في 12 آذار 1921 لبحث المستقبل السياسي للعراق  وقد حضر وفد عن الحكومة العراقية التي شكلها المندوب السامي ، ووفد عن الحكومة البريطانية يضم المسؤولين الكبار في الإدارة البريطانية في  العراق ، والممثلون البريطانيون في بلدان الشرق الأوسط ، لبحث مستقبل العراق وقد حضر عن  الحكومة العراقية كل من :

1 ـ جعفر العسكري  ـ وزير الدفاع.

2 ـ ساسون حسقيل  ـ وزير المالية.

أما الوفد البريطاني فقد ضم كل من :

1 ـ بيرسي كوكس  ـ المندوب السامي البريطاني في العراق.

2 ـ الجنرال  هالدن  ـ القائد العام للقوات البريطانية في العراق.

3 ـ المستر سليستر  ـ مستشار وزير المالية العراقي.

المستر انكنس ـ مستشار وزير الأشغال والمواصلات العراقي.

5 ـ المستر ايدي ـ مستشار وزير الدفاع العراقي.

6 ـ المس بـيل  ـ السكرتيرة الشرقية لدار الانتداب البريطاني في العراق.

وقد جرى في هذا المؤتمر بحث مستقبل العراق السياسي ، تحت ظل الانتداب البريطاني وكانت أهم المسائل التي جرى بحثها :

1 ـ اختيار شكل نظام الحكم في العراق ،وقد تم خلال البحث الاتفاق على جعل العراق دولة ملكية دستورية ، وترشيح الأمير فيصل ابن الحسين ليكون ملكاً على العراق.

2 ـ جرى بحث كيفية تخفيض النفقات البريطانية اللازمة لإدامة السيطرة البريطانية على العراق، حيث سببت ثورة العشرين خسائر مادية جسيمة لبريطانيا، بالإضافة إلى الخسائر الكبيرة في الأرواح والتي جاوزت 20 آلفاً من الجنود والضباط البريطانيين.

3 ـ جرى بحث موضوع تشكيل جيش عراقي قوامه 15 ألف جندي، وإناطة الأمن الداخلي به ، وتقرر أن تساهم الحكومة العراقية بنسبة 15% من ميزانية الجيش في بادئ الأمر ، على أن تزداد هذه النسبة مع نمو الجيش في المستقبل لتصل إلى 25%. وقد صادق المؤتمر على جميع القرارات ، وكانت الحكومة البريطانية قد بدأت فعلاً بتأليف نواة لجيش عراقي في 6كانون الثاني 1921، للقيام بمهمة حفظ الأمن الداخلي مؤلفاً من 24 فوجاً ،إلا أن ذلك الجيش بقي ضعيفاً ، وتعوزه الأسلحة الحديثة ، فقد كانت بريطانيا هي التي تقرر كمية ونوعية السلاح لهذا الجيش ، لضمان بقاء سيطرتها على البلاد .

 4 ـ جرى بحث وضع قوات الليفي البريطانية في العراق ، وتقرر زيادة عددها من   4000إلى 7500 فرداً ، على أن تقوم الحكومة البريطانية بنفقاتها ، وجرى الاتفاق على مرابطة 6 أسراب من الطائرات الحربية في القواعد البريطانية بالعراق ، ثم تبادر الحكومة البريطانية بسحب قواتها تدريجياً من العراق ، وعلى اثر انفضاض المؤتمر تمت دعوة الأمير فيصل لتولي الملك في العراق .

ومن الجدير بالذكر أن طالب النقيب ،الذي عين وزيراً للداخلية كان يطمح بان يكون هو ملكاً على العراق ، وقد استشاط غضباً لعدم إشراكه في المؤتمر، ومعارضته لتنصيب الأمير فيصل ملكاً على البلاد ، واخذ يصرح تصريحات تنم عن النقد الحاد للمندوب السامي وللسياسة البريطانية في العراق ، وحاول تجميع عدد من رؤساء العشائر والشخصيات السياسية حوله لدعم موقفه ، فما كان من المندوب السامي إلا أن أمر بإقالته واعتقاله في مساء يوم 16 نيسان1921، ونفيه إلى الفاو، وتعيين المستر [فلبي] مستثار وزارة الداخلية، وزيراً للداخلية .

أدى أجراء المندوب السامي إلى خلق موجة من الاستياء في البلاد ،وإلى استقالة وزير التجارة عبد اللطيف المنديل في 29 نيسان احتجاجاً على أجراء المندوب السامي البريطاني. (8)

سابعاً : العفو العام عن المشاركين بثورة العشرين :

*

رغبة من الحكومة البريطانية في تهدئة الأوضاع في البلاد ، وامتصاص الغضب الشعبي على سلطات الاحتلال ، وبناء على إلحاح الحكومة العراقية أصدر المندوب السامي في 30 أيار 1921  قراراً بالعفو العام عن المشاركين في ثورة العشرين ، غير أن القرار استثنى عدداً من قادة الثورة ،والعناصر المتهمة بقتل مجموعة من الضباط البريطانيين أثناء الثورة ، وكان في مقدمة من استثناهم القرار كل من[الشيخ ضاري ] قائد الثورة، وولداه [ خميس وسلمان ].

أما بقية الذين استثناهم القرار فهم :

1 ـ دهام فرحان ، وسرب محباس ، وسلوبي محباس ، وهم من عشيرة الزوبع، وقد اتهموا بقتل الكولنيل [ لجمان ].

2 ـ جاسم الموبللي، من عشيرة المهدية ، وقد اتهم بقتل اليوزباشي [ريكللي ].

3 ـ جميل بك ، وحميد أفندي الدبوني ، وقد  اتهما بقتل  [ اليوزباشي باولو] و [الملازم ستيوارت] .

4 ـ محمد الملا محمود، من عشيرة البحاثة ، وقد اتهم بقتل [ الملازم براد فيلد ] .

5 ـ حسن العبد الله، وجاسم العوض،من عشيرة تميم،وقد اتهما بقتل  [المستر لوكافن ] .

6 ـ ناصر بن أرضير، وعلاوي الجاسم ، وابن ارعيدي،وقد اتهموا بقتل عدد من الجنود.

7 ـ بسيوس بن محاريس، ونعمة بن ضعينه، من عشيرة الجوابر، وقد اتهما بقتل ضباط من سلاح الجو البريطاني .

8 ـ فالح بن الحاج صقر العجيري ،من الجوير،وقد اتهم بقتل [الملازم هدكار ]  وعدد من رجال المدفعية البريطانيين ، على مركب كرين فلاي .

*

 ثامناً: صدور قانون الأحزاب والجمعيات و إجازة الأحزاب السياسية:

ثار ظهور عدد من الأحزاب السياسية المناوئة للاستعمار، والمتطلعة لعراق مستقل وديمقراطي يعيداً عن الهيمنة البريطانية ، ورغم عدم وجود قانون ينظم مسألة قيام الأحزاب والجمعيات ، ويجعل من قيامها أمراً شرعياً ، قلق المندوب السامي البريطاني والحكومة من الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأحزاب في قيادة وتوجيه الجماهير الشعبية ، ولذلك فقد سعت الحكومة ، والمندوب السامي إلى السيطرة على عملية تكوين هذه الأحزاب ، وتقرر إصدار قانون للأحزاب والجمعيات، وقد جاء القانون الذي أصدرته الحكومة في 29 حزيران 1922، مقيداً للحريات العامة والاجتماعات ، واعتبرته القوى السياسية الوطنية ضربة موجهة لها للحيلولة دون تمتعها بحرية النشاط السياسي المستقل.

ومع ذلك سارع عدد من الشخصيات السياسية إلى تقديم طلباتهم إلى الحكومة لإجازة أحزابهم فور صدور القانون المذكور، فقد تقدم المناضل الوطني البارز[جعفر أبو التمن ] ورفاقه السادة بهجت زينل ،ومهدي البصير،وعبد الغفور البدري ،وحمدي الباجه جي ،ومولود مخلص ، والشيخ أحمد الداؤد ،طلباً بتأسيس {الحزب الوطني العراقي }.(9)

كما تقدم كل من  السادة : الحاج أمين الجرجفجي، والشيخ أحمد الظاهر، ومهدي البير، وأصف وفائي ، ومحمد حسن كبه ، وعبد الرسول كبه ،  وعبد الرزاق الأزري ، طلباً إلى الحكومة بتأسيس {حزب النهضة العراقية }،ومثل هذان الحزبان المعارضة الوطنية العراقية لسياسة الهيمنة البريطانية.

وفي 3 أيلول 1922 تقدمت مجموعة ثالثة بطلب تأسيس حزب موالي للحكومة النقيبية دُعي  {الحزب العراقي الحر }،غير أن هذا الحزب لم يلقَ أي تجاوب من قبل أبناء الشعب ،الذين استنكفوا الانتماء إلى حزب موالي للحكومة وللإنكليز،على الرغم من جميع المحاولات التي بذلتها الأجهزة الإدارية لدعمه ، وضغطها على الناس وحثها على تأييده والانتماء إليه ، لكنها فشلت في مسعاها ، وبقي هذا الحزب بعيداً عن الجماهير الشعبية،ولا يمثل إلا مؤسسيه،والسلطة الحاكمة والموالين للإنكليز ،في حين استقطب الحزب الوطني العراقي،وحزب النهضة العراقية الكثير من العناصر الوطنية ،ذات الفكر التقدمي والعناصر القومية المعارضة لكل أشكال الهيمنة الأجنبية،وبشكل خاص الهيمنة البريطانية .

*

 تاسعاً: دعوة الأمير فيصل للقدوم إلى العراق، لتولي الملك:

لم يكد مؤتمر القاهرة ينهي أعماله ،حتى سارع جعفر العسكري ، وزير الدفاع، بطلب من المندوب السامي ، إلى توجيه رسالة إلى الأمير فيصل أبن الحسين في 25 مايس 1921 يدعوه للقدوم إلى العراق ، تنفيذاً لقرارات المؤتمر.

وعلى الفور أبدى الأمير فيصل سروره واستعداده للسفر إلى العراق،والقيام بالمهام التي اختارتها له بريطانيا من أجلها، ملكاً على العراق .

كما أرسل الميجر [ مارشال ] رسالة أخرى للأمير فيصل ، يدعوه للتهيئ للسفر إلى العراق، وأبلغه أن الباخرة [ نورث بروك ] في طريقها إلى [جدة] وقد تم حجز المقاعد اللازمة له ولحاشيته ورفاقه.(10)

وفي 12 حزيران 1921 أستقل الأمير فيصل الباخرة البريطانية[ نورث بروك] ]في طريقه إلى البصرة وبصحبته عدد من زعماء ثورة العشرين يضم السادة :محمد الصدر ويوسف السويدي ، وعلوان الياسري ، ومحسن أبو طبيخ ، ورايح العطية .

 أما الحاشية الملكية المرافقة لفيصل فكانت تضم كل من السادة :

رستم حيدر، وأمين الكسباني ، وتحسين قدري ، وعلي جودت الأيوبي ، وإبراهيم كمال ، وصبيح نجيب ، ومكي الشربتجي ، والمستر كورنواليس البريطاني ، والذي أصبح مستشاراً للملك فيصل .

وفي 23 حزيران وصلت الباخرة التي تقل الأمير فيصل وحاشيته إلى ميناء البصرة ، وكان في استقباله كل من وزير الدفاع جعفر العسكري ، ومتصرف لواء البصرة أحمد الصانع ، ومستشار وزارة الداخلية جون فلبي ، حيث جرى للأمير استقبالا رسمياً هناك ثم تابع موكب الأمير فيصل سفره إلى بغداد بالقطار، حيث وصلها في 29 حزيران ، وجرى له استقبال رسمي شارك فيه المسؤولون البريطانيون ، وأعضاء الحكومة ، وعدد من الشخصيات السياسية ، ورؤساء العشائر .

وفي 5 تموز،نشر المندوب السامي بياناً رحب فيه بمقدم الأمير فيصل، ودعا العراقيين إلى تأييد تنصيبه ملكاً على البلاد .

*

 مجلس الوزراء يبايع الأمير فيصل ملكاً على العراق :

وفي 11 تموز 1921 أتخذ مجلس الوزراء قراراً بمبايعة الأمير فيصل أبن الحسين ملكاً على العراق بعد أن تليت رسالة المندوب السامي [بيرسي كوكس ] المرقمة:

س د /1631، والمؤرخة في 8 تموز 1921، واشترط قرار مجلس الوزراء أن تكون حكومة العراق ملكية دستورية نيابية ديمقراطية  مقيدة بالقانون ، وتقرر تخويل وزارة الداخلية نشر هذا القرار على عموم الشعب العراقي .

وعلى أثر صدور قرار مجلس الوزراء بمبايعة الملك فيصل ، أصدر وزير الداخلية أمراً إلى جميع متصرفي الألوية ، يدعوهم إلى تسجيل أراء أبناء الشعب في هذه البيعة !!.

 كما أمر بتشكيل لجان تتنقل في كافة الألوية للإشراف على تسجيل أراء أبناء الشعب وكانت هذه اللجان قد رتبت الأمور في كل لواء تزوره  ليبدو وكأن الشعب يؤيد كل التأي