قيام جبهة وطنية لخوض الانتخابات
أولاً : جميل المدفعي يعيد تأليف وزارته .
ثانياً : مذكرة الحزب الوطني الديمقراطي للملك فيصل
الثاني .
ثالثاً : الحكومة تقترف جريمة شنعاء ضد السجناء
الشيوعيين في سجن بغداد .
رابعاً: الحكومة تقترف جريمة جديدة ضد السجناء الشيوعيين في سجن
الكوت
خامساً : استقالة حكومة المدفعي، وتكليف الدكتور فاضل
الجمالي .
سادساً :تأمر النظام العراقي على سوريا .
سابعاً : الدكتور الجمالي يعيد تشكيل وزارته من جديد
ثامناً : انبثاق حركة أنصار السلام .
تاسعاً : الحكومة تعقد اتفاقية للأمن المتبادل مع
الولايات المتحدة .
عاشراً : استقالة حكومة الجمالي، وتكليف أرشد العمري
بتشكيل الوزارة
حادي
عشر : قيام جبهة وطنية لخوض الانتخابات النيابية .
ثاني عشر : استقالة
حكومة العمري وتكليف نوري السعيد .
ثالث عشر : نوري
السعيد يشن الهجوم المعاكس، ويصفي كل مظاهر الديمقراطية .
رابع عشر : رد فعل
الأحزاب الوطنية على مراسيم نوري السعيد .
خامس عشر : حكومة نوري السعيد تفرض حلف بغداد .
***
أولاً : جميل المدفعي يعيد
تأليف وزارته :
بالنظر لتولي الملك فيصل الثاني سلطاته
الدستورية كملك على العراق، قدم جميل المدفعي استقالة حكومته إلى الملك، حسبما نص
عليه الدستور، في 5 أيار 1953، وتم قبول الاستقالة، وعهد الملك إليه إعادة تأليف
الوزارة من جديد، وجاءت
الوزارة الجديدة بنفس تشكيلاتها السابقة باستثناء إضافة وزيرين
للدولة هما السيد علي الشرقي، والسيد نديم الباجه جي الذي أصبح فيما بعد وزيراً للأعمار التي استُحدثت
في 23حزيران 1953 .
ورغم تسلم الملك فيصل الثاني سلطاته
الدستورية فإن شيئاً لم يتغير، فقد بقيت حكومة المدفعي بتشكيلاتها السابقة، تضم
أقطاب الزمرة الحاكمة بكل تاريخها المرتبط بخدمة المصالح الإمبريالية البريطانية،
والتنكر لطموحات الشعب في الحرية والاستقلال، والحياة الحرة الكريمة
.
بقيت الأحكام العرفية سيفاً مسلطاً على رقاب
الشعب، وبقيت الصحافة الوطنية معطلة، والأحزاب الوطنية ملغاة رسمياً، ومحاربة
فعلياً، على الرغم من إصرار تلك الأحزاب على عدم الاعتراف بحلها، لكن نشاطها اقتصر
على تقديم المذكرات للملك والحكومة . فقد قدم الحزب
الوطني الديمقراطي في 18 أيار 1953 مذكرة إلى الملك فيصل الثاني حول الأوضاع
السائدة في البلاد، وضرورة أجراء الإصلاحات الضرورية، وإلغاء الأحكام العرفية،
وإفساح المجال لحرية الأحزاب والصحافة، وانتهاج سياسة وطنية بعيداً عن الهيمنة الإمبريالية .
كما بعث حزب الاستقلال بمذكرة أخرى مشابهة،
استعرض فيها أوضاع البلاد المتدهورة جراء سياسة الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم،
مطالباً بالإصلاحات الضرورية ومعالجة مشاكل الشعب المعيشية .
***
ثانياً:مذكرة الحزب الوطني الديمقراطي
للملك فيصل الثاني
حضرةصاحب الجلالة
الملك المعظم :
يا صاحب الجلالة : لابد أن جلالتكم قد اطلعتم على المذكرات التي تقدم بها حزبنا، وحزبا
الاستقلال والجبهة الشعبية، بتاريخ 28 تشرين الأول 1952 إلى سمو ولي العهد المعظم،
عندما كان يزاول الوصاية على العرش، إذ بلغ سوء الأوضاع في العراق غاية في التردي،
وعمت الشكوى أوساط الشعب، وباءت كل دعوة للإصلاح بالفشل . وقد اتفقت الكلمة في تلك
المذكرات على خطورة الوضع القائم في البلاد، وقد طالب كل حزب بما يجب القيام به من
إصلاح شامل ليتمتع الشعب العراقي بحرياته الدستورية، وفي تعين سياسة العراق
الخارجية على أسس وطنية، وتحديد موقفه من المشاريع الاستعمارية التي يراد فرضها
على البلاد، بإعلان حياده تجاه التكتلات الدولية،
واجتناب كل ارتباط له بالدول الاستعمارية، والمحافظة على سلامته، وتنظيم أحواله
الاجتماعية والاقتصادية والمالية على أسس سليمة . وقد
كانت هذه المطالب، ولا تزال، تعبر عن ضرورة ملحة للشعب العراقي في تحقيق الإصلاح
الذي ينشده، مما كان يستوجب المبادرة إلى تحقيقها .
غير
أن الجو الذي تركه مؤتمر البلاط المنعقد في اليوم الثالث من تشرين الثاني 1952، لبحث
ما جاء في تلك المذكرات، وعدم الاكتراث بتلك المطالب، والإصرار على استبقاء قانون
الانتخاب السابق، وسوء تصرف الحكومة القائمة آنذاك في قضايا الطلاب وما إلى ذلك من
أمور تتعلق بتصرفات المسؤولين، كل ذلك أدى إلى وقوع حوادث دامية، أسفرت عن استقالة
حكومة فخامة السيد مصطفى العمري، وتسليم مقاليد الأمور إلى الجيش، وإعلان الأحكام
العرفية، وإلغاء الأحزاب والصحف الحزبية، ومعظم الصحف الحرة، واعتقال عدد كبير من
المواطنين، بما فيهم قادة الأحزاب والكثير من الصحفيين وأصحاب الرأي، دون سبب مبرر، وقد أضافت تلك الإجراءات الشاذة إلى حالة
البلاد سوءاً على سوء، وخلقت جواً إرهابياً لا يستطيع معه الشعب التعبير عن إرادته
في القضايا الداخلية والخارجية على السواء، ومن ضمنها الانتخابات العامة التي
أجريت في ذلك الجو الإرهابي .
إن الأحكام العرفية التي أعلنت فور تسليم
مقاليد الأمور إلى الجيش، قد اتُخذت وسيلة لإجراء تغير كبير في أسلوب الحكم، إذ أن
تلك الأحكام قد ألغت نظام الحكم الديمقراطي المقرر للبلاد، وقلبته في الواقع إلى
نظام دكتاتوري سافر . فالحياة الحزبية لا تزال معطلة،
وحرية الصحافة لا تزال مفقودة، والحملة الإرهابية ضد المواطنين عامة، والمثقفين
خاصة، لا تزال مستمرة، ومن شأن ذلك كله، كما تعلمون جلالتكم،
أن يزيد من استياء الشعب، ويعزز الاعتقاد بأن استمرار هذه الحالة الشاذة يضع جميع
المواطنين في قلق دائم، ويجعل بإمكان السلطة انتهاك الحريات العامة والخاصة لكل
مواطن، لأعذار واهية،لا تتصل بالمصلحة العامة .
وقد قدم الحزب
الوطني الديمقراطي عدة مذكرات إلى فخامة السيد جميل المدفعي، منذ أن ألف وزارته
السابقة، أثبت فيها خطأ تلك الإجراءات التي اتخذت ضد الأحزاب وصحافتها، والصحافة
الحرة، من الوجهة الدستورية والقانونية، وطالب مراراً بإنهاء هذا الوضع الشاذ،
وإعادة الأحزاب الملغاة، وفسح المجال لصحافتها والصحافة الحرة للقيام بواجباتها
الوطنية في هذه الظروف الدقيقة التي يجتازها العالم، وبصفة خاصة العراق، باعتباره
جزء من البلاد العربية
التي تجري المساومة على كيانها ومستقبلها من قبل المستعمرين، إلى
جانب معالجة حالة البلاد السيئة التي تتطلب إبداء كل مواطن عراقي رأيه فيها، وقد
وعدت الحكومة مراراً، سواء في جواب رئيسها إلى الأحزاب، أو في تصريحاته وتصريحات
بعض المسؤولين في البرلمان والصحف بأنها سوف تنهي الإدارة العرفية حالما ترى زوال
الأسباب التي دعت إلى إعلانها، غير أن الحكومة استبقت الإدارة العرفية من دون سبب
مبرر، كما أنها لم تتخذ أي إجراء من شأنه أن يعيد إلى الأحزاب كيانها القانوني
وحقوقها الدستورية .
كان المعتقد أن
الوعود التي قطعت للأحزاب، وللرأي العام، بإنهاء الوضع الشاذ القائم لا يمكن أن
تبقى مجرد أقوال، وخاصة بعد تسلم جلالتكم سلطاتكم
الدستورية، لأن الشعب العراقي حريص على إنهاء هذا الوضع الإرهابي الذي يرزح تحت نيره .
ولاشك أن في عدم الاستجابة لمطالب الشعب التي
تبنتها الأحزاب في مذكراتها، واستمرار الحكم على أساس دكتاتوري، وانتهاز الفرص
لإعلان الأحكام العرفية واستبقائها، وجعلها هي الأساس لمزاولة الحكم، كل ذلك لا
يتفق مع رغبة الشعب في أن يكون هذا العهد دستورياً، تضمن فيه للمواطن جميع حرياته
المغتصبة، وتسترد فيه حقوقه السياسية المسلوبة،ولا تزال
فيه سيئات العهد الماضي الذي عانى الشعب منه الأمرّين . فالشعب يا صاحب الجلالة إنما
يتطلع إلى استرداد حرياته وحقوقه، وإلى إنهاء هذا الوضع الشاذ الذي لا يزال
قائماً، أملاً أن يكون في مقدمة ذلك إلغاء الأحكام العرفية، وإعادة الحياة الحزبية
وما يرافقها من حريات تمهيداً لتحقيق المطالب الشعبية الأساسية التي عبرت عنها
الأحزاب في مذكراتها . والحزب الوطني الديمقراطي إذ
يتقدم بهذه المذكرة، ليأمل أن يكون عهد جلالتكم،عهداً تحترم فيه أحكام الدستور، لتحقيق سيادة الشعب التي هي
أهم مقوماته، وبذلك يكون هذا العهد حقاً جديداً للعراق،من حيث واقع حياته، لا من
حيث الشكل فحسب . وتفضلوا يا صاحب الجلالة بقبول خالص احترامنا .(1)
بغداد في 5 رمضان 1372 هجرية المصادف 18 أيار
1953 ميلادية .
كامل الجادرجي
رئيس
الحزب الوطني الديمقراطي
لكن الملك فيصل، ومن ورائه عبد الإله ونوري
السعيد، لم تعجبهم تلك المذكرات، ولم يكلف نفسه مشقة الرد عليها، بل أحالها إلى
رئيس الوزراء نفسه ليجيب عليها إجابة مقتضبة فيها الكثير من المراوغة والتهرب من
تلك المطالب، وبدا للشعب وأحزابه الوطنية أن العهد الجديد ما هو إلا امتداد لذلك
العهد الأسود، عهد عبد الإله ونوري السعيد،
وأن السلطة الحاكمة ماضية في سياسة اضطهاد الشعب وحرياته الدستورية،
واضطهاد الأحزاب والصحافة الوطنية، حيث بقيت تلك الأحزاب ملغاة رسمياً والصحافة
معطلة، والأحكام العرفية سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب .
لم تكتفِ تلك الحكومة بكل هذا، بل تمادت في
غيها وارتكبت جريمة كبرى بحق السجناء السياسيين الشيوعيين في سجن بغداد ذهب ضحيتها
7 سجناء استشهدوا برصاص الشرطة وجرح23 آخرين ، وهذا وصف للمجزرة البشعة التي نفذتهما الحكومة في السجن
المذكور.(2)
ففي السابع عشر من حزيران 1953 حاولت حكومة
جميل المدفعي نقل السجناء الشيوعيين من سجن بغداد إلى سجن بعقوبة الذي تم تشيده
لاستقبالهم، وقد بني السجن بمواصفات تؤدي إلى عزل السجناء في غرف انفرادية،
وممارسة شتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي ضدهم، وحجب كل
وسيلة للاتصال بالخارج، ومنع الكتب والصحف والمجلات، وأجهزة الراديو عنهم. رفض السجناء الشيوعيون نقلهم إلى السجن
المذكور، واتخذت الحكومة موقف السجناء هذا ذريعة لتنفيذ جريمة جرى الأعداد لها
سلفاً من قبل متصرف بغداد [ عبد الجبار فهمي ] ومدير شرطة بغداد، ومدير سجن بغداد
[ عبد الجبار أيوب ] بتوجيه من وزارة الداخلية .
فقد هاجمت قوات الشرطة السيارة السجن وباشرت
بإطلاق الرصاص على السجناء العزل، صباح يوم 18 حزيران 1953، ولم يكن لدى السجناء
ما يدافعون به عن أنفسهم سوى الصحون والقدور، وبعض
الحجارة، أمام رشاشات السلطة الحاكمة .
كان عدد السجناء [ 130 سجيناً ]، فيما كانت
قوات الشرطة السيارة تزيد على 300 فرد بين شرطي ومفوض وضابط .
وهكذا فقد كانت المعركة غير متكافئة على الإطلاق، وأدت إلى استشهاد 7 سجناء، وجرح
23 آخرين نقلوا إلى مستشفى السجن، فيما نقل الباقون مكبلين بالأصفاد في أيديهم
وأرجلهم إلى سجن بعقوبة .
لقد كانت تلك،جريمة
بشعة جداً، لا تقرها أي شريعة أو قانون، ضد عناصر وطنية مثقفة واعية أودعت السجن
بسبب معتقداتها التي كفلها الدستور، ولكن السلطة الحاكمة كانت قد انتهكت الدستور
بكل فظاعة، وأصدرت المرسوم تلو المرسوم، حتى أفرغت الدستور من أحكامه، وقد أصاب
شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري كبد الحقيقة
عندما وصف تجاوز الحاكمين على الدستور، في قصيدته [ يوم الشهيد ] قائلاً :
وتعطل الدستور عن أحـكامه من
فرط ما ألــوى به الحكامُ
فالوعي بغيٌ، والتحرر ُسبةٌ
والهمس جرم والكلام
حرامُ
ومدافعٌ عما يدين
مخربٌ ومطالــبٌ بحقـوقه هــــّدامُ
هكذا كان الحال آنذاك، حيث كانت السلطة
الحاكمة تتهم كل وطني مخلص بأنه [ هدّام ] وأطلقت على
الشيوعيين لقب [ حملة المبادئ الهدامة ] !! .
أحدثت تلك الجريمة النكراء صدمة كبرى للشعب
العراقي وقواه السياسية الوطنية، وانبرت الأحزاب والصحافة تهاجم الحكومة، وتفضح
حججها في تبرير الهجوم، وقتل وجرح السجناء العزل دون وازع أخلاقي
أو إنساني .
لقد تلبد الجو في بغداد من جديد لهول تلك
الجريمة، وقامت على أثرها مظاهرات ضمت عوائل السجناء وأبنائهم وذويهم،وتوجهوا إلى المستشفى للبحث عن أبنائهم وذويهم، لكن الشرطة
تصدت للمتظاهرين هذه المرة أيضاً وأطلقت الرصاص عليهم، مما أدى إلى استشهاد وجرح
عدد آخر منهم، وألقت الشرطة القبض على الكثيرين، حيث سيقوا إلى المجلس العرفي
العسكري الذي وسعت الحكومة صلاحياته في 20 حزيران 1953،إمعاناً في سياستها
المعادية للشعب.(3)
وعلى الأثر قدم الحزب الوطني الديمقراطي وحزب
الاستقلال مذكرتي احتجاج شديدة اللهجة إلى الحكومة واتهمتها بتدبير المؤامرة على
السجناء السياسيين لأجل تصفيتهم جسدياً، وطالبت المذكرتان بإجراء تحقيق قضائي
عادل، وتحديد المسؤولين عن تلك الجريمة وإحالتهم إلى المحاكم لمحاكمتهم
.كما قدم 20 نائباً في البرلمان احتجاجاً على تلك الجريمة، وقدموا طلباً
لمساءلة الحكومة أمام البرلمان . إلا أن الأكثرية
الموالية للسلطة رفضت الاستجابة للطلب، حيث صوت 65 نائباً سعيدياً
ضده، وبذلك افشل الطلب ، ولم
تجرِ الحكومة أي تحقيق جدي حول الجريمة ولم يتم إحالة أي مسؤول إلى المحاكمة، وتم
إسدال الستار عنها.(4)
رابعاً:جريمة جديدة ضد السجناء الشيوعيين في
سجن الكوت:
تجاهلت حكومة المدفعي كل الاحتجاجات والحملات
الصحفية
ومذكرات الأحزاب والتظاهرات على جريمتها في سجن بغداد، وتمادت في غيها وتحديها للرأي
العام، وراحت تخطط لمجزرة جديدة في [سجن الكوت ] الذي كان يضم 123شيوعياً كانوا قد
احتجوا على جريمة الحكومة في سجن بغداد، ومحاولة الحكومة نقلهم إلى سجن بعقوبة،
كما فعلت مع السجناء الشيوعيين في سجن بغداد .وتنفيذاً
لهذه الغاية حاولت الحكومة تجريد السجناء في ذلك السجن من كل وسيلة يمكن بواسطتها
الدفاع عن أنفسهم، فقد تعلمت الحكومة التجربة من سجن بغداد، أرادت أن توقع أكبر عدد
من الإصابات في صفوف السجناء . وعليه أجرت سلطات السجن
حملة تفتيش واسعة لأمتعة السجناء، وأدوات المطبخ، وجردتهم من كل ما اعتبرته آلة
حادة كسكاكين الطعام وغيرها .
وبعد أن تم لهم ما أرادوا، حاولت الحكومة نقلهم
بالقوة إلى[سجن بعقوبة ]، لكن السجناء رفضوا تنفيذ القرار، واعتصموا بردهاتهم
رافضين الخروج منها، ومانعين حراس السجن و الشرطة من دخولها. ورداً على موقف السجناء لجأت سلطات السجن إلى
قطع الماء والطعام والكهرباء عن السجناء لإجبارهم على الخروج، مما أدى إلى نفاذ
الماء والطعام لديهم، واضطر السجناء إلى حفر بئر داخل إحدى الردهات للحصول على
الماء، لكن الماء كان مالحاً، مما أضرّ بصحتهم، وبلغ بهم الجوع حداً لا يطاق، وقد
تعمدت السلطة ذلك من أجل إنهاك السجناء وإضعاف مقاومتهم.
ولما تم لها ذلك بدأت قوات الشرطة بالهجوم
على السجناء مستخدمة في بادئ الأمر الحجارة ، حيث راحت
تنهال على السجناء بكثافة حال خروجهم من الردهات، وحاول العديد من السجناء استخدام
القدور غطاءاً واقياً لرؤوسهم، لكن الشرطة فاجأتهم باستخدام الرصاص الذي حصد من
السجناء 8 شهداء، وجرح 96 سجيناً آخر،
وتحولت باحة السجن إلى مجزرة حقيقية تغطيها الدماء، ولم
ينجُ من السجناء سوى 19 فرداً فقط أحدثت
الجريمة الجديدة هيجانا شديداً لدى الرأي العام العراقي، الذي تأكد لديه أن الحكومة قد تعمدت قتل السجناء
الشيوعيين عن سابق تصميم ، وأنها
لا تعير أي أهمية للرأي العام في البلاد، واستنكرت الأحزاب السياسية جريمة السلطة
واتهمتها بالتعمد في قتل الأبرياء العزل، وتجاهل أراد الشعب وقواه الوطنية، وتجاهل
الدستور وحقوق وحريات الشعب التي نص عليها، والتي جعلتها الحكومة حبراً على ورق، إرضاءاً لأسيادهم الإمبرياليين .
ونتيجة للغضب العارم الذي اجتاح البلاد من
أقصاها إلى أقصاها، والخوف من تحوله إلى انتفاضة جديدة، حاول النظام الملكي امتصاص
ذلك الغضب فأوعز إلى رئيس الوزراء بتقديم استقالة حكومته .بعد
أن أنجزت المهمة القذرة التي أوحى لهم بها أسيادهم الإمبرياليون
.
***
خامساً:استقالة حكومة المدفعي وتكليف الدكتور
فاضل الجمالي:
بناء على طلب البلاط الملكي، قدم جميل المدفعي استقالة الحكومة إلى الملك،
في 15 أيلول 1953، وقُبلت الاستقالة في 17 منه . وعلى
أثر استقالة الحكومة دعا الملك فيصل وخاله عبد الإله كل من[ الشيخ محمد الصدر ] رئيس مجلس الأعيان، والدكتور[ فاضل الجمالي ] رئيس مجلس النواب،
إضافة إلى رئيس الديوان الملكي[ احمد مختار بابان ] إلى مقر أقامته في مصيف سرسنك
للتداول في أمر تأليف وزارة جديدة، وقد اقترح الشيخ الصدر على الملك تأليف وزارة
من وجوه جديدة، وحل مجلس النواب، وإجراء انتخابات جديدة .
واستقر رأي الملك، بعد استشارة السفير البريطاني
في بغداد، على أن يكلف الدكتور فاضل الجمالي بتأليف الوزارة، وأن تضم وجوهاً
جديدة، فيما اختار الملك وزيرا الدفاع والداخلية، وصدرت الإرادة الملكية بتكليف
الجمالي في 17 أيلول 1953، وتم استبعاد نوري السعيد من الوزارة على الرغم من أن
حزبه يتمتع بالأغلبية المطلقة في البرلمان، رغبة من النظام في امتصاص النقمة
الشعبية على سلوك الحكومة السابقة، ولفترة من الزمن، ليعود بعدها إلى الواجهة من جديد .وجاءت وزارة الجمالي على الوجه
التالي:
1 ـ فاضل الجمالي ـ رئيساً للوزراء ووزيراً
للداخلية وكالة .
2 ـ علي حيدر سليمان ـ وزيراً للأعمار .
3 ـ عبد الكريم الإزري
ـ وزيراً للمالية .
4 ـ جميل ألا ورفلي ـ وزيراً للعدلية .
5 ـ عبد المجيد القصاب ـ وزيراً للمعارف .
6 ـ عبد الله بكر ـ وزيراً للخارجية .
7 ـ حسين مكي خماس
ـ وزيراً للدفاع .
8 ـ عبد المجيد عباس ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .
9 ـ عبد الرحمن الجليلي
ـ وزيراً للاقتصاد .
10ـ حسن عبد الرحمن ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
11 ـ عبد الأمير علاوي ـ وزيراً للصحة .
12 ـ عبد الغني الدلي
ـ وزيراً للزراعة .
13 ـ أركان العبادي
ـ وزيراً بلا وزارة .
14 ـ صادق كمونه ـ وزيراً بلا وزارة .
15 ـ محمد شفيق العاني ـ وزيراً بلا وزارة .
16 ـ روفائيل بطي
ـ وزيراً بلا وزارة .
ثم جرى تعين سعيد قزاز
وزيراً للداخلية في 19 أيلول .
بدأت وزارة الجمالي عملها بإجراءات تهدف إلى
التنفيس عن الشعب، وإطلاق بعض الحريات العامة التي كانت حكومة نور الدين محمود قد
كتمتها، إثر وثبة تشرين الثاني المجيدة عام 1952، فأعلنت الحكومة إلغاء الأحكام
العرفية في 5 تشرين الأول، وأحالت قرار حكومة نور الدين محمود حول حل الأحزاب
والجمعيات إلى ديوان التفسير القانوني، والذي جاء قراره بعدم شرعية قرار الحل،
وبذلك عادت الأحزاب السياسية إلى ممارسة نشاطها .
كما أعيدت الصحف إلى الصدور، مما خلق جواً من
الارتياح لدى الشعب، بعد أن خنقت وزارة نور الدين محمود ووزارتي جميل المدفعي أنفاسه .
كما
قررت الوزارة إعادة المفصولين من الأساتذة والمدرسين والطلاب، بغية امتصاص النقمة الشعبية .
كما قامت ببعض الإجراءات الطفيفة،والتي تمس أحوال الشعب المعيشية، كتخفيض الرسوم والضرائب
المفروضة على الشعب الكادح . لكن تلك الإجراءات لم تستطع حل مشاكله،واستمرت معاناته من سوء الأوضاع المعيشية.
***
إضراب عمال نفط البصرة :
كان عمال شركة نفط البصرة قد تقدموا بمطالب
عدة تهدف إلى تحسين وضعهم المعيشي، لكن الشركة رفضت الاستجابة للمطلب الرئيسي
المتضمن زيادة الأجور، مما اضطر العمال إلى إعلان الإضراب عن العمل حتى تستجيب
الشركة لمطالبهم .
وفي الأول من كانون الأول سافر وزير الشؤون
الاجتماعية[ حسن عبد الرحمن] إلى البصرة في
محاولة لإقناع العمال بالعودة إلى أعمالهم، واعداً إياهم بأن تقوم الحكومة بالضغط
على الشركة لتلبية مطالبهم .
وبالفعل عاد العمال المضربون إلى أعمالهم في
14 كانون الأول 1953، على أمل أن تحقق الشركة تلك المطالب .
إلا أن الشركة أصرت على موقفها ورفضت الاستجابة لزيادة الأجور، مما دفع العمال إلى
العودة إلى الإضراب .
سارع وزير الداخلية [ سعيد قرار ] إلى اتهام
الشيوعيين بالتحريض على الإضراب، ثم عاد ووصم العمال المضربين أنفسهم بالشيوعية،
تمهيداً لقمع الإضراب بالقوة، وسافر سعيد قرار إلى البصرة ليكون على مقربة من
الأوضاع هناك، وليهيئ الأجواء لتوجيه ضربته للمضربين وكسر إضرابهم
.
ولم يمض وقت طويل حتى نفذ سعيد قرار ما في
جعبته، مطلقاً جهازه القمعي لتوجيه رصاصه إلى صدور المضربين مما أدى إلى استشهاد
أحد العمال، وجرح العديد منهم .(5)
تصاعدت أجواء التوتر بعد الصدامات بين الشرطة
والمتظاهرين، وفلت الزمام من أيدي الشرطة وبات الوضع ينذر بعواقب وخيمة، مما جعل
الحكومة تستدعي الجيش للسيطرة على الوضع، وأعلنت الأحكام العرفية من جديد، كما تم
تعطيل 9 صحف وطنية لفضحها جرائم السلطة بحق المضربين، وتأييدها لمطالبهم التي لا
تعدو مطالب تتعلق بالحالة المعيشية، وشمل التعطيل صحف النداء، والأخبار، والميثاق،
والدفاع، والجيل، والآراء، والجريدة،والعزة .
كما تم إحالة صحيفة الحزب الوطني الديمقراطي
ـ الأهالي ـ وصحيفة
حزب الاستقلال ـ لواء الاستقلال إلى محكمة الجزاء، لقيامهما
بفضح جرائم السلطة، واستنكارهما لإعلان الأحكام العرفية
من جديد ولمّا يمضي على إلغائها سوى أيام معدودات .
أما حزب الجبهة الشعبية الذي اشترك اثنان من قادته في الوزارة، وهما
[ حسن عبد الرحمن] و[ عبد الرحمن الجليلي]، فقد
قرر الحزب سحبهما من الوزارة، احتجاجاً على سياسة
الحكومة، وقدم الوزيران استقالتيهما في 17 كانون الثاني 1954 .(6)
سادساً : تآمر النظام العراقي على سوريا :
استمر التآمر على سوريا، بعد وقوع انقلاب [
أديب الشيشكلي ] الذي انتهى باعتقال [سامي الحناوي] ورئيس وزرائه، لمحاولة إلحاق سوريا بالعرش الهاشمي .
فقد جرت الاتصالات بالسيد [هاشم الاتاسي] وعدد من رفاقه، واعدين إياهم بالقيام بكل ما يلزم
لقلب حكومة الشيشكلي، وضم سوريا للعراق . وبالفعل
جرى عقد مؤتمر في حمص، ضم تلك الجماعات، تمهيدا لتنفيذ هذا المخطط، وأجرى كل من [
صالح جبر ] و [عبد الكريم الازري ] اتصالات معهم، وتم
تقديم الدعم المالي، والسلاح والعتاد، الذي جرى إيصاله إلى هذه العناصر، حيث قامت
حركة عصيان في مدينة حمص . لكن الشيشكلي استطاع قمعها،
وزج بالعديد من تلك العناصر في السجون، وهرب البعض الآخر إلى لبنان، مثل [ صبري
العسلي ] و [ عدنان الأتاسي ] و [ حسني البرازي ] و [ ميخائيل أليان ] . كما وصل إلى العراق السيد [معروف الدواليبي
] حيث استقبلته الحكومة العراقية بحفاوة وجرى إيفاد صالح جبر مرة أخرى إلى بيروت
للاتصال بالمنشقين السوريين، ومدهم بالأموال اللازمة لإعادة محاولتهم في إسقاط
حكومة الشيشكلي، حيث تم صرف أكثر من 300 ألف دينار حتى تم إسقاط حكومة الشيشكلي ، واستمرت
الحكومة العراقية في محاولاتها لضم سوريا للعراق، وكان عبد الإله من أشد المتحمسين
لهذا المشروع، حيث كان يبغي أن يحقق عرشاً له فيها .
لكن
سقوط حكومة فاضل الجمالي حال دون مواصلة تنفيذ ذلك المشروع، حيث أن عدداً من
الوزراء انتهت المدة التي تخولهم البقاء في الوزارة،إن
لم يكونوا أعضاء في مجلس النواب، أو مجلس
الأعيان، واضطر الجمالي إلى تقديم استقالة حكومته في 27 شباط 1954، وتم قبول
الاستقالة في 8 آذار 1954، ليعيد الجمالي تأليف وزارة جديدة، بناءاً على تكليف
الملك .
سابعاً
: فاضل الجمالي يعيد تشكيل وزارته من جديد :
كلف الملك فيصل الثاني،السيد
فاضل الجمالي، حال استقالة حكومته، بتأليف الوزارة من جديد، وجاءت الوزارة على
الوجه التالي :
1 ـ
فاضل الجمالي ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ أحمد مختار بابان ـ نائباً للرئيس .
3 ـ موسى الشابندر
ـ وزيراً للخارجية .
4 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية .
5 ـ علي حيدر سليمان ـ وزيراً للاقتصاد .
6 ـ عبد الكريم الازري
ـ وزيراً للأعمار .
7 ـ جميل الأورفلي
ـ ووزيراً للمعارف .
8ـ
عبد المجيد القصاب ـ وزيراً للصحة .
9 ـ سعيد قزاز ـ
وزيراً للداخلية .
10 ـ حسين مكي خماس
ـ وزيراً للدفاع .
11 ـ عبد المجيد عباس ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .
12 ـ أركان العبادي
ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
13 ـ عبد الغني الدلي
ـ وزيراً للزراعة .
14 ـ محمد علي محمود ـ وزيراً للعدلية .
15 ـ روفائيل بطي
ـ وزيراً بلا وزارة .
استهلت الوزارة الجديدة حكمها بوقوع كارثة
الفيضان الخطير الذي حدث في آذار من ذلك العام، والتي أدى إلى غرق أجزاء كبيرة من
بغداد والعديد من المدن الأخرى، حيث لم يشهد العراق في تاريخه الحديث فيضاناً مثله .
واضطرت الحكومة إلى كسر العديد من السدود
لتخفيف الضغط على بغداد، مما
أدى إلى إغراق المئات من القرى، وإتلاف مساحات شاسعة من المزارع، وتشريد مئات
الألوف من أبناء الشعب .
قامت الحكومة بتجنيد قوات الجيش والشرطة
والطلاب، بالإضافة إلى الألوف من أبناء الشعب لمحاولة إنقاذ بغداد، واستخدمت كل ما
لديها من وسائل لتقوية السدود المحيطة بالعاصمة، فقد غرق معسكر الرشيد، وأدى غرقه
إلى إتلاف كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد المخزونة في مخازنه الأرضية، وهكذا فقد
سبب الفيضان للعراق كارثة خطيرة، وخسائر جسيمة، حيث غمرت المياه معظم جانب
الرصافة، وأغرقت أكثر من مليوني فدان من الأراضي الزراعية، وأتلفت محاصيلها . ولم
تقتصر أضرار الفيضان على بغداد وحدها، فقد تعرضت مدن العمارة والكوت والبصرة
للكارثة بدرجة كبيرة، وأدى الفيضان إلى قطع طرق المواصلات بين المدن الممتدة على
طول نهر دجلة . حاول بعض النواب تقديم طلب بإجراء تحقيق
حول إهمال الحكومة، وتسببها في وقوع الكارثة، وعدم أخذ الاحتياطات اللازمة . لكن الحكومة سارعت إلى حل مجلس النواب في 29
آذار 1954، وبذلك تخلصت من الاستجواب .
***
ثامناً
: انبثاق حركة أنصار السلام :
في عام 1954، قامت الولايات المتحدة وحلفائها
بنشاط محموم في منطقة الشرق الأوسط، من أجل ربط الدول المحيطة بجنوب الاتحاد
السوفيتي [العراق وإيران وتركيا وباكستان ] بحلف يضم هذه الدول، ويكون مكملاً لحلف
شمال الأطلسي، وكان الضغط شديداً على بغداد التي تعتبر حلقة الوصل لربط هذه الدول
بذلك الحلف .
لقد أدركت القوى والأحزاب الوطنية المخاطر
الناجمة عن ارتباط العراق بمثل هذا الأحلاف التي لا يجني منها العراق سوى استنزاف ثرواته الوطنية، من
أجل التسلح، وخدمة المخططات الإمبريالية، بدل توجيهها نحو المشاريع التنموية التي
كان العراق بأمس الحاجة إليها، للنهوض بمستوى حياة الشعب في مختلف المجالات
الاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية، حيث كان العراق يعاني من تخلف شديد في كل المجالات. لقد
أريد للعراق أن يكون مصدراً رخيصاً للثروة النفطية، وسوقاً للصناعات الغربية، وعدم
إتاحة الفرصة له لبناء اقتصاد وطني مزدهر .
في تلك الظروف التي كانت سائدة آنذاك، كانت
الحرب الباردة بين المعسكرين قد تصاعدت بشكل خطير، وكان سباق التسلح على أشده،
وبشكل خاص التسلح النووي، وكان العالم كله مهدداً في كل لحظة بخطر نشوب حرب عالمية
ثالثة لا تبقِ ولا تذر، بل ربما تكون نهاية الإنسانية على سطح كوكبنا
.
في تلك الظروف البالغة الحساسية، بادرت القوى
الوطنية إلى شن حملة جماهيرية واسعة من أجل فضح المخططات والمساعي المحمومة
للإمبريالية لفرض حلف بغداد، وتمخضت تلك الجهود إلى المبادرة بتأسيس حركة جماهيرية
واسعة تضم مختلف القوى السياسية، والشخصيات الوطنية المستقلة ورجال الدين الحريصين
على مصالح الشعب والوطن،والسلم العالمي الذي تهدده
المخاطر، وهكذا كان العمل على انبثاق
[حركة أنصار السلام ] أمر هام اقتضته الظروف الموضوعية البالغة الخطورة . لقد تشكلت في بادئ الأمر لجان تحضيرية في
جميع المحافظات العراقية للأعداد للمؤتمر الوطني الذي تقرر عقده في بغداد في صيف
عام 1954، وقد سعت القوى الوطنية لإبراز نشاطها بشكل شبه علني قدر الإمكان، والسعي
لفرضه بكل الوسائل الممكنة كحركة جماهيرية واسعة تعبر عن إرادة الشعب في الحفاظ
على السلم، والابتعاد عن كل المخططات الحربية التي تدبرها الإمبريالية
.
لقد كان لي شرف المساهمة في ذلك المؤتمر الذي
ضم نخبة من خيرة الوطنيين المخلصين لقضية شعبهم ووطنهم، ولقضية السلام في العالم
أجمع، من مختلف الاتجاهات والعقائد السياسية والدينية، تجمعهم غاية نبيلة هي
الحفاظ على السلام، وكان في مقدمة المشاركين في المؤتمر الشهيد المحامي [ توفيق
منير ] الذي ترأس المؤتمر و الشهيد الدكتور [ محمد الجلبي ] والعلامة البارز الشيخ
[ عبد الكريم الماشطة ] والدكتور [ طلعت الشيباني ] والدكتور [ فاروق برتو ] و
الفنان [ يوسف العاني] وجمع غفير من الشخصيات الوطنية المعروفة
.
عقد المؤتمر في دار الشهيد الدكتور محمد
الجلبي،
حيث افتتحه الشهيد توفيق منير
بكلمة شاملة حلل فيها بعمق الوضع السياسي على المستوى الوطني والعالمي، والمخاطر
التي تهدد الإنسانية جراء تصاعد الحرب الباردة وسباق التسلح .
وبعد أن انتهى الأستاذ منير من خطابه تتالت
خطابات وفود المحافظات، وانتهى الاجتماع في اليوم الأول بتشكيل لجان متعددة، وكل
لجنة تختص بمجال معين .
بدأت اللجان في اليوم التالي أعمالها بدراسة
المسائل الموكلة لها، واتخذت القرارات والتوصيات
اللازمة بشأنها، وتم رفع التوصيات إلى الاجتماع الثاني
للمؤتمر الذي أنعقد في اليوم الثالث، حيث جرت مناقشة تقارير اللجان وتوصياتها، أجريت التعديلات على بعض التوصيات،
وتم إقرار برنامج العمل لحركة أنصار السلام .
ثم ألقى الأستاذ توفيق منير بعد ذلك كلمة
ختامية دعا فيها الجميع إلى العمل بأقصى جهد ونشاط والقيام بكل الفعاليات الممكنة لفرض
الحركة بشكل علني ، ثم قام بتعليق شعار
[حمامة السلام] على صدور المشاركين، شادا على أيديهم، ومتمنياً لهم النجاح في
مهمتهم النبيلة هذه .
وفي
المساء أقيمت حفلة عشاء للمشاركين في المؤتمر تخللها لقاءات تعارف بين أعضاء
المؤتمر وجرى تبادل الأفكار والآراء، وعاد المؤتمرون إلى مناطقهم وهم مفعمون
تصميماً ونشاطاً،ومتحدين حكومة الجمالي ومن ورائها
الإمبريالية.
تصاعدت الحركة بشكل سريع أرعب الحاكمين،
وأقلق الإمبريالية، ولم تمضِ سوى فترة زمنية قصيرة حتى تولى نوري السعيد زمام الحكم
في البلاد، وبادر إلى شن هجوم شرس على جميع القوى الوطنية والمنظمات الجماهيرية،
وقام بتعديل قانون العقوبات الخاص بالأحزاب والجمعيات، والني نصت إحدى مواده على
معاقبة كل من ينتمي إلى حزب غير مجاز بالسجن لمدة 7 سنوات، و أضاف إلى المادة
[89 أ ]المشهورة،عبارة [ وحركة أنصار
السلام والشبيبة الديمقراطية وما شاكل ذلك ] وعبارة [ ما شاكل ] ذلك ليست لها حدود، استخدمها نوري السعيد ضد
كل وطني مخلص لا يتفق مع السلطة الحاكمة .
ورغم كل ذلك الإرهاب والبطش السعيدي استمرت الحركة في تحديها لنوري السعيد، وكان لها
دوراً فاعلاً في الكفاح ضد حلف بغداد الذي فرضه نوري السعيد على البلاد بالحديد
والنار،وفي انتفاضة الشعب عام 1956 أبان العدوان الثلاثي
على مصر الشقيقة.
***
تاسعاً:حكومة الجمالي تعقد اتفاقية الأمن
المتبادل مع الولايات المتحدة:
كان تأليف وزارة الدكتور فاضل الجمالي نقطة
انعطاف في السياسة العراقية نحو الولايات المتحدة التي بدأت نشاطاً محموماً لإيجاد
منطقة نفوذ لها في العراق، ومنطقة الخليج الغنية بالبترول، ومحاولة فرض هيمنتها
على هذه المنطقة التي كانت مقفلة للنفوذ البريطاني قبل الحرب العالمية الثانية .
فرغم المصالح المتشابكة للإمبريالية،
والتعاون الوثيق فيما بين دولها، في صراعها مع الشعوب الخاضعة للنفوذ الإمبريالي،
إلا أن التنافس والصراع كان يتصاعد بين الولايات المتحدة وبريطانيا، بعد أن خرجت
الولايات المتحدة بعد الحرب كأقوى قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية في العالم، وبدأت
تعمل على إزاحة البريطانيين المهيمنين على أكبر إمبراطورية إمبريالية في العالم
شيئاً فشيئاً، والحلول مكانها، وخاصة في هذه المنطقة الهامة، حيث تحتوي على أكبر
مستودع للنفط في العالم والذي يعتبر شريان الحياة بالنسبة للولايات المتحدة وللغرب .
وهكذا جاء تشكيل الوزارة الجمالية بعيداً عن
إرادة البريطانيين، ورجلهم القوي نوري السعيد الذي أثار استياؤه تشكيل الوزارة وجعله
يغادر العراق إلى بريطانيا والمكوث فيها أكثر من ثلاثة اشهر، محتجاً على عدم
استشارته في تأليف الوزارة ،رغم أن له الأكثرية المطلقة
في البرلمان ،وأخذ نوري السعيد يتحين الفرص لإسقاطها، مستنداً على رجالاته في مجلس
النواب الذين أخذوا يعرقلون أعمال الحكومة لإجبارها على الاستقالة .(7)
وجاء توقيع اتفاقية الأمن المتبادل،
والمساعدة العسكرية مع الولايات المتحدة في 21 نيسان 1954، لتؤكد هذا الاتجاه
لحكومة الجمالي .
فقد
تم الإعلان عن توقيع هذه الاتفاقية التي تعهدت بموجبها الولايات المتحدة بتجهيز
العراق بالأسلحة والمعدات الأمريكية، وبإرسال العسكريين والفنيين لتدريب أفراد
الجيش، ولإدامة المعدات .
وقد
اشترطت الولايات المتحدة بأن يقتصر استخدام هذه الأسلحة لحماية الأمن الداخلي، وفي
حالة لدفاع الشرطي عن النفس، وكان يقصد بذلك عدم استخدامها في أي حرب مع إسرائيل ـ كما
اشترطت الولايات المتحدة بعدم بيع، أو نقل هذه الأسلحة والمعدات إلى أي بلد آخر
دون موافقتها .
ونص الاتفاق على أن يمنح العراق الموظفين
والعسكريين الأمريكيين الامتيازات اللازمة والحصانة،
للقيام بأعمالهم في العراق،
وبموجب هذا الاتفاق تعهد العراق بتجهيز
الولايات المتحدة بما يفيض عن حاجته من المواد الأولية وشبه المصنعة، وغيرها من المنتجات
الأخرى .كما تعهد العراق بدفع كافة الرسوم الجمركية والضرائب والعوائد المحلية عن التجهيزات
الموردة للعراق. (8)
لم يمضِ سوى شهر واحد على تأليف وزارة
الجمالي الثانية حتى بدأ النواب الموالين لنوري السعيد والسفارة البريطانية يشنون
الهجوم تلو الهجوم عليها، ويضعون العراقيل أمامها، فلم يجد الجمالي بُداً من تقديم
استقالة حكومته في 19 نيسان 1954، حيث تم قبول الاستقالة في 29 منه
.
***
عاشراً
: أرشد العمري يؤلف الوزارة الجديدة :
بعد استقالة حكومة الجمالي، كلف الملك فيصل
في 29 نيسان، بإشارة من عبد الإله والسفارة البريطانية، السيد أرشد العمري بتأليف الوزارة الجديدة لكي تقوم
بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، وجاء تأليف الوزارة على الوجه التالي :
1 ـ أرشد العمري ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للأعمار .
2 ـ فاضل الجمالي ـ وزيراً للخارجية
3 ـ حسين مكي خماس
ـ وزيراً للدفاع .
4 ـ سعيد قزاز ـ
وزيراً للداخلية .
5 ـ عبد المجيد محمود ـ وزيراً للمالية .
6 ـ عبد الهادي الباجه جي ـ وزيراً للصحة .
7 ـ عبد الغني الدلي
ـ وزيراً للزراعة .
8 ـ فخري الطبقجلي ـ وزيراً للعدلية .
9 ـ علي الصافي ـ وزيراً للاقتصاد
.
10 ـ سامي فتاح ـ
وزيراً للشؤون الاجتماعية .
وحال تأليف الوزارة، صدرت الإرادة الملكية بحل
مجلس النواب في نفس اليوم الذي تألفت فيه.
لكن
هذه الوزارة لقيت معارضة شديدة من قبل الأحزاب الوطنية المعارضة وأبناء الشعب، نظراً لما عرف عن العمري من خضوع كامل لإرادة
البلاط الملكي، وما جرى على عهد وزارته السابقة من اعتداء وتجاوز على حقوق وحريات
الشعب، وارتباط اسمه، وحكومته بالمجزرة البشعة التي نفذتها في [كاور باغي ] ضد عمال شركة نفط
كركوك .
ولذلك فقد رفع الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب
الاستقلال مذكرتين إلى الملك، ونشرت صحيفتا[ الأهالي ] و[ لواء الاستقلال ] بيانين إلى الشعب هاجما فيهما وزارة
أرشد العمري، ودعيا إلى إطلاق الحريات الديمقراطية، وحرية الانتخاب، وتحقيق
العدالة الاجتماعية، وإنهاء الإقطاع، والعمل على إزالة آثار كارثة الفيضان .(9)
وفيما يلي نص مذكرة الحزب الوطني الديمقراطي :
إلى حضرة صاحب الجلالة
الملك المعظم :
يا صاحب الجلالة :
لقد أجمع الرأي العام العراقي على أن الحل
الصحيح لأزمة الحكم القائمة في البلاد، والتي أخذت تتفاقم سنة بعد أخرى، هو
الاتجاه نحو الأسلوب الدستوري السليم، وتطبيق المبادئ الديمقراطية، والاعتراف
بسيادة الشعب، وجعله سنداً لصيانته، وإن أولى الخطوات التي كان يجب أن تُتخذ في
سبيل ذلك، القيام بانتخابات نيابية حرة، يطمأن الشعب إلى سلامتها، لينبثق عنها
مجلس نيابي يمثل الأمة، ويحقق مسؤولية الوزارة أمامه .
هذا ما كنا أبديناه لجلالتكم حينما دُعينا للاستشارة
حول الأزمة الوزارية التي نشأت بعد استقالة وزارة السيد فاضل الجمالي، ولكن الرأي
العام قد بُوغت بمجيء وزارة إلى الحكم لا يبعث تاريخ أقطابها على الاطمئنان، كما
أن نوعيتها، وطريقة تكوينها كانتا على نقيض مما يريده الشعب في هذه الظروف،
بالإضافة إلى أنه قد عُرف على أثر تأليف الوزارة بأنها عازمة على استصدار مرسوم
يخص [ الأحزاب والجمعيات ]،وآخر يخص [حالة الطوارئ ] يراد بهما الحد من حرية الشعب
في التنظيم السياسي ومناهضة الحريات
العامة والخاصة، وفرض دكتاتورية سافرة تقضي على مظاهر النظام الديمقراطي القائمة .
لقد أدرك الشعب هذا الاتجاه الخطر، وأدرك إن
مَنْ أودعت إليه شؤون الحكم في هذا الظرف الدقيق، لا يختلف عن غيره ممن أجروا
الانتخابات النيابية تحت ظل الإرهاب، وبعقلية مشبعة بالاستهانة بحقوق الشعب
وحرياته الدستورية، تلك الأعمال التي كانت، ولا تزال مصدراً للقلاقل، وتعاقب
الأزمات السياسية في البلاد . فالواجب يدعونا، والحالة
هذه، أن نضع الحقيقة التالية أمام أنظار جلالتكم، وعي
أن وزارة من هذا القبيل،من الصعب جداً الاطمئنان إلى
أعمالها، سواء في إجراء الانتخابات النيابية، أو في تدوير شؤون الحكم، والذي نعتقد
أن مصلحة البلاد تستوجب إعفائها من المسؤولية الخطيرة التي يرقبها
الجميع باهتمام بالغ [ مسؤولية إجراء انتخابات حرة ] وإيداع تلك المسؤولية إلى
وزارة يرتضيها الشعب، ويطمئن إلى أعمالها، ليكون ذلك بداية الأخذ بالنظام
الديمقراطي السليم، الذي يستهدف جعل الشعب مصدر السلطات، وتفضلوا بقبول خالص
احترامنا (10)
كامل الجادرجي
رئيس الحزب الوطني الديمقراطي
وجاءت مذكرة حزب الاستقلال التي رفعها السيد
محمد مهدي كبه ـ رئيس الحزب ـ إلى الملك في 3 أيار 1954 مطابقة مع المذكرة التي
رفعها السيد كامل الجادرجي زعيم ـ الحزب الوطني الديمقراطي ـ بالإشارة إلى عدم
الثقة بوزارة العمري، والمطالبة بحكومة حيادية تقوم بإجراء انتخابات حرة ونزيهة .
كما أصدر الحزب الشيوعي بياناً إلى الشعب دعا
فيه إلى إسقاط حكومة أرشد العمري، وتأليف وزارة إئتلافية تقوم بالأشراف على إجراء
الانتخابات بحرية تامة، ودعا البيان إلى إطلاق الحريات الديمقراطية، ورفض المشاريع
الاستعمارية، وإلغاء اتفاقية الأمن المتبادل مع الولايات المتحدة التي
عقدتها حكومة فاضل الجمالي . (11)
لكن كل النداءات والمذكرات لم تثنِ السلطة
الحاكمة عن السير في الطريق الذي اختارته لنفسها، والتنكر للمطالب الشعبية، ومطالب
الأحزاب الوطنية، مما دفع القوى الوطنية للتفكير في تكوين جبهة وطنية، وتعاون
مشترك لخوض الانتخابات، وتحدي السلطة الحاكمة .
*******
حادي عشر: قيام جبهة وطنية
لخوض الانتخابات :
رداً على سياسة السلطة الحاكمة المتجاهلة لإرادة الشعب، دعت الأحزاب
والقوى السياسية، والمنظمات الديمقراطية والنقابات، على لقاء يهدف إلى تشكيل جبهة
موحدة لخوض الانتخابات .
وبالفعل تم اللقاء الذي حضره ممثلون عن الحزب
الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي، وحركة أنصار السلام، ومنظمات
الطلاب والشباب، والنقابات العمالية، والمهنية، كنقابة المحامين والأطباء، وممثلي
الفلاحين، وتدارس الجميع موضوع إقامة جبهة وطنية لخوض الانتخابات العامة، وقد تم
التوقيع على الميثاق في 12 أيار 1954، وكان لهذا الميثاق وقع الصاعقة على الفئة الحاكمة . فقد تضمن الميثاق البنود التالية
:
1 ـ إطلاق الحريات
الديمقراطية، كحرية الرأي والنشر، والاجتماع، والتظاهر، والإضراب، وتأليف
الجمعيات، وحق التنظيم السياسية والنقابي
2 ـ الدفاع عن حرية الانتخابات
.
3 ـ إلغاء معاهدة 1930، والقواعد العسكرية،وجلاء الجيوش الأجنبية، ورفض جميع المحالفات العسكرية الاستعمارية بما فيها
الحلف التركي الباكستاني وأي نوع من أنواع الدفاع المشترك .
4 ـ رفض المساعدات العسكرية الأمريكية التي
يراد بها تقييد سيادة العراق، وربطه بالمحالفات العسكرية الاستعمارية
.
5 ـ العمل على إلغاء امتيازات الشركات
الأجنبية الاحتكارية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وإنهاء دور الإقطاع، وحل
المشاكل الاقتصادية القائمة، ومشكلة البطالة، وغلاء المعيشة، ورفع مستوى معيشة
الشعب بوجه عام، وتشجيع الصناعة الوطنية وحمايتها .
6 ـ العمل على إزالة الآثار الأليمة التي
خلفتها كارثة الفيضان، وذلك بإسكان المشردين من ضحايا الكارثة، وتعويض المتضررين،
وتأليف لجنة نزيهة محايدة لتحديد مسؤولية المقصرين، واتخاذ كل ما يلزم لدرء أخطار
الفيضان في المستقبل .
7 ـ التضامن مع الشعوب العربية، واستقلال
البلاد العربية، وتحرير فلسطين .
8 ـ العمل على إبعاد العراق والبلاد العربية
عن ويلات الحرب .
وقد وقع على الميثاق كل من
:
1ـ ممثل الحزب الوطني الديمقراطي 2 ـ ممثل حزب الاستقلال
3 ـ ممثل الفلاحين، نايف الحسن 4 ـ ممثل العمال ـ كليبان صالح
5 ـ ممثل الشباب ـ صفاء الحافظ 6 ـ ممثل الأطباء ـ د .
احمد الجلبي
7 ـ ممثل المحامين ـ عبد الستار 8 ـ ممثل الطلاب ـ مهدي عبد الكريم
وطبيعي أن الخمسة الأخيرين كانوا يمثلون الحزب
الشيوعي، بسبب الحظر المفروض على الحزب وملاحقة أعضائه ومؤيديه، فقد جرى الاتفاق على تمثيل الحزب الشيوعي بهذه الطريقة .(12)
أحدث إعلان ميثاق الجبهة الوطنية في 12 أيار
1954 زلزالاً كبيراً لدى السلطة الحاكمة، التي أقلقها أشد القلق اللقاء بين الحزب
الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي، بهذا الشكل العلني الواسع الذي
ينم عن التحدي، وأخذت السلطة الحاكمة تبذل قصارى جهدها للحيلولة دون نجاح مرشحي
الجبهة الوطنية في الانتخابات بكل الوسائل والسبل، من إرهاب وتزوير ورشاوى وغيرها .
وفي المقابل نشطت الجبهة الوطنية في تعبئة
الجماهير الشعبية لخوض المعركة الانتخابية، وتحدي إجراءات السلطة مهما كلف الأمر ،
وبذلت القوى المؤيدة للبلاط وبضمنها حزبا نوري السعيد وصالح جبر، الاتحاد
الدستوري، وحزب الأمة الاشتراكي، وشيوخ الإقطاع الموالين للبلاط، مكونين جبهة
واحدة، رغم التنافس بين البلاط وكتلة نوري السعيد، والذي بدا واضحاً عند تأليف
وزارة ارشد العمري التي لم يدخلها أحد من حزب نوري السعيد، لكي يضمن عبد الإله
أغلبية موالية له في الانتخابات . تم تحديد يوم الأربعاء المصادف 9 حزيران
للانتخاب، وكان النشاط من الطرفين يجري على قدم وساق، ولازلت أذكر ذلك اليوم الذي
جرت فيه الانتخابات، والأيام التي سبقتها، حيث كانت القوى الوطنية تعمل كخلية نحل
في أعداد وتعبئة الجماهير للمشاركة في الانتخاب، والتصويت لمرشحي الجبهة الوطنية
في الموصل، وكان لي شرف المساهمة النشطة بتلك الحملة الانتخابية، وعملنا المستحيل
من أجل فوز كافة مرشحي الجبهة الوطنية، وإفشال مرشحي الحكومة والبلاط، رغم كل
المحاولات التي بذلتها الإدارة، والأجهزة الأمنية للتلاعب في الانتخابات حيناً،
وفي التهديد وإخافة الناس البسطاء حيناً آخر . لقد كان
ذاك اليوم عيداً وطنياً كبيراً لدى أبناء الشعب في الموصل، فقد فاز مرشحي الجبهة
الوطنية بالمقاعد الأربعة المخصصة لمدينة الموصل، وخرجت الجماهير الشعبية في اليوم
التالي لتوديع النواب المنتخبين في طريقهم إلى بغداد لحضور الجلسة الأولى للمجلس
النيابي،
وقابلتنا الشرطة بالهراوات
وأخذت تلاحق جماهير الشعب، وتم اعتقال أعداد منهم .
لكن الانتخابات في بقية المناطق كانت بعيدة
كل البعد عن التمثيل الحقيقي لإرادة الشعب، بسبب هيمنة الإقطاعيين الواسعة، وبسبب
تدخلات السلطة، وخاصة في بغداد، والمدن الرئيسة، فكانت النتيجة فوز 11 نائباً من
الجبهة الوطنية من مجموع عدد النواب البالغ 135 نائباً، فيما فاز من حزب نوري السعيد 51 نائباً وفاز من حزب صالح جبر 21
نائباً، وفاز 38 إقطاعياً من أعوان السلطة بالتزكية ـ دون منافس ـ (13)
وقد رفعت الجبهة الوطنية مذكرة إلى الحكومة،
وموجهة بالذات إلى وزير الداخلية، في 1 حزيران 1954، تحتج فيها على الانتهاكات
الصارخة، والتدخلات غير المشروعة في تلك الانتخابات، وحرمان مرشحي الجبهة الوطنية
من حق الدعاية الانتخابية، وعقد الاجتماعات الانتخابية مع جماهير الشعب، ومنع
الاجتماعات العامة، وإشاعة الإرهاب بين الناس، واعتقال مؤيدي الجبهة
الوطنية وزجهم في السجون، بشكل سافر أمام أعين الجماهير الشعبية لإرعابهم، ومنعهم
من التصويت لمرشحي الجبهة الوطنية، كما جرى إبعاد مرشحي الجبهة الوطنية في الحلة
والكوت عن مناطقهم الانتخابية مخفورين،حيث تم نقلهم بالسيارات المسلحة .
كما جرت مذبحة في مدينة الحي عندما حاول
أبناء الشعب تقديم المرشح المنافس للإقطاعي الكبير [عبد الله الياسين ]، حيث قام رجاله البالغ عددهم أكثر من 100 مسلح
بالاعتداء عل أبناء
الشعب، وقد ذهب ضحية الاعتداء المسلح أحد المواطنين وجرح 15 آخرين . (14)
أثارت المذبحة هيجاناً شديداً لدى الجماهير
الشعبية، وهبت المظاهرات المنددة بالإقطاع والحكومة،وقد
شارك في المظاهرات سائر أبناء الحي، نساءً ورجالاً، وقد تصدت لهم قوات الشرطة بكل
وسائل القمع،حيث وقع المزيد من الجرحى، ألقت الشرطة القبض على 74 مواطناً أحيل
52فرداً منهم إلى المحاكمة، وحكم
على المناضل الشيوعي [ علي الشيخ حسين ] بالإعدام، وعلى الباقين بالسجن لمدد
مختلفة.
بهذا الأسلوب أجرت السلطة الحاكمة
الانتخابات، لتضمن فوز مرشحي النظام . ومع أن عدد
الفائزين من مرشحي الجبهة الوطنية كان 11 نائباً فقط، فقد أقلق ذلك العدد السلطة
كثيراً،و هالها أن ترى نخبة مثقفة واعية على مقاعد
البرلمان، تقف بالمرصاد للمخططات الإمبريالية التي يراد بها ربط العراق بالأحلاف
العدوانية، وبدأت السلطة تفكر بالتخلص من هذا البرلمان منذ أن أعلنت نتائج
الانتخابات .
ولم يعقد المجلس
الجديد سوى جلسة واحدة في يوم الاثنين 26 تموز 1954، فقد صدرت الإرادة الملكية
بتعطيله حتى تم حله على يد حكومة نوري السعيد،التي خلفت
حكومة العمري بعد الانتخابات، وصدرت الإرادة الملكية بحله في 3 آب 1954 لكي يجري نوري السعيد انتخابات جديدة، يحول
فيها دون وصول أي معارض إلى البرلمان، فكانت النتيجة مجلس التزكية المعروف،
والذي سنتحدث عنه فيما بعد .
اثناعشر:استقالة حكومة أرشد العمري،وتكليف نوري السعيد:
بعد أن أنهت حكومة أرشد العمري المهمة التي
أنيطت بها، بإجراء الانتخابات، تقدمت باستقالتها إلى الملك في 17 حزيران 1954، وتم
قبول الاستقالة في 3 آب، وخلال المدة الممتدة ما بين 17 تموز و 3 آب، نشطت السفارة
البريطانية في مسعاها لتكليف نوري السعيد بتأليف الوزارة الجديدة، وطلبت من عبد
الإله شخصياً السفر إلى لندن لإقناع نوري السعيد بالعودة إلى بغداد ومصالحته،
وتكليفه بتشكيل الوزارة، نظراً لأن المهام التي تنتظرها الحكومة الجديدة كبيرة
جداً، حيث يراد ربط العراق بحلف [السنتو ]،والذي دعي
فيما بعد [ حلف بغداد ] بعد أن أوشكت معاهدة 1930 على نهاية مدتها، وليس هناك غير
نوري السعيد قادراً على تحدي إرادة الشعب، وأداء هذه المهمة . (15)
وبالفعل نفذ عبد الإله الإرادة الإمبريالية
البريطانية وسفارتها في بغداد، وسافر إلى لندن لمصالحة نوري السعيد وإقناعه
بالعودة إلى بغداد وتأليف الوزارة الجديدة، وأعطاه الحرية الكاملة في اختيار أعضاء
وزارته . (16)
أما نوري السعيد فقد وافق على القيام بالمهمة
بعد أن وافق عبد الإله على تلبية الشروط التالية :
1 ـ حل المجلس النيابي المنتخب، وإجراء انتخابات
جديدة .
2 ـ حل جميع الأحزاب السياسية، والمنظمات،
والجمعيات، والنقابات، والنوادي .
3 ـ إلغاء جميع امتيازات الصحف، ومنح
امتيازات جديدة لعدد محدود من ألام السلطة
4 ـ شن حرب لاهوادة
فيها على القوى الوطنية والحريات الديمقراطية.(17)
وكان لنوري السعيد ما أراد، مادام ذلك يتفق
وإرادة الإنكليز، وعاد إلى بغداد ليؤلف أسوأ وزارة في تاريخ العراق
منذ قيام الحكم الملكي كما سنرى فيما بعد، وتم تأليفها في 3 آب 1954 وجاءت على الشكل التالي :
1 ـ نوري السعيد رئيساً للوزراء،ووزيراً للدفاع .
2 ـ سعيد قزاز ـ
وزيراً للداخلية .
3ـ موسى الشابندر
ـ وزيراً للخارجية .
4ـ
شاكر الوادي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
5 ـ محمد علي محمود ـ وزيراً للعدلية .
6 ـ ضياء جعفر ـ وزيراً للمالية
.
7ـ عبد الوهاب مرجان ـ وزيراً للزراعة .
8 ـ عبد المجيد محمود ـ وزيراً للأعمار .
9 ـ نديم الباجه جي ـ وزيراً للاقتصاد .
10 ـ محمد حسن سلمان ـ وزيراً للصحة .
11 ـ خليل كنه ـ وزيراً للمعارف
.
12 ـ صالح صائب الجبوري ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .
13 ـ علي الشرقي ـ وزيراً بلا وزارة .
14 ـ أحمد مختار بابان ـ وزيراً بلا وزارة .
15 ـ برهان الدين باش أعيان ـ وزيراً بلا
وزارة
16 ـ رشدي الجلبي ـ وزيراً بلا وزارة .
ثم جرى تعديل وزاري عين بموجبه أحمد مختار
بابان نائباً لرئيس الوزراء، في 24 تشرين الأول.
***
السعيد يبدأ الهجوم المعاكس ويصفي كل مظاهر
الديمقراطية:
1 ـ حل مجلس النواب:
منذ اليوم الأول لتولي نوري السعيد زمام
الحكم، استحصل الإرادة الملكية بحل المجلس النيابي
المنتخب تمهيداً لإبعاد أي عنصر معارض من المجلس، عن طريق إجراء انتخابات مزيفه لم
يعرف لها العراق مثيلاً، حيث دعي المجلس الذي جاء به نوري السعيد [ مجلس التزكية ]
نظراً لفوز 121 نائباً بالتزكية ـ دون منافس ـ من مجموع 135 نائباً، وحتى النواب
الباقون فكانوا من أزلام السعيد أيضاً .(18)
لقد منع نوري السعيد أي عنصر معارض من ترشيح
نفسه، واضطرت الأحزاب الوطنية إلى مقاطعة الانتخابات التي جرت في 12 أيلول 1954،
في ظل إرهاب وحشي لم يشهد له الشعب مثيلاً .وقد أدى سلوك
الحكومة السعيدية هذا إلى وقوع المظاهرات الدامية، وسقوط العديد من الشهداء
والجرحى، في مناطق عدة، وخاصة في السليمانية، حيث تصدت قوات الشرطة للمظاهرات
الشعبية مستخدمة السلاح، وتعاملت مع أبناء الشعب بأبشع أسلوب .
لقد شهد العراق أسوا الانتخابات في تاريخه
الحديث، والذي ُيعدّ وصمة عار في جبين السلطة الحاكمة التي لم تتحمل وجود 11
نائباً معارضاً في المجلس،فأقدمت على حله لتمهد السبيل
لتصفية الحقوق والحريات الديمقراطية، وتنفيذ المخطط الإمبريالي الهادف لربط العراق
بالأحلاف العدوانية،واستهل السعيد حملته بإصدار المراسيم التي مسخت الدستور، ومحت
آخر ما تبقى من حقوق وحريات الشعب . وفيما يلي بعض تلك
المراسيم (19)
مراسيم جديدة لنوري السعيد لكبح جماح الحركة
الوطنية:
1 ـ مرسوم رقم 16 لسنة 1954
:
وقد تضمن هذا المرسوم إضافة الفقرة التالية
إلى قانون العقوبات البغدادي رقم 51 لسنة 1938، وتنص الإضافة على ما يلي :
{ سواء كان ذلك بصورة مباشرة، أو بواسطة
هيئات، أو منظمات تهدف إلى خدمة أغراض المذهب المذكور، تحت ستار أي اسم كان،
كأنصار السلام، والشبيبة الديمقراطية، وما شاكل ذلك } .
وكانت المادة التي ألحقت بها هذه الفقرة قد
نصت على ما يلي :
{كل من حبّذ، أو روّج أيا من المذاهب
الاشتراكية البلشفية ـ الشيوعية ـ والفوضوية والإباحية، وما يماثلها، التي ترمي إلى
تغير نظام الحكم، والمبادئ والأوضاع السياسية للهيئة الاجتماعية المضمونة بالقانون
الأساسي جرماً يستحق عقوبة الحبس لمدة 7 سنوات، أو الحبس المؤبد
أو الإعدام، إذا كان التحبيذ بين القوات
المسلحة }.
وبذلك أصبح الانتماء لحركة أنصار السلام
والشبيبة الديمقراطية جريمة تستحق عقوبة السجن ما بين الحبس لمدة 7 سنوات والإعدام
!!! .
2 ـ مرسوم رقم 17
لسنة 1954 الخاص بإسقاط الجنسية العراقية
وقد نص هذا المرسوم على ما يلي :
المادة الأولى : لمجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزير الداخلية،
إسقاط الجنسية العراقية عن العراقي المحكوم وفق قانون ذيل قانون العقوبات البغدادي
رقم 51 لسنة 1938 .
المادة الثانية : لوزير الداخلية اعتقال الشخص المسقطة عنه
الجنسية العراقية،فور صدور قرار مجلس الوزراء بذلك، والاحتفاظ به إلى أن يتم
إبعاده عن العراق .
وكان من بين الشخصيات الوطنية التي أسقطت عنها الجنسية
العراقية بموجب هذا المرسوم السادة
1 ـ عزيز شريف 2 ـ عدنان الراوي 3 ـ الدكتور صفاء الحافظ
4 ـ كاظم السماو 5 ـ المحامي كامل قزانجي 6 ـ المحامي توفيق منير
3 ـ مرسوم رقم 18 لسنة 1954، الخاص بغلق النقابات :
وجاء في هذا المرسوم ما يلي
:
المادة الأولى : لمجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزير الداخلية، أن يقرر
غلق أي نقابة مؤسسة وفق قانونها الخاص،بصورة دائمة أو مؤقتة، عندما تسلك النقابة
مسلكاً يمس الأمن العام، أو النظام العام، ويسبب إقلاق الراحة، مما يدل على خروجها
عن الأسس والمبادئ التي أسست من أجلها.
المادة الثانية : عند
غلق النقابة وفق المادة الأولى تنقل
السلطات والواجبات المودعة إلى اللجان
المذكورة في ذلك القانون، إلى الوزير المختص، أو من ينوب عنه . وقد جاء في
الأسباب الموجبة للمرسوم ما يلي :
ثبت أن بعض النقابات قد خرجت على أهدافها،
واستغلت كيانها القانوني للترويج لمذاهب ينص القانون على تجريم من يحبذوها،أو يروجها، خدمة لأغراض وأهداف لا تمت بصلة إلى مصلحة النقابة
!!!، حتى أن بعض هذه النقابات قد استغلت كيانها القانوني لإقلاق الراحة العامة والإخلال
بالأمن والنظام العام !! .
وهكذا أصبح مصير النقابات العمالية وغيرها من
النقابات المهنية معلقاً بإرادة وزير الداخلية الذي أمر بحل كافة النقابات التي
سبق أن جرى تأليفها، وقامت الحكومة بتأليف عدد من النقابات المزيفة، ونصبت العديد
من رجالها، ومن وكلاء جهاز الأمن على رأسها .
4 ـ مرسوم رقم 19 لسنة 1954 بحل الأحزاب
السياسية والجمعيات والنوادي :
وبموجب هذا المرسوم، ألغت وزارة الداخلية
كافة الأحزاب السياسية، والجمعيات، والنوادي، ودور التمثيل [ المسارح ] في العراق،
وأصدر وزير الداخلية بياناً أوضح فيه ما يلي :
أ ـ لقد أصبحت الجمعيات والنوادي المبينة
أدناه {قائمة تضم 465 جمعية ونادي ومسرح ملغاة} من تاريخ نفاذ المرسوم في 22 أيلول
1954 . وذلك
بحكم المادة 25 منه، ولذلك فإنه في حالة ما إذا رغب القائمون بشؤون تلك الجمعيات
والنوادي سابقاً الاستمرار في تحقيق الأغراض التي أنشئت من أجلها، عليهم تقديم
طلبات جديدة إلى وزارة الداخلية إذا كان يراد تأسيس هذه الجمعيات والنوادي في
بغداد، وإلى المتصرف المختص إن كان يراد تأسيسها خارجه .
ب ـ يشمل ما جاء في الفقرة الأولى من هذا
البيان، أية جمعية، أو نادٍ لم يرد ذكرها ضمن الجمعيات والنوادي المبينة أدناه،
وهو مجاز من وزارة الداخلية، وكان يمارس أعماله حتى صدور المرسوم المشار إليه .
ج ـ تقدم الطلبات أنفاً إلى مأمور التسجيل في
ديوان وزارة الداخلية لقاء وصل .
وجاء في الأسباب الموجبة لهذا المرسوم :
[ أصبحت الجمعيات وسيلة فعالة في توجيه الشعب،
وأداة ذات حدين، تعمل في البناء أو في الهدم، وقد أخذت بعض الجمعيات تجاهر بالدعوة
إلى مذاهب ومبادئ يعاقب عليها القانون، كما أن بعضها أخذ يدعو إلى استغلال طرق الشغب،
وإشاعة الفوضى خدمة لأغراض مؤسسات أجنبية !!،مع علمه بأن هذه الدعوة تتعارض ونظامه
الذي أعلنه، وأجيز بمقتضاه . كما أن بعضها استغل الامتيازات التي منحها القانون
لها، ولصحافتها فأخذ يحرض الناس في الصحف التي تنطق بلسانه على الشغب !!والقيام بأعمال ثورية لقلب نظام الحكم، وإن بعضها قد طغت عليها
الأنانية الفردية، فجعلت مصلحة الحزب فوق مصلحة البلاد ].
بهذه العقلية كان نوري السعيد يريد إدارة دفة
الحكم في البلاد، سالباً كل الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور، ومسخ الأحزاب،
والنقابات، والصحافة، وسخرها لخدمة النظام والإمبريالية .
***
5 ـ مرسوم رقم 24 لسنة 1954 القاضي بإلغاء
امتيازات الصحف :
وبموجب المادة 41من هذا لمرسوم، قررت وزارة الداخلية في 12 كانون
الأول 1954 إلغاء امتيازات الصحف والمجلات
المنوحة بموجب قانون المطبوعات رقم 57 لسنة 1933، على أن يتقدم أصحابها بطلبات
جديدة للحصول على امتيازات جديدة، ولم تمنح الحكومة سوى 7 امتيازات لصحف تسبح بحمد
البلاط والحكومة، وهذا هو نص المادة 41 من المرسوم المذكور :
[
تلغى إجازات الصحف، والمجلات كافة، الممنوحة
بموجب قانون المطبوعات رقم 57 لسنة 1933، وتعديله رقم 33 لسنة 1934، بعد مضي 30
يوماً اعتباراً من تاريخ نفاذ المرسوم، ويشمل الإلغاء