الفصل الثالث عشر
تصاعد
الصراع بين السلطة والمعارضة
أولاً : علي
جودت الأيوبي يؤلف الوزارة الجديدة .
ثانياً : الأيوبي يحاول إصلاح العلاقات مع مصر،والوصي
يغضب .
ثالثاً : استقالة وزارة الأيوبي،وتكليف توفيق السويدي
.
رابعاً : حكومة السويدي تصدر قانون إسقاط الجنسية عن
اليهود .
خامساً : استقالة نواب المعارضة في البرلمان .
سادساً استقالة وزارة السويدي، وتكليف نوري
السعيد من جديد .
سابعاً : صالح جبر يؤلف حزب الأمة الاشتراكي !!.
ثامناً : السجناء الشيوعيون يضربون عن الطعام في
سجن
[
نقرة السلمان ].
تاسعاً :مقتل الملك عبد الله،ومحاولة ضم الأردن
للعراق .
عاشراً : انعكاسات تأميم مصدق للنفط الإيراني على
العراق .
أحد عشر: استقالة وزارة نوري السعيد،وتكليف مصطفى العمري
اثنا عشر:إضراب عمال الميناء في البصرة،والحكومة تستخدم القوة ضدهم .
أولاً : علي جودت الأيوبي يؤلف الوزارة
الجديدة :
حاول الوصي عبد الإله امتصاص الاستياء
الشعبي بسبب سياسة حكومة نوري السعيد، فعهد إلى علي جودت الأيوبي بتأليف الوزارة
الجديدة في 10 كانون الأول 1949، وقد حاول الأيوبي أن يدخل في وزارته أعضاء من
أحزاب المعارضة المتمثلة في الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وحزب
الأحرار، وأجرى الأيوبي اتصالاته مع [ محمد حديد ] و [ حسين جميل ] من قادة الحزب
الوطني الديمقراطي، طالباً منهم دخول وزارته، وقد اعتذر محمد حديد عن الاشتراك في
الوزارة متذرعا بأن الحزب قد جمد نشاطه احتجاجاً على سياسة الحكومة السابقة، فيما
قبل حسين جميل الاشتراك في الوزارة، مخالفاً موقف حزبه، وكان ذلك موقفاً انتهازياً .
أما حزب الاستقلال فقد اشترط دخول[ صديق شنشل]
و[فائق السامرائي] الوزارة، إلا أن الأيوبي رفض الثاني، مما حال دون اشتراك الحزب
في الوزارة . أما حزب الأحرار فقد مثله في الوزارة السيد
عبد الرزاق الظاهر، وهكذا تم تشكيل الوزارة على الشكل التالي :
1 ـ علي جودت الأيوبي ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ مزاحم الباجه جي ـ نائباً للرئيس ووزيراً للخارجية .
3 ـ سعد عمر ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
4 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية .
5 ـ علي حيدر سليمان ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .
6 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للداخلية
.
7 ـ حسين جميل ـ وزيراً للعدلية
.
8 ـ نجيب الراوي ـ وزيراً للمعارف
.
9 ـ عبد الرزاق الظاهر ـ وزيراً للاقتصاد .
10 ـ علي الشرقي ـ وزيراً بلا وزارة .
لم تمضِ هذه الوزارة في الحكم سوى شهرين فقط،
وكل ما أنجزته هو إلغاء الأحكام العرفية في 17 كانون الأول 1949
.
وفي عهد هذه الوزارة وقع الانقلاب الثالث في
سوريا بقيادة العقيد أديب الشيشكلي، وتلاشت آمال العرش
الهاشمي في إقامة الاتحاد بين العراق وسوريا، تحت عرش الملك فيصل الثاني، وتباعدت
المواقف السورية عن المواقف العراقية، فيما جرى التقارب السوري مع السعودية
ومصر.
***
ثانياً:الأيوبي يحاول إصلاح العلاقات
العراقية المصرية،والوصي يغضب:
حاول الأيوبي رأب الصدع الذي أصاب العلاقات
العراقية المصرية بسبب تدخل الحكومات العراقية في الشؤون السورية، ومحاولة فرض
الوحدة عليها بكل الوسائل والسبل، بل وحتى بالتآمر . فقد
أرسل الأيوبي إلى مصر وفداً برئاسة نائب رئيس الوزراء [ مزاحم الباجه جي ] وعضوية [نجيب الراوي ]
وزير المعارف بعد فوز حزب الوفد المصري في الانتخابات وتولي [النحاس باشا ] رئاسة
الوزارة المصرية .
أجرى
الوفد العراقي مع الحكومة المصرية مباحثات واسعة حول سوريا، واتفق الطرفان على
توقيع اتفاق يتعهد بموجبه البلدان بعدم التدخل في الشؤون السورية، وعودة الحكم
الدستوري إليها، كما اتفق الطرفان على سريان الاتفاق لمدة خمس سنوات
. لكن الوفد العراقي ما كاد يعود إلى بغداد حتى استدعى الوصي أعضاء الوزارة إلى الاجتماع في قصر
الرحاب، حيث أعرب الوصي عن غضبه من الاتفاق الذي وقعه نائب رئيس الوزراء . وفي الوقت نفسه انبرى الوزيرين السعيديين
[ سعد عمر ] وزير الداخلية و [ عمر نظمي ] وزيرالدفاع، للدفاع
عن موقف الوصي عبد الإله، كما استنكر توفيق السويدي، الذي كان حاضراً الاجتماع ذلك
الاتفاق .(1)
ثالثاً : استقالة وزارة الأيوبي،وتكليف توفيق السويدي :
لم يبقَ أمام الأيوبي إلا أن يقدم استقالة
حكومته، بعد الذي جرى في قصر الرحاب، وسارع إلى تقديم الاستقالة في 1 شباط 1950،
وقد جاء كتاب استقالة الأيوبي بعبارات قاسية، حيث فضح الأيوبي تدخلات الوصي في
الشؤون السورية، مما أثار غضب واستياء الوصي الذي طلب منه أن يعيد كتابة الاستقالة
بأسلوب آخر يتجنب فيه التعرض لتدخلاته في الشؤون
السورية، وعما دار في مؤتمر البلاط، لكن الأيوبي أصرّ على عدم تغير كتاب الاستقالة . وأخيراً
قبل عبد الإله الاستقالة، ورد على الأيوبي في 5 شباط 1950 بكتاب القبول مدافعاً عن
نفسه ومواقفه في المؤتمر، ومتظاهراً بحرصه على العلاقات العراقية المصرية .(2)
ويقول الدكتور [ فاضل حسين ] في كتابه [ تاريخ الحزب
الوطني الديمقراطي ]عن استقالة الوزارة ما يلي :
{ وهكذا استقال الأيوبي بسبب معارضة الإنكليز والوصي، ونوري
السعيد، والطبقة الحاكمة لسياسة
التقارب مع مصر التي اتبعتها وزارته، وبسبب تدعيمها للجامعة العربية، ورفضها
التدخل في الشؤون سورية، ومحاولة ضمها للعراق، أو إقامة عرش للوصي عبد الإله فيها
}.
أما الأستاذ [كامل الجادرجي ] زعيم الحزب
الوطني الديمقراطي فقد ورد في مذكراته ما يلي :
{ إن تلك الوزارة كانت قد انتهت مهمتها التي
رسمتها لها الطبقة الحاكمة والإنكليز، وكانت تلك المهمة فتح صمام الأمان بعد عهد
نوري السعيد الإرهابي، واستخدام بعض الوزراء من المعارضة كمخلب قط في ذلك السبيل . وبعد أن تمت تلك المهمة، لم يكن أمام وزارة الأيوبي إلا أن تذهب، بعد أن ظلت
في الحكم مدة تقل عن الشهرين، لتأتى وزارة توفيق السويدي التي مهدت مرة أخرى لمجيء
نوري السعيد إلى الحكم، ليتمم اتفاقيات النفط الجديدة } (3)
وهكذا كلف الوصي السيد[ توفيق
السويدي ] بتشكيل الوزارة الجديدة
في 5 شباط 1950، وحرص الوصي في كتاب التكليف على الإشارة إلى العمل على التضامن
العربي !! وتقوية الجامعة العربية، وكان بذلك يرد على كتاب استقالة الأيوبي الذي تناقلته وسائل الأعلام، وأحدث ضجة كبيرة داخل البلاد وخارجها .
حاول السويدي إدخال أعضاء من حزب الاتحاد
الدستوري الذي يتزعمه نوري السعيد، وحزب الاستقلال، مستبعداً الأحزاب المعارضة
الأخرى، لكن حزب الاستقلال بعد أن علم بأن السويدي قد قرر تعيين شاكر الوادي
وزيراً للدفاع، تقدم بشرط تعجيزي لا يمكن أن يقبله السويدي ولا الوصي، حيث طالب
بوزارتي الداخلية والخارجية، مما حال دون دخوله الوزارة، فجاء السويدي بخمسة أعضاء
من حزب نوري السعيد، وتم فرض صالح جبر وزيراً للداخلية، من قبل السفارة البريطانية
لإعادة الاعتبار له بعد أحداث وثبة كانون المجيدة . أما
بقية الوزراء فكانوا من المستقلين المؤيدين للبلاط، وجاءت الوزارة على الشكل التالي :
1 ـ توفيق السويدي رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية .
2 ـ صالح جبر ـ وزيراً للداخلية
.
3 ـ شاكر الوادي ـ وزيراً للدفاع
.
4 ـ عبد الكريم الازري
ـ وزيراً للمالية .
5 ـ حسن سامي التاتار
ـ وزيراً للعدلية .
6 ـ عبد المهدي ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .
7 ـ ضياء جعفر ـ وزيراً للاقتصاد
.
8 ـ توفيق وهبي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
9 ـ سعد عمر ـ وزيراً للمعارف
.
10 ـ حازم شمدين اغا ـ وزيراً بلا وزارة .
11 ـ جميل الاروفلي
ـ وزيراً بلا وزارة .
وتقدمت الوزارة بمنهاجها إلى مجلس النواب
الذي جاء في مضمونه نسخة طبق الأصل لمنهاج حزب نوري
السعيد.
***
مدير الشرطة العام علي خالد الحجازي يقوم
بمحاولة انقلابية :(4)
وفي أوائل أيام هذه الوزارة وقعت محاولة
انقلابية قام بها مدير الشرطة العام [علي خالد الحجازي] الذي كان وزير
الداخلية صالح جبر قد أصدر أمراً بنقله متصرفاً للواء السليمانية، فلما أُبلغ
الحجازي بالقرار ذهب على الفور إلى مقر الشرطة السيارة، الجهاز القمعي المدرب
والمسلح بأحسن الأسلحة ،
وأصدر لها الأوامر بالتحرك لاحتلال المراكز الهامة في بغداد .
لكن خطته فشلت وتم اعتقاله، وأحيل للمحاكمة
أمام محكمة الجزاء في بغداد، التي حكمت عليه بالسجن لمدة 3 سنوات ، بتاريخ 17 حزيران 1950، وجاء الحكم مخففاً على الحجازي، حيث شفعت له
خدماته الكبرى للعرش الهاشمي، وتنكيله بأبناء الشعب، وقمعه للحريات العامة ، ولم يُمض من هذه المدة في السجن سوى تسعة
أشهر، حيث صدر قرار بالعفو عنه عندما تسلم نوري السعيد رئاسة الوزارة في 16 أيلول
1950، وبذلك أُسدل الستار على المحاولة الانقلابية التي كانت ترمي إلى إسقاط وزارة
السويدي
***
رابعاً:حكومة السويدي تصدر قانون إسقاط الجنسية
عن اليهود:
كان أخطر القرارات التي اتخذتها حكومة توفيق
السويدي هو إصدار قانون إسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين، وتسفيرهم إلى إسرائيل،
بناء على أوامر الإنكليز، وقد كان ذلك العمل جريمة كبرى بحق القضية الفلسطينية،
وإكمالاً للمؤامرة الانكلو أمريكية القاضية بمنح الكيان
الصهيوني المزيد من الدعم والقوة، فقد تم تسفير حوالي 130 ألف يهودي إلى إسرائيل
بموجب ذلك القانون وهذا
نصه :
قانون إسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين :
المادة الأولى : لمجلس الوزراء أن يقرر إسقاط الجنسية
العراقية عن اليهودي العراقي الذي يرغب باختيار منه ترك العراق نهائياً، بعد
توقيعه على استمارة خاصة، أمام الموظف الذي يعينه وزير الداخلية .
المادة الثانية : اليهودي العراقي الذي يغادر العراق، أو
يحاول مغادرته بصورة غير شرعية تسقط عنه الجنسية العراقية بقرار من مجلس الوزراء
المادة الثالثة : اليهودي العراقي الذي سبق له أن غادر العراق بصورة غير
شرعية يعتبر كأنه ترك العراق بصورة نهائية إذا لم يعد إليه خلال مهلة شهرين من
نفاذ هذا القانون، وتسقط عنه الجنسية من تاريخ انتهاء هذه المهلة .
المادة الرابعة : على وزير الداخلية أن يأمر بإبعاد كل من أسقطت عنه
الجنسية العراقية بموجب المادتين الأولى والثانية، ما لم يقتنع بناء على أسباب
كافية بأن بقاءه في العراق مؤقتاً أمر تستدعيه ضرورة قضائية، أو قانونية، أو حفظ
حقوق الغير الموثقة رسمياً .
المادة الخامسة : يبقى هذا القانون نافذاً لمدة سنة من تاريخ نفاذه، ويجوز
إنهاء حكمه في أي وقت خلال هذه المدة بإرادة ملكية تنشر في الجريدة الرسمية .
المادة السادسة : ينفذ هذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية .
المادة السابعة : على وزير الداخلية تنفيذ هذا القانون .
كتب في بغداد في الثاني من شهر آذار سنة ألف
وتسعمائة وخمسون ميلادية .(1)
ولم يكد يصدر هذا القانون حتى بادرت الطائرات
الأمريكية بنقل اليهود المسقطة عنهم الجنسية إلى قبرص، ومنها إلى إسرائيل في بداية
الأمر، ثم قامت برحلات مباشرة إلى إسرائيل فيما بعد، حيث تم نقل 130 ألف يهودي،
تعزيزاً للدولة العبري ورفدها بالطاقة البشرية .(5)
****
خامساً : نواب المعارضة يستقيلون من البرلمان :
جاء مجلس النواب الذي جرى انتخابه على عهد
حكومة نوري السعيد بأكثرية موالية له ولحزبه، فيما حصلت المعارضة على 37 مقعداً
لمختلف الأحزاب والتيارات السياسية، وقد سعت الأكثرية في المجلس إلى كتم أصوات
المعارضة بمختلف الوسائل والسبل، ومنعها من التعبير عن آرائها، مستخدمة الصياح
والصفير، والكلمات الجارحة بحق النواب المعارضين .
فلما
وجدت المعارضة نفسها في موقف لا تستطيع معه أن تؤدي واجباتها
تجاه الشعب، قدم 37 عضوا معارضاً استقالته
من المجلس، في 6 آذار 1950، إثر جلسة حامية، اسمع فيها نواب نوري السعيد المعارضين
العبارات الجارحة .
وقد حاول رئيس
المجلس رفض الاستقالة، وطلب من النواب المستقيلين ممارسة مهامهم، إلا أنهم أصروا
على موقفهم، وسارع نوري السعيد إلى الطلب من كتلته في المجلس للتصويت على قبول
الاستقالة فوراً، وقد تولى نوري السعيد بنفسه إبلاغ رئيس الوزراء توفيق السويدي
بقرار الحزب الذي بدا على وجهه الاضطراب والوجوم . (6)
وهكذا تم قبول الاستقالة، و أعلن وزير الداخلية في الأول
من أيار 1950، عن إجراء انتخابات تكميلية لانتخاب نواب جدد بدلا عنهم، في المناطق
الشاغرة، في 10 حزيران من نفس العام .
لقد سبب الموقف من الانتخابات التكميلية
انشقاقاً في صفوف المعارضة قاده حزب الاستقلال الذي أصرّ على خوض الانتخابات من
جديد، في حين رفض الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الأحرار والوطنين المستقلين
الاشتراك في الانتخابات .
ورغم محاولة ثني حزب الاستقلال عن موقفه، إلا
أنه أصّر على قراره، واشترك في الانتخابات، وفاز بخمسة مقاعد، وأدى موقف الحزب هذا
إلى إحداث شرخ كبير في صفوف المعارضة،وهاجمت صحيفة
الأهالي مواقف الحزب المذكور(7)
وكتحدي للحكومة، استأنف الحزب الوطني
الديمقراطي نشاطه السياسي، بعد اجتماع عقدتها اللجنة المركزية للحزب في 25 آب
1950، وكان الحزب قد جمد نشاطه في 1 كانون الثاني 1948، وشاركه في ذلك حزب الأحرار . (8)
****
سادساً:استقالة وزارة السويدي،وتكليف نوري السعيد من جديد:
عندما تألفت وزارة السويدي في 5 شباط 1950، لم يتسن له
اختيار أعضاء وزارته، وكان من جملة مَن فُرض عليه [صالح جبر] الذي عين وزيراً
للداخلية، حيث أراد الإنكليز إعادة الاعتبار له بعد الوثبة التي أطاحت بحكومته في كانون
الثاني 1948 .
لقد تصرف صالح جبر وكأنه رئيس الوزراء، وصار
يصدر الأوامر للوزراء، ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة تخص بقية الوزارات، مما أثار
استياء السويدي الذي حاول مكاشفة الوصي عبد الإله عن أوضاع وزارته، وعدم انسجامها،
وعن تصرفات صالح جبر، وخاصة تدخلاته في الانتخابات
التكميلية، وكيف انتقى من أراد من النواب، بدافع صلاته الشخصية وصداقته، وانتساب
المرشحين إليه، وكذلك تصرفات وزير المالية عبد الكريم الأزري
ـ من كتلة نوري السعيد ـ وعرض على الوصي حل البرلمان ، وإجراء انتخابات جديدة يستطيع بعدها انتخاب
أعضاء وزارته بحرية .(9)
وافق الوصي في بادئ الأمر على النظر في حل
البرلمان بعد العطلة الصيفية . إلا انه عاد وغير رأيه
بعد تدخل السفارة البريطانية، ونوري السعيد، وفهم توفيق السويدي أن بقاء وزارته قد
اصبح أمراً مستحيلاً،فتقدم
باستقالة حكومته إلى نائب الوصي [ الأمير زيد
] في 12 أيلول 1950، وتم قبول الاستقالة في 15 منه ليعود نوري السعيد إلى
سدة الحكم من جديد.
وكما هو معروف، فإن نوري السعيد هو رجل
المهمات الصعبة بالنسبة للإمبرياليين الإنكليز، وهو يتسلم زمام الأمور كلما دعت
الحاجة إلى القيام بأعمال خطيرة، فقد تم على عهده إبرام معاهدة 1930، وقام بالدور
المعروف في مقتل الملك غازي، وتولي عبد الإله وصاية العرش وولاية العهد، وقام
بمهمة الانتقام من المشاركين والمؤيدين لانقلاب بكر صدقي، وعمل نفس الشيء مع
رجالات حركة رشيد عالي الكيلاني ورفاقه العقداء الأربعة ـ قادة الجيش ـ الذين نفذ
فيهم حكم الإعدام، وأعلن الحرب على ألمانيا وإيطاليا أبان الحرب العالمية الثانية،
وشن الحرب الشعواء على الشيوعية، ونفذ حكم الإعدام
بقادة الحزب الشيوعي، وانتقم من كل من كان له دور في وثبة كانون الثاني المجيدة
عام 1948 .
وهكذا كانت بريطانيا تأتي بالسعيد كلما اقتضت
الظروف تنفيذ مهمة صعبة .، وكانت المهمة الجديدة التي
جاءت بريطانيا به لتنفيذها هي مفاوضات النفط مع الشركات البريطانية والأمريكية،
ولربط العراق بالمخططات الإمبريالية .
وهكذا تم تكليف السعيد بتأليف الوزارة في 15
أيلول 1950 وتم تشكيل الوزارة على الوجه التالي :
1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية .
2 ـ شاكر الوادي ـ وزيراً للدفاع ووكيلاً للخارجية .
3 ـ ماجد مصطفى ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
4 ـ حسن سامي التاتار
ـ وزيراً للعدلية .
5 ـ خليل كنه ـ وزيراُ للمعارف
.
6 ـ ضياء جعفر ـ وزيراً للاقتصاد
.
7 ـ عبد الوهاب مرجان ـ وزيراً للمواصلات
والأشغال، ووكيلاً للمالية .
كان مجيء نوري السعيد إلى الحكم من جديد
نذيراً باشتداد الصراع بين الشعب وقواه السياسية الوطنية من جهة ونوري السعيد
ورهطه، ومن ورائه الإمبريالية من جهة أخرى .
لقد
بدأ الصراع أول الأمر داخل مجلس النواب، عندما قدم 28 نائباً من نواب المعارضة
مشروع قانون لتعديل قانون الانتخاب، يقضي بجعله على درجة واحدة بدلاً من درجتين،
لكي يمنع السلطة من التدخل في الانتخابات ، عن طريق التأثير على المنتخبين الثانويين، سواء كان ذلك
عن طريق شراء ضمائرهم، أو ترهيبهم، لكن المجلس الذي يضم أكثرية سعيدية رفض مشروع القانون بأغلبية 52 صوتاً ضد 32، وغياب 56 نائباً
عن حضور الجلسة، وبذلك افشل مشروع القانون .
***
نوري السعيد يسعى لربط العراق بالأحلاف الغربية :
منذُ نهاية الحرب العالمية الثانية بانتصار
الحلفاء على دول المحور، وبروز الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كقوتين عظميين، وكل قوة تحمل أيديولوجيا مناقضة للقوة الأخرى،
عاد الصراع بينهما، الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي من جهة، والدول الغربية
بزعامة الولايات المتحدة من جهة أخرى، وأخذ الصراع يتنامى
يوماً بعد يوم بين المعسكرين، وكل معسكر يسعى إلى ضم دول أخرى إلى صفوفه، وكان
الصراع حول منطقة الشرق الأوسط يتسم بجانب كبير جداً من الأهمية، نظراً لكونه اكبر
مستودع للنفط في العالم .
وعلى ذلك فقد سعت الولايات المتحدة وبريطانيا
إلى ربط الدول العربية بمخططاتها، للوقوف بوجه الاتحاد السوفيتي، تحت شعار [
الدفاع عن الشرق الأوسط ] .
لقد رأت العديد من الدول العربية أن من الخطأ
الجسيم ربط مصير بلدانهم بهذه المخططات، ولاسيما بعد الذي حل بفلسطين على أيدي
أولئك الإمبرياليين، فليس للعرب والحالة هذه مصلحة في ارتباطات كهذه، وأن من
الأصلح لبلدانهم الحياد بين المعسكرين على أقل تقدير.
لكن نوري السعيد كان في وادٍ آخر، وادي
الإمبريالية، حيث سعى بكل جهوده لربط العراق بالأحلاف الغربية، مما أثار حفيظة
الوطنيين العراقيين الداعين إلى الحياد بين المعسكرين، حيث أصدروا بياناً إلى
الشعب نددوا فيه بالمخططات التي يسعى إليها نوري السعيد، ومخاطرها على مصير
البلاد، وطالب البيان الشعب العراقي برص الصفوف، والعمل الجدي الحازم لمنع زج
البلاد في الحرب الباردة بين المعسكرين وتعريض أمن البلاد والشعب لمخاطر جسيمة .
4 ـ طه الهاشمي
5ـ حسين جمي 6 ـ
محمد حديد
7 ـ حسين
فوزي 8 ـ عبد الرزاق الظاهر 9 ـ حسن عبد الرحمن
10 ـ عبد الهادي
الظاهر 11
ـ جعفر حمندي 12 ـ عارف قفطان
13ـ صالح
شكارة 14 ـ جميل صادق 15 ـ جعفر البدر
16 ـ برهان
الدين باش أعيان 17 ـ قاسم حسن 18 ـ رجب علي الصفار
19 ـ عبد الرزاق
الحمود 20
ـ محمود الدرة 21 ـ نائل سمحيري
22ـ عبد الرحمن الجليلي. 23 ـ عبد الجبار الجومرد
أحدث هذا البيان دوياً هائلاً في صفوف أبناء
الشعب، فانهالت البرقيات لتأييد الموقعين على البيان، وقامت حملة واسعة في الصحف
ضد توجهات نوري السعيد، مستنكرة ربط البلاد بالمخططات الإمبريالية، وداعية إلى
الحياد بين المعسكرين، وانتقل الصراع إلى داخل البرلمان، حيث ندد العديد من النواب
بهذه التوجهات، وطالبوا بإبعاد البلاد عن آتون الحرب الباردة بين المعسكرين،
وبالنظر لتصاعد حملة الاحتجاجات هذه اضطر نوري السعيد إلى إصدار بيان أنكر فيه
نيته ربط العراق بالأحلاف الغربية .
لكن الشخصيات السياسية التي وقعت على البيان،
والتي ضمت أحزاباً وطنية عدة، لم تتراجع عن مواقفها، بل صعدت من مجهوداتها، بالاتفاق فيما بينها على تأليف [الجبهة الشعبية
المتحدة] وقدمت طلباً رسميا إلى وزارة الداخلية لإجازتها، في 14 نيسان 1951، وقد
اعترضت وزارة الداخلية على تأسيس الجبهة في 19 نيسان، مدعية أن الجبهة تتألف من
عدة أحزاب سياسية، وهيئات وأفراد، وأن ذلك مخالف للمادة الثالثة من قانون الجمعيات .
لكن المؤسسين اعترضوا على قرار وزير الداخلية
لدى مجلس الوزراء،الذي أحال بدوره الاعتراض إلى وزارة
العدل .
لكن
وزارة العدل أيدت قرار وزير الداخلية، وطالبت بإلغاء الفقرة الواردة في طلب
التأسيس والمتضمنة عبارة [ من أحزاب وهيئات وأفراد ] وتم إجراء الطلب في 16 نيسان 1951، بعد أن انسحب الحزب
الوطني الديمقراطي من الهيئة المؤسسة للجبهة، على أن يوحد الطرفان جهودهما المشتركة من أجل تحقيق مطامح الشعب العراقي في الحرية
والاستقلال والعيش الكريم، بعيداً عن الهيمنة الإمبريالية ومخططاتها العدوانية . وقد صدر بيان مشترك بين الطرفين يؤكد تعاونهما ونضالهما المشترك ضد كافة محاولات الإمبريالية الهادفة إلى
ربط العراق بمشروع ما سمي [الدفاع عن الشرق الأوسط ] أو غيره من الأحلاف العدوانية . وحذر
البيان الحكومة من مغبة السير وراء تلك المخططات المعادية لمصالح الشعب والوطن،
وما يمكن أن تؤدي إليه تلك السياسة من مخاطر جسيمة .(10)
كما طالب البيان أن لا يصبح العراق قاعدة
عسكرية لتهديد الآخرين وإبعاد البلاد عن التكتلات
الدولية التي تؤدي إلى إقحامها في حرب لا مصلحة لها فيها، وطالب البيان بصيانة
الحريات الدستورية للشعب، وتعديل قانون الانتخابات، وجعله على درجة واحدة [ انتخاب مباشر ] لمنع أي تزوير، أو تأثير
على الناخبين الثانويين، وعلى نتائج الانتخابات . وطالب أيضاً بإجراء تحقيق في حوادث التعذيب،
ومعاقبة المسؤولين عنها، وإغلاق المعتقلات السياسية، وإطلاق سراح المعتقلين
السياسيين، وحل مشاكل الشعب المعيشية، وتوفير الغذاء والكساء بأسعار معقولة،
ومحاربة الاحتكار .
وقد
وقع على البيان عن الحزب الوطني الديمقراطي، الأستاذ كامل الجادرجي، وعن الجبهة
الشعبية السيد طه الهاشمي .
سابعاً : صالح جبر يؤلف حزب الأمة الاشتراكي :
عندما ألف نوري السعيد حزبه [ حزب
الاتحاد الدستوري ]، حاول أن يضم إليه صالح جبر، وقد لقيت دعوته الموافقة في بادئ
الأمر، إلا أن صالح جبر تراجع عن موقفه، بعد أن علم أن نوري السعيد قد أدخل السادة
محمد علي محمود، وموسى الشابندر في الهيئة المؤسسة
للحزب، وكان صالح جبر يكره هذين الشخصيتين لاشتراكهما
في حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 ، ولذلك قرر أن
يؤلف له حزباً يضم أصحابه ومعارفه من الإقطاعيين الموالين للإنكليز وللبلاط،ودعاه
[ حزب الأمة الاشتراكي ].(11)
قام الإنكليز
بتشجيع صالح جبر في خطته لتأسيس الحزب تقديراً لمواقفه أبان حركة رشيد عالي
الكيلاني، وأبان وثبة
كانون المجيدة ،
وعليه تقدم صالح جبر ورفاقه الأعضاء المؤسسين السادة :
عبد المهدي ـ
عبد الكاظم الشمخاني
ـ جواد جعفر ـ
عز الدين النقيب ـ احمد الجليلي ـ حبيب الطلباني
ـ عبد الرزاق الإرزي ـ نظيف الشاوي
حنا خياط ـ عبد المهدي ـ وذلك في 20 حزيران 1951، بطلب إجازة الحزب، وقد تمت أجازته في 24 منه .(12)
جاء منهاج الحزب
ونظامه الداخلي على النقيض من توجهات وتصرفات صالح جبر، اثناء
وجوده في السلطة، ولم يكن ذلك المنهاج سوى حبراً على ورق، ولذر الرماد في العيون .
فالشعب العراقي
يعرف جيداً صالح جبر، ويعرف تماماً دوره في خدمة الإنكليز، سواء أبان أحداث عام
1941، أو أبان الوثبة الوطنية الكبرى عام 1948 عندما عقد معاهدة بورتسموث مع
بريطانيا، على الضد من إرادة الشعب .
لقد بقي حزبا نوري السعيد، وصالح جبر، دون
جماهير شعبية، فهما مكروهان من الشعب إلى ابعد الحدود، وكل ما في الأمر أن هذين
الحزبين كانا عبارة عن تجمع لرجالات الحكم السائرين في ركاب الإمبريالية
.
***
ثامناً : مقتل الملك عبد الله، ومحاولة ضم الأردن
للعراق :
أعتبر الفلسطينيون خاصة، والشعوب
العربية عامة بأن الملك عبد الله ـ ملك الأردن ـ هو المسؤول الأول عن ضياع فلسطين،
وإقامة الكيان الصهيوني، نظراً للدور الذي لعبه قبل وبعد الحرب العربية ـ
الصهيونية عام 1948 . فقد كان الملك عبد الله على اتصال
دائم بزعماء الحركة الصهيونية في مراسلاته السرية التي جرى كشفها فيما بعد .(13)
كما
كان له الدور الأكبر والأساسي في فشل الجيوش العربية في حرب عام 1948 عندما أصرّ
على أن تكون القيادة العليا له، وسلم تلك القيادة للجنرال البريطاني [ كلوب باشا ]
رئيس أركان جيشه، والذي كان يعمل بوحي من الحكومة البريطانية الضالعة في عملية
تقسيم فلسطين، وفي تسليح المنظمات الصهيونية . لقد كان طموح الملك عبد الله أن تقسم فلسطين،
وأن يسيطر هو على الجزء العربي منها ويضمها إلى مملكته [ شرق الأردن ] ليكوّن
مملكته الجديدة [المملكة الأردنية الهاشمية] .
ففي 20 تموز 1951، وبينما كان الملك عبد الله
يهم بدخول الجامع الأقصى، فاجأه أحد الفلسطينيين ويدعا [ مصطفى شكري عشو
] وبيده المسدس، صارخاً في وجهه [بأديش بعت اللد والرملة ؟] أي بكم
بعت[ اللد ] و[الرملة
]،وأطلق عليه الرصاص فخر صريعاً في الحال .(14)
كان رد فعل مصرع الملك عبد الله مختلفاً على
الجانب العربي من جهة والجانب الصهيوني والإمبريالي من جهة أخرى
. ففي حين عمت الفرحة العارمة العالم العربي كافة لمقتل عميل الصهيونية
والإمبريالية، فأن الصهاينة والإمبرياليين شعروا بالحزن والأسى العميقين، وشاركهم
الحزن أزلامهم الحكام العرب الموالين لهم .
أحدث مقتل الملك عبد الله ردة فعل عنيفة من
الحكم الأردني ، الذي سارع إلى القيام بحملة اعتقالات واسعة
في صفوف كبار الشخصيات الفلسطينية،كان من بينهم ثلاثة من أقرباء مفتي فلسطين [الحاج أمين الحسيني ]، وتم تقديم المعتقلين إلى
المحاكمة في 28 آب 1951، حيث أصدرت المحكمة حكماً بإعدام ستة منهم، وتم تنفيذ حكم
الإعدام بالسادة : موسى الحسيني، وعبد
عكلة ، و
زكريا عكلة، وعبد القادر فرحات في أيلول من نفس العام ، فيما تمكن عبد الله التل، واحمد الأيوبي من الهرب إلىالقاهرة، ورفضت الحكومة المصرية تسليمهما
للسلطات الأردنية لتنفيذ حكم الإعدام بحقهما .
(15)
كان [الأمير طلال ] ولي العهد يرقد في إحدى
مصحات سويسرا عندما قتل والده، ولذلك فقد سافر [الأمير نايف ] و[ سعيد المفتي ]
رئيس مجلس الأعيان، إلى سويسرا في 2 أيلول ليعودا بالأمير طلال، الذي اصبح الملك الشرعي على الأردن بموجب الدستور، وتألفت هيئة
وصاية للبت في أمر الملك الجديد بحجة انه يعاني من مرض عقلي .
وفي الوقت نفسه كانت الحكومة الأردنية على وشك إجراء انتخاب مجلس النواب .
واستغل العرش الهاشمي في العراق الوضع في
الأردن، ونشط في محاولة ضمه إلى العراق،
فأوفد السادة [ محمد حسن سلمان ] و[جابر عمر] و[عبد الجليل الراوي ] و[ سليم
النعيمي ] إلى عمان، من أجل تحقيق هذا الهدف، مزودين بالأموال اللازمة لشراء بعض
الشخصيات النافذة في الأردن لكن كلوب باشا، ورئيس الوزراء [ توفيق أبو الهدى ] وقفا بالمرصاد لهذا
المشروع، وتدخلا في الانتخابات لإخراج مجلس للنواب يرفض فكرة ضم الأردن للعراق،
وتم لهما ما أرادا وعاد
الوفد العراقي صفر اليدين .
***
تاسعاً:السجناء الشيوعيون يضربون عن الطعام
في سجن نقرة السلمان :
تفننت حكومة نوري السعيد في إيجاد كل الوسائل
والسبل لمكافحة الشيوعية في العراق، فأصدرت المراسيم الجائرة، وعدلت قانون
العقوبات البغدادي، لكي تستطيع اعتقال وسجن كل من يُشك في صلاته بأي نشاط شيوعي،
وهكذا ملأ نوري السعيد السجون بخيرة الأساتذة والمفكرين، والمثقفين، وطلاب الكليات .
لكن تلك الإجراءات لم تكن كافية لنوري السعيد
الذي وجد أن السجون قد تحولت إلى مدارس تثقيفية للسجناء العاديين لإصلاحهم ، ووجد لدى السجناء السياسيين الإصرار على
مواصلة النضال من أجل قضية الشعب والوطن ، فتفتق
ذهن السعيد عن إبعاد السجناء الشيوعيين إلى السجن الصحراوي النائي في [ نقرة
السلمان ] الذي يبعد عن[ السماوة ] 150 مسافة كم في قلب الصحراء، بعيدين عن أهلهم وذويهم
وشعبهم، وحيث تستطيع الأجهزة القمعية للسلطة ممارسة كل أنواع التعذيب النفسي
والجسدي ضدهم دون رقيب . ونتيجة لسوء أوضاع المسجونين الذين ضمهم سجن نقرة
السلمان، والبالغ عددهم 162 سجيناً تقدم هؤلاء بمطالب للحكومة تضمنت ما يأتي : (16)
1ـ نقلهم إلى سجون قريبة من ذويهم .
2 ـ منحهم الحقوق المقررة للسجناء السياسيين
.
3 ـ توفير المعالجة الطبية لهم .
4 ـ الكف عن توجيه الإهانات لهم، وإعادة النظر في
الأحكام الصادرة بحقهم من قبل المجالس العرفية العسكرية .
لكن حكومة نوري السعيد رفضت تلك المطالب، مما
دفعهم إلى إعلان الإضراب عن الطعام حتى تلبى مطالبهم، وتمكنوا من إيصال قرارهم
بالإضراب إلى أهلهم وذويهم الذين قاموا بدورهم بالاتصال بالأحزاب السياسية والصحف،
لشرح مطالبهم، ومطالبة السلطة بتنفيذها .
وعلى الأثر شنت الصحف الوطنية حملة شعواء على
الحكومة، متهمة إياها بانتهاك حقوق الإنسان، وانتهاك الدستور الذي كفل حرية الرأي والعقيدة . وقامت الأحزاب الوطنية بحملة واسعة للضغط على
الحكومة، أصدرت البيانات المنددة بإجراءاتها المنافية للدستور ولحقوق الإنسان .(17)
كم قامت عائلات السجناء من النساء والأطفال
بمظاهرة في بغداد يومي 25 و28 تموز، مطالبين بإطلاق سراح أبنائهم، وإلغاء سجن نقرة
السلمان . لكن قوات الحكومة القمعية جابهتهم بعنف، وفرقت
مظاهرتهم، مما دفع الصحف الوطنية إلى مهاجمة الحكومة،
والمطالبة برحيلها، واضطر نوري السعيد إلى إصدار بيان يحاول فيه تبرير نقل السجناء
إلى سجن نقرة السلمان، ويعد بإعادة كل من يحترم قوانين السجون !!!، وقام فيما بعد
بنقل عدد من السجناء لامتصاص غضب الجماهير الشعبية .(18)
***
عاشراً:انعكاسات تأميم مصدق للنفط الإيراني
على العراق:
خاضت القوى السياسية الوطنية في إيران
الانتخابات النيابية تحت ظل الجبهة الوطنية التي شكلتها تلك القوى بقيادة الوطني
البارز الدكتور [ محمد مصدق ] وتمكنت من تحقيق الفوز في تلك الانتخابات عام 1951،واصبح الدكتور مصدق رئيساً للوزارة
الإيرانية .
وضعت حكومة مصدق نصب أعينها معالجة الغبن
الذي أصاب إيران من قبل شركات النفط التي يمتلكها الكارتيل
العالمي، وسعت بكل جهدها رفع هذا الغبن . لكن الشركات
أصّرت على عدم تلبية المطالب الإيرانية، مما دفع بحكومة الجبهة الوطنية إلى إصدار
تشريع بتأميم النفط الإيراني في 20 آذار 1951 .
أحدثت خطوة الحكومة الإيرانية دوياً هائلاً أقضّ مضاجع
الإمبرياليين، وبدأت أبواق دعاياتهم، ووسائل إعلامهم ترعد وتزبد، وتتوعد بالحكومة
الإيرانية، وسارعت بريطانيا إلى إنزال قواتها العسكرية قرب [ عبدان ] بحجة حماية
أرواح الفنيين والمهندسين البريطانيين العاملين في شركات النفط، والبالغ عددهم
3000 فرد .
لكن قرار تأميم النفط الإيراني قوبل في العراق بموجة
عارمة من الفرح والتأييد لدى مختلف فئات الشعب، وظهرت الدعوات التي تنادي باقتفاء
أثر الحكومة الإيرانية،
وتأميم النفط العراقي، في الصحف الحزبية والوطنية المستقلة، والمجالس العامة، وفي
البرلمان .
فقد تقدم عشرون نائبا في البرلمان بطلب سن
لائحة قانونية بتأميم النفط العراقي، في 25 آذار 1951، ونشرت الصحف نص الطلب في 27
آذار . (19)
كما تقدم محامو
البصرة بمذكرة للحكومة بطلب تأميم النفط العراقي، وانهالت برقيات التأييد من كل
جانب لهذا الطلب .
حاولت الحكومة جاهدة تأخير تحديد موعد مناقشة
الطلب في البرلمان حتى انتهت مدة دورته في 31 أيار، ولم يعين موعد لمناقشة اللائحة
المقترحة، في حين كانت حملة المطالبة بتأميم النفط في أوج عنفوانها، كانت حكومة
نوري السعيد تجري مفاوضات مع شركات النفط لإتمام المباحثات التي بدأتها معها
الوزارة السويدية الثالثة، وشكل نوري السعيد وفداً لإكمال المباحثات مؤلفاً من
توفيق السويدي ـ نائب رئيس الوزراء ـ وعبد الوهاب مرجان ـ وزير المالية، وعبد
المجيد محمود ـ وزير الاقتصاد .
وفي الوقت نفسه نشرت الصحف العراقية الصادرة
في نيسان 1951 نص
برقية التهديد الصادرة من لندن من مغبة أية محاولة من جانب البرلمان العراقي
لتشريع قانون بتأميم النفط العراقي، وجاء في البرقية ما يأتي :
{ يعتقد المراقبون السياسيون أن المسؤولين
هنا يدرسون فكرة اتخاذ إجراء بريطاني ـ أمريكي مشترك لوقف مطالب التأميم الجديدة
في الشرق الأوسط ،وإن بريطانيا والولايات المتحدة قد
اتفقتا على توجيه إنذار رسمي للحكومة العراقية، تحذرها فيه من مغبة اتخاذ أية خطوة
لتأميم النفط في العراق من قبل البرلمان العراقي }. (20)
وفي المقابل أعلنت شركات النفط عن قبولها
مبدأ مناصفة الأرباح مع العراق ولو اسمياً، ووقع نوري السعيد اتفاقاً مع الشركات،
يقضي ببيع [مصفى الوند ] في خانقين للحكومة، على أن
تستمر شركة نفط خانقين البريطانية بأعمال التوزيع بالنيابة عن الحكومة حتى عام
1961.
كما
جرى الاتفاق على إنشاء [مصفى الدورة ] ببغداد، على أن تناط إدارة توزيع الإنتاج
بشركات النفط حتى عام 1961، لكن شركات النفط غير مسؤولة عن تجهيز النفط الخام .
كما جرى الاتفاق على أن تنتج شركة النفط
العراقية مالا يقل عن 22 مليون طن من النفط كحد أدنى، وتنتج شركة نفط البصرة 8
ملايين طن سنوياً . وتعهدت شركات النفط بأن لا يقل دخل
العراق عن 20 مليون دينار، خلال سنتي 1953، و1954، و25 مليون دينار عام 1955
والسنوات التي تليها، ولاشك أن هذه الموارد تبقى ضئيلة جداً بالنسبة لما تحققه تلك
الشركات من أرباح خيالية .(21)
وفي جلسة مجلس النواب السابعة بتاريخ 9 شباط 1952 تقدم
نوري السعيد للمجلس بالاتفاقية التي وقعها مع شركات النفط، طالباً التصويت عليها
وتصديقها، ولما كان لنوري السعيد الأغلبية في المجلس، جرت مناقشتها بصورة سريعة
وتم التصديق عليها في 14 شباط 1952 على الرغم من احتجاجات نواب المعارضة الذين
قدموا استقالاتهم من المجلس في 27 شباط .
كما اصدر الحزب
الوطني الديمقراطي، وحزب الجبهة الشعبية، بياناً مشتركاً يندد بالاتفاقية الجديدة
التي أبقت على سيطرة شركات النفط على موارد البلاد ونهبها، وفضح البيان مبدأ
مناصفة الأرباح واصفاً إياه بأنه لا يعدُ أن يكون للتغطية، وهو بعيد كل البعد عن
الحقيقية، و أكد البيان أن هذه الاتفاقية، بدلاً من أن تزيل
الغبن، فقد زادته أكثر فأكثر، فقد حددت
الاتفاقية أسعار النفط الذي تأخذ الحكومة العراقية حصتها على أساسه، أدنى من السعر
العالمي، مما الحق بالخزينة خسائر فادحة، هذا بالإضافة إلى استلام العراق لحصته
بالإسترليني، مما حرم العراق من الحصول على العملات النادرة الأخرى، وكان
الإسترليني معرضاً باستمرار إلى الهبوط.
ففي 17 أيلول 1949 خفضت الحكومة البريطانية قيمة الجنيه الإسترليني من
أربعة دولارات للجنيه الواحد إلى دولارين وثمانون سنتاً، وتبعاً لذلك هبطت قيمة
الدينار العراقي بنفس المعدل، مما أوقع البلاد في اخطر أزمة نقدية واقتصادية، واضطرت حكومة نوري السعيد إلى إعلان حالة
التقشف القاسية، لتدارك العجز الهائل في الميزانية .
لقد دعا البيان إلى استلام حصة العراق المقررة
50% عيناً، ـ أي نفط خام ـ ليتصرف بها كما يشاء كإجراء حالي، إلى أن يتم حل
المشكلات مع الشركات جذرياً، بتأميم النفط الذي غدا مطلب الأمة
.(22)
وقع البيان كل من السيد كامل الجادرجي،والسيد طه الهاشمي ، أما حزب صالح جبر فقد رفض مشاركة نوري السعيد بتحمل وزر هذه الاتفاقية
الجائرة بحق العراق وثروته الوطنية، فأعلن نوابه في البرلمان انسحابهم من الجلسة،
لكن المعتقد أن صالح جبر لم يكن جاداً في معارضته للاتفاقية، وإنما أراد أن يبيّض
صورته السوداء أمام الشعب، وهو لو كان جاداً في مواقفه لبقي النواب المنسحبون من
الجلسة، وصوتوا ضد الاتفاقية مع نواب المعارضة، فقد سهل انسحابهم من الجلسة على
نوري السعيد تمرير الاتفاقية بصورة مستعجلة .
أدى
تصديق الاتفاقية إلى الإضراب العام في البلاد، تلبية لدعوة الأحزاب الثلاثة
المعارضة، في 19 شباط 1952، من الساعة السادسة صباحاً وحتى الساعة الثانية عشرة
ظهراً، احتجاجاً على توقيع الاتفاقية، وقد شمل الإضراب كافة قطاعات الشعب .
و راحت الحكومة تهدد أبناء الشعب عبر بيانها
الصادر يوم 18 شباط، بإنزال اشد العقوبات بحق كل من يحاول التصدي للحكومة .(23)
ومع ذلك فقد قامت المظاهرات الشعبية، وجرى
صدام عنيف مع قوات الشرطة التي تصدت للمتظاهرين، مما تسبب في وقوع العديد من
الجرحى، وقامت السلطات باعتقال أعداد أخرى من المواطنين بينهم العديد من طلاب
المدارس والكليات ، وكتحدي للشعب أمرت حكومة نوري السعيد بصرف مكافئة نقدية
لأفراد الشرطة وضباطها الذين تصدوا للمظاهرات وأصيبوا فيها، وكان نصيب ضابط الشرطة
20 ديناراً والمفوض 10 دنانير والشرطي 5 دنانير .
أحد عشر:استقالة حكومة السعيد وتكليف مصطفى العمري :
بعد أن أنجزت حكومة نوري السعيد المهمة التي
أنيطت بها من قبل أسياده الإمبرياليين، تقدم باستقالة حكومته إلى عبد الإله في 10
تموز 1952، بعد أن بقيت في الحكم 22شهراً ، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم ، تاركاً
الأوضاع في حالة من الغليان الشديد
الذي
ينذر بانفجار خطير لا أحد يعرف مداه .
سارع الوصي بتكليف مصطفى العمري بتأليف الوزارة الجديدة
في 12 تموز 1952 والتي دعاها بالحيادية، لكي تجري انتخابات عامة، في البلاد بعد
إجراء التعديلات على قانون الانتخاب، وجاءت الوزارة على الوجه التالي
:
1 ـ مصطفى العمري رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية .
2 ـ فاضل الجمالي ـ وزيراً للخارجية .
3 ـ حسام الدين جمعة ـ وزيراً للدفاع
.
4 ـ عبد الله الدملوجي
ـ وزيراً للمعارف .
5 ـ عبد المجيد علاوي ـ وزيراً للأشغال والمواصلات
6 ـ ماجد مصطفى
ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
7 ـ عبد الرحمن جودة ـ وزيراً للصحة .
8 ـ جمال بابان ـ وزيراً للعدلية .
9 ـ إبراهيم الشابندر
ـ وزيراً للمالية .
10 ـ نديم الباجه جي ـ وزيراً للاقتصاد .
12 ـ عبد الجبار الجلبي ـ وزيراً للزراعة .
اثنا عشر:إضراب عمال الميناء في البصرة،والحكومة تستخدم القوة لكسر الإضراب :
نتيجة لسوء الأوضاع المعيشية لعمال الميناء في البصرة، وتجاهل الحكومات
المتعاقبة، ومطالبهم المتعلقة بتلك الأوضاع البائسة، ونتيجة لعدم إشراك أولئك
العمال في منح السلفة التي قررتها الحكومة للموظفين
والمستخدمين بمناسبة عيد الأضحى،أعلن العمال الإضراب عن
العمل في 23آب 1952، وقد توسع الإضراب ليشمل
كافة قطاعات العمال في مدينة البصرة تضامناً مع عمال الميناء مما أدى إلى انقطاع الماء والكهرباء عن
المدينة، وتكدس البضائع على أرصفة الميناء والمطار الجوي، ونظم العمال المضربون
المظاهرات الاحتجاجية على سوء أوضاعهم المعيشية .
وبدلاً من أن تلجأ الحكومة إلى معالجة الأزمة
ومسبباتها بصورة سلمية وعادلة، قابلتهم بقواتها القمعية
التي بادرت إلى إطلاق الرصاص على المتظاهرين، مما أوقع العديد من القتلى والجرحى،
وتم اعتقال عدد كبير أخر منهم .(24)
وبادرت الصحافة والأحزاب الوطنية إلى استنكار
تصرف حكومة العمري، متهمة إياها باستخدام العنف لكسر الإضراب مما ألهب شعور
المواطنين العراقيين وزاد من تأزم الموقف الذي بات ينذر بأشد العواقب، فقد كان
الكل ينتظر من يشعل الشرارة في بغداد، وهذا ما حدث كما سنرى في الفصل التالي .