الفصل الثاني عشر

 

حرب فلسطين، وقيام دولة إسرائيل عام 1948

 

أولاً : مقدمة حول القضية الفلسطينية

 ثانياً : إعلان قيام دولة إسرائيل،ودخول القوات العربية إلى فلسطين . 

 ثالثاً : إعلان الهدنة الأولى في فلسطين

رابعاً : استئناف القتال من  جديد،والولايات المتحدة تفرض هدنة جديد            

 خامساً : مصير القسم العربي من فلسطين .

 سادساً : الصدر يجري الانتخابات تحت ظل الأحكام العرفية .

 سابعاً : استقالة وزارة الصدر، ومزاحم الباجه جي يشكل الوزارة الجديد           

 ثامناً : تطورات درامية في حرب فلسطين   

تاسعاً : استقالة وزارة الباجه جي،ونوري السعيد يؤلف الوزارة الجديدة

عاشراً : نوري السعيد يشن الحرب على الشيوعية .

أحد عشر : التآمر الإمبريالي على سوريا، وموجة الانقلابات العسكرية

اثنا عشر : نوري السعيد يؤلف حزب [ الاتحاد الدستوري ].

 ثلاثة عشر : استقالة وزارة نوري السعيد .

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً : مقدمة حول القضية الفلسطينية

بدأت المشكلة الفلسطينية منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، باندحار الدولة العثمانية، واقتسام بريطانيا وفرنسا البلاد العربية التي كانت تحت السيطرة العثمانية، بموجب معاهدة [سايكس بيكو ] السرية، فقد احتلت بريطانيا العراق، وفلسطين، وشرق الأردن، ومصر، والسودان، ومنطقة الخليج، ووضعت هذه البلدان تحت حمايتها، وأحكمت قوات الاحتلال سيطرتها على هذه البلدان، ناكثة بالعهد الذي قطعته على نفسها للملك حسين بن علي ـ ملك الحجاز ـ بمنح البلاد العربية استقلالها، إذا ما شارك العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية .

وكانت بريطانيا قد خططت لإيجاد وطن قومي لليهود في فلسطين منذ 31 تشرين الأول 1917  عندما أصدر وزير خارجية بريطانيا [ بلفور] وعده الذي عرف باسمه.

بدأت بريطانيا منذ بداية احتلالها لفلسطين بالأعداد لتنفيذ ذلك المخطط الإمبريالي القاضي بزرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي ، وصلة الوصل بين مشرقه ومغربه ، حيث بدأت هجرة أعداد كبيرة من اليهود من دول أوربا وأمريكا وغيرها من البلدان الأخرى إلى فلسطين ، وقدمت قوات الاحتلال البريطاني كل ما يلزم لتوطين هؤلاء المهاجرين ودعمهم ، وتقديم السلاح لمنظماتهم الإرهابية لتمكينها من فرض سيطرتها على البلاد ، قبل أن تجلوا تلك القوات ، لغرض إقامة ذلك الكيان الدخيل .

وفي الوقت نفسه قامت قوات الاحتلال بعمليات اضطهاد واسعة ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذي أحسّ بالمؤامرة التي تحاك ضده ، وأدرك المخاطر التي تنتظره على يد المحتلين البريطانيين .

لقد خاض الشعب العربي الفلسطيني نضالاً شاقاً ضد قوات الاحتلال مطالبا باستقلال بلاده وحريته ، وحدثت ثورات عديدة كان أكثرها عنفاً ثورة عام 1936 التي شملت فلسطين بأسرها ، لكن المحتلين قمعوها بقوة السلاح ، وبقسوة ليس لها مثيل ، وقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه دفاعا عن حريته واستقلال بلاده ووحدة أراضيه .

لم تستطع الدول العربية تقديم الدعم الحقيقي واللازم لنضال الشعب الفلسطيني ، فقد كانت تلك الدول واقعة هي نفسها تحت نير المحتلين ، وكل الذي جرى هو تطوع الكثير من أبناء الشعب العربي للدفاع عن عروبة فلسطين . وعند قيام الحرب العالمية الثانية عام 1939 بين بريطانيا وفرنسا من جهة وألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى ، ولأجل ضمان مصالح بريطانيا في المنطقة العربية ، أقدمت الحكومة البريطانية على إعلان [كتابها الأبيض] الذي حددت فيه سياستها تجاه القضية الفلسطينية ، فقد اعترفت باستقلال فلسطين ، وأعلنت تنصلها من الالتزام بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، لكنها في حقيقة الأمر كانت قد هيأت كل شيء لقيام هذا الكيان ، ولم يكن كتابها الأبيض الذي أصدرته في نهاية مؤتمر لندن عام 1939 لبحث القضية الفلسطينية سوى خدعة للشعوب العربية اقتضتها مصالحها لتعزيز مجهودها الحربي . فلما انتهت الحرب بانتصار الحلفاء على دول المحور شددت بريطانيا قبضتها على البلاد العربية ، عن طريق إقامة كيانات عربية مستقلة بالاسم ، لكنها كانت تدار فعلياً من قبل سفاراتها ومستشاريها باسم الانتداب .

بدأت بريطانيا بالإعداد لقيام الكيان الصهيوني في فلسطين ، وتنكرت مرة أخرى لكتابها الأبيض ، وفتحت الباب على مصراعيه لهجرة الآلاف من اليهود إلى فلسطين ، وظهرت في البلاد منظمات إرهابية صهيونية مثل [منظمة ألهاجانا ] و [منظمة شتيرن ] و[منظمة الأركون] وقدمت بريطانيا لهم السلاح وكل المساعدات الممكنة لكي تشكل هذه المنظمات الإرهابية جيشاً كبيراً وقوياً يستطيع مجابهة العرب عندما يحين موعد انسحاب القوات البريطانية من فلسطين ، في الوقت الذي كانت تنكل قواتها بالفلسطينيين ، وتحكم بالإعدام على كل فلسطيني يعثر لديه على طلقة واحدة .

وفي آذار 1946 وصلت إلى المنطقة العربية [ لجنة التحقيق الأنكلو ـ أمريكية ] بعد الفورة التي اجتاحت العالم العربي ضد المخطط الصهيوني في فلسطين . وجاء تقرير اللجنة، في 16 آذار 1946 مخيباً الآمال العربية واستفزازاً لها .

فقد جاء في التقرير خطة لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود ، وتأسيس كيان صهيوني فيها ، والسماح فوراً لهجرة 100 ألف يهودي من سائر الأقطار الأوربية والأمريكية إلى فلسطين ، على أن تستمر هذه الهجرة بعد ذلك لكل من يرغب من اليهود ، وكان التقرير يهدف إلى تغير نسبة السكان في فلسطين لصالح اليهود .

أدى إعلان التقرير إلى موجة احتجاجات ومظاهرات جماهيرية احتجاجا على خطط الإمبرياليين ، وعلى تهاون الحكومة تجاه المؤامرة التي يجري تدبيرها في فلسطين ، ودعت الأحزاب السياسية إلى الإضراب العام احتجاجاً على تقرير اللجنة ، وشنت الصحافة حملة شعواء على السياسة البريطانية والأمريكية تجاه القضية الفلسطينية ، واضطرت حكومة المدفعي ، تحت ضغط الجماهير الشعبية إلى تقديم احتجاج خجول في 1 أيار 1946 إلى بريطانيا والولايات المتحدة ، لكن حكومة المدفعي لم تكن جادة في موقفها أبداً ، بل اضطرت إلى مسايرة غضبة الجماهير، ولم تتخذ أي إجراء يمس المصالح البريطانية والأمريكية ردا على ذلك التقرير .

وفي حزيران 1946 عقدت اللجنة السياسية للجامعة العربية اجتماعا لها في [بلودان ] بسوريا ، وقيل أنها اتخذت قرارات سرية بتدخل الجيوش العربية في فلسطين ، إذ ما أعلن عن قيام دولة صهيونية ، لكن الذي صدر عنها بشكل علني هو الدعوة لجمع التبرعات لشعب فلسطين !!، بهذه العقلية كانت الحكومات العربية تفكر في معالجة أخطر مشكلة جابهت العرب في تاريخهم الحديث ، وسببت قيام أربعة حروب بين الدولة الصهيونية وجيرانها العرب ، ومكنت تلك الحروب إسرائيل من أن تسيطر على جميع الأراضي الفلسطينية ، إضافة إلى هضبة الجولان السورية، وجنوب لبنان،وصحراء سيناء إلى أن عقد السادات معها معاهدة [ كامب ديفد ]، كما سيطرت على مصادر المياه في المنطقة،  واستمرت الدولة العبرية في اعتداءاتها على جيرانها العرب حتى يومنا هذا .

ورغم أن الحكومة العراقية قررت جمع التبرعات لفلسطين، إلا أنها منعت الأحزاب الوطنية من القيام بهذا العمل، واتخذت حكومة أرشد العمري ذلك ذريعة لحل حزبين سياسيين هما [حزب الشعب] و[حزب التحرر الوطني]

وفي 23 أيلول 1947، عقد مؤتمر في لندن، حضرته الدول العربية، لبحث القضية الفلسطينية، إلا أن المؤتمر لم يسفر عن أي نتيجة لصالح الفلسطينيين، وفوجئت الوفود العربية بالخطة الأنكلو أمريكية لتقسيم فلسطين، وعادت الوفود العربية خالية اليدين .

وفي 22 تشرين الأول من نفس العام عقد رؤساء العشائر العربية والكردية واليزيدية مؤتمراً في مدينة الحلة لبحث القضية الفلسطينية، وخرجوا بمقررات عديدة، كان أهمها إرسال المتطوعين إلى فلسطين للتصدي للعصابات الصهيونية، إلا أن تلك القرارات بقيت حبراً على ورق، ولم يجد تنفيذها النور، ولاشك أن الإنكليز كانوا وراء إفشال ذلك المؤتمر في تنفيذ قراراته .

وفي 30 تشرين الثاني 1947 طُرحت القضية الفلسطينية على هيئة الأمم المتحدة في دورتها الثانية، وكان الاجتماع خاتمة المطاف لتنفيذ المشروع الانكلو أمريكي، حيث قررت هيئة الأمم تقسيم فلسطين، والمضي قدماً في المخطط الإمبريالي .

وعلى أثر صدور قرار الأمم المتحدة بالتقسيم، عقد رؤساء الحكومات العربية اجتماعا في القاهرة في 8 كانون الأول 1947  لبحث القرار، إلا أن الذي جرى هو تراجع وتخاذل الحكام العرب، بضغط من الإمبرياليين، ولم يكن الاجتماع سوى وسيلة لخداع شعوبهم، وإظهار أنفسهم بمظهر الحريصين على القضية الفلسطينية، وذراً للرماد في العيون .

وفي الوقت نفسه كانت المنظمات الصهيونية تستعد لإعلان دولة إسرائيل، وكانت تلك المنظمات تعمل على إنشاء جيش [ألهاجانا ] و[ الماباخ ]،القوة الفدائية في الجيش الإسرائيلي .

سادت التظاهرات أرجاء البلاد، احتجاجاً على قرار التقسيم، وأصدر الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وحزب الأحرار، بيانات تندد بالقرار، وبمواقف الحكومات العربية المتخاذلة، ضاغطة عليها للقيام بإجراءات سريعة لمنع قيام الكيان الصهيوني .

 إلا أن الحزب الشيوعي العراقي وقع في خطأ استراتيجي جسيم بموقفه المؤيد  لقرار التقسيم وقيام الكيان اليهودي  وخسر بسب ذلك الموقف عطف وتأييد الكثير من الجماهير الشعبية المتحمسة للقضية الفلسطينية ، وبقي تأثير ذلك الموقف يلاحق الحزب الشيوعي، واستغلت الإمبريالية ذلك الموقف لإثارة الجماهير العراقية ضد الحزب، وقد أدرك الحزب خطأه فيما بعد، وصحح موقفه، بعد أن وجد أن الصهيونية العالمية هي التي سيطرت على الدولة العبرية، وكان الهدف من إنشائها إقامة قاعدة متقدمة للإمبريالية في قلب الوطن العربي، وسيفاً مسلطاً على رقاب الشعوب العربية، من أجل ضمان هيمنة الإمبريالية على منابع النفط العربي، والأسواق العربية، وقد لعب الحزب الشيوعي فيما بعد دوراً طليعياً في قيادة النضال ضد الصهيونية والإمبريالية .

وبسبب ضغط الجماهير العربية، وغضبها العارم على مشروع التقسيم، عقدت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية اجتماعا لها في دمشق، في 15 آذار 1948، لبحث تطورات القضية، لكنها لم تتخذ أي إجراء حقيقي، وعادت اللجنة المذكورة إلى الاجتماع ثانية في 9 نيسان،وكان الاجتماع كسابقه، ولم يسفر عن أي نتيجة .

وفي 30 نيسان 1948 عقد رؤساء الأركان العرب اجتماعا في عمان، وقرر المجتمعون أن أي تدخل عسكري يتطلب خمس فرق عسكرية بكامل أسلحتها ومعداتها، إضافة إلى 6 أسراب من الطائرات القاصفة والمقاتلة،على أن تكون هذه القوات تحت قيادة واحدة .

وفي 26 نيسان 1948 سارت مظاهرات كبرى في شوارع بغداد، وتوجهت إلى مجلس الوزراء، وكان المتظاهرون يهتفون بسقوط المشروع الأنكلو أمريكي، ويطالبون الحكومة بالعمل الجدي لإنقاذ فلسطين، وقد خرج الشيخ محمد الصدر ـ رئيس الوزراء ـ وألقى كلمة بالمتظاهرين أعرب فيها عن حرصه على إجراء كل ما يلزم ، لكن الطلاب المتظاهرين لم يقتنعوا بحديث الصدر، واستمروا بالتظاهر، واستمر إضراب الطلاب عن الدراسة وعن الطعام حتى تجاب مطالبهم .

وفي 11 أيار عقدت اللجنة السياسية التابعة للجامعة العربية اجتماعاً جديداً في دمشق، واتخذت فيه قرارات عدة حول دخول القوات العربية إلى فلسطين، وحول إيواء اللاجئين من النساء والأطفال والشيوخ، وحول الإجراءات الأمنية التي تقرر اتخاذها، كإعلان حالة الطوارئ، وإعلان الأحكام العرفية، بحجة حماية مؤخرة الجيوش العربية، لكنها في واقع الأمر كانت موجهة لقمع أي تحرك شعبي ضد تلك الحكومات التي اشتركت فعلياً في تنفيذ المؤامرة على فلسطين .

ومن الجهة الأخرى، كانت بريطانيا قد أعلنت عن عزمها على التخلي عن انتدابها على فلسطين، بعد أن رتبت الأوضاع للمنظمات الصهيونية التي تشكلت قبل ذلك استعداداً لتسلم السلطة عند إنهاء بريطانيا لانتدابها، وكانت كل تلك التحركات الصهيونية تجري تحت سمع وبصر المحتلين البريطانيين ، وبالتنسيق معهم ومع الولايات المتحدة ، وقد أخذت تلك المنظمات تمارس شتى الأعمال الإرهابية ضد السكان العرب لحملهم على ترك ديارهم ، دون أن تتخذ السلطات البريطانية أي إجراء لحمايتهم .

ولم يكن الحكام العرب ، الذين نصبهم الإمبرياليون ، جادين في تصديهم للعصابات الصهيونية، بل كانوا مجرد منفذين لأوامرهم، ولذلك نجد أن قرارات الجامعة العربية كانت لا تتناسب بأي حال من الأحوال مع تلك الأحداث التي كانت تجري في فلسطين، وحتى قرار الحكام العرب بإرسال جيوشهم إلى فلسطين لم يكن سوى مجرد مسرحية أوحت بها الحكومتان البريطانية والأمريكية، لتغطية خططهما في زرع ذلك الكيان الغريب في قلب الوطن العربي، ولتبرئة ذمة أولئك الحكام أمام شعوبهم، بكونهم أرسلوا الجيوش، وقاموا بالواجب الوطني الملقى على عاتقهم تجاه محنة الشعب الفلسطيني !!! .

***

ثانياً:إعلان قيام دولة إسرائيل،ودخول الجيوش العربية فلسطين:

في الرابع عشر من أيار 1948، أعلنت بريطانيا إكمال انسحابها من فلسطين، وإنهاء الانتداب البريطاني عليها، وفي نفس اليوم أعلنت المنظمات الصهيونية قيام دولة إسرائيل، وبعد عشرين دقيقة من إعلان قيامها أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بالدولة العبرية، وتبعتها بعد ذلك بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي واعترفوا بها . وكان ذلك قد شكل أكبر تحدي لمشاعر الملايين من الجماهير العربية في مشرق العالم العربي ومغربه، وضربة قاصمة وجهتها الإمبريالية للعرب .

بدأت العصابات الصهيونية أشنع حملة لتهجير السكان العرب من مدنهم وقراهم، فأقاموا المجازر البشعة ضدهم،مستخدمين كل أنواع الأسلحة، وقُتل من قُتل من النساء والأطفال والشيوخ، وترك ما يزيد على المليون وربع المليون من الفلسطينيين ديارهم هرباً من بطش الصهاينة، تاركين وراءهم كل ما يملكون من مساكن وأثاث وأموال ومصالح، وأصبحوا لاجئين في البلدان العربية المجاورة، يعيشون تحت الخيام، بانتظار مساندة ودعم الحكام العرب لعودتهم إلى ديارهم !!.

واضطر الحكام العرب تحت ضغط شعوبهم إلى دفع جيوشهم إلى فلسطين، واستبشر الشعب العربي عامة والفلسطيني خاصة بتحرك الجيوش العربية، لكن ظهر فيما بعد أن تلك الحرب لم تكن سوى مسرحية أخرجها الإمبرياليون،ونفذها الحكام العرب،لا لتحرير فلسطين،بل لتثبيت الدولة العبرية الجديدة .

دخلت القوات العربية إلى فلسطين ساعيةً إلى الحرب بدون حسام، فلقد جُهز الجيش المصري بعتاد فاسد، مما أوقع خسائر فادحة في صفوفه . أما القوات العراقية فقد كانت أربعة أفواج مجهزة بأسلحة خفيفة لا تفي بالغرض، وحتى القوة الآلية للجيش العراقي فقد كان الجنود غير مدربين على استخدام تلك الآليات، فقد ذكر قائد القوات العراقية في فلسطين، اللواء الركن [ نور الدين محمود ] في تقريره إلى رئاسة أركان الجيش، في حزيران 1948 ما يلي :

{ خلال مدة بقائي في المفرق، فتشت القوة الآلية فوجدت معظم جنود الفوج الآلي غير مدربين، حتى أن القسم الأعظم لم يرموا بأسلحتهم الخاصة بهم، وبالإضافة إلى ذلك علمت أن الفوج المذكور استلم مدافع الهاون في يوم حركته من بغداد ولا يعلم أحد بالفوج، ولا بالقوة الآلية كلها كيفية استخدام هذا المدفع، وقد تركت في السيارات بانتظار إرسال الجنود المدربين على استخدامها من بغداد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وجدت أن جنود المدرعات لم يدربوا بأسلحتهم مطلقاً فاضطررت إلى الإبراق إلى وزارة الدفاع للموافقة على تدريبهم على إطلاق بضعة إطلاقات بصورة مستعجلة، لكي يعرفوا خصائص أسلحتهم على الأقل، وعند الاستفسار عن كميات العتاد المتوفرة ظهر لي أن القنابل من عيار 2 رطل كان محدوداً جداً، كما أن الوحدات استصحبت عتاد الخط الأول فقط، ولم يؤسس خط للمواصلات بعد، وكانت الوحدات تستهلك الأرزاق التي جلبتها من بغداد، وكانت بقية أمور التموين والإعاشة في دور التأسيس . وهكذا كانت الحالة للقوة الآلية المرسلة إلى فلسطين، والمزمع إشراكها في القتال دون التهيئة، وأن وضعية كهذه جعلتني في حالة استغراب من إرسال قوات وزجها في القتال بهذا الوضع الناقص }. (1)

ومع ذلك فقد أبدا الجنود العراقيين بسالة منقطعة النظير، واستطاعوا التقدم واحتلال العديد من المواقع الصهيونية، مما أزعج الإمبرياليين البريطانيين الذين مارسوا الضغط على الحكومة العراقية لمنع تقدم قواتها، وهكذا قُيدت حركة القوات العراقية، وظهرت تلك الأيام حكاية تداولها الشعب العراقي بتهكم شديد، وهي عبارة [ ماكو أوامر ].أي أن الجيش ليس لديه أوامر للتحرك. لقد كانت تلك الحرب مخططة مسبقاً، ونتائجها مرسومة، وهي تقتضي قيام دولة إسرائيل، وخذلان الجيوش العربية .

أما الملك عبد الله ـ ملك شرق الأردن ـ فقد أصّر على أن تكون قيادة القوات العربية له، وقد عارضت بعض الدول العربية ذلك، حيث أن الجيش الأردني يقوده الجنرال البريطاني[كلوب باشا] وبريطانيا هي التي سلمت فلسطين للصهاينة، فلا يعقل أن تسلم قيادة الجيوش العربية لكلوب باشا .

لكن حكام الدول العربية تراجعوا عن معارضتهم بضغط من بريطانيا، وتسلم كلوب باشا  القيادة الفعلية للجيوش العربية !!!.

كان الملك عبد الله يغتنم كل فرصة لكي يؤمن لنفسه الاستفادة مما ستؤول إليه الأمور،وكان يجري باستمرار اتصالاته السرية مع [ وايزمان ] و[ بن غوريون] ،وسلم الملك عبد لله مدينتي [ اللد] و[الرملة] للصهاينة دون قتال،بعد أن كانت القوات العربية قد سيطرت عليها . لقد نال الملك عبد الله ثقة الصهاينة، بعد أن أمر القوات العربية التي وصلت إلى أبواب [تل أبيب]  بالتقهقر إلى الوراء، والعودة إلى مراكزها السابقة، متيحاً الفرصة للصهاينة لتنظيم صفوفهم، وجلب الأسلحة والمعدات والقوات، للوقوف بوجه القوات العربية . (2)

ورغم خيانة الحكام العرب، ليس لفلسطين وحسب، بل لجيوشهم التي زجوا بها في المعركة دون استعداد ، ودون سلاح ، وتزويدها بالعتاد الفاسد، كما جرى للجيش المصري ، إلا أن القوات العربية المؤمنة بقضية العرب الرئيسية فلسطين أبلوا في الحرب بلاءً قلّ نظيره، وكادت تلك القوات  برغم الظروف السيئة تلك أن تقضي على القوات الصهيونية التي أصابها الإعياء، ونفذ عتادها، مما اضطر زعماء الصهيونية إلى الطلب من الولايات المتحدة العمل على وقف القتال، وقيام هدنة بين الطرفين لاستعادة الأنفاس والتهيئة لجولة جديدة .

ثالثاً : إعلان الهدنة الأولى في فلسطين :

سارعت الولايات المتحدة إلى دعوة مجلس الأمن الدولي إلى الاجتماع، بدعوى أن الوضع في الشرق الأوسط يهدد الأمن والسلام الدوليين، واستطاعت استصدار قرار من المجلس يقضي بوقف القتال بين الطرفين، وإرسال الوسيط الدولي السويدي [ الكونت برنادوت ] الذي قتله الصهاينة فيما بعد،ليلة 22 / 23 أيار، بعد 39 ساعة من بدء القتال .

سارع الحكام العرب إلى قبول وقف القتال، بعد اجتماع عاصف بين ممثلي الحكومات العربية، فقد هدد رئيس الوزراء المصري [ محمود فهمي النقراشي] بأن مصر سوف تعقد هدنة مع الصهاينة لوحدها إذا لم توافق بقية الدول العربية على ذلك .(3)

أما الملك عبد الله فقد أصرّ على قبول الهدنة، وهدد بقطع التموين عن الجيش العراقي إذا أصرّ العراق على عدم قبولها . (4).

أما الملك عبد العزيز آل سعود، فقد رفض قطع النفط عن الولايات المتحدة، بناء على طلب الجامعة العربية، وكان ذلك كفيلاً بأن يشكل اكبر ضغط عليها .  

كانت مواقف الحكومة السورية اكثر جرأة واندفاعاً ولذلك وجدنا القوات الصهيونية ركز هجماتها على القوات السورية .

بدأت القوات الصهيونية تستعيد أنفاسها، وبدأت الأسلحة تنهال عليها من كل جانب، وجرى تنظيم،وإعداد تلك القوات لجولة جديدة مع القوات العربية، وكان قبول الحكام العرب يمثل خيانة كبرى لمصالح الأمة العربية، ولقضية فلسطين، كما كان قرار مجلس الأمن أهم امتحان لمصداقية المهيمنين على مجلس الأمن، والذين تنكروا للميثاق الذي وضعوه هم أنفسهم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .

لقد كان العراق يملك من القوات والأسلحة ما يكفيه وحده لتحطيم القوات الصهيونية، لكن الحكام المؤتمرون بأوامر الإمبريالية لم يكونوا جادين في حربهم، أما الملك عبد الله فخيانته للقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى دليل، فقد كان يقدم للصهاينة النفط الذي كان يمر عبر أنبوب النفط العراقي إلى [حيفا] والتي وقعت بأيدي الصهاينة، حيث استمر بالتدفق ليستخدموا البترول في تسيير آلياتهم العسكرية، فقد وصف المؤرخ الأردني المعروف [ سليمان موسى ] موقف الملك عبد الله قائلاً :

{ كان الأردن حتى أوائل شهر أيار 1948 يحصل على ما يحتاج إليه من مشتقات النفط من مصفاة شركة بترول العراق في حيفا، وعندما سلمت بريطانيا، مدينة حيفا للصهاينة أصبحت المصفاة بأيديهم فأخذوا يستغلونها لسد حاجاتهم، ولذلك لم يكن الصهاينة بحاجة، أو أزمة فيما يختص الوقود بأنواعه، أما الأردن فقد استطاع الحصول على ما يحتاج من وقود من محطتي H3وH5، حيث ضخت الشركة 12 مليون غالون من كركوك  إلى خزاناتها في المحطتين، ومنها أخذ الأردن حاجته من الوقود} . وهكذا اشتركت الحكومتان العراقية والأردنية في تزويد الصهاينة بالنفط الضروري لحركة آلياتهم العسكرية.(5)

***

رابعاً:استئناف القتال،والولايات المتحدة تفرض هدنة جديدة:

عندما أكره مجلس الأمن الدول العربية على وقف القتال قي فلسطين اعتباراً من 11 حزيران 1948 وعين الوسيط الدولي [ الكونت برنادوت ] لوضع حل سلمي للمشكلة الفلسطينية !!، كان أحد شروط الهدنة هو عدم استفادة أي طرف من الأطراف لتعزيز قواته، أو تحريكها .

 لكن الحقيقة أن الصهاينة استفادوا من كل يوم، بل وكل ساعة لتعزيز مواقعهم، ولجلب الأسلحة والطائرات التي أخذت تنهال عليهم من الإمبرياليين الأمريكيين والإنكليز وغيرهم، فيما بقيت القوات العربية ملتزمة ببنود الهدنة، ولم تسعَ إلى تقوية مركزها، معتمدة على مصداقية مجلس الأمن!!.

لكن الدول العربية اضطرت في نهاية المطاف، وبعد أن وجدت التعزيزات العسكرية الصهيونية تجري ليل نهار، إلى استئناف القتال من جديد في 9 تموز، وفوجئت القوات العربية بأخذ القوات الصهيونية زمام المبادرة من أيديهم، وبدأت تهاجمهم بعنف، وخسرت القوات العربية  [صفد] و[الناصرة] و [اللد] و[الرملة] والعديد من القرى العربية، وتشرد الألوف الجدد من أبناء الشعب الفلسطيني، تاركين ديارهم وأملاكهم وأموالهم، هرباً من المذابح الصهيونية . وهكذا استطاعت الولايات المتحدة في نهاية المطاف أن تفرض على العرب هدنة جديدة، في 18 تموز 1948، وتخاذل الحكام العرب، وقبلت أربعة دول عربية هي مصر والأردن والسعودية واليمن  مبدأ التقسيم، فيما رفضت الحكومتان السورية والعراقية الهدنة، لكن الموافقة على القرار تم بالأكثرية وقبل العرب إجراء مفاوضات لعقد هدنة دائمة مع إسرائيل في [لوزان ] بسويسرا ، وقد استنكرت الأحزاب الوطنية في العراق قرار مجلس الأمن، وقبول الحكام العرب له، في بيان مشترك صدر عن الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وحزب الأحرار .

 كما سيروا المظاهرات في بغداد يوم الجمعة المصادف 23 تموز 1948، احتجاجاً على قبول الهدنة ، في حين أصدر الحزب الشيوعي بياناً يدعو فيه إلى وقف القتال، وسحب الجيوش العربية، والقبول بقرار مجلس الأمن، وكان ذلك الموقف استمراراً لمواقفه الخاطئة من القضية الفلسطينية، والتي أضرّت بالحزب وشعبيته ضرراً بليغاً  . (6)

***

خامساً : مصير القسم العربي من فلسطين : 

بعد إعلان قبول الدول العربية بالهدنة الثانية، والقبول بتقسيم فلسطين، قدمت الحكومة المصرية اقتراحاً لجامعة الدول العربية يقضي بإعلان حكومة عموم فلسطين العربية، على أن يعّين [ احمد عرابي باشا ] حاكماً عليها ، وقد أيد العراق الاقتراح المصري، وأيده فيما بعد كل من  لبنان والسعودية واليمن، وعارضه الملك عبد الله الذي كانت بريطانيا قد وعدته أثناء زيارته الرسمية للندن  في 21 شباط 1946 بضم القسم العربي من فلسطين إلى إمارته [ شرق الأردن ]، إذا ما حان الوقت لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، ولذلك جاءت معارضة الملك عبد الله ، والتي اتسمت بالشدة وهدد باتخاذ أشد الإجراءات الهادفة إلى إحباط الاقتراح المصري .(7)

ودبر الملك عبد الله، بالتعاون مع الإنكليز، ما سمي [مؤتمر أريحا ] والذي جاءوا له بعدد من الشخصيات الفلسطينية الموالية لبريطانيا وللملك عبد الله، ليقرروا ضم الجزء العربي من فلسطين إلى إمارة شرق الأردن  (8)

 فيما خضع قطاع غزة للإدارة المصرية، وهكذا اختتمت المسرحية التي أخرجتها الإمبريالية الأمريكية والبريطانية ونفذها الحكام العرب، وكان ضحيتها ليس شعب فلسطين فحسب، بل الشعب العربي كله . فقد أصبحت إسرائيل مصدراً للعدوان والتوسع على حساب البلدان العربية، واضطرت هذه البلدان إلى خوض عدة حروب معها، وكانت إسرائيل توسع كيانها في كل مرة على حساب العرب، ناهيك عن أنهاك الاقتصاد العربي بسبب تلك الحروب، والتسلح المستمر منذُ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا .

أثارت تلك المؤامرة الكبرى نقمة الشعوب العربية على حكامها، وأدركت هذه الشعوب أن الداء هو في وجود هؤلاء الحكام على رأس السلطة ، وأن لا سبيل لإصلاح الأمور إلا بتغيير الأوضاع فيها.

كما أن الجيوش العربية التي عادت إلى بلدانها، ومرارة الحزن والأسى بادية على وجوه الجنود والضباط المغلوبين على أمرهم قد أدركوا أن الحكام العرب هم أساس البلوى فقد باعوا  أنفسهم للإمبريالية، ونفذوا مخططاتها في المنطقة العربية، وكان من بين أولئك الضباط قائد ثورة 23 يوليو في مصر [ جمال عبد الناصر ] و قائد ثورة 14 تموز في العراق [ عبد الكريم قاسم ].

 لقد شهدت البلدان العربية بعد عام النكبة 1948 تغيرات كثيرة حيث اختفت رموز كثيرة من المسرح السياسي ، فقد وقع انقلاب عسكري في سوريا في 30 آذار 1949 بقيادة [ حسني الزعيم]  وقتل الملك عبد الله في 20 تموز 1951، كما قتل رئيس وزراء مصر [ محمود فهمي النقراشي ] ، وقتل رئيس وزراء لبنان [رياض الصلح ] إثناء زيارته الرسمية إلى عمان في 16 تموز 1951 .

أما في العراق  فقد جرت المعارك في شوارع بغداد وسائر المدن العراقية بين السلطة والشعب، وتم إسقاط وزارة صالح جبر الموالي للإنكليز، ثم جاءت ثورة 23 يوليو في  مصر، وتم إسقاط حكم الملك فاروق، أحد المسؤولين الكبار عن النكبة، كما وقع انقلاب عسكري في لبنان في 18 أيلول 1952  أطاح بالرئيس اللبناني [ بشارة الخوري ]، وأخيراً تكلل نضال الشعب العراقي بالنجاح في ثورة 14 تموز 1958 التي أسقطت النظام الملكي الموالي للإنكليز .

سادساً: محمد الصدر يجري الانتخابات تحت ظل الأحكام العرفية:

أقدمت حكومة الشيخ محمد الصدر على إجراء الانتخابات النيابية تحت ظل الأحكام العرفية، ونشط أزلام السفارة البريطانية، ومؤيدي معاهدة بورتسموث وعلى رأسهم نوري السعيد وصالح جبر، وبدأت التدخلات تجري على قدم وساق، بغية المجيء بمجلس يرضي السفارة البريطانية والوصي عبد الإله .

 ولما كان المد الثوري الذي أحدثته وثبة كانون المجيدة لازال في عنفوانه، فقد وقعت صِدامات عنيفة بين الشعب والسلطة، ووقع العديد من الشهداء والجرحى في تلك الصدامات .

ففي ليلة 29 نيسان 1949، قُتل رئيس فرع الحزب الوطني الديمقراطي في الصويرة السيد[ حامد العجيل] ، وفي 12 مايس قتل السيد [ سليم الدرة ] أحد أعضاء حزب الاستقلال، واختفى قاتله، وفي 13 أيار قتل 7 أشخاص وجرح 47 آخرين من جماعة  [مظهر الشاوي ] التي كانت تساند المرشح شاكر الوادي وزير الدفاع في حكومة صالح جبر، في معركة مع مؤيدي حزب الاستقلال دامت ساعتين . كما وقعت اشتباكات في الماجدية بالعمارة حيث قتل وجرح عدد غير قليل من المواطنين، كما وقعت اشتباكات أخرى في الحلة والهاشمية . لقد جرت تلك الانتخابات في جو من الإرهاب والعنف لم يسبق له مثيل، وكانت العصابات المسلحة تجوب كافة المناطق لحمل المواطنين على التصويت لمرشحي الحكومة حكومة صالح جبر، نوري السعيد السابقة، واتخذت الحكومة أسلوب المهادنة مع تلك العناصر، ووصل الأمر إلى حد تهديد بعض المرشحين بالأحكام العرفية إذا لم يسحبوا  ترشيحهم، وقد صرفت السفارة البريطانية مبالغ كبيرة لأجل إنجاح مرشحي زمرة نوري السعيد ـ صالح جبر، واستغلت الحكومة الأحكام العرفية استغلالاً فضيعاً لإحباط الحركة الوطنية، وإفشال مرشحيها، والانتقام من العناصر االي كان لها نشاط فعال أثناء الوثبة الوطنية .(9)                                                                                                           واحتجاجاً على تلك التدخلات السافرة، استقال محمد مهدي كبه ـ وزير التموين ورئيس حزب الاستقلال من الوزارة في 7 حزيران 1948، وكان قد سبقه السيد [داؤد الحيدري ] وزير الشؤون الاجتماعية الذي استقال من الوزارة في 26 أيار، احتجاجاً على سير الانتخابات .                                                                                           

بهذا الأسلوب جرت الانتخابات يوم 15 حزيران 1948، ولم يفز من الأحزاب الوطنية إلا عدداً ضئيلاً من النواب، وجاء المجلس كما أرادته السفارة البريطانية وعبد الإله ونوري السعيد وصالح جبر .

وفي خضم الأحداث التي رافقت حرب فلسطين، وتأمر العرشين الهاشميين في بغداد وعمان على القضية الفلسطينية ، وبعد أن مهدت حكومة الصدر الظروف لعودة زمرة نوري السعيد وصالح جبر إلى واجهة الأحداث من جديد بعد الوثبة التي عصفت بهم، تقدم باستقالة حكومته إلى الوصي عبد الإله، في 16 حزيران 1948، وصدرت الإرادة الملكية بقبولها في 23 منه بعد أن أدى مهمته في خدمة العرش الهاشمي وصيانته من غضبة الشعب الهادرة أيام الوثبة المجيدة .

***

سابعاً : مزاحم الباجه جي يؤلف الوزارة الجديدة :

 على اثر استقالة وزارة محمد الصدر، كلف الوصي السيد مزاحم الباجه جي بتأليف الوزارة الجديدة في 26 حزيران 1948، وتم تشكيل الوزارة على الشكل التالي :

1 ـ مزاحم الباجه جي ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية

 2  ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للداخلية .

3 ـ علي ممتاز الدفتري ـ وزيراً للمالية ووكيلاً لوزارة التموين .

4 ـ محمد حسن كبه ـ وزيراً للعدلية .

5 ـ جلال بابان ـ وزيراً للمواصلات والأشغال،ووكيلاً لوزارة الشؤون الاجتماعية

6 ـ صادق البصام ـ وزيراً للدفاع .

7 ـ عبد الوهاب مرجان ـ وزيراً للاقتصاد .

8 ـ نجيب الراوي ـ وزيراً للمعارف .

ولم تكد تؤلف الوزارة حتى دبت الخلافات بين أعضائها، وخاصة بين رئيس الوزراء وصادق البصام وزير الدفاع، وانتهت باستقالة البصام احتجاجاً على سياسة الحكومة إزاء قضية الحرب في فلسطين، وجاءت تصريحات الوزير البصام لجريدة الزمان في 22 أيلول 1948 لتلقي الضوء على تلك الاستقالة، حيث أعلن استمرار خيانة الإنكليز لمصالح العرب، وإصرار الأمريكيين على دعم ومساندة الكيان الصهيوني، وطرد العرب من فلسطين، ودعا في ختام تصريحاته إلى لجوء العرب نحو الاتحاد السوفيتي لطلب الدعم والمساندة منه .(10)

وهكذا تم قبول استقالة الوزير البصام، وجرى تعيين وكيل لوزارة الدفاع، كما أنيطت  وزارة المعارف بالسيد محمد حسن كبه وكالةً، في 27 أيلول، وقد أدى خروج البصام من الوزارة إلى موجة من الغضب والاستياء لدى الأوساط الشعبية والحزبية، وكان إذناناً بعودة رجالات معاهدة بورتسموث إلى السلطة من جديد،وقد شنت المعارضة في مجلس النواب حملة شعواء على رئيس الوزراء الباجه جي، وأدت تلك الحملة إلى وقوع مشادة عنيفة بين المعارضة والحكومة ورئيسها .

وعند خروج البصام من الوزارة طلب الوصي عبد الإله إجراء تعديل في الوزارة، وتم إدخال كل من [ علي جودت الايوبي ] وزيراً للخارجية و [عمر نظمي ] وزيراً للداخلية و[ شاكر الوادي ] وزيراً للدفاع وهو الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع في وزارة صالح جبر، وأحد الموقعين على معاهدة بورتسموث و[مصطفى العمري ] وزيراً بلا وزارة و[ محمد الحبيب ] وزيراً بلا وزارة.(11)

وهكذا أصبحت وزارة مزاحم الباجه جي امتداداً لوزارة صالح جبر، أصبحت المسافة بينها وبين الشعب متباعدة جداً، ومهدت تلك الوزارة السبيل لاستكمال المؤامرة الكبرى على فلسطين، وإلى عودة نوري السعيد وشلته إلى الحكم من جديد، لينتقم من الذين ساهموا في وثبة الشعب الكبرى في كانون الثاني 1948 .

لقد أثار إدخال شاكر الوادي في الوزارة، كوزير للدفاع، استياء شديد لدى المعارضة في مجلس النواب، واعتبرته استفزازاً لمشاعر الشعب الذي تصدى لمعاهدة بورتسموث ولمّا تجف بعد دماء الشهداء الذين سقطوا في شوارع بغداد والمدن الأخرى، من أجل إسقاط تلك المعاهدة والوزارة التي وقعتها، ووقف مزاحم الباجه جي أمام مجلس النواب يشيد بوزيره وكفاءته وقابليته !! متحدياً شعور الرأي العام العراقي وممثليه في البرلمان .

وهكذا ارتمى مزاحم الباجه جي في أحضان البورتسموثيين وأسيادهم الإمبرياليين، تأخذه شهوة الحكم، مضحياً بمصالح الشعب والوطن، ومصالح الأمة العربية وقضيتها الرئيسة فلسطين، وبسبب تلك المواقف للباجه جي تعرض إلى حملة عنيفة في مجلس النواب، ووقعت مشادات عنيفة بين المعارضين والمؤيدين له ولحكومته، وجرى تبادل الكلمات الجارحة بينهم .

وعلى المستوى الشعبي، أضرب طلاب المدارس احتجاجاً على عودة البوتسموثيين إلى الواجهة من جديد، وسارت المظاهرات المنددة بالحكومة، والمطالبة بسقوطها، وجرى صدام بين المتظاهرين وقوات الشرطة، وقامت الحكومة  باعتقال العديد من المواطنين .

وبسبب سياسة الحكومة المعادية لمصالح الشعب والوطن، والموقف من القضية الفلسطينية أقدم الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الأحرار على تجميد نشاطهما، وأصدرا بياناً فضحا فيه سياسة الحكومة تجاه الأحزاب السياسية الوطنية، وتجاه القضية الفلسطينية، وأعلنا أن تجميد نشاطهما جرى بشكل مؤقت ريثما تتاح  الظروف الطبيعية لممارسة النشاط في جو من الحرية والديمقراطية  (12)

***

ثامناً : تطورات درامية في حرب فلسطين:

لعب الملك عبد الله، وقائد جيشه البريطاني [ كلوب باشا ] دوراً خيانيا مشهوداً، بعد أن تولى الاثنان قيادة الجيوش العربية في القاطعين الشمالي والشرقي من الجبهة . فبعد أن أقّر رؤساء الأركان العرب في اجتماع [ الزرقاء ] خطة عسكرية فعالة لمجابهة القوات الصهيونية، أعترض عليها كلوب باشا واستبدلها بخطة جديدة، فقد أدرك كلوب أن تنفيذ تلك الخطة سوف يفشل المخطط الإمبريالي الصهيوني، وخطة الملك عبد الله الطامع في الأرض الفلسطينية، وكان بإمكان تلك الخطة القضاء على القوات الصهيونية، ولكن إقدام كلوب باشا على إبدالها أدى إلى الفشل الذريع للجيوش العربية  وبالتالي أصبحت إسرائيل حقيقة واقعة . هذا على الجبهتين الشمالية والشرقية، أما على الجبهة الجنوبية التي حارب فيها الجيش المصري فكانت الخيانة اعظم، عندما جُهز الجيش المصري بالعتاد الفاسد، مما سبب كارثة للجيش، ومكّن القوات الصهيونية من محاصرته في الفالوجه، وإلحاق الخسائر الجسيمة به والاستيلاء على الفالوجة .

وعلى الأثر سافر رئيس الوزراء، الباجه جي، إلى القاهرة، والتقى زميله المصري [ محمود فهمي النقراشي ] وبحثا الأحوال بعد سقوط الفالوجة، وجرى الاتفاق على إرسال لواء عراقي آلي مع فوجين سوريين لمساعدة الجيش المصري وتم الاتفاق على موعد الهجوم على الفالوجة .(13)

  ولما اطلع كلوب باشا على الخطة رفضها فوراً، وأعلن أن الجيش الأردني في منطقة القدس لن يسمح بمرور القوات العراقية والسورية، وبذلك أفشل كلوب باشا خطة رؤساء الأركان العرب لمساعدة الجيش المصري، والذي بقي يقاتل لوحده متحملاً ضغط القوات الصهيونية .(13)

وبانكشاف هذه المؤامرة الجديدة على القضية الفلسطينية، قامت المظاهرات العارمة في بغداد احتجاجاً على تخاذل الحكومة، وضلوع العرشين الهاشميين في تلك المؤامرة، وقد وقعت مصادمات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الشرطة، أصيب علة أثرها أكثر من 200 من المواطنين بجراح، واعتقلت السلطات أعداد كبيرة أخرى منهم .

كما قام وفد من نواب المعارضة بمقابلة عبد الإله، ورئيس الوزراء الباجه جي، بعد اجتماع عقده نواب المعارضة، وقدموا مذكرة باسم المعارضة لهما، وقد دعت المذكرة إلى عدم التزام العراق بالهدنة التي تنتهكها إسرائيل باستمرار، والعمل فوراً على تقديم العون العسكري للقوات المصرية التي بقيت تقاتل لوحدها، وقطع النفط عن الدول الإمبريالية التي تدعم العصابات الصهيونية، وإنذار بريطانيا بإلغاء معاهدة التحالف معها إذا ما استمرت في سياستها الحالية .

كما فضحت المذكرة الدور الخياني لحكومة الأردن، وحذرت من أن  ترك مصر لوحدها سوف يؤدي إلى انهيار الجامعة العربية، وانعزال مصر عن القضايا العربية، وفقدان الأمل في قيام وحدة عربية . وقد وقّع على المذكرة كل من السادة النواب : خميس الضاري  ـ ذيبان الغبان  ـ داؤد السعدي ـ عبد الرزاق الظاهر  ـ محمد حديد ـ عبد الجبار الجومرد ـ عبد الكريم كنه  ـ فائق السامرائي  ـ إسماعيل الغانم  ـ  روفائيل بطي ـ عبد القادر العاني  ـ نجيب الصايغ ـ عبد الرزاق الشيخلي ـ هاشم بركات ـ حسن عبد الرحمن ـ جعفر البدر ـ ريسان كاطع ـ مصلح النقشبندي ـ خدوري خدوري  ـ جميل صادق ـ برهان الدين باش أعيان  ـ عبد الرحمن الجليلي  ـ محمد مهدي كبه  ـ حسين جميل ـ أركان العبادي ، وقد قدم النواب صورة من هذه المذكرة إلى رئيسي مجلسي النواب والأعيان .وبالنظر لتطور الأحداث بهذا الشكل المتسارع، وشدة الانتقادات التي وُجهت للحكومة، ولخطورة الموقف، لم يجد مزاحم الباجه جي أمامه من طريق سوى تقديم استقالة حكومته إلى الوصي، في 6 كانون الثاني 1949، وتم قبول الاستقالة على الفور، وكلف الوصي رجل بريطانيا القوي في العراق  نوري السعيد، لتأليف وزارته العاشرة  في اليوم نفسه .

تاسعاً : نوري السعيد يؤلف الوزارة من جديد :

منذُ أن شكل مزاحم الباجه جي وزارته في 26 حزيران 1948، بدا واضحاً أنها جاءت لتمهد الطريق لعودة رجالات معاهدة بورتسموث إلى السلطة من جديد، وخاصة بعد أن طلب الوصي عبد الإله إجراء تعديل في وزارته بعد استقالة وزير الدفاع [ صادق البصام ] وتعين عدد من وزراء حكومة صالح جبر، وكان أبرزهم [شاكر الوادي ] وزير الدفاع  أحد الموقعين على معاهدة بورتسموث، والذي تسلم وزارة الدفاع مجدداً . ولم تمضِ وزارة مزاحم الباجه جي في الحكم سوى ستة أشهر حيث قدمت استقالتها، وتم تكليف نوري السعيد بتأليف الوزارة الجديدة والتي تم تشكيلها على الشكل التالي :

1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية

2 ـ شاكر الوادي ـ وزيراً للدفاع .

3 ـ عبد الاله حافظ ـ وزيراً للخارجية .

4 ـ جلال بابان ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .

5 ـ محمد حسن كبه ـ وزيراً للعدلية .

6 ـ نجيب الراوي ـ وزيراً للمعارف .

7 ـ ضياء جعفر ـ وزيراً للاقتصاد .

8 ـ خليل إسماعيل ـ وزيراً للمالية .

9 ـ بهاء الدين نوري ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .

جاءت هذه الوزارة لتصفي آثار وثبة كانون المجيدة، وليسيطر نوري السعيد على الحكم سيطرة كاملة من جديد، ولينكل بالعناصر الوطنية بصورة عامة، والشيوعيين بصورة خاصة، وينتقم من كل العناصر البارزة، والتي كان لها دوراً فاعلاً في وثبة الشعب التي أطاحت بحكومة صالح جير والمعاهدة المشؤومة،وليكمل فصول المؤامرة الإمبريالية على فلسطين،بالتفاهم والتعاون مع الملك عبد الله وحكومته التي كانت برئاسة  [توفيق أبو الهدى ] . فقد وصل أبو الهدى بغداد في 25 نيسان 1949، واجتمع بالوصي عبد الإله وبنوري السعيد، وقد طلب أبو الهدى، بناء على توجيهات الملك عبد الله، سحب القوات العراقية من فلسطين، وبالفعل باشرت تلك القوات الانسحاب والعودة إلى العراق، حيث وصلت طلائعها مدينة الرمادي في 29 نيسان، وبلغت بغداد في الأول من أيار .

سيطر على أبناء الشعب وجوم وحزن شديدين، بسبب خيانة الحاكمين، وقد شكّل سحب القوات العراقية تحدياً سافراً لمشاعر الشعب الذي اعتبر قضية فلسطين قضيته الأولى المقدسة . وحال انسحاب القوات العراقية من فلسطين، سلمت إلى قوات الملك عبد الله [مثلث جنين ـ نابلس ـ طول كرم ] فما كان من الملك عبد الله إلا أن سلم هذا المثلث للصهاينة، في 19 أيار 1949، بحجة أن ذلك من مقتضيات الهدنة المعقودة في [رودس] بين الأردن وإسرائيل وبذلك أكمل نوري السعيد فصول المؤامرة على فلسطين بالتعاون والتنسيق مع العرش الهاشمي في شرق الأردن، والذي استحوذ على القسم العربي من فلسطين مشكلاً المملكة الأردنية الهاشمية، بتخطيط من الإمبريالية البريطانية والأمريكية. (14)

***

عاشراً: نوري السعيد يشن الحرب على الشيوعية

  بعد أن أكمل نوري السعيد فصول المؤامرة الأنكلو أمريكية على فلسطين، توجه نحو تصفية القوى الوطنية في الداخل، بادئاً بالحزب الشيوعي الذي كان له الدور الأكبر في وثبة كانون المجيدة، وفي جعبته تصفية حساباته مع الحزب،وسائر القوى الوطنية الأخرى، ولينتقم أشد الانتقام من أولئك الذين كانوا وراء الوثبة .

كان بداية ذلك الهجوم الشرس على الحزب الشيوعي يتمثل في إعادة محاكمة السكرتير الأول للحزب يوسف سلمان [ فهد] ورفاقه أعضاء المكتب السياسي زكي بسيم، وحسين محمد الشبيبي، ويهودا صديق، والذين سبق وأن حكم عليهم المجلس العرفي العسكري بالإعدام، ثم خفض الحكم فيما بعد إلى السجن المؤبد، بعد إلقاء القبض عليهم في عهد وزارة نوري السعيد التاسعة، في منتصف عام 1947، وها هي اليوم قد سنحت الفرصة لنوري السعيد، تحت ظل الأحكام العرفية لتنفيذ ما أراد تنفيذه قبل سنتين،فقد تمت إعادة محاكمتهم من قبل المجلس العرفي العسكري الذي أصدر بدوره حكم الإعدام عليهم في 10، و11 شباط 1949، وتم تنفيذ الحكم يومي 14، و15 شباط، وعلقت جثث الشهداء في ساحتي المتحف والتحرير لساعات طويلة إرهاباً للشعب، وتحدياً لمشاعره الوطنية .

كانت ردة فعل إعدام قادة الحزب الشيوعي عنيفة، عراقياً وعربياً ودولياً، حيث قامت المظاهرات المنددة بالجريمة الشنعاء لنوري السعيد وحكومته، وشنت الصحف الوطنية العراقية والعربية والأجنبية حملة شعواء على الحكومة متهمة إياها بتنفيذ مخططات الإمبرياليين الهادفة إلى كبح جماح الحركة الوطنية في العراق .(15)

مرسوم خطير لنوري السعيد لكبح جماح الحركة الوطنية :

ولم تقف إجراءات نوري السعيد إلى هذا الحد، بل مضى في تنفيذ ما خططه له أسياده الإمبرياليون حيث جرى اعتقال أكثر من 370 فرداً من أعضاء الحزب الشيوعي وكوادره، ومارست الأجهزة القمعية في مديرية التحقيقات الجنائية  [مديرية الأمن العامة] أبشع أساليب التعذيب لأخذ الاعترافات منهم عن تنظيمات الحزب، ومات البعض منهم تحت التعذيب، وأحيل كافة المعتقلين إلى المجالس العرفية العسكرية التي حكمت بدورها عليهم بأحكام جائرة، تراوحت بين السجن المؤبد والسجن لمدة ثلاث سنوات وبمراقبة الشرطة بعد انتهاء الأحكام، ولم تقف شهية نوري السعيد للانتقام من الحزب الشيوعي إلى هذا الحد، بل سارع إلى إصدار مرسوم خطير وجائر، يتعارض مع الدستور، وجاء في ذلك المرسوم ما يلي : (16)

استناداً إلى الفقرة 3 من المادة السادسة والعشرين من القانون الأساسي، وبناء على ما عرضه وزير الداخلية، ووافق عليه مجلس الوزراء، أمرنا بوضع المرسوم الأتي :

المادة الأولى : ممنوع على هيئات التدريس في الكليات والمعاهد العلمية والمدارس، وموظفيها على اختلاف أنواعها ودرجاتها سواء كانت حكومية أم أهلية أم أجنبية ما يأتي:

1 ـ بث الدعايات السياسية بين الطلاب .

2 ـ تحريض الطلاب على مخالفة أحكام القوانين والأنظمة .

3 ـ حض الطلاب أو غيرهم على المظاهرات، أينما وكيفما تقع .

4 ـ حث الطلاب على الإضراب داخل الكليات والمدارس والمعاهد العلمية وخارجها .

المادة الثانية : تعتبر هيئات التدريس في الكليات والمعاهد العلمية والمدارس، وموظفوها، مسؤولين جميعاً عن الأعمال الممنوعة المبينة في المادة الأولى من هذا المرسوم لغرض المادة الرابعة، ما لم يُظهر التحقيق الموظف، أو الهيئة، أو الشخص الذي قام في أمر بثها، أو تحريض الطلاب، أو حثهم عليها .

المادة الثالثة : لمجلس الوزراء، بناء على اقتراح الوزير المختص أن يفصل الموظفين، والهيئات التدريسية للمدة التي يقررها، إذا ثبت عليهم أحد الأعمال المبينة في المادة الأولى من هذا المرسوم، أو ثبت إهمالهم، أو تقصيرهم في إظهار مرتكبي أحد الأعمال الواردة في المادة المذكورة .

 المادة الرابعة : يحرم الموظفون، وهيئات التدريس الذين يفصلون وفق المادة السابقة من هذا المرسوم من حقوقهم التقاعدية، سواء كانوا يستحقون إكرامية أم مرتباً تقاعدياً، خلال مدة الفصل، على أن يعطى لورثتهم راتب التقاعد، أو الإكرامية إذا وقعت الوفاة قبل انتهاء مدة الفصل .

المادة الخامسة : ينفذ هذا المرسوم من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية .

المادة السادسة : على وزراء الدولة تنفيذ هذا المرسوم، الذي يجب عرضه على مجلس الأمة في أول اجتماع له .

كتب في بغداد في اليوم السادس من شهر ربيع الثاني 1368 والمصادف لليوم الخامس من شباط 1949 .

هكذا انتهك نوري السعيد، بكل فظاعة، الدستور العراقي الذي كفل الحقوق العامة للشعب، وجعل إدارات المدارس والمعاهد والكليات أجهزة بوليسية، منذراً بإنزال العقاب الصارم بكل من لا يتعاون مع الأجهزة القمعية، لمحاربة الحركة الوطنية في صفوف الطلاب والأساتذة، وقد نفذ نوري السعيد تهديداته وقام بفصل أعداد كبيرة من المعلمين والمدرسين وأساتذة الكليات والمعاهد من وظائفهم، كما تم فصل أعداد كبيرة من طلاب الكليات والمعاهد، انتقاما للدور البطولي الذي لعبه أولئك الطلاب أبان وثبة كانون المجيدة عام  1948.

 وقد درست اللجنة المشتركة والمؤلفة من اللجنة الحقوقية ولجنة المعارف بمجلس النواب هذا المرسوم، ورفعت تقريرها حوله في 15 كانون الثاني 1951، وأصدرت قراراً برفضه لمخالفته لأحكام الدستور، لكن رئاسة مجلس النواب وبضغط من الحكومة والبلاط أرجأت عرض قرار اللجنة المشتركة على المجلس، واستمر العمل بموجبه حتى عام 1955 بعد أن استنفذ أغراضه، وبعد أن وضع نوري السعيد العديد من المراسيم الأخرى، الأشد وطأة منه، والأكثر عدوانية على حقوق الشعب   لمحاربة القوى الوطنية كما سنرى فيما بعد .(17)

***

أحد عشر:التآمر الإمبريالي على سوريا،وموجة الانقلابات:

أثارت خيانة الحكام العرب لقضية فلسطين، واندحار الجيوش العربية أمام قوات المنظمات الإرهابية الصهيونية،وقبول الحكام العرب بالهدنة المعقودة في [رودس] مع الكيان الصهيوني، وبالتالي القبول بتقسيم فلسطين كأمر واقع، ردة فعل واسعة اجتاحت العالم العربي، وسارت المظاهرات المنددة بالحكام العرب، وتخاذلهم، وانغمار معظمهم في المؤامرة الانكلو أمريكية، وخلق ذلك الوضع لدى الشعوب العربية يأساً شديداً من أولئك الحكام، وأصبحت لديهم القناعة من أن أي إصلاح للأوضاع العربية لا يمكن أن يكون دون زوال تلك الأنظمة، وأولئك الحكام .

واستغلت الإمبريالية الأمريكية تلك الظروف اكبر استغلال على الساحة السورية، نظراً لأهمية موقع سوريا الجغرافي بالنسبة لضمان أمن دولة إسرائيل، القاعدة المتقدمة للإمبريالية في قلب  العالم العربي، فقد كان قيام نظام حكم وطني حقيقي في سوريا يشكل خطراً على إسرائيل . هذا من جهة، ومن جهة أخرى كانت الولايات المتحدة تسعى جاهدة لإزاحة النفوذ البريطاني في منطقة الشرق الأوسط، والاستئثار بها لوحدها نظراً لما تشكله هذه المنطقة من أهمية بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية حيث يوجد اكبر خزان للنفط في العالم، فيما كانت الإمبريالية البريطانية تسعى جاهدة لإحكام سيطرتها على المنطقة، فقد سعت إلى قلب الحكومة السورية، وإقامة مشروع [الهلال الخصيب ] بزعامة العرش الهاشمي، وتحت هيمنتها.

وقد لعب نوري السعيد دوراً كبيراً في تنفيذ المخطط البريطاني . لكن الإمبريالية الأمريكية كانت أسرع في تحركها حيث دبرت انقلاب [ حسني الزعيم ] رئيس الأركان السوري، في 30 آذار 1949، واستطاع حسني الزعيم السيطرة على الأوضاع في سوريا، دون أن يلقى انقلابه أية مقاومة تذكر، مستغلاً عواطف الجماهير السورية الناقمة على الحكومة السابقة، بسبب دورها في نكبة فلسطين، وطبيعي أن يستغل حسني الزعيم تلك النكبة ليظهر نفسه بمظهر الوطني الحريص على قضية فلسطين، لكن الحقيقة لا تعدو أن تكون انقلاباً أمريكياً،حيث يقول الكاتب الأمريكي [ كوبلاند ] في كتابه  [ لعبة الأمم ] ما يلي :

{ وكان انقلاب حسني الزعيم من إعدادنا وتخطيطنا، فقد قام فريق العمل السياسي بإدارة الميجر [ ميد] بإنشاء علاقات منتظمة مع[ حسني الزعيم]،الذي كان رئيساً لأركان الجيش السوري، ومن خلال هذه الصداقة أوحى [الميجر ميد] لحسني الزعيم بفكرة الانقلاب العسكري، حيث اضطلعنا نحن في السفارة بمهمة وضع كل خطته، وإثبات كافة التفصيلات المعقدة } . (18)

أحدث انقلاب حسني الزعيم قلقاً عميقاً لدى الدوائر البريطانية والعرش الهاشمي في العراق، أسرع نوري السعيد إلى دمشق، يستكشف طبيعة الانقلاب، واختلى السعيد بحسني الزعيم، ونصحه بالعودة إلى واجباته العسكرية، وترك الأمور السياسية، وكان نوري السعيد أثناء زيارته لدمشق يلبس بزة عسكرية برتبة كبيرة في محاولة للتأثير على حسني الزعيم . (19)                                                                                                لكن بريطانيا لم تستسلم لما حدث في سوريا، ونشطت أجهزة مخابراتها في العمل لتدبير انقلاب عسكري معاكس .

ونجحت الجهود البريطانية بإحداث انقلاب جديد بقيادة اللواء [سامي الحناوي] في 14 آب 1949، وقبل أن يمض على انقلاب حسني الزعيم ستة اشهر،وكان واضحا أن الانقلاب الجديد كان بإخراج بريطاني .

تم لسامي الحناوي السيطرة على البلاد، وجرى إعدام حسني الزعيم، ورئيس وزرائه  [محسن البرازي ] بعد محاكمة لم تدم سوى ساعتين مما أثار غضب الإمبرياليين الأمريكيين .

لم يخفِ العرش الهاشمي ونوري السعيد فرحهما وسرورهما لنجاح انقلاب [سامي الحناوي]،وسارع سامي الحناوي إلى بغداد، وبصحبته الملحق العسكري العراقي [ عبد المطلب الأمين ] ، واجتمع مع نوري السعيد وعبد الإله، ثم عاد في نفس اليوم إلى دمشق.

ولم تلبث حكومة بغداد أن أرسلت رئيس الديوان الملكي [ احمد مختار بابان ] إلى دمشق، لمناقشة موضوع إقامة اتحاد بين العراق وسوريا ، لكن المشروع لم يكتب له النجاح، فقد أفلح الأمريكيون في إحداث انقلاب جديد في سوريا بقيادة العقيد   [أديب الشيشكلي ] في 19 كانون الأول، بالتعاون مع] و[ فوزي سلو]،وتم اعتقال سامي الحناوي . لكن أديب الشيشكلي لم يستلم الحكم بصورة رسمية، بل حكم من وراء الستار.

 أعاد الحكم المدني للواجهة حتى تشرين الثاني من عام 1951، حيث قام بانقلابه الثاني وأقال الحكومة المدنية، وأعلن نفسه دكتاتوراً للبلاد .

 وبقي الشيشكلي في الحكم حتى شباط 1954، عندما أسقطه انقلاب جديد بقيادة [فيصل الأتاسي ]  بمساعدة [ غسان جديد ]، حيث تحرك الجيش، تدعمه الأحزاب السياسية التي ضاقت الأمرين على أيدي الدكتاتور الشيشكلي.

***

اثنا عشر: نوري السعيد يؤلف حزب[ الاتحاد الدستوري]:

حاول نوري السعيد تقوية مركزه وهيمنته على السلطة، عن طريق جر بعض الأطراف السياسية، وخاصة حزب الاستقلال للتعاون معه، بموجب ميثاق وضعه السعيد بنفسه وسماه [ الميثاق الوطني ] وكان من جملة ما جاء في ذلك الميثاق مكافحة الشيوعية، ومحاربة الأعمال التي تستهدف إضعاف الحكومة أو إسقاطها، ومقاومة تلك الأعمال مقاومة فعالة و بجميع الوسائل .

هذا هو جوهر ميثاق نوري السعيد الذي غلفه بعبارات عامة منمقة، كاحترام الدستور ـ الذي كان هو نفسه أول، واكثر منتهكيه ـ ومكافحة الرشوة، وتأسيس المشروعات الصناعية، وحماية حقوق العمال والفلاحين !! وتقوية الروابط مع البلدان العربية، وغيرها من الأمور الأخرى .

لكن نوري السعيد لم يُوفّق في مسعاه، فقد رد عليه زعيم حزب الاستقلال [محمد مهدي كبه] مفنداً كل ادعاءاته، ودعاه إلى العمل الجدي الصادق لإصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، بموجب برنامج حدده الحزب .(20)

ولما يئس نوري السعيد من جر حزب الاستقلال للتعاون معه، لجأ إلى تأليف حزب سياسي  دعاه [ حزب الاتحاد الدستوري ] وهو لا يعدو أن يكون في برنامجه صورة طبق الأصل لما جاء في ميثاقه، وقد وقع على طلب التأسيس كل من :

  1 ـ محمد علي محمود         2 ـ موسى الشابندر         3 ـ خليل كنه  

  4 ـ عبد الوهاب مرجان       5 ـ جميل الأورفلي          6 ـ سعد عمر    

  7 ـ مجيد عباس                 8 ـ احمد العامر

وقد تم منح الحزب المذكور الإجازة من قبل وزارة الداخلية في 24 تشرين الثاني1949، وضم هذا الحزب عناصر مختلفة من الإقطاعيين وأصحاب المصالح، والملاكين الكبار، والانتهازيين الطامعين بالمناصب الكبيرة وبالنيابة والوزارة، وهم جميعاً من مؤيدي السياسة البريطانية .(21)

وبعد أن أتم نوري السعيد المهمة المناطة به، بمكافحة الحركة الوطنية، وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي، وتقليم أظافرها، والانتقام من المشاركين بوثبة كانون الثاني المجيدة وتصفية جميع المنجزات التي حققتها الوثبة، وبعد أن أكمل فصول المؤامرة الكبرى على القضية الفلسطينية، لم يبقَ له ما يؤديه في تلك المرحلة، لذا فقد تقدم باستقالة حكومته إلى الوصي،في 9 كانون الأول 1949، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي مباشرةً .