الفصل التاسع
الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج
الأولى)
أولاً: بداية الحرب ،وتوغل القوات العراقية في العمق
الإيراني .
ثانياً: إيران تبحث عن السلاح .
ثالثاً: إسرائيل تضرب المفاعل النووي العراقي.
رابعاً: إيران تستعيد قدراتها ،وتشن الهجوم المعاكس .
خامساً:
استمرار الحرب، وإيران تستكمل تحرير أراضيها.
سادساً: تحول
ميزان القوى لصالح إيران، واحتلال الفاو ،وجزر مجنون .
سابعاً :
النظام العراقي يسعى للتسلح بأسلحة الدمار الشامل .
ثامناً : حرب
الناقلات ،وتأثيرها على إمدادات النفط .
تاسعاً :
معارك العام الأخير للحرب .
عاشراً : النظام الصدامي يهاجم مدينة حلبجة بالأسلحة
الكيماوية.
أحد عشر:
النظام العراقي يكثف حرب الصواريخ لتركيع إيران ونهاية الحرب.
اثنا عشر:
النظام الصدامي يهاجم الشعب الكردي[ حملة الأنفال]
أولاً:بداية الحرب وتوغل القوات العراقية في العمق
الإيراني:
في صباح
الثاني والعشرين من أيلول 1980 ،قامت على حين غرة 154 طائرة حربية عراقية بهجوم جوي كاسح على مطارات إيران وكافة المراكز
الحيوية فيها ثم أعقبتها 100 طائرة أخرى في ضربة ثانية لإكمال ضرب المطارات
والطائرات الحربية الإيرانية، وكانت الطائرات تغير موجة إثر موجة، وفي الوقت نفسه
زحفت الدبابات والمدرعات العراقية نحو الحدود الإيرانية على جبهتين:
1 ـ الجبهة الأولى في المنطقة الوسطى من الحدود باتجاه [قصر شيرين]، نظراً لقرب هذه المنطقة من
قلب العراق لإبعاد أي خطر محتمل لتقدم القوات الإيرانية نحو محافظة ديالى و بغداد،
وقد استطاعت القوات العراقية الغازية احتلال[ قصر شيرين]
2 ـ الجبهة الثانية في الجنوب نحو منطقة [ خوزستان ]
الغنية بالنفط وذات الأهمية الإستراتيجية
الكبرى حيث تطل على أعلى الخليج.
وفي خلال
بضعة أسابيع من الهجوم المتواصل استطاعت القوات العراقية التي كانت قد استعدت
للحرب من السيطرة على منطقة [خوزستان] بكاملها، واحتلت مدينة [ خرم شهر] وقامت
بالتفاف حول مدينة [عبدان] النفطية وطوقتها.
وعلى الجانب
الإيراني قامت الطائرات الإيرانية بالرد على الهجمات العراقية، وقصفت العاصمة
بغداد وعدد من المدن الأخرى، إلا أن تأثير القوة الجوية الإيرانية لم يكن على درجة
من الفعالية، وخصوصاً وأن النظام العراقي كان قد تهيأ للحرب قبل نشوبها، حيث تم
نصب المضادات أرض جو فوق أسطح العمارات في كل أنحاء العاصمة والمدن الأخرى، وتم
كذلك نصب العديد من بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات حول بغداد.
وهكذا فقد فقدت إيران أعدادا كبيرة من طائراتها خلال
هجومها المعاكس على العراق، كما أن القوة الجوية الإيرانية كانت قد فقدت الكثير من
كوادرها العسكرية المدربة بعد قيام الثورة، مما اضعف قدرات سلاحها الجوي، ولم يمضِ
وقت طويل حتى أصبح للسلاح الجوي العراقي السيطرة المطلقة في سماء البلدين. وفي
الوقت الذي كانت إيران محاصرة من قبل الغرب فيما يخص تجهيزها بالأسلحة، كانت
الأسلحة تنهال على العراق من كل جانب، كما أوعزت الولايات المتحدة إلى الرئيس
المصري أنور السادات ببيع جميع الأسلحة
المصرية من صنع سوفيتي إلى العراق، وتم فتح قناة الاتصال بين البلدين عن طريق
سلطنة عمان، حيث كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذُ أن ذهب السادات إلى
إسرائيل، وقام السادات بالدور الموكول له، وأخذت الأسلحة المصرية تُنقل إلى العراق
عن طريق الأردن والسعودية خلال عام 1981، كما بدأت خطوط الإنتاج في المصانع
الحربية المصرية تنتج وتصدر للعراق المعدات والذخيرة والمدافع عيار 122 ملم طيلة
سنوات الحرب.
لقد كانت تلك
العملية فرصة كبيرة للولايات المتحدة لإنعاش سوق السلاح الأمريكي، حيث سعت لأن
تتخلص مصر من السلاح السوفيتي وتستعيض عنه بالسلاح الأمريكي، فقد بلغ قيمة ما باعه
السادات من سلاح للعراق يتجاوز ألف مليون دولار خلال عام واحد، وكانت أسعار
الأسلحة المباعة تتجاوز أحياناً أسعارها الحقيقية، وكان صدام حسين مرغماً على
قبولها. (1)
أما الاتحاد
السوفيتي فقد بدأ بتوريد الأسلحة إلى العراق بعد توقف لفترة من الزمن وبدأت الأسلحة تنهال عليه عام 1981 حيث وصل إلى
العراق 400 دبابة طراز T55 و250 دبابة طرازT 72)) كما تم عقد صفقة أخرى تناولت طائرات [ميك ] [وسوخوي ]
و [ توبوليف ] بالإضافة إلى الصواريخ.كما عقد حكام العراق صفقة أخرى مع البرازيل
بمليارات الدولارات لشراء الدبابات والمدرعات وأسلحة أخرى، وجرى ذلك العقد بضمانة
سعودية، واستمرت العلاقات التسليحية مع البرازيل حتى نهاية الحرب عام 1988. وهكذا
استمر تفوق الجيش العراقي خلال العام 1981 حيث تمكن من احتلال مناطق واسعة من
القاطع الأوسط منها [سربيل زهاب] و[الشوش] و[قصر شيرين] وغيرها من المناطق الأخرى.
كما تقدمت
القوات العراقية في القاطع الجنوبي في العمق الإيراني عابرة نهر الطاهري، وكان ذلك
الاندفاع أكبر خطأ أرتكبه الجيش العراقي بأمر من صدام حسين !!!، حيث أصبح في وضع
يمكن القوات الإيرانية من الالتفاف حوله وتطويقه، رغم معارضة القادة العسكريين
لتلك الخطوة الانتحارية التي دفع الجيش العراقي لها ثمناً باهظاً من أرواح جنوده،
ومن الأسلحة والمعدات التي تركها الجيش بعد عملية التطويق الإيرانية، والهجوم
المعاكس الذي شنه الجيش الإيراني في تموز من عام 1982، والذي استطاع من خلاله
إلحاق هزيمة منكرة بالجيش العراقي، واستطاع تحرير أراضيه ومدنه في منطقة خوزستان،
وطرد القوات العراقية خارج الحدود.
ثانياً
: إيران تبحث عن السلاح
أحدث تقدم
الجيش العراقي في العمق الإيراني قلقاً كبيراً لدى القيادة الإيرانية التي بدأت
تعد العدة لتعبئة الجيش بكل ما تستطيع من الأسلحة والمعدات، وقامت عناصر من
الحكومة الإيرانية بالبحث عن مصادر للسلاح، حيث كان السلاح الإيراني كله أمريكياً،
وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت توريد الأسلحة إلى إيران منذُ الإطاحة بالشاه،
وقيام الحرس الثوري الإيراني باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز أعضائها
كرهائن،وتمكنت تلك العناصرعن طريق بعض الوسطاء من تجار الأسلحة من الاتصال
بإسرائيل عن طريق أثنين من مساعدي رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك وهما [أودولف
سكويمر]و[يلكوف نامرودي]، بالاشتراك مع تاجر الأسلحة السعودي [عدنان خاشقجي] الذي
قام بدور الوسيط؟(2)
وجدت إسرائيل
ضالتها في تقديم الأسلحة إلى إيران حيث كانت تعتبر العراق يشكل خطراً عليها، وإن
إضعافه وإنهاك جيشه في حربه مع إيران يحقق أهداف إسرائيل.
ولم يكن تصرفها هذا بمعزل عن مباركة الولايات
المتحدة ورضاها واستراتيجيتها، إن لم تكن هي المرتبة لتلك الصفقات بعد أن وجدت
الولايات المتحدة أن الوضع العسكري في جبهات القتال قد أصبح لصالح العراق، ورغبة
منها في إطالة أمد الحرب أطول مدة ممكنة فقد أصبح من الضروري إمداد إيران بالسلاح
لمقاومة التوغل العراقي في عمق الأراضي الإيرانية، وخلق نوع من توازن القوى بين
الطرفين.
وفي آذار من
عام 1981 أسقطت قوات الدفاع الجوي السوفيتية طائرة نقل دخلت المجال الجوي السوفيتي
قرب الحدود التركية، وتبين بعد سقوطها أنها كانت تحمل أسلحة ومعدات إسرائيلية إلى
إيران. وعلى الأثر تم عزل وزير الدفاع الإيراني [عمر فاخوري] بعد أن شاع خبر
الأسلحة الإسرائيلية في أرجاء العالم.
إلا أن ذلك
الإجراء لم يكن سوى تغطية للفضيحة ، وظهر أن وراء تلك الحرب مصالح دولية كبرى تريد إدامة الحرب وإذكاء لهيبها، وبالفعل تكشفت
بعد ذلك في عام 1986 فضيحة أخرى هي ما سمي [إيران ـ كونترا]على عهد الرئيس
الأمريكي [ رونالد ريكان] الذي أضطر إلى تشكيل لجنة تحقيقية برئاسة السناتور [جون تاور ] وعضوية السناتور [ ادموند موسكي ]
ومستشار للأمن القومي [برنت سكوكروفت] وذلك في 26 شباط 19987، وقد تبين من ذلك
التحقيق أن مجلس الأمن القومي الأمريكي كان قد عقد اجتماعاً عام 1983 برئاسة ريكان
نفسه لبحث السياسة الأمريكية تجاه إيران، وموضوع الحرب العراقية الإيرانية، وقد
وجد مجلس الأمن القومي الأمريكي أن استمرار لهيب الحرب يتطلب تزويد إيران بالسلاح
وقطع الغيار والمعدات من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبشكل خاص إسرائيل التي
كانت لها مصالح واسعة مع حكومة الشاه لسنوات طويلة، وأن تقديم السلاح لإيران يحقق
هدفين للسياسة الإسرائيلية الإستراتيجية ، الهدف الأول يتمثل في استنزاف القدرات
العسكرية العراقية التي تعتبرها إسرائيل خطر عليها، والهدف الثاني هو تنشيط سوق
السلاح الإسرائيلي. لقد قام الكولونيل [ أولفر نورث ] مساعد مستشار الأمن القومي
للرئيس الأمريكي بترتيب التعاون العسكري الإسرائيلي الإيراني من وراء ظهر
الكونجرس الذي كان قد أصدر قراراً يمنع
بيع الأسلحة إلى إيران، وجرى ترتيب ذلك عن طريق شراء الأسلحة إلى ثوار الكونترا في
نيكاراغوا حيث كان هناك قرارا بتزويد ثورة الردة في تلك البلاد، وجرى شراء الأسلحة
من إسرائيل، وسجلت أثمانها بأعلى من الثمن الحقيقي لكي يذهب فرق السعر ثمناً
للأسلحة المرسلة إلى إيران بالإضافة إلى ما تدفعه إيران من أموال لهذا الغرض. (3)
وقد أشار
تقرير اللجنة الرئاسية كذلك، إلى أن اجتماعاً كان قد جرى عقده بين الرئيس[ريكان]
ومستشاره للأمن القومي [مكفرن] عندما كان ريكان راقداً في المستشفى لإجراء عملية
جراحية لإزالة ورم سرطاني في أمعائه، وقد
طلب مستشاره الموافقة على فتح خط اتصال مع إيران حيث أجابه الرئيس ريكان على
الفور: [أذهب وافتحه]
وبدأ الاتصال
المباشر مع إيران حيث سافر [أولفر نورث] بنفسه إلى إيران في زيارة سرية لم يعلن
عنها، وبدأت الأسلحة الأمريكية تنهال على إيران، لا حباً بإيران ونظامها الإسلامي
وإنما لجعل تلك الحرب المجرمة تستمر أطول مدة ممكنة. (4)
ولم يقتصر
تدفق الأسلحة لإيران، على إسرائيل والولايات المتحدة فقط، وإنما تعدتها إلى جهات
أخرى عديدة، ولعب تجار الأسلحة الدوليون دوراً كبيراً في هذا الاتجاه.
ثالثاً : إسرائيل تضرب المفاعل النووي العراقي
انتهزت إسرائيل فرصة قيام الحرب العراقية الإيرانية
لتقوم بضرب المفاعل الذري العراقي عام 1981، فقد كانت إسرائيل تراقب عن كثب سعي
النظام الصدامي لبناء برنامجه النووي حيث قامت فرنسا بتزويد العراق بمفاعل ذري تم
إنشاءه في الزعفرانية إحدى ضواحي بغداد، وكانت إسرائيل عبر جواسيسها تتتبّع التقدم
العراقي في هذا المجال باستمرار.وعندما قامت الحرب العراقية الإيرانية وجدت
إسرائيل الفرصة الذهبية لمهاجمة المفاعل، مستغلة قيام الطائرات الإيرانية شن
غاراتها الجوية على بغداد، وانغمار العراق في تلك الحرب مما يجعل من العسير عليه
فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل آنذاك.
وهكذا هاجم
سرب من الطائرات الإسرائيلية يتألف من 18 طائرة المفاعل النووي العراقي في كانون
الثاني 1981، وضربه بالقنابل الضخمة، وقيل حينذاك أن عدد من الخبراء الفرنسيين
العاملين في المفاعل قد قدموا معلومات واسعة ودقيقة عن المفاعل مما سهل
للإسرائيليين إحكام ضربتهم له، وهكذا تم تدمير المفاعل، إلا أن العراق استطاع
إنقاذ ما مقداره [12,3 كغم] من اليورانيوم المخصب بنسبة 93% وهي كمية كافية لصنع قنبلة نووية. (5)
لم يستطع
حكام العراق القيام بأي رد فعل تجاه الضربة الإسرائيلية بعد أن غرقوا في خضم تلك
الحرب المجنونة ، واكتفوا بالتوعد بالانتقام من إسرائيل، ولم يدر في خلدهم أن تلك
الحرب سوف تطول لمدة ثمان سنوات، ويُغرق صدام حسين شعبه بالدماء، ويعم بلاده
الخراب والدمار، وينهار اقتصاد العراق.
رابعاً:إيران
تستعيد قدراتها وتشن الهجوم المعاكس
في أواسط عام
1982، استطاع النظام الإيراني احتواء هجوم الجيش العراقي، وتوغله في عمق الأراضي
الإيرانية، وإعداد العدة للقيام بالهجوم المعاكس لطرد القوات العراقية من أراضيه
بعد أن تدفقت الأسلحة على إيران، وقامت الحكومة الإيرانية بتعبئة الشعب الإيراني،
ودفعه للمساهمة في الحرب.
لقد بدأت
أعداد كبيرة من الإيرانيين بالتطوع في قوات الحرس الثوري مدفوعين بدعاوى دينية
استشهادية، وتدفق الآلاف المؤلفة منهم إلى جبهات القتال، وقد عصبوا رؤوسهم
بالعصابة الخضراء، ولبس قسم منهم الأكفان وهم يتقدمون الصفوف.
وفي تلك
الأيام من أواسط عام 1982، شنت القوات الإيرانية هجوماً واسعاً على القوات العراقية
التي عبرت نهر الطاهري متوغلة في العمق الإيراني، واستطاع الجيش الإيراني مدعوما
بالحرس الثوري من تطويق القوات العراقية، وخاض ضدها معارك شرسة ذهب ضحيتها الآلاف
من خيرة أبناء الشعب العراقي الذين ساقهم الدكتاتور صدام حسين إلى ساحات القتال،
وانتهت تلك المعارك باستسلام بقية القوات العراقية بكامل أسلحتها للقوات الإيرانية.
واستمر اندفاع القوات الإيرانية عبر نهر الطاهري،
وأخذت تطارد بقايا القوات العراقية التي كانت قد احتلت مدينة [خرم شهر] وطوقت مدينة عبدان النفطية المشهورة، واشتدت
المعارك بين الطرفين، واستطاعت القوات الإيرانية في النهاية من طرد القوات
العراقية من منطقة [خوزستان] في تموز من
عام 1982، بعد أن فقد الجيش العراقي أعداداً كبيرة من جنوده، وتم أسر أكثر من
عشرين ألف ضابط وجندي من القوات العراقية، وغرق أعداد كبيرة أخرى في مياه شط العرب
عند محاولتهم الهرب من جحيم المعارك سباحة لعبور شط العرب، وكانت جثثهم تطفوا فوق
مياه الشط.
أحدث الهجوم
الإيراني هزة كبرى للنظام العراقي وآماله، وأحلامه في السيطرة على منطقة خوزستان
الغنية بالبترول، وكان حكام العراق قد ساوموا حكام إيران عليها بموجب شروط المنتصر
في الحرب، إلا أن حكام إيران رفضوا شروط العراق وأصروا على مواصلة الحرب وطرد
القوات العراقية بالقوة من أراضيهم .
وبعد ذلك
الهجوم الذي أنتهي بهزيمة العراق في منطقة خوزستان حاول النظام العراقي التوصل مع
حكام إيران إلى وقف الحرب، وإجراء مفاوضات بين الطرفين بعد أن وجد نفسه في ورطة لا
يدري كيف يخرج منها مستغلاً قيام القوات الإسرائيلية في صيف ذلك العام 1982 باجتياح لبنان واحتلالها للعاصمة بيروت
وفرضها زعيم القوات الكتائبية [ بشير الجميل] رئيساً للبلاد تحت تهديد الدبابات
التي أحاطت بالبرلمان اللبناني لكي يتسنى للعراق تقديم الدعم للشعب اللبناني حسب
ادعائه مبدياً استعداده للانسحاب من جميع الأراضي الإيرانية المحتلة، إلا أن حكام
إيران وعلى رأسهم [الإمام الخميني] رفضوا العرض العراقي وأصروا على مواصلة الحرب،
وطلبوا من حكام العراق السماح للقوات الإيرانية المرور عبر الأراضي العراقية للتوجه
إلى لبنان، لتقديم الدعم للشعب اللبناني، وقد رفض صدام حسين الطلب الإيراني
كذلك. وحاول حكام العراق بكل الوسائل
والسبل وقف الحرب، ووسطوا العديد من الدول والمنظمات كمنظمة الأمم المتحدة،
والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، فقد
كان الإمبرياليون يسعون بكل الوسائل والسبل إلى استمرار الحرب وإفشال أي محاولة
للتوسط في النزاع، فقد قتل وزير خارجية الجزائر عندما كان في طريقه إلى إيران، في
محاولة للتوسط بين الطرفين المتحاربين، حيث أُسقطت طائرته، ولف الحادث الصمت
المطبق، وبقي سراً من الأسرار. كما اغتيل رئيس وزراء السويد [ أولف بالمه ] الذي
بذل جهوداً كبيرة من أحل وقف القتال، في أحد شوارع العاصمة السويدية، وبقي مقتله
سراً من الأسرار كذلك، وقيل أن توسطه بين
الأطراف المتحاربة لوقف القتال كان أحد أهم أسباب اغتياله، هذا بالإضافة إلى موقفه
النبيل من قضايا التسلح النووي، والحرب الفيتنامية التي عارضها بشدة. لقد كان
إصرار حكام إيران على استمرار الحرب من أعظم الأخطاء التي وقعوا فيها، بل أستطيع
تسميتها بالجريمة الكبرى التي لا يمكن تبريرها،
وتبرير موقفهم ذاك بأي حال من الأحوال، فقد أدى استمرار الحرب حتى الأشهر
الأخيرة من عام 1988 إلى إزهاق أرواح مئات الألوف من أبناء الشعبين العراقي
والإيراني وبُددت ثروات البلدين، وانهار اقتصادهما، وتراكمت عليهما الديون، وأُجبر
حكام إيران على شراء الأسلحة من عدويهما إسرائيل وأمريكا، كما كانت شعاراتهم تقول ولا
أحد يعتقد أن الإمام الخميني وحكام إيران لم يكونوا عارفين أن تلك الحرب كانت حرب
أمريكية تولى تنفيذها صدام حسين، وتصب في خانة الولايات المتحدة وإسرائيل
الإستراتيجية في المنطقة، وكان خير دليل على ذلك قيام الولايات المتحدة وحلفائها
بتزويد الطرفين بالأسلحة، والمعدات وقطع الغيار، والمعلومات التي كانت تنقلها
الأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية لكلا الطرفين من أجل إطالة أمد الحرب، وعليه
كان الإصرار على استمرار الحرب جريمة كبرى بحق الشعبين والبلدين الجارين بصرف
النظر عن طبيعة النظام العراقي وقيادته الفاشية
والمتمثلة بصدام حسين وزمرته، والتي كانت تدفع أبناء الشعب العراقي إلى
ساحات الموت دفعاً، وحيث كانت فرق الإعدام تلاحق الهاربين من الحرب،أو المتراجعين
أمام ضغط القوات الإيرانية في ساحات القتال.
لقد كان أحرى
بالنظام الإيراني وبالإمام الخميني نفسه إيقاف القتال وحقن الدماء، والعمل بقوله
تعالى : [ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ] وقوله تعالى في آية أخرى :
[ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو
مبين] ،كما جاء في آية ثالثة قوله تعالى : [ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا
بينهم ]( صدق الله العظيم) تلك هي آيات من القرآن الكريم التي تحث على السلام وحل المشاكل بالحسنى والعدل، وربما يحاجج
النظام الإيراني بأن صدام حسين لا يمكن أن يعتبر مؤمناً، وبالتالي لا يمكن أن
تنطبق عليه هذه الآيات الكريمة هذه، وهنا أعود فأقول أن الذين كانوا يقاتلون في
تلك الحرب ليسو صدام حسين وزمرته وإنما الناس الأبرياء من أبناء الشعب والذين
ساقهم صدام للحرب عنوة، فهل يُعتبر الشعب العراقي كله في نظر حكام إيران غير
مؤمنين؟
ومن جهة أخرى
كان النظام الإيراني قد أدرك أن الإمبرياليين يساعدون الطرفين، ويمدونهم بالسلاح
والمعلومات العسكرية، أفلا يكون هذا خير دليل على أن تلك الحرب هي حرب أمريكية
استهدفت البلدين والشعبين والجيشين من أجل حماية مصالح الإمبرياليين في الخليج،
وضمان تدفق النفط إليهم دون تهديد أو مخاطر، وبالسعر الذي يحددونه هم ؟
ثم ألا يعني استمرار تلك الحرب خدمة كبرى
للإمبرياليين، وكارثة مفجعة لشعبي البلدين وللعلاقات التاريخية وحسن الجوار بينهما
؟
لقد أعترف صدام حسين عام 1990 بعد إقدامه على غزو
الكويت في رسالة إلى الرئيس الإيراني [هاشمي رفسنجاني ] أن تلك الحرب كان وراءها
قوى أجنبية، حيث ورد في نص الرسالة ما يلي:
[إن هناك قوى
كانت لها يد في الفتنة]. (6)
ولكن صدام
حسين لم يقل الحقيقة كاملة، وبشكل دقيق، لأن الحقيقة تقول أن صدام حسين أشعل الحرب
بأمر أو تحريض أمريكي، وظن صدام أن بإمكانه تحقيق طموحاته في التوسع والسيطرة ولعب
دور شرطي الخليج بعد أن كانت إيران على عهد الشاه تقوم بهذا الدور، ويصبح للعراق
منفذاً على الخليج.
لقد أراد
صدام حسين أن يزاوج مصالح الإمبريالية بأطماعه التوسعية، ولكن حسابات البيدر كانت
غير حسابات الحقل، كما يقول المثل، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء أبنائه، وبدد
صدام حسين ثروات البلاد، واغرق العراق بالديون، ودمر اقتصاده، ودمر البنية
الاجتماعية للشعب العراقي، وكان المستفيد من تلك الحرب الولايات المتحدة وإسرائيل
وحلفائهم، وليذهب إلى الجحيم شعبا البلدين المظلومين من قبل حكامهما، ومن قبل
الإمبرياليين الذين هم أساس البلاء.
ربما فكر
الإمام الخميني بأن استمرار الحرب يمكن أن يحقق له أهدافاً في العراق، كقيام ثورة [شيعية] تسقط النظام الصدامي، لكن
هذا الحلم كان غير ممكن التحقيق لسبب بسيط وهو أن الإمبريالية لا يمكن أن تسمح
بقيام نظام ثانٍ في العراق على غرار النظام الإيراني، ولا حتى تسمح بأن يسيطر صدام
حسين على إيران ليشكل ذلك أكبر خطر على مصالحهم في المنطقة، وتسمح لأحد المنتصرين
الجلوس على نصف نفط الخليج.
وهذا ما أكده
إعلان الرئيس الأمريكي [ جيمي كارتر] في
خطابه أمام الكونجرس الأمريكي في 23 كانون الثاني من عام 1980 والذي دُعي بمبدأ كارتر،
و جاء فيه ما يلي :
{ إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر
في منطقة الخليج سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة الأمريكية كهجوم على المصالح
الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل، بما فيها القوة العسكرية}. (7)
هذه هي حقائق
الوضع في منطقة الخليج، والتي جهلها أو تجاهلها حكام البلدين، ليغرقوا بلديهما
وشعبيهما في ويلات أطول حرب في القرن العشرين.
خامساً:استمرار
الحرب وإيران تستكمل تحرير أراضيها
اشتدت الحرب
ضراوة ما بين الأعوام 1983 ـ 1986 ،حيث
أخذت إيران زمام المبادرة من العراقيين واستطاعت بعد إكمال تحرير إقليم خوزستان أن
تركز جهدها الحربي نحو القاطع الأوسط من ساحة الحرب حيث شنت هجوماً واسعا على
القوات العراقية مسددة له ضربات متواصلة، استطاعت من خلالها تحرير مدن[ قصر شيرين]
و [ سربيل زهاب ] و [الشوش]، وتمكنت من طرد القوات العراقية من كافة الأراضي
الإيرانية، ومنزلة بها خسائر جسيمة بالأرواح والمعدات، وتم أسر الآلاف من جنوده
وضباطه، والاستيلاء على معدات وأسلحة ودبابات بأعداد كبيرة، هذا بالإضافة إلى آلاف
القتلى الذين تركوا في ساحات المعارك، ولم يكن بالإمكان نقلهم جميعاً إلى داخل
الحدود العراقية، ومع ذلك فقد كانت سيارات النقل كل يوم تنقل أعداد كبيرة من ضحايا
تلك الحرب المجرمة، وكان الشعب العراقي يتحرق ألماً وغضباً على النظام الصدامي
الذي ورط العراق بتلك الحرب، وقمع أي معارضة لها بأقسى وسائل العنف، فقد كان مصير
كل من ينتقد الحرب الموت الزؤام، ومن الأمثلة على جرائم صدام حسين، أنه عقد في تلك
الأيام اجتماعاً مشتركاً لمجلس الوزراء والقيادة القطرية لبحث مسألة الحرب ووسائل
وقفها، وكان حكام إيران آنذاك يصرون على عدم التفاوض مع صدام حسين ووقف الحرب،
وأراد صدام أن يقف على آراء الوزراء الحاضرين في الاجتماع حيث سألهم قائلا :
[ ما هو
رأيكم في أن أتخلى عن السلطة لكي نوقف الحرب؟]
وكان جواب وزير الصحة [ رياض إبراهيم ] والذي جاء
بشكل عفوي قائلاً: [ سيادة الرئيس إذا كان باستقالتكم يمكن أن يتوقف نزيف الحرب،
فلا بأس في ذلك]
فما كان من صدام حسين إلا أن سحب مسدسه وأطلق على
رأسه الرصاص وأرداه قتيلاً في الحال، وهذا هو مصير كل من يعارض أو حتى يقترح ما لا
يوافق عليه صدام.
لقد حاول
صدام امتصاص غضب الشعب واستياءه من الحرب وكثرة الضحايا برشوة ذويهم، وذلك بتقديم
سيارة ومبلغ من المال، أو قطعة أرض أو
شقة أو دار، وكان حكام دول الخليج، وفي
المقدمة منهم حكام السعودية، يدفعون الأموال الطائلة لتمكن صدام حسين من دفع تلك
الرشاوى، ولشراء الأسلحة والمعدات للجيش العراقي، بعد أن أستنفذ دكتاتور العراق
كامل احتياطيات البلاد من العملات النادرة البالغة 36 ملياراً من الدولارات
والذهب، واستنفذ كل موارد العراق النفطية
والبالغة 25 مليار دولار سنوياً ،هذا بالإضافة إلى إغراق العراق بالديون،
والتي جاوزت حدود أل 60 مليار دولار.
لقد كان من
الممكن أن يكون العراق اليوم في مصاف الدول المتقدمة في تطوره، ومستوى معيشة شعبه
نظراً لما يتمتع به العراق من ثروات نفطية ومعدنية وأراضي زراعية خصبة، ومياه
وفيرة، ولكن الدكتاتور آثر أن يسوق الشعب العراقي نحو الجوع والفقر، والوطن نحو
الدمار والخراب.
سادساً:الجيش
الإيراني يحتل شبه جزيرة الفاو، وجزر مجنون
اشتدت
المعارك بين الجيشين العراقي والإيراني، وبدت إيران في وضع يمكنها من شن
الهجمات البشرية المتتالية تارة على
القاطع الجنوبي نحو البصرة، وتارة أخرى نحو القاطع الأوسط ، حول مدن مندلي وبدرة
وجصان، وتارة ثالثة نحو القاطع الشمالي المحاذي لكردستان، وكان الوضع في كردستان
في غير صالح النظام بالنظر إلى الجرائم التي أقترفها بحق الشعب الكردي، مما دفع
الأكراد إلى الوقوف إلى جانب إيران رغبة في إسقاط النظام، واستطاعت القوات
الإيرانية من احتلال أجزاء من المناطق في كردستان.
أما هجماته
في القاطعين الأوسط والجنوبي فقد كان حكام العراق قد حشدوا قوات كبيرة مجهزة بشتى
أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية الفتاكة التي أستخدمها صدام حسين لدحر
الهجمات الإيرانية موقعاً خسائر جسيمة في صفوف القوات الإيرانية والعراقية، حيث
سقط عشرات الألوف من جنود وضباط الطرفين في تلك المعارك الشرسة والتي تقشعر من
هولها الأبدان، ولم يفلح الإيرانيون في الاحتفاظ بأي تقدم داخل الأراضي العراقية
حتى نهاية عام 1985 .
لكن الوضع
أصبح خطيراً بالنسبة للعراق عام 1986،عندما استطاعت القوات الإيرانية الاندفاع نحو
شبه جزيرة الفاو واحتلالها بأكملها بعد معارك دموية شرسة، ودفع فيها الشعب العراقي
ما يزيد على 50 ألف من أرواح أبنائه في محاولة من صدام حسين لاستعادتها من
أيدي الإيرانيين، وكان الإيرانيون
يستهدفون من احتلالها قطع الاتصال بين العراق ودول الخليج التي كان العراق يحصل
على الأسلحة والمعدات عن طريقها، إضافة إلى محاولة إيران منع العراق من تصدير نفطه
عن طريق الخليج، وحرمانه من موارده النفطية اللازمة لإدامة ماكينته الحربية، وقد
أضطر العراق إلى مد أنبوبين لنقل النفط إلى الأسواق الخارجية الأول عبر الأراضي
التركية، والثاني عبر الأراضي السعودية بعد أن أصبح نفطه مطوقاً، وسيطرت البحرية
الإيرانية على مداخل الخليج.
أستمر الإيرانيون في تكثيف هجماتهم على القوات
العراقية بعد احتلالهم شبه جزيرة الفاو ،وركزوا على منطقة [ جزر مجنون ] الغنية
جداً بالنفط ،واستطاعوا احتلالها بعد معارك عنيفة.
سابعاً:النظام
العراقي يسعى للتسلح بأسلحة الدمار الشامل
كاد النظام
الصدامي يفقد صوابه بعد أن تطورت الأوضاع على جبهات القتال لغير صالح العراق، وبدأ
يعبئ كل موارد البلاد لخدمة المجهود الحربي، كما أخذ يطلب المساعدة من دول الخليج،
ومن السعودية بشكل خاص، وشعر حكام الخليج أن الخطر قد بدأ يتقدم نحو المنطقة،
فسارعوا إلى تقديم كل أنواع الدعم والمساعدة المالية، وحصل العراق في تلك الفترة
على 12 مليار دولار، وكان عدد من الدول العربية كمصر والسعودية والكويت تقوم بشراء
الأسلحة لحساب العراق.
غير أن حكام
العراق وجدوا أخيراً أن السعي لإنشاء مصانع الأسلحة ذات الدمار الشامل يمكن أن
تكون أداة فعالة لدفع الخطر عن البلاد، وتم إنشاء هيئة التصنيع العسكري، وبدأ
العراق بإنتاج الأسلحة الكيماوية، مستفيدين من خبرة العلماء المصريين، وبعض
العلماء الأجانب الذين سبق وعملوا في برامج الأسلحة الكيماوية في عهد عبد الناصر،
وأوقفها السادات من بعده، ثم بدأ العراق في إنتاج وتطوير الصواريخ من طراز [سكود]
، وطوروا مداها لكي تصل إلى أبعد المدن الإيرانية، وكان الإيرانيون قد حصلوا على
عدد من تلك الصواريخ، وضربوا بها العاصمة بغداد وبعض المدن الأخرى، حيث كانت تلك
الصواريخ تطلق نحو العراق كل بضعة أيام أو أسابيع لتصيب الأهداف المدنية، وتفتك
بالأبرياء، فقد أصاب أحد تلك الصواريخ مدرسة ابتدائية في بغداد، وقتل العديد من
الأطفال وجرح أعداد أخرى، وكان الشعب العراقي ينتابه القلق الشديد كل يوم، من هذا
السلاح الخطير، حيث لا أحد يعلم متى وأين سيقع الصاروخ، وكم سيقتل من الآمنين.
وتمكن العراق
من الحصول على أعداد كبيرة من تلك الصواريخ، وبدأ في تطويرها، وزيادة مداها ،وبدأ
حكام العراق يطلقونها على العاصمة
الإيرانية والمدن الأخرى بكثافة حتى جاوز عدد الصواريخ التي أطلقوها على
المدن الإيرانية أكثر من [1000 صاروخ ]،منزلين الخراب والدمار بها، والخسائر
الفادحة في صفوف المدنيين، وأخذت الحرب تزداد خطورة وأذى للسكان المدنيين.
كما تمكن
العراق من إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية، واستخدمها في صد هجمات القوات
الإيرانية منزلاً بها الخسائر الجسيمة في الأرواح، كما راح حكام العراق يعبئون
صواريخ سكود بالغازات السامة كغاز[الخردل] و[السارين] السامين، ثم بدءوا يتطلعون
إلى تطوير ترسانتهم الحربية في مجال الأسلحة البيولوجية والجرثومية، وتمكنوا من إ
نتاجها وتعبئة القنابل بها.
أحدث برنامج
التسلح العراقي هذا قلقاً كبيراً لدى إسرائيل التي كانت تتابع باهتمام بالغ تطوير
برامج التسلح العراقي، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلية [الموساد] بحملة ضد
العلماء الذين ساهموا في تطوير البرامج، وضد الشركات الغربية التي جهزت العراق
بالأجهزة، والمعدات اللازمة لتطويرها وخاصة الشركات الألمانية والفرنسية
والأمريكية والبلجيكية والسويسرية التي جاوز عددها 300 شركة.
كما قام
الموساد باغتيال العالم المصري والأمريكي الجنسية [ يحيى المشد] الذي عمل في تطوير
الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل، كما أغتال العالم البلجيكي الدكتور [ جيرالد بول ] في بروكسل، حيث كان هذا
العالم يعمل لإنتاج المدفع العملاق للعراق، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي أيضاً
بنسف توربينات المفاعل النووي [ أوزيراك ] في ميناء [ مرسيليا ] الفرنسي حيث كان
معداً لنقله إلى العراق.
غير أن
العراق واصل نشاطه في بناء مفاعل جديد بإشراف العالم النووي العراقي [جعفر ضياء
جعفر] الذي استطاع أن يحقق نجاحاً بارزاً في هذا المجال، وكان كل ذلك يجري تحت سمع
وبصر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين ومساعدتهم من أجل إبقاء نار
الحرب مشتعلة بين العراق وإيران.
ثامناً:
حرب الناقلات وتأثيرها على إمدادات النفط
عمل الطرفان
المتحاربان على منع كل طرف للطرف الآخر من تصدير نفطه، بالنظر إلى اعتماد كلا
البلدين على واردات النفط لتمويل الحرب، ولكون اقتصاد البلدين يعتمد اعتماداً
كلياً على تلك الواردات، ولذلك وجدنا قوات البلدين تقوم بقصف المنشآت النفطية لكل
منهما، واستمر القصف طيلة الحرب.
كما قامت
القوات الإيرانية بلغم رأس الخليج لمنع الناقلات من الوصول إلى ميناء البكر
النفطي، مما اضطر العراق كما أسلفنا إلى مد أنابيب لنقل النفط عبر الأراضي التركية
والسعودية، فيما كانت سوريا قد أوقفت مرور النفط العراقي في الخط المار عبر
أراضيها إلى ميناء بانياس، وميناء طرابلس اللبناني منذُ نشوب الحرب. كما قامت
الكويت ببيع النفط لحساب العراق ونقله على ناقلاتها، مما دفع إيران إلى مهاجمة
الناقلات الخليجية، حيث أصيب أكثر من 160 ناقلة منها 48 ناقلة كويتية، واضطرت
الكويت إلى شراء الحماية لناقلاتها من الولايات المتحدة، وقامت برفع العلم الأمريكي
عليها لمنع إيران من مهاجمتها، كما قامت حكومة الكويت بتأجير 11 ناقلة سوفيتية
لضمان عدم الاعتداء عليها، وحاولت شراء الحماية من الصين كذلك، لكن الولايات
المتحدة عارضت ذلك خوفاً على مصالحها من التغلغل الصيني في الخليج. (8)
أما حكام
العراق فقد سعوا أيضاً إلى منع إيران من تصدير نفطها، وقامت طائرات من طراز[سوخوي
23] وطائرات من طراز [ميراج] الفرنسية التي استأجرها العراق، والمحملة بصواريخ
[أكزوزسيت] والتي استطاع بواسطتها من الوصول إلى ابعد نقطة في الخليج لملاحقة
الناقلات التي تنقل النفط الإيراني، وتدمير المرافئ التي تستخدمها إيران لتصدير
النفط .
وهكذا اشتعلت
حرب الناقلات بين البلدين المتحاربين، أصبحت عملية نقل النفط خطيرة وصعبة، ورفعت
شركات التأمين رسومها على الناقلات إلى مستوى عالٍ جداً، مما سبب في رفع أسعار
النفط في الأسواق العالمية.
وفي تلك الأيام قامت طائرة عراقية بضرب طراد أمريكي
في 18 أيار 987 ، حيث اعتقد الطيار أنه طراد إيراني، وأدى قصفه إلى مقتل 28 فرداً
من القوات الأمريكية، واعترفت الحكومة العراقية بقصف الطراد، وقدمت اعتذاراً
للحكومة الأمريكية، وتم دفع تعويضات لأسر العسكريين القتلى بمقدار 800 ألف دولار
لكل قتيل، ولم يصدر أي رد فعل أمريكي ضد العراق، فقد كانت العلاقات بينهما على خير
ما يرام. (9)
استمرت حرب
الناقلات، بل وتصاعدت في السنوات الأخيرة من الحرب حيث أصبحت تمثل خطراً حقيقياً
على تدفق النفط الذي من أجله أٌشعلت نيران الحرب، وأصبح الخليج مملوءاً بالألغام،
وأصبح استمرار الحرب يعطي نتائج عكسية، مما دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى
التحرك لإنهائها بعد تلك السنين الطويلة من الدماء والدموع والخراب والدمار الذي
عم البلدين، لتمتلئ جيوب الإمبرياليين، وكان إنهاءها يتطلب دعماً كبيراً للعراق
لأخذ المبادرة وقلب موازين القوى لصالح العراق، وطرد القوات الإيرانية من الأراضي
العراقية، وتوجيه الضربات الموجعة لإيران لتركيعها وإجبارها على القبول بوقف الحرب.
وجاء ذلك
الدعم بمختلف السبل، من تقديم المعلومات العسكرية
إلى تقديم شتى أنواع الأسلحة، وتقديم الخبرات، ومشاركة ضباط مصريين كبار،
بالإضافة إلى القوات المصرية والأردنية واليمانية، وغيرها من السبل والوسائل، وبدأ
العراق يعد العدة لشن الهجوم تلو الهجوم لطرد القوات الإيرانية من أراضيه.
تاسعاً:معارك العام الأخير للحرب
1ـ معركة تحرير الفاو:
في عام 1988،
العام الأخير للحرب تحول ميزان القوى مرة أخرى لصالح العراق وبدأ النظام العراقي يعد العدة لتحرير أراضيه
من الاحتلال الإيراني، وكان في مقدمة أهدافه تحرير الفاو التي مضى على احتلالها 21
شهراً.
حشد النظام
العراقي قوات كبيرة من الحرس الجمهوري، ومعدات لا حصر لها كان من بينها 2000 مدفع،
ومئات الدبابات والمدرعات، وبدأ الهجوم يوم 17 نيسان 988، واستطاعت القوات
العراقية تحقيق انتصار ساحق على القوات الإيرانية بعد أن حولت المنطقة إلى كتلة من
لهيب ودفع العراق حياة خمسين ألفاً من أبنائه ثمناً لتحرير الفاو.
2 ـ تحرير المناطق المحيطة بمدينة
البصرة
كان الهدف الثاني للنظام العراقي هو تحرير المناطق
المحيطة بمدينة البصرة وإبعاد القوات الإيرانية عن المدينة التي كانت طيلة الحرب
هدفاً لقصف المدفعية الإيرانية، والهجمات المتتالية عليها بغية احتلالها، ولذلك
فقد ركز النظام العراقي جهد قواته إلى تلك المنطقة، وخاض مع القوات الإيرانية
معارك شرسة دامت ثلاثة أسابيع، وتمكنت القوات العراقية بعدها من تحرير كافة
المناطق المحيطة بالبصرة بعد أن قدم التضحيات الجسام.
3 ـ تحرير منطقة جزر مجنون
بعد أن فرغت
القوات العراقية من تحرير الفاو كان أمامها الهدف الثالث الذي لا يقل أهمية عن
الهدفين الأولين [جزر مجنون] التي تعتبر من أغنى المناطق التي تحتوي على احتياطيات
نفطية هائلة، وقد تمكنت القوات العراقية بعد معارك عنيفة من تحريرها من أيدي
الإيرانيين، وإلحاق الهزيمة بالجيش الإيراني بعد أن دفع الجيش العراقي ثمنا باهظا
من أرواح جنوده.
4 ـ تحرير المناطق الحدودية الممتدة من البصرة إلى مندلي
بعد معارك
تحرير جزر مجنون انتقلت القوات العراقية إلى ملاحقة القوات الإيرانية التي كانت قد
احتلت فيما مضى مناطق على طول الحدود الممتدة بين البصرة في الجنوب، ومندلي في
القاطع الأوسط ، واستمرت في توجيه الضربات للقوات الإيرانية، مستخدمة مختلف
الأسلحة التقليدية، وأسلحة الدمار الشامل، حتى
أخذت معنويات القوات الإيرانية بالتراجع يوماً بعد يوم، واستطاعت القوات
العراقية طردها من تلك المناطق، ودفعها إلى داخل الحدود الإيرانية.
5ـ اختراق الحدود الإيرانية من جديد
لم تكتفِ
القوات العراقية من إزاحة القوات الإيرانية من الأراضي العراقية وإنما طورت
هجماتها، وأخذت تلاحق القوات الإيرانية إلى داخل الحدود.
فقد استمر تقدم القوات العراقية في العمق الإيراني من
جديد حتى وصل إلى مسافة 60 كم في بضع المناطق، مما جعل القوات الإيرانية في موقف
صعب للغاية، وتنفس النظام العراقي الصعداء، واستمر في ضغطه على القوات الإيرانية،
حيث استهدف صدام حسين من ذلك إجبار القيادة الإيرانية على القبول بوقف الحرب التي عجزت كل الوساطات
التي قامت بها العديد من الدول والشخصيات العالمية المعروفة بإقناع حكام إيران
بوقفها.
عاشراً:النظام
العراقي يهاجم مدينة حلبجة الأسلحة الكيماوية
في ليلة 13
آذار 1988، بادرت القوات الإيرانية بالهجوم على مدينة حلبجة الواقعة في القسم
الشمالي الشرقي من كردستان، في سهل شهر زور، بمساعدة قوات البيشمركة العائدة للحزب
الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان النظام الإيراني يرمي
من هجومه على المدينة التعويض عن هزائمه أمام القوات العراقية في القاطعين الجنوبي
والأوسط، ولرفع معنويات جنوده المنهارة بعد تلك الهزائم.
بدأت القوات المهاجمة بقصف المدينة بالمدفعية لمدة ثلاثة أيام،ثم أعقبتها بالهجوم البري الذي دام يومين حيث استطاع الإيرانيون من احتلال المدينة في 15 آذار، وتقهقرت القوات العراقية التي كانت متواجدة هناك تاركة أسلحتها ومعداتها في ارض المعركة، وبدأ الإيرانيون يتحدثون عِبر وسائل إعلامهم عن انتصارات حققوها في منطقة حلبجة، وبدأ المصورون يصورون القوات الإيرانية وهي تحتل المدينة