الفصل السادس

 

البعث العراقي وحرب 6 تشرين

العربية الإسرائيلية

 

 

أولاً :  قيادة البعث العراقي وعبد الناصر.

ثانياً: حرب 6 تشرين الأول 1973.

ثالثاً: حكومة البعث والحرب.

 

 

أولاً : قيادة البعث العراقي وعبد الناصر

 

1ـ مبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكية:

نظراً لتطور الأحداث واشتداد حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل بادرت الولايات المتحدة إلى تقديم مبادرة جديدة في 6 أيلول 1970 وتضمنت المبادرة وقف حرب الاستنزاف لمدة ثلاثة أشهر، والبدء بإجراء مفاوضات بين مصر وإسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة تطبيقاً لقرار مجلس الأمن رقم 242، وقام وزير الخارجية الأمريكية بتقديم المشروع إلى الرئيس عبد الناصر، والذي عُرف ب[ مشروع روجرز].

و في مصر جرى تدارس المشروع من قبل القيادة المصرية التي قررت أخذ فرصة للتشاور مع القادة السوفييت في الأمر، وعليه غادر عبد الناصر إلى موسكو في زيارة عمل سرية، والتقى بالقادة السوفييت، وتدارس الأمر معهم، وتم الاتفاق على قبول المشروع، وإعطاء فرصة للسلام من جهة، ولإكمال استعدادات الجيش المصري، وتدريب كوادره على بطاريات صواريخ سام 3 الضرورية لحماية العمق المصري، وهكذا أعلن عبد الناصر بعد عودته إلى مصر عن قبوله بمبادرة روجرز مبرراً قبوله بثلاثة أسباب:

1ـ التطور في موازين القوى لصالح مصر.

2ـ الحرص على عدم وقوع مواجهة بين الجبارين.

3ـ تحديد وقف حرب الاستنزاف بثلاثة أشهر تتيح له الفرصة للحشد.

 وقد دعا الولايات المتحدة إلى القيام بدور فاعل لدفع إسرائيل للالتزام بالقرار 242، والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.(1)

وقد أعطت فترة وقف حرب الاستنزاف المجال للجيش المصري لإكمال تنظيم وتدعيم دفاعاته في العمق المصري وعلى الجبهة، وتأمين الغطاء الجوي للأجواء المصرية والقوات العسكرية على طول القناة، فقد كان عبد الناصر قد حصلت له القناعة  أن القوة وحدها هي التي تزحزح إسرائيل من قناة السويس وصحراء سيناء، وبقية الأراضي العربية المحتلة، ولا سبيل أمامه غير الاستعداد لحرب جديد مع إسرائيل لإحداث واقع جديد على الأرض يجبر إسرائيل على الخروج من سيناء.

 

2ـ البعثيون يهاجمون عبد الناصر 

لم يكد عبد الناصر يعلن قبوله مبادرة [ روجرز] ووقف حرب الاستنزاف لمدة ثلاثة أشهر حتى بادر الحكام البعثيون في العراق بمهاجمته بعنف، وموجهين إليه أبشع النعوت كالتخاذل والانهزامية والخنوع الإمبرياليين والصهاينة، ومزايدين على القضية الفلسطينية وهم الجالسون على بعد 1000 كم من ساحات الحرب وحدود إسرائيل معلنين الحرب الكلامية عبر الإذاعة والتلفزيون والصحافة ، ومدعين الحرص على قضايا العرب المصيرية، واستمروا على سلوكهم هذا حتى ساعة إعلان خبر وفاة الرئيس عبد الناصر بصورة مفاجئة يوم 28 أيلول 1970. (2)

 

3ـ وفاة عبد الناصر وتولي السادات الحكم

في الثامن والعشرين من أيلول 1970 أعلن راديو القاهرة نبأ وفاة عبد الناصر، وقيل أن الوفاة كانت بسبب نوبة قلبية حادة داهمته ولا تزال الشكوك تدور حول حقيقة تلك الأزمة القلبية حتى اليوم.

وابتهجت الإمبريالية لمغادرة عبد الناصر الساحة، بعد سنوات من الصراع خاضتها ضد الأمة العربية ،منذُ تأميم قناة السويس ، والعدوان الثلاثي على مصر والنهوض الثوري في العالم العربي ،الذي أحدثته حركة التحرر العربي التي قادها عبد الناصر رغم كل الأخطاء التي وقع فيها، والتي لو لم تقع لكان الحال قد تغير كثيراً بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، والصراع العربي مع الإمبريالية، وبشكل خاص موقف عبد الناصر من قائد ثورة 14 تموز الزعيم [عبد الكريم قاسم]، فقد كانت الظروف تقتضي بل تحتم تعاون مصر والعراق بقيادة ناصر وقاسم، من أجل دفع حركة التحرر العربي إلى الأمام ، بدلاً من الصراع والأحقاد التي وصلت حد التآمر على الكيان العراقي، وتأييد انقلاب 8 شباط الفاشي، وما جره على العراق وشعبه من ويلات ومآسي، والضرر البليغ الذي لحق بكفاح الأمة العربي للتحرر من هيمنة الإمبريالية، وتبين فيما بعد أن عبد الناصر كان ضحية خداع البعثيين، وشريكهم عبد السلام عارف الذين صوروا له أن الوحدة باتت قاب قوسين أو أدنى.

 أحدثت وفاة عبد الناصر فراغاً كبير في مصر والعالم العربي على حد سواء، في ظل ظروف بالغة الخطورة من مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، وقضية الإعداد للحرب التي كان عبد الناصر يدرك أن لا مفر منها بسبب التعنت والاستفزاز الإسرائيلي الوقح. ولذلك فقد كان من الأهمية بمكان ملئ الفراغ الذي أحدثه وفاة عبد الناصر المفاجئة بأسرع ما يمكن والسير قدما ًفي عملية التهيئة لحرب التحرير.

كان أنور السادات وقتذاك يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية وبموجب الدستور يتولى نائب الرئيس الحكم في حالة شغور منصب الرئاسة لحين  انتخاب رئيس جديد للبلاد من قبل مجلس الأمة، وبترشيح من الاتحاد الاشتراكي.

وقبل إجراء الانتخاب كان هناك بالإضافة إلى السادات منافساً آخر،هو  [حسين الشافعي ] أحد قادة ثورة 23 يوليو 1952 ذو الاتجاه الإسلامي، هذا بالإضافة إلى كتلة [ علي صبري ] الناصرية، والممسكة بجميع المراكز العليا في الدولة من مجلس الوزراء، ومجلس الأمة، والاتحاد الاشتراكي، وكان بمقدور هذه الكتلة أن تتحكم في منْ يخلف عبد الناصر لكن سوء تقديرهم لأنور السادات، واعتقادهم أنه شخص ضعيف يسهل السيطرة عليه، دفعهم إلى تأييد ترشيحه للرئاسة، وهكذا كان، وتم انتخاب أنور السادات رئيساً للجمهورية، وهو لم يكد يصدق نفسه، فقد كان يعرف مركزه تماماً، ويعرف مركز مجموعة [ علي صبري]، وكانت تلك غلطة الناصريين الكبرى التي دفعوا ثمنها غالياً، ودفعت الأمة العربية تبعاً لذلك مستقبلها،الذي وضعه السادات رهينة بأيدي الإمبرياليين الأمريكيين لسنين طويلة.

أما أنور السادات فقد وضع نصب عينيه مسألة التخلص من الكتلة الناصرية بزعامة علي صبري، وبقية رفاق عبد الناصر،والاستحواذ على السلطة كاملة وحدة، بعيداً عن أي تأثير أو نفوذ لما كان يسميه [مراكزالقوة]. ولم تمضِ مدة طويلة حتى تمكن السادات، بدعم من قائد الحرس الجمهوري، وعدد من كبار الضباط الموالين له، من توجيه ضربته لمجموعة علي صبري، وإزاحتها عن السلطة، بل وزجها في السجون، وليصبح بعد ذلك الحاكم المطلق للبلاد، ويصفي كل آثار الناصرية.وبعد أن تسنى للسادات تصفية القوى الناصرية وكتلة علي صبري، أقدم على أخطر عملية تخص أمن مصر وشعبها، وتخص قضية الحرب التي أوقف عبد الناصر حياته لأجلها، فقد قرر السادات  في تموز 1972 ودون سابق إنذار إخراج الخبراء السوفيت من مصر، الذين كان ومازال لهم الدور الكبير في حماية مصر من قصف الطائرات الإسرائيلية، ولهم الدور الأكبر في تدريب، وإعداد الجيش المصري ليوم المعركة التي كان الشعب ينتظرها بفارغ الصبر ليثأر لكرامته التي امتهنت يوم 5 حزيران 967.

شكل القرار صدمة كبرى للشعب المصري ،وللحكومة السوفيتية، بعد كل الذي فعلوه من أجل مصر والأمة العربية، وتساءل الناس كيف يستطيع السادات محاربة إسرائيل المدعومة أمريكياً كل الدعم، وقد جرد نفسه وبلده من سنده القوي الاتحاد السوفيتي؟

 

ثانياً: حرب 6 تشرين الأول وموقف حكام العراق

 

لم يكن بمقدور السادات أن يتخلى عن الهدف الذي كان يصبو إليه الشعب المصري وقواته المسلحة، إلا وهو تحرير الأراضي العربية المحتلة، ورد الكرامة العربية التي أهانتها إسرائيل في حرب الخامس من حزيران عام 1967.

 كما أن الجيش المصري كان قد وصل إلى أهبة الاستعداد لتنفيذ الإرادة الوطنية، ولم يعد بدٌ من قيام الحرب لكي لا ينهار عرش السادات. وهكذا اتخذ السادات قرار الحرب، ولكنه لم يكن يرمي إلى نفس الهدف الذي كان يهدف إليه عبد الناصر، بل كان يرمي إلى غايتين أساسيتين هما:

1ـ التخلص من ضغط الجيش الذي كان ينتظر المعركة بفارغ الصب، والضغط الشعبي العارم، والتواق للنصر على إسرائيل، ورد كرامته المهانة.

2ـ تحريك حالة اللا سلم واللا حرب، وإيجاد الذريعة للتفاوض مع إسرائيل، وعقد معاهدة سلام معها. هكذا إذاً قرر السادات أن يخوض الحرب، وجري الاتصال مع الرئيس السوري حافظ الأسد، واتفق معه على التنسيق بين الجيشين لكي يجعلا الجيش الإسرائيلي يحارب على جبهتين في آن واحد مما يجعل مهمة الجيش الإسرائيلي عسيرة. كما جرى الاتفاق على ساعة الصفر، وهي الساعة الثانية بعد الظهر يوم الجمعة المصادف 6 تشرين الأول 1973.

 

 اندلاع الحرب:

في تمام الساعة الثانية بعد ظهر يوم الجمعة المصادف 6 تشرين الأول 973،انطلقت 200 طائرة حربية مصرية نحو أهدافها شرق قناة السويس، وبدأت بقصف الأهداف الإسرائيلية على طول القناة، وعلى كافة مطارات العدو في سيناء وتجمع دباباته ومدرعاته.

وبعد عشرة دقائق انطلقت فوهات 2000 مدفع تصلي بحممها القوات الإسرائيلية شرق القناة ، في حين كانت قوات مظلية قد قامت بالإنزال وراء خطوط العدو وقرب المضايق، كما بدأ 600 مدفع  ذات المدى القصير، بضرب خط بارليف والقوات المتواجدة عليه.

وفي الساعة الثانية والثلث، أنزلت القوات المصرية 800 قارب مطاطي يحمل كل واحد منها 8 أفراد، تحت وابل من غطاء ناري، وبعد أن تمكن الكوماندوس من الضفادع البشرية من تعطيل أنابيب قاذفات اللهب التي أعدتها إسرائيل من قبل لتغطية القناة باللهب ومنع أي محاولة للجيش المصري للعبور إلى الضفة الشرقية.

وهكذا تمكنت القوات المصرية من العبور، حيث استطاع 800 ضابط و13500 جندي من الوصول إلى الضفة الشرقية واحتلال عدد من رؤوس الجسور. وقامت على الأثر قوات من الهندسة بفتح 60 ثغرة في خط بارليف، عن طريق ضخ شديد للماء من أنابيب أُعدت سلفاً، وجرى نصب مضخات قوية لضخ الماء، حيث تمكنت من إزاحة [ 90000] متر مكعب من التراب من خط بارليف .

وفي الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر ذلك اليوم العظيم كان (1500) ضابط، و[22000] جندي قد عبروا القناة. وفي الساعة الخامسة والنصف طلب السادات السفير السوفيتي للتحدث معه، وأبلغه بنشوب الحرب ،وفي تلك اللحظة بلغ عدد القوات المصرية شرق القناة  [2000] ضابط ،و[ 30000]جندي.(3)

وعند الساعة العاشرة والنصف ليلاً كانت القوات المصرية قد نصبت 8 جسور ضخمة، و4 جسور خفيفة، و31 معدية، لنقل القوات المدرعة والجنود إلى الضفة الشرقية للقناة، وعند حلول منتصف الليل كانت 5 فرق عسكرية كاملة من المدرعات والمشاة قد عبرت القناة وحاصرت مواقع العدو حيث جرى استسلام أكثر من نصفها. (4)

أما على الجبهة السورية، فقد انطلقت الطائرات، والمدفعية، والدبابات السورية نحو أهدافها في هضبة الجولان، وتخطت التحصينات الإسرائيلية، متقدمة نحو مدينة القنيطرة، عاصمة الجولان.

لقد تحققت معجزة العبور نحو الضفة الشرقية للقناة بوقت قياسي وبخسائر لا تصدق، فقد كان عدد الشهداء 64، والجرحى 420 جريحاً وإعطاب 17 دبابة، و26 مدرعة، وهذا العدد اقل بكثير جداً مما كان قد وضع في حسابات القيادة العسكرية.

وفي اليوم التالي 7 أكتوبر كان الجيش المصري قد وسع مناطق سيطرته شرق القناة حتى بلغت بعمق من بين 7ـ 9 كم. وفي هذا اليوم أتصل الرئيس السوفيتي برجنيف بالسادات  مهنئاً إياه على العبور، وأبلغه استعداد الإتحاد السوفيتي  لتقديم كل دعم ومساعدة يطلبها الجيش المصري.

لكن أنور السادات الذي غير توجهه نحو الولايات المتحدة ، وتصميمه على عقد صلح مع إسرائيل، وإخراج مصر من ساحة الصراع معها قد بادر إلى الاتصال بوزير الخارجية الأمريكية [هنري كيسنجر] ولم يمضِ يوم واحد على الهجوم بعد، وكان الجيش المصري في كامل قوته ومعنوياته واندفاعه الشديد، يعلمه فيها بما يلي:

 1ـ إن هدف مصر هو تحقيق السلام مع إسرائيل.

 2ـ إن مصر لا تنوي تعميق الهجوم، وتوسيع المواجهة.

 3ـ إن مصر تطالب إسرائيل قبولها الانسحاب من الأرض المحتلة.

4ـ إن مصر توافق على حرية الملاحة في مضايق تيران.

وهكذا فاحت رائحة الخيانة منذُ بداية الحرب، حيث وجه السادات خنجره إلى ظهر الجيش المصري، وسلاح إسرائيل فوق رؤوس الجيش السوري، فقد تلقف [ هنري كيسنجر ] رسالة السادات بفرح غامر وحولها إلى إسرائيل لكي تركز جهدها العسكري نحو الجبهة السورية، بسبب خطورتها، وقربها من العمق الإسرائيلي، وبدأت القوات السورية تتلقى الضربات الإسرائيلية المركزة، حيث دارت المعارك الشرسة بين الجيشين السوري والإسرائيلي، وخسرت سوريا في معركة واحدة دامت بضع ساعات ما بين 400 ـ 600 دبابة، في حين أوقف السادات هجومه بحجة الوقفة التعبوية، على الرغم من اتصال السوفيت به وإعلامه أن أقمارهم التجسسية قد اكتشفت أن إسرائيل قد سحبت معظم مدرعاتها من منطقة الممرات، ولم يبقَ لها سوى لواءين مدرعين فقط، وأن بإمكان الجيش المصري القضاء عليها بكل سهولة، وبوقت قصير، طالبين منه بإلحاح تطوير الهجوم، والاستيلاء على الممرات ذات المواقع الإستراتيجي الهام جداً بالنسبة للدفاعات المصرية التي يصعب على العدو اجتيازها، وفي نفس الوقت تضطر إسرائيل إلى سحب قسم من  مدرعاتها في مواجهة الجيش السوري.

لقد قدم اللواء [ حسن البدري] رئيس مركز القيادة رقم 10 ـ في اليوم الثاني لنشوب الحرب [7 تشرين الأول] تقريراً للسادات طالباً فيه تطوير الهجوم والاندفاع نحو المضايق بأسرع وقت واحتلالها لإبعاد أي خطر محتمل عن الجيش المصري، وأشار في تقريره أن الوقت الذي يضيع هو بكل تأكيد في صالح الجيش الإسرائيلي، إلا أن السادات أغمض عينيه وصم أذنيه مرة أخرى، ولم يأمر بتطوير الهجوم إلا يوم 14 تشرين الأول، مانحاً إسرائيل الفرصة لتدمير الجيش السوري، وإعادة تحشيد قواتها المدرعة بمواجهة الجيش المصري وإضاعة فرصة تاريخية في إمكانية دحر الجيش الإسرائيلي، وبضغط من ضباط أركان جيشه أقدم السادات على الهجوم في 14 تشرين الأول، وكانت إسرائيل قد أكملت تحشيد قواتها المدرعة، بعد تحييد الجبهة السورية، واستعدت كامل الاستعداد للهجوم المصري، حيث وقعت معركة كبرى خسر فيها الجانب المصري ما يزيد على 240 دبابة حتى الظهر، وفشل الهجوم واستغل الإسرائيليون ذلك الفشل بالتقدم وتطوير هجومهم المضاد، حتى تمكنوا من خرق الجبهة المصرية ما بين الجيشين الثاني والثالث، والتقدم نحو قناة السويس ،في منطقة [ الدفرسوار]، وتمكنت قواتهم من السيطرة على رأس جسر لها على القناة، ونصب الجسور فوقها، والعبور بدباباتهم يوم 15 تشرين الأول نحو الضفة الغربية للقناة، حيث عبرت ما يزيد على 800 دبابة إسرائيلية، وطوقت الجيش الثالث المصري، ومنعت وصول الإمدادات الغذائية والمياه عنه،  وعرضته لمخاطر جسيمة، وأعلنت رئيسة وزراء إسرائيل [كولدا مائير] أن قواتها تحارب الآن غرب قناة السويس، وأنها وصلت إلى الكيلو 101 عن القاهرة.

كما أعلن وزير الحرب الإسرائيلي [ موشي دايان]أن قواته الآن في طريقها إلى دمشق.  وفي 16  تشرين الأول خطب السادات في مجلس الأمة مقدماً مشروعاً للسلام مع إسرائيل، وكان يبدو متهالكاً على كسب ود الولايات المتحدة التي وضعت كل ثقلها لدعم القوات الإسرائيلية بالسلاح، ومشجعة إياها على مواصلة الهجوم المضاد.

وفي ظل  تلك الظروف البالغة الصعوبة بالنسبة للجيش السوري، حيث بدأ موقفه يضعف شيئاً فشيئاً أمام زحف القوات الإسرائيلية، على الرغم من إسراع الاتحاد السوفيتي إلى تعويض خسائره من الأسلحة الثقيلة والمعدات، فقد أعلن القادة السوفيت عن تصميمهم على الوقوف إلى جانب سوريا في محنتها ، واستعدادهم لإرسال 3 فرق عسكرية مدرعة محمولة جواً إليها إذا ما أقدمت إسرائيل على مهاجمة دمشق، مما جعل قادة الولايات المتحدة وإسرائيل يفكرون ألف مرة فيما يمكن أن يؤدي تعقد الأزمة وإيصالها إلى نقطة الصدام مع الاتحاد السوفيتي، وما يمكن أن يجره  الصدام من مخاطر كبرى على الأمن والسلام الدوليين، حيث أوعزت الولايات المتحدة إلى قادة إسرائيل بوقف الهجوم ، والقبول بوقف إطلاق النار بين الجانبين، وجرى توقيع الهدنة بين سوريا وإسرائيل ، واستمرت إسرائيل باحتلال الجزء الأكبر من هضبة الجولان ذات الأهمية الإستراتيجية القصوى بالنسبة لأمن سوريا.

 

حكام العراق والحرب

لم يُبلّغ حكام العراق بقرار الحرب، فقد كانت العلاقات العراقية المصرية  والعراقية السورية على أسوأ حال، فعلى الجانب العراقي السوري كان الصراع بين جناحي البعث في البلدين قائماً ومستمراً، والعلاقات مقطوعة، كما أن العلاقات على الجانب المصري كانت قد وصلت إلى أسوأ حال بسبب تهجم حكام العراق على مصر وعبد الناصر بسبب موقفه من مشروع روجرز، عبر الإذاعة والتلفزيون والصحافة، ولذلك فقد فوجئ العراق بوقوع الحرب عند ما أعلنت وكالات الأنباء قيامها، وكان العراق آنذاك في شبه حرب استنزاف مع إيران، بعد إقدام حكامه على إلغاء معاهدة عام 1973 مع إيران حول اقتسام مياه شط العرب كما أن أوضاع الحرب في كردستان قد أخذت جانباً كبيراً من الجيش العراقي، ومع ذلك أرسل العراق عدداً من أسراب طائراته الحربية إلى مصر،حيث شاركت منذُ اليوم الأول من الحرب فوق قناة السويس واستشهد عدد من الطيارين العراقيين في المعركة.

 كما سارع العراق إلى الاتصال بالاتحاد السوفيتي طالباً منه الضغط على إيران لكي لا تستغل سحب قطعات من  القوات العراقية وإرسالها إلى سوريا.وبالفعل وجه الاتحاد السوفيتي تحذيراً إلى إيران من مغبة استغلال الظروف والاعتداء على العراق، وحرك السوفيت بعض قطعاتهم العسكرية نحو الحدود الإيرانية لكي يفسح المجال لحكام العراق لسحب بعض قطعاتهم العسكرية المدرعة .

وهكذا تسنى لحكام العراق إرسال المزيد من القوات العراقية إلى سوريا، ولعبت تلك القوات دوراً مشهوداً في إيقاف زحف المدرعات الإسرائيلية نحو دمشق، وأمنت لها الحماية، بعد أن تعرضت لخطر كبير، حتى أن رئيسة الوزارة الإسرائيلية [كولدامائير] التي كانت مزهوة بالنصر على العرب قد أعلنت أن قواتها هي في طريقها الآن نحو دمشق.

غير أن الذي حدث بعد ذلك هو أن السادات أعلن قبوله وقف إطلاق النار من جانب واحد  ودون استشارة سوريا، وحتى دون إعلام الرئيس حافظ الأسد بقراره المفاجئ، متخطياً قرار التنسيق بين الجبهتين الذي قامت على أساسه الحرب، مما جعل سوريا بموقف صعب للغاية، حيث لم يعد بإمكانها الاستمرار بالحرب لوحدها، لعدم وجود توازن للقوى بينها وبين إسرائيل، مما أضطر الرئيس الأسد إلى القبول بوقف إطلاق النار مرغماً، فقد كان الاستمرار في الحرب، بعد خروج مصر منها لا يعني سوى الانتحار لا غير.

بادر حكام العراق حال موافقة سوريا على وقف إطلاق النار إلى شن الهجوم على القرار متهمين القيادة السورية بالجبن والتخاذل، وقرروا على الفور سحب قواتهم العسكرية وأعادتها إلى العراق، معرضين سوريا لخطر جدي، حيث كان وقف إطلاق النار غير مأمون، ويشكل خطراً كبيراً على سوريا، ولاسيما وأن إسرائيل لم تلتزم بقرار وقف إطلاق النار مع مصر، واستمرت قواتها بالتقدم، واحتلال المزيد من الأراضي غرب القناة ،بهدف تطويق الجيش الثالث المصري في سيناء.

ومهما كانت تبريرات حكام العراق لقرارهم بسحب قواتهم من سوريا فقد كان قرارا لا يتسم بالحكمة ، ولا بالحرص على سوريا ، بصرف النظر عن الصراعات التي كانت تدور آنذاك بين جناحي حزب البعث العراقي والسوري ، وكان على حكام العراق أن يدركوا أن التناقض بين الحزبين والحكومتين هو تناقض ثانوي أمام التناقض الأساسي مع العدو المشترك إسرائيل التي شنت عدوانها على سوريا ومصر والأردن.