الفصل الثامن عشر

 

حرب الخليج الثالثة

وسقوط نظام صدام حسين

 

 

أولاً: تصفية أسلحة الدمار الشامل العراقية.

ثانيا: هروب حسين كامل ولقائه رالف إيكيوس.

ثالثاً: عملية ثعلب الصحراء.

رابعاً: حرب الخليج الثالثة وسقوط نظام صدام حسين.

 

 

أولاً: تصفية أسلحة الدمار الشامل العراقية

 

وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها باستسلام كامل للنظام الصدامي لكل الشروط التي فرضها الرئيس الأمريكي جورج بوش، وتحققت أهداف الولايات المتحدة في تحرير الكويت، وعودة أسرة الصباح إلى الحكم من جديد، وتدمير البنية التحتية للاقتصاد العراقي، وتهديم بنيته الاجتماعية، والتفت الولايات المتحدة إلى الهدف الأهم للاستراتيجية الأمريكية، والمتمثل بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وفرض نوع صارم من الأشراف على مصانع الأسلحة، لمنع النظام العراقي من تهديد منطقة الخليج مرة أخرى، حيث أصدر مجلس الأمن في الثالث من نيسان 1991 القرار رقم 687 ، والذي طلب من النظام العراقي التزامه  دون قيد أو شرط ببروتوكول جنيف لحظر الاستعمال الحربي للغازات السامة والخانقة وما شابهها، ووسائل الحرب البكتريولوجية،وأن يصدّق على قرار حظر واستحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية والصاروخية، وتدمير تلك الأسلحة.

 كما طلب القرار أن يقبل العراق، دون أي شرط، القيام تحت إشراف دولي بالسماح لمفتشين تابعين للأمم المتحدة بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل ، ووسائل أنتاجها وتدميرها ، والتي تتضمن ما يلي :

1 ـ جميع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وجميع محزونات العوامل الكيماوية، وما يتصل بها من منظومات فرعية ومكونات، وجميع مرافق البحث والتطوير والدعم والتصنيع.

2 ـ جميع القذائف الصاروخية التي يزيد مداها عن 150 كم، والقطع الرئيسية المتصلة بها، ومرافق إصلاحها وإنتاجها.

كما طلب القرار في بنده التاسع من العراق أن يقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة في غضون 15 يوماً من تاريخ القرار بيانا بمواقع وكميات وأنواع جميع المواد المحددة، ويوافق على إجراء تفتيش عاجل في المواقع، وتدمير جميع هذه الأسلحة، ووسائل إنتاجها، تحت الرقابة الدولية، وأن يتحمل العراق كافة تكاليف تدميرها، ومصاريف فرق التفتيش، وأن يتعهد العراق بعدم إنتاج مثل هذه الأسلحة، وتخزينها مستقبلاً. (1)

 وتنفيذاً للقرار المذكور، قدم النظام العراقي معلومات عن خمسة مواقع كانت قد دُمرت إثناء الحرب، وكانت مخصصة لإنتاج غازات [لخردل] و[النارين] و[التابون]، وأربعة مصانع لإنتاج المواد الوسطية، ومصنع لملئ قذائف المدفعية والصواريخ بالعتاد الكيماوي، والغازات السامة، مع محزونات من غاز السارين قدرت بحوالي250 طناً، وغاز التابون بمقدار 500 طن، وغاز الخردل  بمقدار 280 طنا.(2)

كما قدم النظام العراقي معلوماته عن الصواريخ والقنابل الموجودة بحوزته والتي شملت ما يلي:

1 ـ 6620 رأس صواريخ حربية عيار 122ملليمتر معبأ بغاز السارين.

2 ـ 2500صاروخ من طراز [صقر] معبأة بغاز السارين

3 ـ قنابل طائرات من طراز[د ب 2]معبأة بغاز السارين

4 ـ 201 صاروخ من نوع الحسين والوليد وسكود.

5ـ 336 قنبلة طائرات، معبأة بالغاز المزدوج مخزونة في قاعدة الوليد.

6ـ 140 قنبلة طائرات عيار 250 معبأة بغاز الخردل

7- 105 قنابل مدفعية عيار 155مللمترمعبأة بغاز الخردل. (3)

لم تقتنع الولايات المتحدة بما قدمه النظام العراقي من معلومات، وأسرعت إلى تقديم تحذير شديد لحكام بغداد، طالبة منهم تقديم كامل المعلومات التي بحوزته عن تلك الأسلحة، وهددت بالقيام بقصف العراق مرة أخرى، إذا لم تتمكن بعثات التفتيش التي سترسلها من الوصول إلى أي مكان تريد تفتيشه.

 وفي حقيقة الحال فإن الترسانة التي يمتلكها النظام الصدامي من الأسلحة الخطيرة ذات الدمار الشامل  كانت أكثر بكثير مما تصوره العالم، وحاول النظام إخفاء ما بحوزته بكل الوسائل والسبل.

بدأت فرق التفتيش الدولية تتوافد على العراق، فقد وصلت في 14 أيار 1991 أول بعثة تضم 60 خبيراً، وقد خولها مجلس الأمن بتدمير الأسلحة العراقية خلال 45 يوماً، لكن البعثة المذكورة قدمت تقريرها الذي أشار إلى أن البحث عن الأسلحة العراقية يتطلب سنتين من البحث على أقل تقدير.(4)

و في 22 حزيران من نفس العام وصلت البعثة الثانية، وكانت تضم 16 خبيراً، ولحق بها فريق ثالث في 3 تموز1991 وانضم إلى الفريق السابق. وقامت فرق التفتيش بتدمير الأسلحة والمصانع الحربية التالية :

1ـ 137 صاروخاً بعيد المدى.

2 ـ 19 قاذفة صواريخ متحركة.

3 ـ 60 قاذفة صواريخ ثابتة.

4 ـ 150 ماكنة صناعية.

5 ـ تدمير 15 مبنى ومنشأة تابعة لسلاح الصواريخ.

6 ـ 30 رأس صاروخ حربي لحمل الأسلحة الكيماوية .

7 ـ 3000 قنبلة كيماوية جوية.

8 ـ 3600 صاروخ كيماوي مضاد.

9 ـ  1000 عتاد مدفعية كيماوية .

10 ـ 500 ماكنة لصنع الأسلحة الكيماوية.

 

أما في المجال النووي فقد تم تدمير ما يلي:

1 ـ تدمير 450 ماكنة صناعية ذات استخدام مزدوج.

2 ـ 4000 طن منتجات صناعية.

3 ـ 1500 طن من الحديد المارتيزي.

4 ـ تدمير ما مساحته 50000 متر مربع من المباني.

5 ـ نقل 208 كاسيت من الوقود النووي المخصب إلى روسيا.

6 ـ تدمير جميع مواقع ومنشآت السلاح البيولوجي.

لقد حاول النظام العراقي بكل جهده إخفاء كل ما أمكن من أسراره النووية ، وكان في ذهن بعثة التفتيش البحث عن كمية من اليورانيوم المخصب قدرت ما بين 20 إلى 30 كيلو غرام ، كان العراق قد استطاع إنقاذها عندما قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف المفاعل النووي العراقي عام 1981 أبان الحرب العراقية الإيرانية.(4)

واستطاعت الولايات المتحدة الحصول على معلومات خطيرة عن البرنامج النووي العراقي من أحد المهندسين العراقيين العاملين في هذا المجال، والذي لجأ إلى الولايات المتحدة، حيث أبلغ المسؤولين الأمريكيين بوجود وثائق هامة خبأها النظام العراقي في وزارة العمل.

سارعت الولايات المتحدة إلى إرسال بعثة جديدة إلى العراق رأسها الأمريكي [ دافيد كاي]، وأحيطت البعثة علماُ بالمعلومات التي قدمها المهندس العراقي.

 وصلت البعثة إلى بغداد، وانتقلت بصورة مباشرة إلى بناية وزارة العمل طالبة تفتيشها، حيث تم لها ذلك رغم اعتراض النظام العراقي، وقد تم العثور على أضابير تحتوي على معلومات واسعة حول البرامج النووي العراقي، وأسماء العاملين فيه.

حاولت السلطات العراقية منع فرقة التفتيش من إخراج تلك الأضابير، لكن البعثة أصرت على أخذها، واضطر النظام العراقي على الرضوخ في نهاية الأمر، وتمكنت بعثة التفتيش من أخذها.

واستمرت فرق التفتيش تتابع وصولها إلى العراق منذُ 14 أيار 1991، وهي مخولة بالتفتيش في أي مكان تريده، وفي جميع أنحاء العراق، وفي كل زيارة كانت فرق التفتيش تكتشف أموراً جديدة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، وخاصة منها الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، والصواريخ.

 

ثانيا: هروب حسين كامل ولقائه رئيس المفتشين إيكيوس:

 

استطاعت الولايات المتحدة عن طريق عميل سري كبير الوصول إلى حسين كامل، ودعوته للخروج عن النظام ليكون رجل أمريكا الذي سيتولى السلطة في العراق إذا ما تعاون في كشف برنامج أسلحة الدمار الشامل النووية والبيولوجية والكيماوية.

وكان مشعان الجبوري، الذي عمل في المخابرات العراقية، قد ادعى في تصريح له نشرته صحيفة الشرق الأوسط  بأنه كان قد حمل رسالة من حسين كامل في غاية الخطورة إلى القيادة الأمريكية حول برنامج أسلحة الدمار الشامل ، والتي أشار فيها حسين كامل إلى أن النظام الصدامي لا مصداقية له ، ولا يحترم وعوده ، وأنه يخفي منذ أربع سنوات امتلاكه لبرنامج إنتاج أسلحة بيولوجيه، وأن حجم إنتاجها قادر على القضاء على الملايين من البشر.(5)

لكن الرواية التي نقلها كل من العالمين النوويين [جعفر ضياء جعفر] و[نعمان النعيمي] القريبين جداً من حسين كامل هي الأقرب للحقيقة، فقد ذكر العالمان في  بحثهما المنشور في [موقع الحياة] والمكون من 7 حلقات تحت عنوان [الاعتراف الأخير] تفاصيل دقيقة عن هروب حسين كامل، والمعلومات التي نقلها إلى رئيس لجنة التفتيش [إيكوس]، والتي تم نقلها مباشرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يشير البحث إلى أن حسين كامل قد أصيب في شباط (فبراير) 1994 بأعراض مرضية حيث كانت تنتابه فجأة نوبة من فقدان الوعي لبضع دقائق يستفيق بعدها ناسياً كلياً ما حصل أثناء الحالة، وقد تولى فحص حالته الطبيب العراقي المتخصص بأمراض الجملة العصبية سعد هاشم الوتري حيث تقرر نقله  إلى عمّان برفقة الدكتور سعد الوتري، وتم استقدام طبيبً جرّاح فرنسي مشهور خصيصاً له، وقد أجرى له الطبيب المذكور عملية جراحية في مستشفى مدينة الحسين الطبية العسكرية فأزال ورم في الدماغ، وجرى  فُحِص الورم فتبين أنه حميد غير سرطاني. وعند عودة حسين كامل إلى بغداد وجد أن قصي بن صدام قد نُصِّبَ مشرفاً على الحرس الجمهوري الخاص، وعلى قوات الحرس الجمهوري، وأخذ يشعر بأن سطوته أخذت تتقلص يوماً بعد يوم، ولم يبقَ له من إمبراطوريته الواسعة سوى وزارة الصناعة والمعادن، وهيئة التصنيع العسكري التي احتفت بسلامة عودته. وفي شهر حزيران (يونيو) من عام 1995 غادر حسين كامل على رأس وفد من هيئة التصنيع العسكري لزيارة بيلاروسيا من طريق عمّان فموسكو .

 وفي اليوم التالي لمغادرته دعا صدام قيادات فروع حزب البعث لمؤتمر قطري يتولى انتخاب قيادة قطرية جديدة للحزب، وفاتت على حسين كامل فرصة الصعود إلى عضوية القيادة القطرية ذات السلطة الواسعة إذ لا يُجيز النظام الداخلي للحزب ترشيح أي شخص للقيادة إن لم يكن حاضراً في جلسات المؤتمر القطري.

ويضيف الدكتور جعفر قائلا: شخصياً لم أكن على علم عما إذا كان إجراء صدام هذا متعمداً لإبعاد حسين كامل عن قيادة الحزب أم لشأن آخر، ولا مطلعاً على ما خفي من دسائسه الداخلية. غير أنني أدرك أن صدام لم يكن ليرضي بوجود عضوٍ جريء أو ذي فكر مستقل ليعتلي أي منصب قيادي في الحزب أو الدولة، وكان يحيط نفسه بتابعين ضعاف النفوس لا يقوى أحدهم أن يقول لصدام كلمة واحدة قد تغيضه. ويضيف البحث أن لقاءً انفرادياً قد جرى في عمّان بين الملك حسين بن طلال ملك الأردن وحسين كامل استغرق ساعتين كاملتين، وأغلب ظني أن هذا اللقاء كان تمهيداً لهربه من العراق، وربما يكون قد حصل على الضوء الأخضر من ملك الأردن.(6)

ويرى العالمان جعفر والتميمي بأن عدي،الأبن الأكبر لصدام، بدأ ومنذ مطلع عام 1995 ينظر بعين الحسد إلى حسين كامل حيث رآه منافساً قوياً على موقع الأبن المدلل لصدام، وعلى حسابه بالذات، ولا بدّ أن يكون قد اقتنع بأن وجود حسين كامل خطر على مقامه، وعلى مستقبله السياسي، فبدأ ينبش في أفعال وتصرفات زوج أخته للسنين الماضية، إذ لم يكن خافياً على أحد أن حسين كان يستغل الامكانات المادية والبشرية لهيئة التصنيع العسكري لبناء قصوره الخاصة، وتنظيم مزارعه العديدة والصرف على حفلاته الخاصة، وعلى مجونه، فبدأ عبد حميد محمود (المعروف بعبد حمود) منذ بداية 1995 يتحرى عن مخالفات حسين كامل وتصرفه السابق غير القانوني بالمال العام، وربما فعل عبد حمود ذلك بتحريض من عدي، ولكن لا بدّ أن يكون قد استحصل موافقة رئيسه صدام على إجراءاته تلك إذ كيف يجرؤ على طرح أسئلة على حسين كامل من دون إسناد قوي من صدام؟!! (7)

 وعلى إثر تزايد الضغوط عليه لا بدّ أن يكون قد أطلق العنان لتصوراته بإمكانية قيادة المعارضة في الخارج مع الحصول على دعم أميركي لعلّه يستطيع يوماً أن يطيح برأس عمه صدام، ويعتلي سدة الحكم في العراق لاسيما وأنه كان قد اطلع على عدد من التقارير الصحافية التي تشير إلى أن الإدارة الأمير كية تبحث عن جنرال تكريتي يستطيع قيادة المعارضة والإطاحة بصدام، وتراءى له بأنه ذلك الجنرال، ناسياً أو متناسياً أنه كان شرطياً قبل أن يعينه صدام ضمن طاقم حراسته، وأن رتبة فريق أول التي يحملها على كتفيه لا تساوي أكثر من ثمن معدنها ، وأنه ربما لا يفهم من الشؤون العسكرية غير تسلسل الرتب.

 وفي ضحى يوم الاثنين 7/8/1995 غادر حسين كامل بغداد في طريقه إلى عمّان في موكب ضمّ زوجته [رغد بنت صدام] وأولاده، وضمّ أخاه [صدام كامل] ومعه زوجته [رنا بنت صدام] وعدداً من أركان حاشيته ونقل معه جميع موجودات هيئة التصنيع العسكري من العملة الصعبة ومقدارها 9.5 مليون دولار أميركي نقدا، ولم يكن باستطاعة أحد تفتيش حمولاته من الخزائن عند حدود البلدين كما أنه غادر بطريقة رسمية بحجة اصطحاب عائلته في فسحة صيفية في بلاد الجيك.

ظهر حسين كامل تحت أضواء الإعلام يدلي بتصريحات ضد نظام صدام حسين، وهو الذي كان يمثل الشخص الثاني في النظام بعد صدام  ولاسيما وأنه أبن عمه، وقد زوجه ابنته، كما وزج أخيه صدام كامل أبنته الثانية، وقد بدأ يطلق العنان لتصريحاته متهماً صدام بالدكتاتورية والتسلط والغباء السياسي، وبدأت جموع رجال المخابرات العربية والأجنبية تنهال عليه في مقر إقامته الفخم في عمّان لاستطلاع ما يحمل من أنباء ومعلومات وهو يتباهى أمام الأضواء المسلطة عليه وبالاهتمام الذي أولاه له رجال الإعلام والسياسة والمخابرات في عمّان، وخشيَ صدام أن يطلق صهره العنان لتصريحاته فيكشف ما كان قد أخفاه من معلومات تتصل ببرامج أسلحة الدمار الشامل التي لم تبقَ سوى بعض المعلومات التي جرى إخفائها، حيث أن جميع الأسلحة سبق وأن دُمرت خلال صيف 1991، ويخلق للعراق أزمة جديدة مع مجلس الأمن، ولاسيما وأن الأمور كانت قد أوشكت على الانتهاء فأصدر أمره بدعوة الرئيس التنفيذي للجنة الأونسكوم، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى العراق للتباحث مع الجانب العراقي، وأصدر أمره إلينا جميعاً بالإعلان إلى المفتشين عن كل ما كان حسين كامل قد أمرنا بإخفائه، وعدم البوح به، وظن بذلك أنه قد سحب البساط من تحت أقدام حسين كامل. (8)

بعد أسبوعين من هروب حسين كامل التقى صدام مع كبار العلماء المسؤولين في هيئة التصنيع العسكري، لكي يتحدث إليهم عن هروبه وتصرفاته حيث قال مخاطباً إياهم:{ لقد جمعتكم لأعتذر إليكم مرتين، مرة كوني قد عينتُ حسين كامل مشرفاً عليكم، ومرة ثانية كونه صهري ومحسوباً على عائلتي، ثم أضاف قائلا :إن ذلك الشخص كان مغروراً أو مصاباً بداء العظمة، وأن العملية التي أجريت لانتزاع ورم من دماغه قد أثرت سلباً على تصرفاته، واستشهد بما أخبره به وزير الصحة الدكتور أوميد مدحت مبارك حول تلك العملية وتبعاتها، وأضاف صدام قائلا بأن السلطة سوف لن تحاسب أي منا على أي عمل سبق أن نفذه بأمر من حسين كامل إلاّ إذا كان ذلك العمل قد سبب ضرراً بليغاً للمصلحة الوطنية، أو عرّض أمن البلد إلى الخطر، ثم طلب أن يستمروا بأعمالهم بحسب سياقاتها ولا وجود لتغيير في البرامج أو في أساليب تنفيذها}.(9)

وفي 17/8/1995 وصل إلى بغداد كل من[رولف إيكيوس] المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم، و[هانز بليكس] المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبقيا في بغداد مدة ثلاثة أيام حيث تم إبلاغهما بتفاصيل البرنامج المعجّل الذي كان حسين كامل قد أمر بتنفيذه في 17 آب من عام 1990، وقدم الجانب العراقي إليهما مجموعة ضخمة من الوثائق والتقارير التي كان حسين كامل قد أخفاها في موقع حساس، ثم نقلت بعد هروبه على عجل من ذلك الموقع إلى [مزرعة بيت حيدر]، ومن ثم سلمت إلى مفتشي الأمم المتحدة فعُرفتْ منذ ذلك باسم[مجموعة وثائق قاعة الدجاج في مزرعة حيدر]. عاد رولف إيكيوس إلى عمان في 22 آب 1995، وتم عقد لقاء مع حسين كامل وبرفقته مجموعة من الخبراء العاملين ضمن مفتشي الأونسكوم، كما حضر اللقاء ممثلاً عن الديوان الملكي الأردني تولّى مهمة الترجمة، وقد سأل إيكيوس حسين كامل عن سبب امتناع الجانب النووي العراقي من التصريح بأن برنامج الطارد للتخصيب كان يجرى ضمن موقع الراشدية وليس ضمن موقع التويثة وقد أجاب بأنهم فعلوا ذلك لتحويل أنظار المفتشين عن ذلك الموقع. ثم سأله عن ما إذا كان العراق ما يزال يمتلك من الأنشطة النووية ، وقد نفى حسين كامل وجود أي نشاط، لكن الوثائق والخرائط لا تزال موجودة ضمن مجموعة من المايكرو فلم. وعندما سأله إيكيوس عما إذا كان نشاط التسلح النووي الذي سبق إجراؤه في موقع الأثير لا يزال قائماً؟ أجاب نعم، ولكن قبل حرب الخليج. وعند سؤاله عما إذا كان الهدف من القنبلة النووية العراقية الأولى هو تجربتها فقط أم استخدامها في الحرب أجاب أن العلماء كانوا في مراحل البحث والتطوير، ولم يكونوا قد وصلوا إلى مرحلة تصنيع القنبلة وبالتالي كانوا بعيدين جداً عن تجربتها.(10)

وبعد أن أكملتْ الجهات المخابراتية الأجنبية مهمتها وحصلت من حسين كامل على جميع ما بجعبته من معلومات،القته الولايات المتحدة في قارعة الطريق، وسقط كما تسقط أوراق الأشجار في فصل الخريف، وتلاشت أحلامه في تزعم حركة المعارضة العراقية التي قادتها الولايات المتحدة  لتتولى السلطة بعد إسقاط نظام صدام حسين، وقرر العودة إلى العراق، وبدأ يوسط المقربين من صدام حيث حصل على وعد بالعفو من صدام شخصياً. وفي شباط من عام 1996 عاد وأخوه صدام كامل وعائلتاهما إلى العراق فاستقبلهما عدي عند الحدود، وأخذ أختيه وأولادهما معه إلى بغداد، وترك حسين وأخاه يعودان إلى بغداد بمفرديهما، وفي اليوم التالي لوصول رغد ورنا إلى بغداد بصحبة عدي صدرت وثيقتا طلاقيهما من زوجيهما. وانتقل حسين كامل وأخيه إلى بيت أختهما الكائن في منطقة السيدية، حيث كان كافة أفراد العائلة قد تجمعوا هناك، وفي اليوم التالي أحاطت مجموعة مسلحة بقيادة علي حسن المجيد وعدي صدام بالمنزل، وحصلت مواجهة مسلحة بين المهاجمين وأفراد العائلة الذين قُتِلوا جميعاً، كما قُتِل بعض المهاجمين، وجرى قطع رأس حسين كامل من قبل عمه علي حسن المجيد، حيث قدمه إلى صدام كدليل على ما أسماه غسل عار العائلة كما قال لصدام. ونهاية عام 1995 وصل إلى العراق فريقي تفتيش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى العراق، الفريق 28 برئاسة [كاري ديلون] الذي وصل في 9 أيلول 1995، واستمر في عمله حتى 20 منه، والفريق 29 برئاسة [بول ستوكس] الذي وصل في 17 تشرين الأول 1995، واستمر في عمله حتى 24 ، وقد قدم الفريقين تقريرهما لمجلس الأمن أشارا فيه إلى أن الجانب الفني العراقي كان متعاوناً إلى أبعد الحدود،  حيث قاموا بإعلام المفتشين عن الكثير من الأمور كانوا في الأمس القريب يتخوفون من مجرد الاستماع إلى أية استفسارات عنها، حيث كانوا في السابق يحاولون التهرب من الإجابة على أسئلة المفتشين بشتى الوسائل على الرغم من ضعف حجتهم، وكان من بين ما صرحوا به للفريقين البرنامج النووي الوطني المعجّل للفترة من 17 آب 1990- 17 كانون الثاني 1991، وختمت الوكالة تقريرها بالقول إن تجربة العراق قد ولدت القناعة بأن أية دولة لا تلتزم ببنود معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية يمكنها تطوير امكاناتها لإنتاج أسلحة نووية ضمن وقت قصير نسبياً ، وذلك من خلال تصرفها بالمواد النووية الخاضعة للرقابة.

وفي الختام يعترف العالمان جعفر ضياء جعفر وعلي التميمي بأن ما كتبه المفتشون من رأي حول سلوك الجانب العراقي قبل هروب حسين كامل وما تبِعه هو عين الصواب، ويؤيد ما ذكراه وما يذكرانه الآن، وأن حسين كامل كان سيفاً مسلطاَ على رقابهم، وكان يأمرهم بإخفاء المعلومات، ويجبرهم على إتباع مسلك الخديعة والامتناع عن التعاون مع المفتشين الدوليين. وكانوا يدركون أن البرنامج النووي الوطني قد انتهى وأصبح تماماً في خبر كان،  ولا داع لإخفاء التفاصيل منذ البداية كي نُجنب أنفسنا عناء الكذب والتمويه ونُجنِّب الشعب العراقي ما ترتب على كاهله من مآسي لا حدود لها بسبب إطالة أمد الحصار.

حاول النظام العراقي في النهاية إقناع المفتشين أن عملية نزع أسلحته قد اكتملت، ولم يعد يمتلك أية أسلحة للدمار الشامل، وليس لديه أية نوايا لإعادة أنشطته السابقة في مجال أسلحة الدمار الشامل، ولكن الأمور سارت على عكس ما كان نظام صدام يتمنى، فقد تدهورت العلاقة العراقية الأميركية عام، 1998 بعد أن صدر تقرير عن اللجنة السياسية المشكلة في الولايات المتحدة في 3 حزيران من عام 1997 من شخصيات سبق أن عمِلت ضمن إدارة جورج بوش الأب لصياغة سياسة خارجية أمريكية للقرن الأمريكي الجديد، وقد توصلت هذه المجموعة  إلى قناعات سطرتها ضمن مذكرة بعثت بها إلى الرئيس[بيل كلنتون] في 26 كانون الثاني 1998 تحثه فيها على إزاحة صدام حسين معتبرة هذا الهدف بمثابة حجر الزاوية للسياسة الخارجية الأميركية. وجاء في توصية اللجنة بأن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك السلطة ضمن قرارات مجلس الأمن بشأن العراق لاتخاذ إجراءات حاسمة، بما فيها عمليات عسكرية لحماية مصالحنا الحيوية في منطقة الخليج. وطالبت هذه المجموعة زيادة التخصيصات المالية للدفاع، وألحت على استخدام القوة الأميركية الهائلة للتدخل في الأحداث أينما تجد ذلك ضرورياً.

 ورغم كل تلك الظروف الصعبة للغاية التي كان يمر بها العراق وشعبه استمر صدام حسين في نزاعه مع الولايات المتحدة، ومراوغة لجان التفتيش، وقررفي5 آب 1998 وقف تعاونه مع اللجنة الخاصة المسؤولة عن تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية، مما أعطى المبرر للولايات المتحدة و بريطانيا لشن حملة قصف جوي أُطلق عليها اسم [عملية ثعلب الصحراء] بعد إجلاء موظفي الأمم المتحدة، واستهدفت تدمير برامج الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية العراقية، وتعدتها إلى قصف معظم المرافق الاقتصادية المنهكة أصلا.

 ففي 13 كانون الثاني 1998 أبلغ [ريتشارد بتلر] مجلس الأمن أن العراق قد أعلن عن عدم تعاونه مع فريق التفتيش لكون غالبية المفتشين من مواطني الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وأضاف بتلر أن نائب رئيس الوزراء العراقي لم يسمح لمفتشي الأونسكوم دخول أي من المواقع الرئاسية الثمانية في العراق. وفي ضوء ذلك بعث الأمين العام للأمم المتحدة فريقاً فنياً إلى العراق لإجراء مسح لمساحات وحدود المواقع الرئاسية المذكورة، ولاحقاً لهذه المهمة تولى الأمين العام زيارة بغداد للفترة 22-23 شباط من العام ذاته، وتوصل أثناءها إلى الإعلان عن التوصل إلى مذكرة للتفاهم مع الحكومة العراقية بشأن تفتيش المواقع الرئاسية في العراق، ووفق بنود هذه المذكرة ستسمح السلطات العراقية لمفتشي الأونسكوم والوكالة الدولية من الدخول الفوري وغير المشروط لتفتيش هذه المواقع بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بأسلحة الدمار الشامل العراقية، وفي المقابل تتعهد جميع دول الأمم المتحدة باحترام سيادة العراق واحترام وحدته الوطنية، كما تلتزم لجنة الأونسكوم باحترام مشاعر العراقيين في الأمن والسيادة والكرامة. ونصّت مذكرة التفاهم على ضرورة الاتفاق على أساليب إجراء التفتيش في المواقع الرئاسية حالياً ومستقبلاً. وفي 3 آب من عام 1998 اجتمع بتلر مع طارق عزيز في بغداد حيث طلب طارق منه أن يبلغ مجلس الأمن بأن العراق قد نفذ جميع التزاماته تجاه القرار 687 لسنة 1991، وبذلك يتوجب على المجلس تنفيذ التزاماته تجاه العراق بموجب هذا القرار، غير أن بتلر رفض إبلاغ المجلس بذلك.

على أثر قرار النظام العراقي وقف تعاونه مع الأونسكوم أصدر مجلس الأمن القرار 1194 في 9 أيلول 1998، والذي طالب فيه العراق بإلغاء قراره المتخذ في 5 آب، ودعا قرار مجلس الأمن الجديد إلى عودة التعاون الكامل بين العراق ولجنة الأونسكوم والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي 14 تشرين الثاني تم إبلاغ حكومة العراق أن مجلس الأمن سيجري مطلع عام 1999 استعراضاً شاملاً لجميع أنشطة نزع الأسلحة منذ 1991 بمشاركة فاعلة من الجانب العراقي، وعليه قررت الحكومة العراقية في 17 تشرين الثاني السماح  للجنة الأونسكوم والوكالة الدولية إعادة نشاطها في العراق.

 وفي 15 كانون الأول: أحال الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن تقريري الأونسكوم والوكالة الدولية عن نشاطهما في العراق منذ استعادة عملهما في 17 تشرين الثاني، وذكر الأمين العام في رسالته إلى المجلس أن تقرير الوكالة أُحيل إليه من المدير العام للوكالة الدكتور محمد البرادعي في 14 كانون الأول، بينما تقرير الأونسكوم أُحيل إليه في 15 كانون الأول من المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم ريتشارد بتلر، وقد علّق الأمين العام على التقريرين قائلا: إن التقريرين احتويا معلومات متناقضة، فبينما تقول الوكالة الدولية إنها حصلت على قدر مقبول من تعاون الجانب العراقي، يشير تقرير الأونسكوم عن عدم حصوله على تعاون كامل من الجانب العراقي. وبسبب هذه الحالة السلبية للتقرير عرض الأمين العام على مجلس الأمن خيارين:     الخيارالأول: يبيّن أن ما تم إنجازه منذ 17 تشرين الثاني لا يوفر أرضية جيدة لإجراء الاستعراض الشامل مطلع العام1999          .                               الخيارالثاني: يبيّن أن العراق لم يظهر قدراً كافياً من التعاون لحد الآن ولكن يجب إعطاؤه المزيد من الوقت لإظهار نياته الحسنة بالتعاون الشامل.

 لكن المعلومات التي تسربت عن إن [ بتلر] كان قد أبلغ سلطات الولايات المتحدة بمضمون توضيحي في يوم الجمعة 11 كانون الأول من عام 1998 أي قبل إرسال تقريره إلى الأمين العام بأربعة أيام، وأنه استقبل مكالمة هاتفية صبيحة 16/12/1998 من [بيتر بيرلي] سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة يطلب منه التعجيل بسحب مفتشيه من العراق، ولم يظهر بتلر أي قدر من الاستغراب من طلب السفير الأميركي، ونفذ التعليمات الصادرة إليه بكل إخلاص وتفانٍ في خدمة ولي أمره. ومهما تباينت الرؤى عن تفسير سلوك بتلر غير أن من المتعارف عليه أن تصرفه ذلك أعطى الضوء الأخضر لعمليات ثعلب الصحراء التي تسببت في زوال لجنة الأونسكوم ذاتها وإقالة بتلر من منصبه كرئيس تنفيذي لها.

 

ثالثا:عملية ثعلب الصحراء:

 

في تمام الساعة السادسة مساءً يوم الأربعاء المصادف 16 كانون الأول 1998أعلن بيل كلينتون أنه قد أمر تنفيذ ضربات جوية قوية ومتواصلة على العراق، وأنها مصممة على تجريد صدام من إمكان تطوير وإطلاق أسلحة الدمار الشامل، وتجريده من إمكان تهديد جيرانه، وفي ذات الوقت أرسل رسالة قوية إلى صدام محذراً إياه بأن أي عمل متهور يقدم عليه سيدفع ثمنا له غالياً.

وهكذا بدأ القصف الهمجي على بغداد والمدن العراقية الأخرى، وعلى كافة المرافق الاقتصادية والبنية التحية للعراق المنهكة أصلا جراء حرب الخليج الثانية ، وجراء الحصار المفروض على العراق ، وانتهت بذلك الآمال التي كانت المعقودة على إجراء تقويم شامل لملف نزع أسلحة الدمار الشامل المخطط إجراؤه من مجلس الأمن، والذي كان سيتيح للعراق معالجة الأمور العالقة مع لجنة الأونسكوم والوكالة  وحسمها مرة واحدة إلى الأبد، وقد غدا موقف النظام العراقي شماعة جاهزة تعلق عليها أميركا جميع نياتها المعلنة والخفية ضد العراق ونظامه، كما أصبح في ذات الوقت شماعة يعلق عليها النظام العراقي جميع مشاكل الشعب العراقي المتراكمة، فإن اشتكى العراقيون من الجوع والحرمان قال النظام إنه الحصار الجائر وعدوانية لجان التفتيش، وإن اشتكى العراقيون من حرمانهم من أبسط متطلبات العصر الحديث ومن الأجهزة الحديثة والخدمات، أجاب أركان النظام أن كل ذلك سيتحسن حال رفع الحصار، لكن لا أحد يستطيع إن يعطي الجواب متى وكيف سيتم رفع الحصار. أما صدام فقد تحول بعد عملية ثعلب الصحراء إلى حاكم شديد التشكيك بكل إجراءات الأونسكوم والوكالة الدولية. وترسخت لديه القناعة بأن مفتشي هاتين المنظمتين ليسوا أكثر من جواسيس للإدارة الأميركية والحكومة البريطانية، وأن الحكومتين لن يتوصلا إلى قناعة بتنفيذ العراق لجميع متطلبات قرارات مجلس الأمن، مما يعني عدم رفع الحصار بقرار من المجلس، ثم اقتنع بالرأي القائل بعدم وجود جدوى من استمرار عمليات التفتيش، وبدأ يصرح علناً بأن أميركا وبريطانيا سوف لن يسمحا باستصدار قرار من مجلس الأمن برفع الحصار عن العراق بموجب الفقرة 22 من قرار المجلس 687 (لسنة 1991)، وتبنى صدام مبدأ عدم رفع الحصار بقرار مدعيا بأنه سيتآكل بصبر العراقيين وعزيمتهم. أما كيف سيتآكل الحصار فعلمه في الغيب ولم يظهر صدام أي برنامج واضح لإسناد استنتاجه، وكل ما تفتقت عبقريته عنه هو وضع إتاوة بنسبة 10% على جميع عقود التوريد إلى العراق بموجب برنامج مذكرة التفاهم (النفط مقابل الغذاء والدواء) على أن يدفع المبلغ نقداً وقبل وصول البضاعة المستوردة. وكذلك فرض رسوم بمقدار 15 سنتا أميركيا على كل برميل من النفط العراقي الذي يتم تصديره بموجب مذكرة التفاهم مما يعني حصول الخزينة المركزية للدولة على سيولة نقدية تصل إلى ثلاثمئة ألف دولار أميركي يومياً من مبيعات النفط فقط. وفي الوقت ذاته جرى تحميل المواطن العراقي ما يمكنه حمله من ضنك الحياة والجوع والفقر والأمراض، وفقدان القدرة الشرائية بسبب انهيار العملة، وخراب معظم المشاريع الخدمية من ماء الشرب والكهرباء والصرف الصحي ، والرعاية الصحية والخدمات التعليمية التي وصلت الحضيض.

أما صدام فقد سعى إلى استمالة دعم الحكومات العربية بدءاً بسورية التي أمر بتزويدها بالنفط وبمشتقاته ومنتجات عراقية أخرى خارج نطاق مذكرة التفاهم وبأسعار مخفضة، وجرت محاولات لعقد اتفاقات تجارية مع عدد من الدول العربية بما في ذلك مصر والأردن وسورية وتونس والجزائر ودولة الإمارات العربية المتحدة ولبنان واليمن وتضمنت الاتفاقات إزالة الضرائب والتعريفات الجمركية على تجارة البضائع المنتجة في كل من بلدي الاتفاق. غير أن هذه الاتفاقات كانت لمصلحة تلك الدول نظراً لأن القاعدة الصناعية في العراق كانت قد وصلت إلى أدنى مستوياتها، حيث هبطت إلى نحو 30% مما كانت عليه قبل حرب 1991 ، مما لا يتيح للعراق تصدير بضائعه إلى تلك الدول. أما مجلس الأمن فلم يأبه بامتناع العراق عن التعامل مع الأونسكوم ومع الوكالة الدولية، فأصدر رئيس المجلس مذكرة قال فيها:{مع التأكيد على أهمية الالتزام بكل قرارات المجلس ذات الصلة، سيستمر المجلس مناقشة كل الخيارات التي تقود إلى تنفيذ القرارات. وقد قرر المجلس أن من المفيد تشكيل ثلاث لجان استشارية منفصلة تناقش الأمور وتقدم توصياتها إلى المجلس في موعد أقصاه 15 نيسان 1999. وقرر المجلس أن يتولى سفير البرازيل [سيلسو أموريم] رئاسة اللجان الثلاث على أن تعتني اللجنة الاستشارية الأولى بمسألة نزع أسلحة الدمار الشامل، ونشاط الرقابة والتحقق المستديم، وأن تهتم اللجنة الاستشارية الثانية بالمسائل الإنسانية، وتعتني اللجنة الثالثة بموضوع أسرى الحرب ومسألة الممتلكات الكويتية.

 وقرر المجلس أيضاً أن تضم اللجنة الاستشارية الأولى خبراء من لجنة الأونسكوم، ومن الوكالة الدولية، ومن منتسبي سكرتارية الأمم المتحدة، وخبراء آخرين من ذوي العلاقة، على أن تقدم توصيات إلى مجلس الأمن عن كيفية إعادة تأسيس نظام محكم لنزع السلاح، وللرقابة المستديمة في العراق. مع إتاحة الفرصة للعراق للاشتراك في هذه اللجان الثلاث، وقدم السفير أموريم توصيات اللجنة الأولى المؤلفة من 20 عضواً إلى مجلس الأمن في 27 مارس 1999.غير أن النظام العراقي لم يعر أي اهتمام لتوصيات السفير أموريم فقد كان صدام قد قرر تجاهل أي إجراء فيما يخص قضية أسلحة الدمار الشامل العراقي بعد أن دمرت لجان التفتيش كل شئ، ولم يعد العراق يمتلك أي من تلك الأسلحة. أما ما يخص البرنامج النووي العراقي فقد أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التقرير الموحد عن فعاليات نظام الرقابة والتحقق المستديم للفترة تشرين الأول 1998 وإلى نيسان 1999 إلى عدم وجود أي دليل لامتلاك العراق أسلحة نووية أو أي مقادير ذات شأن من المواد النووية التي يمكن استخدامها لتصنيع سلاح نووي، كما لم يحتفظ العراق بأي إمكانات واقعية للتمكن من إنتاج مواد نووية. ولعدم وجود مفتشي الوكالة في العراق للفترة منذ 16/12/1998 ولغاية تشرين الثاني 2002 لم تتمكن الوكالة من تنفيذ التفويض الصادر إليها بشأن العراق بحسب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة غير أنها استمرت بإرسال تقارير نصف سنوية إلى مجلس الأمن لتذكره بأن التزامات الوكالة تجاه العراق لا تزال قائمة.

وفي 17/12/1999 أصدر مجلس الأمن القرار 1284 الذي ألغى بموجبه لجنة الأونسكوم، وأوجد بديلاً لها لجنة الأمم المتحدة للرقابة والتحقق والتفتيش، والتي عرفت اختصاراً بلجنة [الأُنموفيك]. وتم تعيين [هانز بليكس] المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية مديراً تنفيذياً لهذه اللجنة الجديدة بعد إن استقال بتلر من منصب المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم السابقة منذ حزيران 1999، وتولى هانز بليكس تكوين لجنة الأُنموفيك بموجب ما ورد وفي قرار مجلس الأمن 1284. لكن العراق رفض العمل بهذا القرار رفضاً قاطعاً ورفض التعاون مع تنظيمات مجلس الأمن بشأن مسألة نزع أسلحة الدمار الشام، وأعلن بأنه قد أوفى بكامل التزاماته تجاه هذه المسألة، وقد حان الوقت لكي ينفذ مجلس الأمن التزاماته تجاه العراق، ويقرر رفع الحصار عن العراق بموجب الفِقرة 22 من قرار مجلس الأمن 687 لسنة 1991. وجاءت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 التي أدت إلى تدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك، والهجوم على البنتاكون بطائرات مُختطفة من قبل مجرمين من تنظيم القاعدة لكي يتخذها الرئيس الأمريكي بوش ذريعة لغزو العراق، وإسقاط النظام الصدامي، وقد شجعه على ذلك الحرب الخاطفة في أفغانستان التي أسقطت نظام طالبان. ففي شهر أيلول من عام 2002،وبعد عام على أحداث 11 سبتمبر التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بوادر الاستعداد الأمريكي لضرب العراق حيث طالب الرئيس بوش قادة العالم خلال جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يواجهوا الخطر الجسيم للنظام العراقي، وكان بوش يبدو عليه وهو يخاطب قادة العالم، الحزم والعزم لغزو العراق موجهاً تهديداً صريحاً للمترددين من قادة الدول لكي يشاركوا إلى جانب الولايات المتحدة، وإلا فالولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا ستتصرفان بمفردهما.

 وفي الشهر نفسه نشر رئيس الوزراء البريطاني [توني بلير] ملفا عن قدرات العراق العسكرية، وفي نوفمبر تشرين ثاني 2002 عاد مفتشو الأسلحة التابعين للأمم المتحدة إلى العراق بموجب قرار جديد للأمم المتحدة يهدد العراق بتحمل العواقب الوخيمة التي قد تنتج عن انتهاك بنود القرار. وفي  آذار 2003 أصدر رئيس لجنة التفتيش الدولية في العراق [هانز بليكس] تقريرا بأن العراق زاد من تعاونه مع المفتشين ويقول إن المفتشين بحاجة إلى مزيد من الوقت للتأكد من إذعان العراق، ولكن سفير بريطانيا في الأمم المتحدة صرح في 17 مارس/ آذار 2003 بان السبل الدبلوماسية مع العراق قد انتهت، وتم إجلاء مفتشي الأمم المتحدة من العراق ومنح الرئيس بوش صدام حسين مهلة 48 ساعة لمغادرة العراق أو مواجهة الحرب.

لكن صدام حسين رفض الخروج من العراق على الرغم من الدعوات التي وجهها العديد من الحكام العرب لتفادي الحرب وإنقاذ العراق من ويلاتها المدمرة، وعلى الرغم من دعوة الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة لصدام بالخروج، واستعداده لاستقباله وأفراد عائلته، وفي حمايته، لكن صدام آثر مرة أخرى أن يكرر القرار الخاطئ الذي اتخذه بعد غزو الكويت برفض سحب قواته، وخاض حربا مع أكثر من 30 دولة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ، وكان معلوماً منذ البداية أن مصيرها هزيمة العراق.

 

رابعا: حرب الخليج الثالثة وسقوط نظام صدام حسين:

 

في التاسع عشر من آذار 2003 قامت الطائرات والصواريخ الأمريكية بقصف بغداد ومختلف المدن العراقية ليمثل ذلك بداية للحرب التي قادتها الولايات المتحدة للإطاحة بنظام صدام حسين. كان القصف على أشده حيث تم استخدام أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية الأمريكية لتوقع أشد الخراب والدمار بالبلاد، وبالمرافق الاقتصادية والخدمية فيها، ولم يكن بمقدور النظام الصدامي الصمود أمام تلك الهجمة الوحشية الشرسة بالنظر لعدم تكافؤ القوى، وفقدان جيشه الحماية الجوية القادرة على التصدي لتلك الهجمات، ولا يملك الوسائل الحديثة للدفاع الجوي مما جعل الحرب محسومة سلفا. لكن صدام حسين أصر على التصدي للحرب ولسان حاله يقول: عليَّ وعلى الشعب العراقي، وليأتي من بعدي الطوفان!!. وبعد أن استمرت الحرب الجوية لبضعة أيام شنت الجيوش الأمريكية والبريطانية هجومها البري منطلقة من الكويت والأردن والقاعدة الجوية في تركيا [أنجرلك]، والتي انتهت بهزيمة النظام الصدامي في التاسع من نيسان، أي بعد عشرين يوماً من بداية الحرب، حيث اختفى الجيش العراقي على حين غرة، وتدفقت القوات الأمريكية والبريطانية على المدن العراقية، وفي المقدمة بغداد، وهرب الدكتاتور صدام وأعوانه مخلفين وراءهم وطناً محتلاً، ودماراً هائلا طال كل مرافق البلاد الاقتصادية والخدمية، وانتشرت الفوضى أرجاء البلاد. وانتهى المطاف بصدام متخفيا في حفرة بائسة، حيث القي القبض عليه فيها، وقدم للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الخاصة التي حكمت عليه بالإعدام، وتم تنفذ الحكم فيه في الثلاثين من كانون الأول 2006، وبذلك أسدل الستار عن تلك المرحلة المظلمة من تاريخ البعث في العراق. لكن آمال الشعب العراقي بالحرية والديمقراطية التي وعدته بها الولايات المتحدة قد خابت، وهذا ما كان متوقعاً، فقد حلت الجيش العراقي والأجهزة الأمنية بأسلوب يتسم بالغباء، وحولت جانباً كبيراً من عناصره إلى عناصر إرهابية بدأت تمارس نشاطها الإجرامي إلى جانب أنصار النظام الصدامي المدحور، وحلفاء صدام من عناصر القاعدة التي بدأت تتدفق على العراق عبر الأراضي السورية والإيرانية والسعودية لتحول العراق من جديد إلى جحيم لا يطاق، حيث السيارات المفخخة، والعبوات الناسفة، والأحزمة الناسفة لعناصر القاعدة باتت تحصد أرواح المواطنين الأبرياء بالجملة كل يوم ، وتدمر الممتلكات العامة والخاصة، وتستنزف ثروات البلاد. ومما زاد في الطين بله إقدام الولايات المتحدة على إقامة نظام حكم طائفي كريه في البلاد، فقد شكل الحاكم المدني الأمريكي [بريمر] مجلس الحكم على أساس طائفي، وجاء بقادة الأحزاب الدينية الطائفية إلى سدة الحكم، وهذا ما مهد السبيل أمام قوى الإسلام السياسي إلى الهيمنة على مقدرات العراق بعد الانتخابات التي جرت في ظل ظروف غير مؤاتية، ولم يكن فيها الشعب العراقي مهيئاً لها، بعد أن خرج لتوه من تلك المرحلة المظلمة من تاريخ العراق التي دامت أربعين عاما من حكم حزب البعث الفاشي، والذي مارس اشد أساليب القمع ضد القوى الديمقراطية،  فكانت النتيجة هيمنة قوى الإسلام السياسي على مجلس النواب، وبالتالي  سن دستور طائفي للعراق أشعل نيران الحرب الطائفية التي قادت البلاد نحو مرحلة ظلامية جديدة اشد قسوة،حيث بات الصراع الطائفي الذي تقوده المليشيات التابعة لهذه الأحزاب الطائفية يحصد أرواح المئات من المواطنين الأبرياء كل يوم، وبأساليب بشعة لم يشهد لها تاريخ الشعب العراقي مثيلاً من قبل، حيث يجري التعذيب والقتل وقطع الرؤوس ورمي الجثث في المزابل، وعلى قارعة الطرق طعاماً للكلاب السائبة، مما تسبب في هجرة الملايين من أبناء الشعب داخل العراق وخارجه، هرباً من طغيان المليشيات الإرهابية التي باتت هي التي تحكم العراق في واقع الحال، والتي أخذت تمارس العزل السكاني على أساس طائفي، وتجبر المواطنين على ترك مساكنهم وأملاكهم تحت التهديد بالقتل الذي طال الكوادر العلمية العراقية من العلماء وأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين الذين هجر معظمهم العراق، وهم ثروته الكبرى، وامتدت أيادي العصابات الإرهابية إلى خطف الأطفال وابتزاز أهاليهم، مما حول العراق من جديد إلى جحيم لا يطاق، وسأتناول بالتفصيل، في كتاب قادم، مرحلة ما بعد نظام صدام حسين، وما جرته على الشعب العراقي من ويلات ومصائب ومحن جاءت على كل آمال الشعب في الحياة الحرة الكريمة، في ظل سيادة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.