الفصل السابع عشر
تداعيات حرب الخليج الثانية
أولا:
التداعيات على الجانب العراقي:
1ـ استمرار الحصار على العراق واشتداد معانات الشعب.
2ـ تفاقم أزمة النظام العراقي
3ـ تحول كردستان إلى مسرح للصراع الإقليمي .
4ـ القيادات القومية الكردية تلجأ إلى السلاح لحسم
الصراع بينها .
5ـ قوات الطالباني تحتل مدينة أربيل ،عاصمة كردستان .
6ـ البارزاني يستعين بقوات الصدام لاستعادة أربيل .
7ـ المعارضة العراقية إلى أين ؟
ثانيا: التداعيات على الجانب العربي:
1 ـ تفكك وانهيار التضامن العربي .
2 ـ مؤتمر مدريد وتهافت معظم الحكام العرب للصلح مع
إسرائيل
ثالثاً:
التداعيات على الجانب الدولي :
1ـ بروز
الولايات المتحدة القوة الكبرى في العالم .
2ـ بوادر ظهور أقطاب أخرى إلى جانب القطب الأمريكي.
أولاً:
تداعيات الحرب على الجانب العراقي:
1 ـ استمرار الحصار على العراق
واشتداد معانات الشعب:
استمرت لعبة القط والفأر بين الولايات المتحدة
والنظام العراقي حول تنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن الدولي فيما يخص تدمير كافة أسلحة
الدمار الشامل العراقية، فالنظام العراقي
كان يدعي بأنه قد نفذ كافة قرارات مجلس الأمن، ودمر كل أسلحة الدمار الشامل،
والولايات المتحدة كانت تدعي أن النظام العراقي لازال يخفي الكثير منها والكثير من
المعلومات المتعلقة بالتسلح، وخاصة برنامجه النووي والبيولوجي والكيماوي، وتبعاً
لهذه المواقف من قبل الولايات المتحدة والنظام العراقي استمر الحصار المفروض على
شعب العراق، دون صدام وزمرته، منذُ 2 آب 1990 وحتى سقوط النظام في التاسع من
نيسان2003، وتفاقمت الأوضاع المعيشية والصحية للشعب إلى الحد الذي بات فيه أكثر من
4 ملايين عراقي يهددهم شبح الموت جوعاً كما ذكرت تقارير بعثة منظمة الأغذية الدولية التابعة للأمم
المتحدة.
كما أشارت
منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 4000 طفل عراقي دون الخامسة من العمر يموتون
كل شهر، بسبب فقدان الغذاء والدواء، والخدمات الصحية المناسبة، هذا بالإضافة إلى
ما سببه سوء التغذية من تأثير كبير على النمو العقلي والجسماني لأطفال العراق.
ومما زاد في الطين بله توقف معظم مشاريع الصرف الصحي،
ومشاريع تصفية مياه الشرب بسبب فقدان قطع الغيار، واضطرار السكان في الكثير من
المدن والقرى إلى استخدام المياه الملوثة غير الصالحة للشرب، مما سبب في انتشار
الكثير من الأمراض كالإسهال والتايفوئيد وغيرها من الأمراض الأخرى.
ورغم أن قرار
مجلس الأمن المرقم 706، الصادر في 15 آب 1991، والقرار رقم 712، الصادر في 19
أيلول 1991، قد سمحا للنظام العراقي ببيع ما قيمته 1600 مليون دولار من النفط، ثم
زيدت إلى ملياري دولار، كل ستة أشهر،
بموجب القرار 986 ،الصادر في 10 نيسان 1995 لغرض شراء المواد الغذائية والأدوية وتوزيعها
على المواطنين، تحت إشراف الأمم المتحدة، إلا أن النظام العراقي رفض تنفيذ تلك
القرارات بحجة الانتقاص من سيادة العراق، وهو الذي تنازل عن السيادة العراقية
للأمريكيين في خيمة صفوان، تاركا الشعب العراقي يعاني الجوع والأمراض، وتحت رحمة
التجار من أزلام النظام الذين يتلاعبون بقوته فيرفعون الأسعار كل يوم، بل كل ساعة،
وتحت رحمة التضخم الذي أدى إلى انهيار العملة العراقية وفقدانها لقيمتها، بعد
إقدام النظام الصدامي على طبع كميات هائلة من العملة الورقية التي لا قيمة لها حتى
هبطت قيمة الدينار العراقي 10000 مرة عن قيمته الأصلية، فقد وصل سعر الدولار
الواحد 3000 دينار عام 1996، بعد أن كانت قيمته قبل الحرب العراقية الإيرانية
تساوي ثلاثة دولارات وثلث.
وهكذا انهارت القدرة الشرائية للمواطن العراقي، وأصبح
دخله لا يساوي شيئاً، ولا يمكنه تأمين أبسط الحاجيات الغذائية والصحية، واضطر
المواطنون إلى بيع أثاثهم وحاجياتهم، وكل ما يتوفر لديهم، ليسدوا رمق أولادهم
وعائلاتهم.
كما اضطر ما
يقارب الثلاثة ملايين مواطن عراقي إلى مغادرة الوطن، ومن بينهم أعداد كبيرة من
الكوادر العلمية العراقية التي كان العراق بأمس الحاجة إليهم ، واختاروا العيش في
المنافي هرباً من بطش النظام الصدامي الفاشي، والظروف المعيشية القاسية التي لا
يمكن وصفها.
ورغم أن
الولايات المتحدة استطاعت أن تجبر النظام العراقي على تنفيذ جميع القرارات الصادرة
عن مجلس الأمن، والتي تهم مصالحها، لكنها سكتت عن تنفيذ هذه القرارات،
والقرار رقم 688، والمتعلق بالقمع الذي
يمارسه النظام الصدامي ضد الشعب العراقي، واستهانته بحقوق الإنسان، والذي بقي
حبراً على الورق.
واستمر
الحصار يطحن بالشعب العراقي دون أن ينفذ النظام الصدامي القرارات المتعلقة ببيع
النفط لتأمين الغذاء والدواء، مكتفياً بما يقدمه للمواطنين بموجب البطاقة
التموينية، من المواد الغذائية الرديئة، والتي لا يمكن أن تفي بحاجة العائلة
العراقية لمدة أسبوعين من الشهر، ولا يمكن أن تؤمن السعرات الحرارية اللازمة
للإنسان ولا حاجته من الفيتامينات الضرورية لصحته، ناهيك عن فقدان الأدوية
والخدمات الصحية الضرورية.
ولما بلغ
الوضع المعيشي للشعب العراقي درجة الانفجار، اضطر النظام الصدامي بقبول تنفيذ
القرار 986، والمعروف بالنفط مقابل الغذاء والدواء، في أواسط عام 1996، بعد رفض
دام خمس سنوات، ذاق خلالها الشعب العراقي مرارة الجوع، والإذلال، وفتك الأمراض،
وقد حاولت الولايات المتحدة تعطيل تنفيذ القرار مرات عديدة متذرعة بمختلف الذرائع،
مما أدى إلى حالة من الاستياء لدى شعوب العالم والكثير من الحكومات التي طالبت
بسرعة تنفيذ القرار، واستمرت المماطلة في تنفيذ القرار حتى شهر آذار من عام 1997،
ورغم أن وردات بيع النفط مقررة لشراء
الأغذية والأدوية، فقد جرى استقطاع ما يزيد على ثلثها من قبل الأمم المتحدة لغرض
التعويضات ومصاريف تدمير أسلحة الدمار الشامل، ورواتب خبراء الأمم المتحدة، ولذلك
فأن ما يبقى من ثمن النفط المباع لا يمكن أن يسد حاجة الشعب من الغذاء والدواء،
حتى لو التزم النظام العراقي بالتوزيع العادل للأغذية والأدوية بموجب القرار
المذكور، لكنه يمكن أن يخفف بعض الشيء من جسامة المأساة التي كان يحياها الشعب.
2 ـ
تفاقم أزمة النظام العراقي
رغم بقاء
واستمرار النظام العراقي، وبقاء صدام حسين على رأس النظام بعد هزيمة ما سماها صدام
بأم المعارك، حرب الخليج الثانية، والتي استحالت إلى أم المهالك ، كما أطلق عليها
الشعب العراقي، فأن أزمة النظام الصدامي أخذت تتفاقم يوماً بعد يوم، فالحصار الذي
فرضه مجلس الأمن على العراق استمر حتى سقوط النظام عام 2003، والبنية التحتية
للاقتصاد العراقي مدمرة، والديون الهائلة تثقل كاهل البلاد، إضافة للانهيار
الاجتماعي الخطير الذي أحدثه الحصار الاقتصادي. لقد عاش النظام العراقي عزلة دولية
خانقة فقد كان نظاما مرفوضا عراقياً، وعربياً وإقليمياً ودولياً، بسبب سياسة صدام
الرعناء، وحروبه العدوانية المدمرة، وسياسة القمع التي مارسها ضد الشعب، وقمعه
لكافة الحقوق والحريات العامة، وتنكيله البشع بكل القوى السياسية وحرمان البلاد من
الصحافة والبرلمان الحقيقي المنتخب من قبل الشعب بحرية ونزاهة، ومن الدستور
الدائم، وسيادة القانون.
لقد غدت التصفية الجسدية للمعارضين هي سمة النظام،
ولم تقتصر هذه السياسة على القوى والأحزاب الوطنية المعارضة، بل امتدت إلى قيادة
حزبه، حيث أقدم صدام على تصفية معظم قيادات حزبه بأسلوب وحشي، وجاء بعناصر بدلها
لا تعرف غير الخنوع لسلطانه.
ورغم كل ما
فعله صدام للحفاظ على نظامه، فأن التمزق والنخر قد وصل إلى أعلى حلقات النظام،
أي إلى العائلة صدام نفسها، ولعل هروب
حسين كامل، الشخص الثاني بعد صدام في سلم
السلطة، وزوج ابنته رغد، والذي شغل اخطر المناصب في الدولة، وكذلك شقيقه صدام
كامل، مسؤول حماية صدام الشخصي، وزوج ابنته رنا، وبمعيتهم عدد من الضباط في جهاز
الأمن الخاص إلى الأردن، في 8 آب 1995 كانت خير دليل على عمق الأزمة التي يعاني
منها نظامه، كما إن إقدام صدام على قتل حسين كامل وشقيقيه ووالده بذلك الأسلوب
البشع، بعد عودته إلى العراق، إثر إصدار ما يسمى بمجلس قيادة الثورة قراراً بالعفو
عنهما، لهو الدليل القاطع على عمق الأزمة التي كان يعاني منها النظام، وعلى بشاعته
التي لا حدود لها حيث، وصلت جرائم صدام إلى قتل والدي أحفاده، فكيف هي تلك الجرائم
التي أرتكبها ضد القوى المعارضة لحكمه؟
ولم تسلم من
بطش صدام جميع الحلقات المحيطة به، والمسخرة لحمايته، فقد نكل بعشائر الجبور،
وعشائر الدليم، وحتى جانب كبير من التكارتة الذين كانوا يمثلون العمود الفقري
لجهاز أمنه الخاص، والمسؤول عن حمايته وحماية النظام، حيث أقدم على اعتقال وتعذيب
عدد كبير من الضباط، من هذه العشائر بتهمة
التآمر على نظام حكمه، مما أدي إلى انتفاضة عشائر الدليم ضد حكمه والتي قمعها صدام
بوحشية، مستخدماً كافة الأسلحة المتاحة، وسقط في مدينة الرمادي أكثر من 150
مواطناً قتلى خلال المعركة.
كما أعقب ذلك
تمرد الكتيبة المدرعة العاشرة في أبو غريب، بقيادة العميد [ تركي إسماعيل الدليمي]
إثر مقتل العميد الركن الطيار[ محمد مظلوم الدليمي ] تحت التعذيب في أقبية الأمن
الخاص الصدامي، لكن صدام استطاع القضاء على التمرد بعد معركة دامية استمرت عدة
ساعات، واستخدمت فيها الدبابات والمدرعات، وسقط الكثير من القتلى والجرحى. ورغم أن
النظام الصدامي حاول بكل جهوده التعتيم على ذلك التمرد، إلا أن أصوات الإنفجارات
كانت تسمع من قبل المواطنين، وسرعان ما انتشرت أخبار التمرد إلى الصحافة العالمية.
لقد حاول
صدام حسين أن يضفي على حكمه صفة الشرعية، بعد تلك الهزات العنيفة، فلجأ إلى إجراء
الاستفتاء المهزلة على رئاسته، دون أن يكون هناك أي منافس!! وأجبر المواطنين على
الإدلاء بصوتهم مهدداً كل من يمتنع عن
التصويت له بسحب بطاقته التموينية، وحرمان عائلته من المواد الغذائية، وهكذا أصبح
الاستفتاء الصدامي مثار السخرية في العالم اجمع. كان معلوماً أن نظام صدام الفاشي
لا يمكن أن يدوم، فقد كانت انتفاضة الشعب العراقي في آذار 1991 هي التصويت الحقيقي
المعبر عن كره الشعب لذلك النظام وتصميمه على التخلص منه مهما طال الزمن.
3 ـ تحول كردستان العراق إلى مسرح
للصراع الإقليمي:
أصبحت
كردستان العراق بعد هزيمة النظام الصدامي في حرب الخليج الثانية، وإعلان الولايات
المتحدة ما سمته [كومفورت بروفايد ] لحماية الأكراد من بطش الحرس الجمهوري الصدامي
مسرحاً للصراع الإقليمي، ومما ساعد في
تصاعد ذلك الصراع اتخاذ كردستان العراق
مسرحاً لنشاط الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب العمال الكردستاني في
جنوب تركيا، كما ساعد في ذلك التناحر المسلح بين الحزبين القوميين الذين تقاسما
السلطة في كردستان، الحزب الديمقراطي الكردستاني [ حدك] والاتحاد الوطني
الكردستاني [ أوك]، وتحالف أوك مع إيران، و تحالف حدك مع تركيا، وهكذا وجدنا تركيا
تدفع بقواتها العسكرية إلى كردستان مرات عديدة، بحجة ملاحقة مقاتلي حزب العمال
الكردستاني، أو لمساعدة الحزب الديمقراطي الكردستاني.
كما كانت إيران تدفع بقواتها داخل العراق بحجة ملاحقة
الثوار الأكراد، في كردستان إيران، أو لمساعدة الاتحاد الوطني الكردستاني، مستغلين
تكبيل العراق بقيود الحصار الذي فرضه مجلس الأمن منذُ أن أقدم صدام حسين على غزو
الكويت، والهزيمة الكبرى التي لحقت بالعراق في حرب الخليج الثانية، ولاشك أن الشعب
الكردي هو الضحية، كلما حدث اجتياح تركي، أو إيراني، حيث تتعرض القرى الآمنة للقصف
المدفعي، وقصف الطائرات، وحيث يقع العديد من الضحايا في صفوف المدنيين، وحيث تتعرض
أموالهم وممتلكاتهم للنهب، أو التدمير. (1)
لاشك أن
تركيا لها أطماع قديمة في ولاية الموصل، والتي تشمل كامل منطقة كردستان، حيث سعت
جهدها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى للاستحواذ عليها، وساومت بريطانيا الحكومة
العراقية، وخيرتها بين ولاية الموصل أو التوقيع على امتياز النفط ، واضطرت الحكومة
العراقية على الرضوخ للمطالب البريطانية
من أجل الحفاظ على ولاية الموصل.
لقد أسفر
الرئيس التركي عن أطماع تركيا هذه عندما صرح في تموز عام 1995 بأن ولاية الموصل هي
ولاية تركية.
أما وزيرة
الخارجية التركية فقد صرحت أن تركيا تعتزم إنشاء منطقة حزام أمني داخل الأراضي
العراقية على غرار الحزام الأمني الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ومن الجدير
بالذكر أن النظام الصدامي كان قد عقد اتفاقاً مع الحكومة التركية في الثمانينات
يسمح بموجبه للقوات التركية بالتوغل في الأراضي العراقية حتى مسافة أربعين
كيلومترا بحجة مطاردة المتمردين الأكراد، وهكذا استمرت القوات التركية باجتياح
الأراضي العراقية كلما شاءت، ودون أي احترام لسيادة واستقلال العراق بفضل سياسة
النظام الصدامي .
4 ـ القيادات الكردية تلجأ إلى
السلاح لحسم الصراع بينها
على الرغم من
سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني [حدك] والإتحاد الوطني الكردستاني [أوك] على
السلطة في كردستان بعد الانتفاضة، وتقاسمهم مقاعد البرلمان ومجلس الوزراء، إلا أن
التنافس والصراع بين الحزبين كان يتفاعل كل يوم، حيث سعى كل منهما للهيمنة على السلطة المطلقة في كردستان،
مما تسبب في تصاعد الخلافات بين الحزبين.
(2)
واستمرت
العلاقات بين الحزبين بالتوتر، والخلافات بالتصاعد بين الحزبين حتى وصلت إلى مرحلة
الصراع المسلح بينهما.
فقد اندلع القتال بين مقاتلي الحزبين في أواخر شهر
آذار من عام 1994، واستخدم الطرفان كل ما تيسر لهما من الأسلحة في قتالهما الشرس
والعبثي، والذي دفع ثمنه الشعب الكردي المنكوب، حيث قتل الألوف من أبنائه، ودمرت
المدن والقرى، واتت الحرب بين الحزبين على البقية الباقية من الاقتصاد المدمر
أصلاً بسبب الحروب التي أشعلها النظام الصدامي طوال عشر سنوات. (3)
ورغم جميع
المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية المنضوية تحت لواء الجبهة الكردستانية لوقف
هذا القتال العبثي، والذي لا يستفيد منه سوى أعداء الشعب الكردي، إلا أن جميع تلك
المحاولات باءت بالفشل، واستمرت المعارك بين الطرفين رغم الهدنة التي كانت تعلن
لفترات من الزمن بعد جهود مضنية بذلتها الأحزاب الوطنية للجمع بين القيادتين، وحل
المسائل المختلف عليها سلمياً وبما يحقق مصالح الشعب الكردي الذي عانى الأمرين من
تلك الحرب.
وهكذا ضاعت
أحلام الشعب الكردي في العيش في سلام وهدوء، بعد تخلصهم من السلطة الصدامية، ووجد
نفسه في ظل ذلك الصراع، وفي ظل الحصار الدولي، والحصار الصدامي على كردستان في وضع
مأساوي ليس له مثيل، يعاني الجوع، وتفتك فيه الأمراض، وتتساقط فوق الرؤوس قنابل
المتحاربين كل يوم منزلة الخراب والدمار والموت. لقد كان المؤمل أن تكون تجربة
الحكم الديمقراطي في كردستان، وتجمع قوى المعارضة الوطنية فيها حافزاً ومنطلقاً
لتحرر العراق من السلطة الدكتاتورية الصدامية لكن قتال الحزبين أضاع كل شيء في تلك
الفترة .
ففي 12 تشرين
الأول 1996 اندلعت جولة جديدة من الحرب أشد وحشية وفتكاً بالأرواح، وتدميراً
للممتلكات من مسلسل القتال الكردي - الكردي بين الحزبين في المنطقة الجنوبية الشرقية من كردستان وشملت مدن
السليمانية وكوسنجق وجمجمال وبلدات أخرى، واستخدم الطرفان كل الأسلحة المتاحة،
ومنزلة أفدح الخسائر بالأرواح والممتلكات، ليس بين صفوف المتقاتلين وحسب، بل بين
صفوف المدنيين الأبرياء.
إن كل
الذرائع والتبريرات التي ادعى بها الطرفان
لاستمرار القتال لا يمكن قبولها، وهي في واقع الأمر تخفي وراءها أهداف حزبية ضيقة
ترمي إلى الانفراد بالسلطة، وإن قيادة الحزبين تتحملان المسؤولية الكاملة عن كل
المآسي التي حلت بالشعب الكردي، وبمسؤولية تدمير الجهد الوطني لأحزاب المعارضة
الهادف إلى تخليص الشعب العراقي من الحكم الدكتاتوري الصدامي البغيض.
5 ـ
قوات الطالباني تحتل أربيل عاصمة كردستان:
وصلت ذروة
الصراع بين حزبي البارزاني و الطالباني في أوائل عام 1995، عندما اقتحمت قوات
الطالباني مدينة أربيل عاصمة كردستان، وبذلك فرض جلال الطالباني هيمنته على مؤسسات
السلطة التنفيذية، وعطل المجلس التشريعي، وجرت خلال اقتحام المدينة والسيطرة عليها
معارك عنيفة بين الطرفين، ووقوع خسائر جسيمة في صفوف المتحاربين والسكان المدنيين
على حد سواء، وجرت حملة تصفيات للخصوم السياسيين، وأدى ذلك إلى زرع الحقد
والبغضاء، والعداء بين إفراد المجتمع الكردي. حاول قادة الأحزاب الوطنية
المتواجدين على الساحة الكردستانية التوسط بين قيادة الحزبين لإيجاد مخرج للازمة
التي تمخضت عن استيلاء قوات الطالباني على أربيل، حيث قدمت مشروعاً يقضي بإعلان
الهدنة بين الطرفين المتحاربين، وبجعل مدينة أربيل منزوعة السلاح، وعودة المجلس
التشريعي ومجلس الوزراء إلى ممارسة مهامهم، والتوقف النهائي عن الملاحقة والاعتقال
وطرد العوائل ومصادرة ممتلكات المواطنين ومنازلهم. وبالفعل استطاعت الوساطة تحقيق
هدنة بين الطرفين في 7 نيسان 995 ، واستمرت حتى الأول من حزيران، ولكن دون تحقيق
أي تقدم في المفاوضات بين الجانبين لحل الأزمة، وبناء على المساعي التي بذلتها
القوى الوطنية فقد جرى تمديد الهدنة حتى 15 تموز 995.
وفي 5 تموز
995 أجتاح الجيش التركي شمال العراق، في المنطقة الوسطى من الحدود المشتركة بين
البلدين باتجاه منطقة [ الميسوري] في قضاء [ ميركه سور ]، وقُدرت القوات التركية
الغازية بلواءين مدرعين، تسندها الطائرات المقاتلة والمروحيات والمدفعية، بالإضافة
إلى القوات المظلية، وادعت الحكومة التركية إنها تطارد المتمردين من أعضاء حزب
العمال الكردستاني، لكن القوات التركية استهدفت المناطق المأهولة بالسكان الأكراد،
وقصفت بصورة عشوائية سبع قرى هي [شيفي] و[ميروز] و[سبندار] و[بندرو] و[دزو]
و[بازيان]، مما أسفر عن تشرد أهالي المنطقة بعد تكبدهم خسائر كبيرة في الممتلكات،
ووقوع العديد من الضحايا والجرحى .(4)
لقد أدى
الاجتياح التركي لكردستان إلى تعقيد الأزمة، وإلى تفاقم أوضاع المواطنين الأكراد
المعشية وزاد من عمق المأساة التي سببها الصراع بين الحزبين (حدك) و(أوك)
6 ـ البارزاني يستعين بقوات صدام
لاستعادة أربيل
في العاشر من
آب 1996 دعا رئيس وزراء تركيا [ نجم الدين أربكان]الذي كان في زيارة رسمية لإيران
إلى عقد قمة تركية عراقية إيرانية، لحل مسألة كردستان العراق، وأكد على أن تركيا
ستستضيف اللقاء، وأنها ستدعو سوريا لحضوره، وقد لاقى الاقتراح التركي استحسان
الحكومة الإيرانية وتأييدها. (5)
غير أنه لم
يمضي سوى أسبوع على اللقاء حتى أنفجر القتال من جديد في كردستان في 17 آب وشملت
المعارك مناطق[باليسان] و[وهيران ] و[حرير ] و[ صلاوة ] و[ جومان ] و[ حاج عمران ]
ورافق القتال قصف مدفعي إيراني لمنطقة [راوندوز]
وبعد يومين
من بدء القتال بدأ النظام الصدامي بتحشيد قوات كبيرة من الحرس الجمهوري في منطقتي
كركوك والسليمانية، والموصل، وأصدر صدام قراراً بتعيين [ علي حسن المجيد ] الملقب
بعلي كيماوي محافظاً لكركوك، كما أصدرت قيادة الجيش أمراً إلى القطعات العسكرية
المرابطة على خطوط التماس بأن تكون على أهبة الاستعداد، وأن تشدد سيطرتها على كافة
المسالك، وإطلاق النار على كل من يتحرك في تلك المناطق.
ورغم أن حشد
القوات العراقية كان مكشوفاً، فأن الولايات المتحدة لم تحرك ساكناً ولم توجه أي
تحذير للنظام العراقي من مغبة الإقدام على أي خطوة عدوانية في كردستان، ولاسيما
وأن هذه المنطقة قد وُضعت تحت الحماية الأمريكية منذُ انتفاضة آذار 1991.
وفي الساعة
الرابعة من فجر يوم 31 آب اندفعت قوات صدام نحو مدينة[أربيل] وحاصرتها من طريقي
الموصل وكركوك، بعد أن مهدت لهجومها على المدينة بقصف مدفعي وصاروخي استمر 4 ساعات.
وبرر النظام العراقي اقتحامه لأربيل بأنه تلبية لدعوة من السيد مسعود البارزاني
زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني.
وفي الوقت
نفسه أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة البارزاني أن قواته بدأت بمهاجمة
أربيل، وأن قواته تقاتل في ضواحيها.
وفي اليوم
التالي، الأول من أيلول، دخلت مجموعات كبيرة من الدبابات العراقية وأحكمت سيطرتها
على المدينة، وأسفرت المعارك عن وقوع خسائر جسيمة في صفوف المقاتلين الأكراد
والسكان المدنيين، وقد مارست أجهزة الأمن
الصدامية التي رافقت القوات العسكرية حملة مداهمات للبيوت، ومقرات الأحزاب
السياسية المعارضة، وقامت باعتقال المعارضين للنظام وفق قوائم كانت قد أعدت سلفاً،
وجرت حملة تصفية جسدية لعدد كبير من المعارضين للنظام العراقي، ونهبت وأحرقت مقرات
الأحزاب المعارضة.
أما الولايات
المتحدة فلم تتعرض لقوات النظام الصدامي التي اقتحمت أربيل، بل أطلقت 27 صاروخاً
على مواقع عسكرية في جنوب العراق في 1 أيلول، ثم أعقبتها بإطلاق
17 صاروخاُ آخر على المنطقة نفسها في 3 أيلول، وقرر الرئيس الأمريكي [كلنتون]
تمديد منطقة الحضر الجوي في جنوب العراق إلى خط العرض 33، وكأن أربيل واقعة في
جنوب العراق!!.
إن كل متتبع
للأوضاع السياسية آنذاك كان يدرك أن صدام حسين لا يمكن أن يقدم على خطوة كهذه، وفي
مثل تلك الظروف التي يمر بها النظام، دون مباركة الولايات المتحدة وموافقتها،
ولابد أن يكون للولايات المتحدة حساباتها في ذلك، وأن هناك العديد الأهداف حققتها من وراء هذه العملية والتي يمكن تلخيصها
بالتالي:
أ ـ تفتيت المعارضة العراقية،
وإفشال أي محاولة لتغير النظام العراقي لا تأتي من تحت المعطف الأمريكي.
ب ـ أشعار دول الخليج أن صدام حسين مازال قوياً، وانه
يشكل تهديداً للخليج، من أجل بقاء القوات الأمريكية في المنطقة وابتزاز دول
الخليج، وحثها على شراء الأسلحة.
ج ـ إشعار أعضاء مجلس الأمن بأن العراق لازال قادراً
على تهديد الأمن والسلم الدوليين، وان استمرار الحصار المفروض عليه مازال يتسم
بأهمية كبرى لضمان الأمن والسلم الدوليين.
د ـ تأمين مرور النفط عبر الأنبوب التركي، بعد توقيع
مذكرة التفاهم بين النظام العراقي والأمم المتحدة، حول تنفيذ قرار النفط مقابل
الغذاء والدواء، والذي أشترط استخدام هذا الأنبوب لنقل معظم النفط العراقي، ومعروف
أن الطلباني على علاقة جيدة مع حزب العمال الكردستاني الذي يخوض صراعاً مع الحكومة
التركية، والذي كان قد قام بنسف أنبوب النفط المذكور فيما مضى مرات عديدة، ويأتي
ذلك لمصلحة تركيا التي تضررت كثيراً جراء الحصار المفروض على العراق، حيث كانت
تجني مليارات الدولارات من عوائد مرور النفط العراقي عبر أراضيها سنوياً .
7ـ
قوى المعارضة العراقية والنظام الصدامي
القاعدة
عادة، وكما هو معروف لدى الناس جميعاً، أن المصائب توحد المجتمع، وتدفع قواه
السياسية للتعاون والتكاتف من أجل درء
الأخطار، والمصائب التي تداهم البلاد، وتصبح هذه الأخطار والمصائب عاملاً حاسماً
في تناسي الضغائن والأحقاد والخلافات مهما كانت، وتدفعهم للعمل المشترك للوقوف
أمام الأخطار التي تهدد الجميع.
لكن فصائل
العارضة العراقية كانت قد قلبت المعادلة رأساً على عقب. فرغم شدة المصائب، وعمق
المأساة التي حلت بالعراق وشعبه، والتي لم يشهد العراق لها مثيلاً من قبل، ورغم
ادعاء كل فصائل المعارضة هذه بأنها تنادي بإسقاط النظام الدكتاتوري الصدامي، وتدعي
الأيمان بالديمقراطية والتعددية واحترامها لحق الشعب العراقي في الحرية، وحقه في
أختار ممثليه عن طريق الانتخاب الحرة والنزيه.
إن كل هذه
التوجهات، إن صح الادعاء، تصلح أن تكون الأساس والقاعدة التي يمكن أن تلتف حولها
هذه الفصائل، وتعمل من أجل تحقيقها بجهد مشترك، لا يستثني أي فصيل مهما صغر شأنه،
فلا يمكن أن تتحقق هذه الأهداف بدون وحدة جمع هذه القوى.
لكننا وجدنا تلك الفصائل قد انقسمت على نفسها إلى
خمسة أقسام يمكن تحديدها على الوجه التالي :
القسم الأول: كان يعول في إجراء التغيير على العامل
الخارجي، الدولي منه والإقليمي، وارتبطت تبعاَ لذلك بهذه الدولة أو تلك على أمل
إجراء التغيير المنشود، على الرغم من ثبوت فشل هذا التوجه طيلة السنوات التي أعقبت
حرب الخليج الثانية.
فالولايات المتحدة لها مصالحها التي لا تعلوها أي
مصلحة أخرى، وهي لا تفكر في إقامة نظام ديمقراطي حقيقيي في العراق، وترى في بقاء
النظام الصدامي ضعيفاً تجاهها، ومنفذاً لكل ما تطلبه منه، وفي الوقت نفسه قادراً
على قمع شعبه، هو خير ما يحقق أهدافها في منطقة الخليج، ولا يهمها مصلحة الشعب
العراقي، ولا المصائب والمآسي التي حلت به مهما عظمت بل يهمها مصالحها فقط.
القسم الثاني: دخل في صراع مسلح دامي فيما بينهم منذُ
17 آب 1994، وجاء على الأخضر واليابس، كما يقول المثل، في كردستان،وأعني به حزبا [حدك] و[أوك] على
الضد من مصالح المواطنين الأكراد بصورة
خاصة، والشعب العراقي بصورة عامة، بل ومنزلين أفدح المصائب بالشعب الكردي، وقد
دفعتهم هذه الحرب العبثية إلى التحالف مع الإيرانيين والأتراك والأمريكان، ومن ثم
أنتهي المطاف إلى طلب المساعدة من النظام الصدامي الذي اجتاح مدينة أربيل في 31 آب
1996، وبذلك أضعف وشتت قوى المعارضة العراقية وجهودها لإزاحة النظام ، ولاسيما وأن
لقوى الحزبين دور كبير جداً في الصراع مع النظام الصدامي.
وفي الوقت
نفسه تصاعدت الدعوات بقيام كيان مستقل في كردستان، لكن تلك الدعوات لاقت الرفض
والمقاومة من جانب إيران وتركيا، وسوريا، نظراً لتخوف هاتين الدولتين من تحرك المواطنين الأكراد في بلديهما للمطالبة بحقوقهم
القومية المهضومة، والذين يتجاوز تعدادهم أكثر من عشرين مليون نسمة، ولاسيما وأنهم
يخوضون صراعاً مريراً مع حكومتي البلدين من أجل تلك الحقوق.
القسم الثالث:
يحمل فكراً دينياً متعصباً، ويضم مجموعة من الأحزاب الإسلامية، يرفض
التعامل مع الفكر العلماني والقوى السياسية العلمانية والديمقراطية، بل ويدخل في
صراع معها على صفحات الصحف والنشرات التي يصدرها، وتحاول فرض نفسها الممثل الوحيد
للشعب العراقي، على الرغم من أن التيار العلماني والديمقراطي له جذور عميقة في
صفوف الشعب العراقي، ولعب ولا يزال يلعب دوراً كبيراً في النضال ضد الدكتاتورية.
ولنا ما جرى في لقاء دمشق لأحزاب المعارضة العراقية
في الثالث من نيسان 1996 ، عندما أصرت القوى الإسلامية على رفض اشتراك الحزب
الشيوعي، مهددة بالانسحاب من المؤتمر، مما اضطر ممثل الحزب الشيوعي على مغادرة
قاعة الاجتماع، فهل خدم هذا الموقف من جانب التيار الإسلامي قضية الشعب العراقي
وتحرره؟ وهل عجّل في إسقاط الدكتاتورية؟
ألا ينفي هذا الموقف صدقيه التوجه الذي كانت تدعيه
هذه الأحزاب حول الديمقراطية والتعددية، والحريات العامة، وخيارات الشعب ؟
القسم الرابع: دعا للتفاوض مع النظام الدكتاتوري
الصدامي، بدعوى أن المعارضة الوطنية غير قادرة على إسقاط النظام، وأن لا سبيل
أمامها إلا التفاهم مع النظام، متناسين التجارب السابقة مع هذا النظام، وغدره بكل
من تحالف معهم ، وتلك الإحداث والشواهد لا تزال ماثلة أمام كل من له عين تبصر وأذن
تسمع، ولا تحتاج منا الإعادة.
القسم
الخامس: الذي ضم التيار الديمقراطي، والذي دعا إلى الاعتماد على الشعب، وعلى تكاتف
وتعاضد كل القوى السياسية الوطنية صغيرة كانت أم كبيرة، من أجل تحقيق التغيير
المنشود، ولها من تجارب جبهة الاتحاد الوطني التي ضمت جميع الأحزاب الوطنية، من
قوميين وديمقراطيين وشيوعيين ومستقلين عام 1957، والتي مهدت السبيل لثورة الرابع
عشر من تموز 1958، خير مثال وشاهد.
لكن هذا
التياركان يحتاج إلى بذل جهود كبيرة من أجل تجميع كل القوى الديمقراطية، ورص
صفوفها والتقدم بخطاب سياسي متكامل، لكي يثبت للقوى الأخرى أنه لازال يمثل جانباً
كبيراً من جماهير الشعب العراقي التي تنشد الديمقراطية حقاً.
لم يخدم هذا التمزق والتناحر في صفوف الحركة الوطنية
سوى نظام صدام، وأطال في عمره، وأطال من أمد وعمق
المأساة التي يعاني منها الشعب العراقي المنكوب، وبذلك تحملت تلك القوى
التي رفضت التعاون والعمل المشترك للخلاص من النظام الصدامي مسؤولية تاريخية كبرى.
لقد كان
السبيل الوحيد للخلاص من النظام الدكتاتوري البغيض هو طريق الوحدة الوطنية،
والتعاضد والتعاون المشترك، وتغليب مصلحة الشعب والوطن على المصالح الحزبية
الضيقة، والأيمان الحقيقي والصادق بالديمقراطية والتعددية، وتداول السلطة.
ثانيا:
تداعيات الحرب على الجانب العربي
1ـ تفكك وانهيار التضامن العربي:
لا شك أن أحد
أهم النتائج التي أفرزها غزو النظام الصدامي للكويت، وحرب الخليج الثانية، هي تمزق
الصف العربي بصورة لم يسبق لها مثيل، واضمحلال دور الجامعة العربية حول بعض
القواسم المشتركة، وهيمنة الولايات المتحدة على سياسات وتوجهات معظم الدول
العربية، وحتى على قرارات الجامعة العربية، ومؤتمرات القمة العربية.
لقد بلغت الكراهية لدى بعض حكام دول الخليج لكل ما هو عربي، وباتت تفضل مصافحة
غلاة العنصريين الصهاينة من قادة الليكود والعمل الإسرائيليين أمثال نتنياهو
وباراك و ديفيد ليفي وشارون، وتأبى أن تصافح اليد العربية، وتلك هي قمة المأساة في
العلاقات العربية.
لقد نسي أو
تناسى حكام الخليج أن الحاكمين لا يمكن أن يكونوا الممثل أو البديل عن الشعوب
العربية، فصدام حسين لا يمثل الشعب العراقي، ولا يعبر عن توجهاته، وهم يعرفون حق
المعرفة أن الشعب العراقي مغلوب على أمره، وانه يرزح تحت نير أعتى نظام دكتاتوري
عرفه العراق، وانه شعب مسلوب الإرادة منذُ أن سطا حزب البعث على الحكم في انقلاب
عسكري عام 1968.
لقد تفرقت
الدول العربية، وأصاب الجامعة العربية الوهن والضعف الخطيرين، بحيث لم تعد قادرة
على القيام بأي دور يخدم القضايا العربية، واشتدت نتيجة ذلك الهجمة الإمبريالية
والصهيونية على العالم العربي لاحتوائه، من أجل إحكام هيمنتها على ثرواته واقتصاده.
لقد اثبت
وقائع التاريخ القريبة منها والبعيدة أن تحقيق آمال وتطلعات الشعب العربي في
التقدم والرفاه، وضمان السيادة والاستقلال، ودرء الإخطار الإمبريالية الهادفة إلى
سرقة ثروات البلاد العربية، والهيمنة على المنطقة وفرض احترام الآخرين للإرادة
العربية، يكمن في وحدة العرب جميعاً، والعمل الجاد والمتواصل لكل ما من شأنه أن
يحقق أقصى ما يمكن من التعاون والتنسيق في سائر المجالات السياسية والاقتصادية
والعسكرية والثقافية، وفي المقدمة من ذلك إنشاء السوق العربية المشتركة والتكامل
الاقتصادي الحقيقي، والوحدة النقدية وغيرها من الأمور الأخرى، وصولاً إلى الوحدة
العربية الديمقراطية، حلم العرب جميعاً.
إنه لأمر مؤسف أن نرى العرب اليوم جميعاً على هذه
الحالة من التمزق والتنافر، والسيف الأمريكي والإسرائيلي مسلط على رقابهم، في وقت
نرى فيه قيام وحدة أوربية بين دول مختلفة، لا يجمعها ما يجمع العرب من جوامع اللغة
والدين والتاريخ والعادات والتقاليد المشتركة، بالإضافة إلى الأرض المشتركة.
2ـ مؤتمر مدريد،وتهافت الحكام العرب
للصلح مع إسرائيل
كان أعظم هدف
حققته الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية ضد العراق هو دفع الحكام العرب إلى
مؤتمر مدريد، من أجل فرض الصلح مع إسرائيل، بعد أن رفض العرب أي مفاوضات أو صلح
معها منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، وبذلك حققت الولايات المتحدة ذلك الحلم الذي
راودها لعقود من السنين، وجاءت بالحكام العرب إلى مؤتمر مدريد وهم في أسوأ حالات
الضعف والتمزق، وفرضت عليهم الدخول في المفاوضات بصورة منفردة، لكي تمكن إسرائيل
من الاستفراد بهذه الدول وفرض شروطها، ولتحقق أقصى ما يمكن من المكاسب على حساب
الحق العربي في أرضه المسلوبة نتيجة الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على الدول
العربية عام 1967.
ومما زاد في
عمق المأساة تهافت العديد من الحكام العرب للصلح مع إسرائيل دون مراعاة لعملية
التنسيق فيما بينها، كما وجدنا أن دول الخليج والمغرب العربي تهرول نحو تطبيع
علاقاتها مع إسرائيل، حتى قبل أن تسفر المفاوضات مع الفلسطينيين وسوريا ولبنان عن
الوصول إلى السلام العادل على أساس الأرض مقابل السلام، كما جاء به مؤتمر مدريد،
مما أضعف الموقف التفاوضي العربي، وزاد من تعنت إسرائيل.
إن الطريق
المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات مع الفلسطينيين، وانقطاع المفاوضات بين سوريا
ولبنان وإسرائيل ناتج عن تهافت النظام الأردني والقادة الفلسطينيين على التفاوض
المنفرد مع إسرائيل، وتخليهم عن التنسيق مع سوريا ولبنان، فقد تسببوا في إضعاف
موقفهم وموقف سوريا ولبنان التفاوضي، وجعلوا اليمين الإسرائيلي يتمسك بالجولان
والقدس والمستوطنات ومعظم الضفة الغربية، ويقسم مدينة الخليل العربية، والتي
يسكنها 130 ألف عربي من أجل 400 مستوطن صهيوني تمّ زرعهم في المدينة.
هذا هو
السلام الذي تريده إسرائيل، إنها تريد السلام والأرض معاً، بالإضافة لسعيها
المحموم للهيمنة الاقتصادية على العالم العربي، وهي تعمل على فرض سلامها بالقوة،
مسنودة بالدعم غير المحدود الذي تقدمه لها الولايات المتحدة، الوسيط النزيه وراعي
السلام كما تدعي !!.
لقد أخذت الولايات المتحدة وإسرائيل تمارسان أقصى أساليب الضغط والتهديد على سوريا ولبنان لدفعهما على الرضوخ والتنازل عن الحق العربي في الأرض والمياه، تارة عن طريق العدوان على لبنان، كما حدث في الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف عام 1982، واجتياح جنوب لبنان عام 1993، وعناقيد الغضب الإسرائيلية عام 1996، وأخيراً الحرب التي بدأها حزب الله مع إسرائيل، بدعم إيراني سوري، ومن وراء الحكومة اللبنانية الشرعية، وما سببه القصف الجوي والبحري والبري للقوات الإسرائيلية من خراب ودمار للبنية التحتية اللبنانية، وبصورة خاصة طرق المواصلات والجسور ، والتدمير الشامل للجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت خلال شهري تموز وآب 2006، وتارة أخرى عن طريق إقامة حلف عدواني مع تركيا الطامعة في الأرض العربية، والتي تراودها أحلام الماضي الاستعماري الرهيب الذي عانى منه العرب زهاء أربعة قرون من البطش والاستعباد والتخلف، والتهديد بشن الحرب على سوريا. فقد تصاعدت وتيرة التعاون العسكري بين إسرائيل وتركيا، وفُتحت الأجواء التركية أمام الطائرات الحربية الإسرائيلية، وجرى تبادل الزيارات بين قيادات البلدين السياسية والعسكرية، واستخدمت المياه كوسيلة ضغط خطيرة، حيث أخذت تركيا تتلاعب بمصادر المياه الدولية، وتقيم السدود على نهر