الفصل السادس عشر
القيادات الكردية ونظام صدام
أولا:القيادات
الكردية تفاوض نظام صدام
ثانيا:
القيادة الكردية تدعو لجنة العمل الوطني
لعقد مؤتمر شقلاوة.
ثالثا:
انتخاب مجلس وطني ، وتشكيل حكومة كردية.
رابعا:
انسحاب القوات الأمريكية والحليفة من العراق .
أولا:القيادات
الكردية تفاوض نظام صدام:
بعد صدور
قرار مجلس الأمن رقم 688 ، في 5 نيسان 1991، وقرار الولايات المتحدة بإقامة منطقة
حماية للأكراد في منطقة كردستان الواقعة شمال خط العرض 38، ورضوخ نظام صدام
للقرار، ظهرت دعوات بين صفوف القيادات الكردية تدعو للتفاوض مع النظام على أساس
بيان 11 آذار 1970، بعد أن عجزت الانتفاضة عن تحقيق ما كان يصبو إليه الأكراد.
ورأى النظام
العراقي أن يستغل هذه الدعوات في محاولة منه لإعادة سيطرته على منطقة كردستان،
فأرسل إشارات إلى القيادات الكردية، عن طريق برزان التكريتي ـ الأخ غير الشقيق
لصدام ـ أعرب لهم فيها عن استعداد الحكومة للتفاوض مع القيادات الكردية.
وجاء الرد من
القيادات الكردية على دعوة برزان التكريتي سريعاً، بالموافقة على أجراء المفاوضات،
دون الرجوع إلى لجنة العمل الوطني المشترك للمعارضة العراقية!!، وتحفظ بعض القوى
المنضوية تحت لواء الجبهة الكردستانية. (1)
وفي 12 نيسان
1991 توجه وفد كردي من الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني،
على مستوى أعضاء اللجنة المركزية إلى بغداد، وأجرى مباحثات مطولة حول مستقبل منطقة
كردستان، ومسألة تطبيق الحكم الذاتي الحقيقي. واعتبر ذلك الاجتماع تمهيداً لاجتماع
جديد ،على أعلى مستوى لبحث كافة الأمور المتعلقة بتطبيق اتفاقية 11 آذار 1975،
وطلبت الحكومة حضور كل من السيد [مسعود البارزاني] والسيد [جلال الطالباني] إلى
بغداد. (2)
وبعد أسبوع
توجه إلى بغداد وفد برئاسة جلال الطالباني، الذي التقى بصدام حسين الذي طلب من القيادات الكردية أن تقدم مشروعا
مفصلاً وكاملاً ودقيقاً يتضمن مطالبها.
وعاد جلال
الطالباني إلى منطقة كردستان، وتم عقد اجتماع لكافة القيادات الكردية لتدارس نتائج
اللقاء الذي تم بين صدام حسين وجلال الطالباني، ووضع مشروع جديد حول إقامة حكم
ذاتي حقيقي لمنطقة كردستان، وتضمن مشروع القيادات الكردية البنود التالية: (3)
أولاً: يتم تطبيق الحكم الذاتي الذي نص عليه اتفاق 11 آذار
1970، مع ضم محافظة كركوك لمنطقة الحكم الذاتي.
ثانياً: إطلاق سراح السجناء السياسيين في جميع السجون
العراقية كافة.
ثالثاً: تسهيل عودة جميع اللاجئين الأكراد، بالتعاون مع
الأمم المتحدة، ومنظمات غوث اللاجئين.
رابعاً: اعتماد التعددية السياسية والديمقراطية في العراق،
وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب مجلس تأسيسي، ووضع دستور دائم للبلاد.
خامساً: ينبغي أن يتم ضمان الاتفاق بواسطة أطراف دولية، عبر
الأمم المتحدة، ويمكن أن تشمل هذه الضمانات مشاركة طرف ثالث في المفاوضات.
توجه بعد ذلك
وفد كردي عالي المستوى إلى بغداد حاملاً معهم المشروع لعرضه على الحكومة العراقية،
وضم كل من السادة:
1ـ جلال الطالباني ـ زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني.
2ـ سامي عبد الرحمن ـ سكرتير عام حزب الشعب الديمقراطي
الكردستاني.
3ـ رسول مامند ـ سكرتير عام الحزب الاشتراكي
الكردستاني.
4ـ نتشيرفان إدريس البارزاني ـ نائب رئيس الحزب
الديمقراطي الكردستاني.
5ـ عمر فتاح ـ قائد الجناح العسكري للحزب الديمقراطي
الكردستاني.
6ـ فاضل مصطفى ـ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي
الكردستاني.
7- عمر
عثمان - عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني .
8ـ فريدون عبد القادر ـ عضو المكتب السياسي للاتحاد
الوطني الكردستاني.
أما الوفد
العراقي فقد تالف من كل من:
1 ـ صدام حسين ـ وقد شارك في اجتماع يومي 21، 22 نيسان.
2 ـ عزت إبراهيم الدوري ـ نائب رئيس مجلس قيادة الثورة.
3 ـ طه ياسين رمضان ـ نائب رئيس الجمهورية.
4 ـ سعدون حمادي ـ رئيس الوزراء.
5 ـ حسين كامل حسن المجيد ـ وزير الدفاع.
6 ـ علي حسن المجيد ـ وزير الداخلية.
وقد جرت
مباحثات بين الوفدين حول المشروع المقدم من الطرف الكردي، مساء يوم 21 نيسان بحضور
صدام حسين، الذي تحدث في الاجتماع عن أهمية الروابط الوثيقة بين القوميتين العربية
والكردية، واعترف صدام بأنه أخطأ في سياسته تجاه الأكراد، وأعلن عن التزامه بأجراء
انتخابات عامة، والمحافظة على التعددية السياسية، وحرية الصحافة، لكنه رفض القبول
بمطالب القيادات الكردية حول ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي، والبند
الخامس المتعلق بالضمانات الدولية.(4)
عاد الوفد
الكردي بعد نهاية المحادثات إلى كردستان للتشاور، ثم عاد بعد أيام إلى بغداد مرة
أخرى لمناقشة المسائل المختلف عليها مع الحكومة، ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل،
وعاد الوفد الكردي إلى كردستان. وقد بدا واضحاً أن هناك العديد من نقاط الخلاف بين
الطرفين وكان أبرزها:
1ـ طلب القيادة الكردية مشاركة طرف ثالث [ ضمانات
دولية] في المفاوضات لحل الخلاف حول تحديد مناطق الحكم الذاتي.
2ـ رفض النظام القاطع ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم
الذاتي.
3ـ إصرار النظام على عودة أجهزة الأمن والاستخبارات
إلى كردستان، ومعاودة نشاطها من جديد، وقد رفض الجانب الكردي ذلك.
4ـ إصرار النظام على عدم السماح بالنشاط السياسي في
صفوف الجيش لغير حزب البعث، وقد قدم الجانب الكردي اقتراحاً بأبعاد الجيش عن
الحزبية، إلا أن النظام العراقي رفض الاقتراح .
5ـ الخلاف حول مسالة الديمقراطية والحريات العامة، فقد
طالب الوفد الكردي بإطلاق حرية الأحزاب السياسية، وحرية الصحافة، وأجراء انتخابات
حرة ونزيه لانتخاب مجلس تأسيسي يقوم بوضع دستور دائم للبلاد، وتشكيل محكمة دستورية
عليا، وإشاعة الديمقراطية في البلاد. وكان النظام العراقي يراوغ حول هذا الموضوع،
ويحاول إقامة مؤسسات صورية خاضعة لأشرافه ونفوذه، ولم يكن جاداً في تحقيق
الديمقراطية في البلاد. (5)
وإثر فشل
المحادثات بين الطرفين، بدأ النظام بممارسة الضغوط على كردستان من جديد، حيث فرض
حصاراً اقتصادياً عليها، وسحب الإدارة المدنية والموظفين، وقطع الرواتب عن
الموظفين والعمال الأكراد، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك، وقطع جميع
الاتصالات مع منطقة كردستان. (6)
لقد كان
واضحاً منذُ البداية أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح مع نظام معادٍ للشعب أوغل في
جرائمه بحق الشعب العراقي عرباً وأكراداً وسائر القوميات الأخرى على حد سواء، وحتى
لو توصل النظام مع الوفد الكردي إلى أي اتفاق، فلن يكون إلا اتفاقاً مرحلياً
اضطرته ظروفه الصعبة إلى قبوله، وعندما تتحسن ظروفه يسارع للتنصل من الاتفاق،
ويبدأ بالتنكيل بالشعب الكردي من جديد ، فنظام من هذا النوع لا يمكن أن يؤمن
بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
ثانياً:
القيادة الكردية تدعو لجنة العمل الوطني لعقد مؤتمرفي شقلاوة:
بعد أن فشلت المحادثات مع النظام الصدامي عادت
القيادات الكردية إلى أحياء التعاون المشترك مع لجنة العمل الوطني للمعارضة
العراقية، فقد وجه كل من السيد مسعود البارزاني والسيد جلال الطالباني رسالة إلى
قيادة لجنة العمل الوطني المشترك داعياً إياهم إلى عقد مؤتمر وطني في مصيف
شقلاوة بكردستان لغرض مناقشة كل جوانب
القضية العراقية، بما في ذلك المفاوضات التي أجرتها القيادة الكردية مع النظام
الصدامي.
وقد أكدت قيادة الجبهة الكردستانية أنها بصدد أجراء
مناقشة نقدية، بعد أن وصلت المفاوضات مع النظام الصدامي إلى طريق مسدود،
والإجراءات التي اتخذها النظام ضد الشعب الكردي، واعترفت القيادة الكردية بأن
المفاوضات قد أضرّت بالقضية الكردية، وبالتحالف الوطني للمعارضة العراقية التي
أصيبت بالتصدع مؤكدين العودة إلى الطريق الصحيح في التعامل مع النظام العراقي، كما
أكدت على أن صدام قد تعمد خداع القيادة الكردية وعدم جديته في مفاوضاته معها. (7)
تلقت الأمانة العامة للجنة العمل الوطني المشترك
رسالة البارزاني والطالباني ووعدت بدراستها والرد عليها، وأكدت أيمانها بضرورة
مواصلة العمل المشترك لكل فصائل المعارضة العراقية، وعدم السماح للخلافات التي ظهرت
أثناء المفاوضات التي جرت بين القيادات الكردية والنظام الصدامي أن تؤثر على
التحالف الوطني.
وتقرر أن تعقد الأمانة العامة للجنة العمل المشترك
اجتماعاً طارئاً لمناقشة الموقف الحالي، ووضع التزام محدد لكافة فصائل المعارضة
تتعهد بالعمل به حرصاً على وحدة الصف الوطني، ومن أجل قهر الدكتاتورية، وإقامة
البديل الديمقراطي التعددي، الضمانة الأكيدة لحقوق الشعب الكردي. (8)
ثالثا:
انتخاب مجلس وطني، وتتشكيل حكومة كردية
رداً على فشل
المفاوضات مع النظام الصدامي، وإقدامه على سحب الإدارة المدنية، قررت القيادة الكردية إجراء انتخابات عامة في
كردستان في عام 1992، وانتخاب مجلس وطني، وتأليف حكومة تقوم بإدارة شؤون كردستان،
لكن الذي جرى هو اقتسام السلطة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني
الكردستاني في حين كان من المؤمل أن تشارك في السلطة جميع الأحزاب الكردستانية لكي
تعطي هذه التجربة حقاً نموذجاً صادقاً للديمقراطية التي يصبو إليها الشعب
الكردي بوجه خاص والشعب العراقي بوجه عام.
(9)
لكن الحزبين المذكورين آثرا الاستئثار بالسلطة
لوحدهما، متجاهلين بقية الأحزاب السياسية المشاركة في الجبهة الكردستانية.
وبعد إقامة االمجلس الوطني وتأليف الحكومة بدأت
القيادة الكردية المتمثلة بالحزبين المذكورين بتطوير تطلعاتها، وشعاراتها الخاصة
بالحكم الذاتي إلى الفدرالية، حيث دعت القيادة إلى ذلك في مؤتمر صلاح الدين، وقد
شجعهم على ذلك تبني مؤتمر فيينا للمعارضة العراقية لحق تقرير المصير للشعب الكردي
في إطار الوحدة العراقية. (10)
أثار القرار حفيظة الأحزاب القومية العربية، وجميع
دول الجوار، وخاصة سوريا وإيران وتركيا، حيث اعُتبر القرار خطوة نحو الانفصال،
وتأسيس دولة كردية، وكانت تخشى أن بأن يحفز الأكراد في تلك الدول التي تضم الجانب
الأكبر من الشعب الكردي، والذي يعاني من الحرمان التام لحقوقه القومية في إيران
وتركيا، للمطالبة بحقوقهم القومية أسوة بما جرى في العراق.
أما الولايات
المتحدة فقد أرادت بهذه الخطوة أن تشكل عامل ضغط شديد على نظام صدام، من أجل تنفيذ
كل ما تطلبه الولايات المتحدة منه.
ورغم أن الحزب
الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني قد اقتسما السلطة بينهما، إلا
أن الصراع من أجل الهيمنة المطلقة كان
بادياً للعيان، وأخذ يتطور يوماً بعد يوم
حتى وصل إلى مرحلة الصراع المسلح، والحرب الأهلية الدموية بين الحزبين كما سنرى
فيما بعد.
رابعاً:
انسحاب القوات الأمريكية والحليفة من العراق
بعد أن أستتب
الأمر لنظام صدام، وتم قمع الانتفاضة الشعبية بتلك الصورة الوحشية، بدأ صدام يركز
جهوده لترميم نظامه، وتثبيت حكمه، وإعادة تنظيم جيشه بعد كل الذي حدث إبان
الانتفاضة، وانضمام أعداد كبيرة من الجنود والضباط إلى صفوف الانتفاضة، حيث جرى
تصفية كل العناصر المشكوك في ولائها للنظام.
كانت القوات
الحليفة تراقب بحذر واهتمام عودة الأمور إلى حالها قبل قيام الانتفاضة، وبعد أن
تأكد لها إمساك صدام حسين بزمام الأمر من جديد، بادرت في 7 أيار 1991 إلى الانسحاب
من الأراضي العراقية التي احتلتها في جنوب العراق
تاركة لصدام قوة عسكرية كبيرة من حرسه الجمهوري، معززين بمختلف أنواع
الأسلحة، لكي يستطيع الحفاظ على نظامه أمام الإخطار المحدقة به، سواء من جانب
الشعب العراقي، أو من جانب إيران التي خاض صدام حسين ضدها حرباً دامية استمرت 8
سنوات، وخلفت وراءها ما خلفت من العداء والكراهية. فالولايات المتحدة تخشى أن يصبح
العراق لقمة سائغة لحكام طهران، كما خشيت من قبل أن تصبح إيران لقمة سائغة لنظام
صدام إبان حرب الخليج الأولى، لكي لا يصبح النفط العراقي أو الإيراني تحت سيطرة
أحد النظامين، بما يملكان من إنتاج هائل، حيث تمثل إيران ثاني دولة منتجة في منطقة
الخليج ويأتي العراق في المرتبة الثالثة،
هذا بالإضافة إلى ما يملكه البلدان من خزين احتياطي هائل في أعماق الأرض.
إن كل ما
قاله الجنرال الأمريكي [ شواردزكوف ] حول تحطيم الجيش العراقي تماماً، وأن ما تبقى
من ذلك الجيش لا يعدو أن يكون أكثر من فرقتين أو ثلاث، كان غير صحيح بالمرة، فقد
تبين بعد نهاية الحرب أن ما يزيد على 20 فرقة، أغلبها من قوات الحرس الجمهوري
الموالية للنظام الصدامي قد خرجت سالمة من
الدمار، وقيل آنذاك أن الولايات المتحدة أرادت إبقاء هذه القوات العسكرية لصدام .
كان حكام
السعودية وبقية دول الخليج غير راضين على الصورة التي انتهت بها الحرب، وبقاء صدام
حسين ونظامه كسيف مسلط على رقابهم، حتى أن ولي العهد الكويتي، ورئيس الوزراء قال
لوزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني [ إنكم
قد قطعتم ذيل الأفعى ولكن الأفعى لن تموت بقطع ذيلها، وإنما بقطع رأسها ]. وهكذا
بقي النظام الصدامي كابوساً يؤرق نوم حكام الكويت، فهم لا يمكن أن يشعروا بالراحة
مع وجود صدام على رأس النظام في العراق. إلا أن ما تريده الولايات المتحدة ليس
بالضبط ما يريده حكام الكويت، فمصلحة الولايات المتحدة فوق كل اعتبار.