الفصل الخامس عشر
الشعب العراقي ينتفض على نظام صدام
أولاً: عوامل
الانتفاضة ضد نظام صدام.
ثانياً:
انطلاق الانتفاضة، وتحرير 14 محافظة.
ثالثاً:
الهجوم المعاكس للنظام وانحسار الانتفاضة.
رابعاً:
أسباب فشل الانتفاضة ؟
خامساً: ماذا
قدمت أحزاب المعارضة للانتفاضة ؟
سادساً:
مؤتمر بيروت لقوى المعارضة العراقية
سابعاً: قرار
مجلس الأمن رقم 688 المتعلق بحقوق الشعب
العراقي .
أولاً:
عوامل الانتفاضة ضد نظام صدام:
لم تكن
انتفاضة الأول من آذار 1991 ، ضد نظام صدام وليدة ساعتها أبداً، بل كانت نتاج
تراكمات هائلة لمعاناة الشعب العراقي من الحكم الدكتاتوري الذي مارسه منذُ مجيئه
إلى الحكم عام 1968 مستخدماً أبشع أساليب التنكيل والاضطهاد، ومصادرة حقوق وحريات
الشعب، حيث لم يمضِِ يوم واحد دون أن يغمس صدام
وجلاديه أيديهم بدماء خيرة الوطنيين من أبناء الشعب، لكي يقمع أية معارضة
للنظام الحاكم ولسياسته المعادية لمصالح الشعب والوطن.
لم تسلم أية
قوة سياسية من بطشه، بدءاً بالشيوعيين والديمقراطيين، وانتهاءً بالقوميين
والإسلاميين، بل لقد جاوز كل ذلك، ليبطش بمعظم قيادات حزبه كذلك.
لقد سنّ صدام
القوانين الجائرة التي تبيح له إعدام كل من انتمى إلى أي حزب سياسي دون حزبه، لكي يخلو له الجو لفرض دكتاتوريته على الجميع،
ولكي يصبح حر اليدين في اتخاذ كل القرارات الخطيرة التي تتعلق بمصير الشعب والوطن،
فكان أن أقدم على شن الحرب ضد الجارة إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، وبتخطيط
منها، ودفع خلالها الشعب العراقي دماء غزيرة لمئات الألوف من خيرة شبابه، هذا
بالإضافة إلى تدمير اقتصاد البلاد، واستنزاف ثرواتها، وإغراقها بالديون.
وما كاد
الشعب العراقي يجر أنفاسه، ليعود إلى الحياة الطبيعية حتى فاجأه صدام حسين بجريمة
أخرى بإقدامه على غزو الكويت، والتنكيل البشع بأبنائها، ونهب كل ما امتدت إليه يد
النظام من أموال وممتلكات الدولة الكويتية وأبناء الشعب الكويتي على حد سواء.
ووجدت
الولايات المتحدة ضالتها المنشودة في إقدام صدام على غزو الكويت، لتنزل قواتها،
وطائراتها الحربية في السعودية، ولتملأ الخليج بأساطيلها الحربية، بالتعاون مع
حلفائها الغربيين، بغية توجيه ضربة قاصمة للعراق، مستخدمة كل الوسائل العسكرية
المتاحة لها، ومن أحدث ما أنتجته مصانعها من تكنولوجيا الأسلحة، لتنزل أقصى ما
يمكن من الدمار بالبنية الاقتصادية والعسكرية للعراق، وإلحاق أبلغ الأذى بالشعب
العراقي، وفرض الحصار الاقتصادي عليه لتجويعه
وإذلاله وإفراغ العراق من كوادره وعلمائه، والعودة به خمسون عاماً نحو
الوراء.
ثم أوقفت
الولايات المتحدة الحرب في 28 شباط 1991، بعد أن أبدا صدام حسين كامل استعداده
لتنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة، لقاء بقاء نظامه، وبقاءه هو على رأس النظام.
لقد ورط صدام
جيشه وشعبه ووطنه في حرب كانت نتائجها محسومة سلفاً لصالح الولايات المتحدة
وحلفائها الغربيين، وأصرّ على البقاء في الكويت، وبدا الأمر وكأن صدام يريد حقاً
إنزال الكارثة بشعبه ووطنه، فلم يشك اثنان في عدم قدرة صدام على الصمود بوجه أعتا
وأقوى الدول الإمبريالية، بما تملكه من أفتك أنواع الأسلحة، وأشدها تدميراً.
وهكذا وقعت
الواقعة، وحلت الكارثة التي توقعها الجميع، ودفع الشعب من جديد ثمناً باهظاً من
دماء مئات الألوف من شبابه، وإنزال أقصى ما يمكن من الدمار بالبنية الاقتصادية،
والعسكرية للعراق، وجرى إذلال جيشه وشعبه.
لقد أوقدت
تلك النتائج المفجعة للحرب نار الحقد والغضب العارم على النظام الصدامي لدى الجنود
المنسحبين من الكويت تحت وابل القذائف التي كانت ترسلها الطائرات الأمريكية
والحليفة على رؤوسهم لإنزال أقصى ما يمكن من الخسائر البشرية بين صفوفهم، وكان ذلك
الغضب العارم لدى الجنود ينذر بالانفجار ليطيح بالنظام ورأسه صدام، الذي سبب كل
تلك الكوارث التي حلت بالبلاد، وأستمر على
الرغم من ذلك يتشبث بالبقاء في السلطة، وهو الذي يتحمل كل نتائج الحرب المفجعة.
ومما زاد في
خيبة أمل الجنود العائدين من الحرب أن قوات التحالف لم تتعرض للنظام ورأسه صدام،
ولا كان في حساباتها إسقاطه، فكان لابد وأن يتحرك الشعب في ظل تلك الظروف التي
أنضجت الانتفاضة، لتسقط هذا النظام الذي سبب كل المآسي والويلات للعراق وشعبه.
ثانياً: انطلاق الانتفاضة وتحرير 14 محافظة:
في اليوم
الأول من آذار 1991، وبينما كانت القوات العراقية تنسحب من الكويت، بحالة من الفوضى الشديدة، وقد تملكها الحنق على سياسة
النظام الذي أوصلها إلى تلك الحالة، توقف رتل من الدبابات والمدرعات المنسحبة في
وسط مدينة البصرة، واستدارت إحدى الدبابات، ووجهت فوهة مدفعها نحو جدارية ضخمة
للدكتاتور صدام ، وأطلقت قذائفها عليها، وراحت تلك الجدارية تهوى متناثرة على
الأرض، وأنكسر بعدها حاجز الخوف من جلاد العراق ونظامه، وتفجر بركان الغضب لدى
أبناء الشعب والجنود المنسحبين، والتحمت جموعهم ببعضها، وراحت تندفع في مظاهرات
ضخمة لم تشهد لها البصرة من قبل ضد حكم الطاغية صدام، ولم تمضِ سوى ساعات حتى
سيطرت الجماهير المنتفضة على المدينة، وتم اعتقال محافظها، وجرى إطلاق سراح كافة
السجناء من ضحايا النظام الصدامي، ورغم كل المحاولات التي قام بها النظام وحرسه
الجمهوري لاستعادة المدينة، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع، وأخذ لهيب
المعركة يمتد كالنار في الهشيم إلى كافة أرجاء العراق من أقصاه إلى أقصاه.(1)
ففي يوم
الأحد المصادف 3 آذار، تم تحرير محافظة
العمارة من قبضة النظام، بعد معركة عنيفة استمرت لمدة ساعتين، وانتهت باستسلام
قوات النظام وأخذ لهيب الانتفاضة يتصاعد
بشكل متسارع ليمتد إلى مدن الكوت، والناصرية، وكربلاء، والنجف الأشرف.
وعلى أثر هذا
الامتداد دخلت من جنوب إيران القوات الموالية لزعيم المعارضة الإسلامية السيد[
باقر الحكيم ] المعروفة بفرقة [ بدر] كما شوهدت مجموعات من حرس الثورة الإسلامية
بعصاباتهم يدخلون معها وكان ذلك يمثل
أمراً خطيراً للغاية على مصير الانتفاضة، وموقف الغرب منها، فقد حاولت الحركة
الإسلامية السيطرة على الانتفاضة والاستئثار بها، مما جعلها تبدو وكأنها ثورة
إسلامية، على غرار الثورة الإسلامية في إيران.
ومما ساعد
على هذا التطور في مسيرة الانتفاضة، هو فقدان القيادة السياسية لأحزاب المعارضة
جميعاً، فقد كانت معظم كوادر أحزاب المعارضة قد هجرت الوطن بسبب إرهاب النظام، ولم
تستطع تلك الأحزاب أن تقدم شيئاً عملياً مهماً للانتفاضة سوى عقدها لمؤتمر بيروت
وقراراته التي سرعان ما طواها النسيان.
في يوم
الاثنين المصادف 4 آذار استطاعت قوى الانتفاضة أن تبسط سيطرتها الكاملة على مدينتي
[العمارة] و [علي الغربي ]، وانظم عدد كبير من قوات الجيش للانتفاضة، كما وردت
أخبار عن سقوط مدينة النجف، ومدينة السليمانية في كردستان بأيدي قوات الانتفاضة.
وفي يوم
الثلاثاء 5 آذار قامت لجنة العمل المشترك
بنشاطات سياسية لدعم الانتفاضة تجلت في إرسال الرسائل إلى كل من الأمين العام
للأمم المتحدة [ديكويار] ، وإلى حكومات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وإلى
حكومات الجوار سوريا وإيران وتركيا والسعودية والكويت، وإلى جامعة الدول العربية،
ومنظمة المؤتمر الإسلامي داعية إياهم جميعاً إلى الوقوف إلى جانب الشعب العراقي
ومساندته من أجل الخلاص من حكم الطاغية صدام ونظامه الفاشي، وناشدهم تقديم العون الضروري من المواد
الغذائية والطبية، وأكدت تلك الرسائل على أن هذه الانتفاضة هي انتفاضة الشعب كله،
بكل فئاته وقومياته وأحزابه السياسية الوطنية، وأنها تستهدف الحرية، وتطبيق حقوق
الإنسان والعدالة الاجتماعية للشعب العراقي كافة.
وفي يوم
الجمعة المصادف 8 آذار وقعت معارك عنيفة حول البصرة، بين قوات النظام وقوات
الانتفاضة، وتم خلال تلك المعارك دحر قوات صدام، وإحراق 10 دبابات، والاستيلاء على
عدد من الدبابات الأخرى سالمة، وتم إحكام السيطرة على محافظة البصرة.
وقد حاولت
قوات صدام القيام بهجوم جديد على البصرة على المحور الشرقي مستخدمة 12 دبابة، وتم
لقوات الانتفاضة دحر الهجوم، بعد تدمير 4 دبابات والاستيلاء على الدبابات الثمانية
الأخرى، واستسلام تلك القوات لقوى الانتفاضة.
وفي اليوم
نفسه حدثت مظاهرات عنيفة في مدينتي الموصل والرمادي، لكن القوات الصدامية كانت قد
استعدت لها وقمعتها بقوة.
أما في
كردستان فقد سيطرت قوات الانتفاضة على مدينتي أربيل وكركوك، ومناطق واسعة من
كردستان، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات ووقع في الأسر وحدات كبيرة
من الجيش.
وفي بغداد قامت مظاهرات صاخبة في أحياء الشعلة
والحرية والكاظمية والثورة، لكن قوات صدام استطاعت السيطرة على الموقف بعد أن
استعملت أقسى أساليب العنف ضد المتظاهرين، وكان النظام قد كثّف تواجد قواته في تلك
الأحياء تحسباً لكل طارئ نظراً لما عُرف
عن سكان هذه الأحياء من الكره الشديد لنظام صدام.
وفي يوم
الثلاثاء 12 آذار جرت محاولات جديدة لقوى
الانتفاضة في مدينة الثورة أحد أحياء بغداد، إلا أن قوات صدام قمعتها بشدة.
وفي الفرات الأوسط استطاعت قوى الانتفاضة هذا اليوم
من السيطرة على مدينة الحلة، بعد قتال شرس مع قوى النظام، وجرى اعتقال جميع
المسؤولين الحكوميين فيها، وقامت قوات النظام هذا اليوم بمحاولة لاستعادة كربلاء،
والعمارة، بعد أن مهدت للهجوم بقصف مدفعي، واستخدمت الطائرات المروحية في قصف
المدينتين كذلك .
وفي يوم
الأربعاء 13 آذار أعلنت القيادة السياسية
للجبهة الكردستانية سيطرتها التامة على كافة منطقة كردستان، وأعلنت حل المجلسين
التشريعي والتنفيذي، الذين أقامهما النظام الصدامي، وتشكيل إدارة مؤقتة لحين إجراء
انتخابات عامة في كردستان.
حاول النظام
الصدامي إعادة سيطرته على المناطق المحررة في محافظة صلاح الدين و ديالى بقواته
التي تعززها الدبابات، والطائرات المروحية، والمدفعية الثقيلة وخاصة في محور
خانقين ـ جلولاء، محاولاً السيطرة عليهما، وعلى طوز خورماتو، وتصدت لها قوات
الانتفاضة واشتبكت معها في معارك عنيفة طوال هذا اليوم، وتم إسقاط 4 طائرات مروحية
تابعة للنظام . وفي يوم الخميس 14 آذار،
أحكمت قوات الانتفاضة سيطرتها على كافة محافظة العمارة، وقتل محافظها، وجرى تعيين
محافظ جديد لها من قبل قوى الانتفاضة وفي محافظة بابل تمكنت قوات الانتفاضة من
السيطرة على المحمودية القريبة من بغداد، وعلى المسيب،واليوسفية، وسدة الهندية،
والقاسم، والحمزة، وتمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على كافة مراكز الشرطة
وأسلحتها، وتم إطلاق السجناء الوطنيين من سجونها. وخلال معارك الحلة قتل كل من
المحافظ [عدنان حسين] ومدير الشرطة [ جبر محمد غريب ] وأمين سر حزب البعث لفرع
الحلة [ طه ياسين] ومدير أمن الحلة المقدم [ مزعل ]
وفي
الديوانية تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة التامة على المدينة، وانظم محافظ
المدينة إلى قوات الانتفاضة، فيما قتل أمين سر حزب السلطة [ خالد عبد الله
التكريتي] كما سيطرت قوات الانتفاضة على مدينة النعمانية، وسيطرت على مراكز لشرطة،
ودوائر الأمن فيها خلال ساعات رغم استخدام قوات النظام الطائرات المروحية ضد قوات
الانتفاضة التي تمكنت من إسقاط 3 طائرات منها.
وفي الكوت
كانت تدور معارك شرسة بين قوات الانتفاضة وقوات النظام طوال هذا اليوم، كما دارت
معارك عنيفة في منطقة [كرمة على] شمال البصرة، واستطاعت قوات الانتفاضة تدمير
العديد من الدبابات التابعة للنظام، وقد
دامت المعركة زهاء 9 ساعات.
كما تم في
هذا اليوم تحرير مدينة [ مخمور] التابعة لمحافظة أربيل، إضافة إلى قرى [ باكرك ] و
[ياسين أغا] وفي هذا اليوم تعرضت مدينتي كربلاء، والنجف إلى قصف مدفعي وبالدبابات
طالت الأحياء السكنية، ومراقد الأئمة التي أصيبت بإصابات مباشرة، وفتحت ثقوباً في
قبابها.
وفي هذا
اليوم أيضاً تم تحرير مدينة [النشوة ] شمال البصرة، واستسلم أعوان النظام فيها لقوات الانتفاضة. وفي هذا اليوم أيضاً
أنفجر بئران نفطيان في كركوك نتيجة القصف
المدفعي لقوات صدام واشتعلت النيران فيهما. وفي يوم الجمعة 15 آذار تمت عملية
تحرير مدينتي [المشرح] و[الكحلاء]، وتم تطهير محافظة العمارة من قوات النظام
تطهيراً تاماً.
حاول النظام
الصدامي هذا اليوم السيطرة على مدينة جلولاء، ودارت معارك شرسة بين قوات الانتفاضة
وقواته، وانتهت المعارك بهزيمة القوات الصدامية، ومقتل أمر الفوج المهاجم الرائد
[علي صالح الجبوري] واستولت قوات الانتفاضة على 4 دبابات سالمة. (2)
وهكذا
استطاعت قوات الانتفاضة فرض سيطرتها على المناطق الجنوبية ومنطقة الفرات
الأوسط ومنطقة كردستان بكاملها خلال
أسبوعين، وبدا نظام صدام في تلك الأيام قاب قوسين أو أدنى من السقوط .
لكن سيطرة القوى الإسلامية على الانتفاضة ومحاولة
الاستئثار بها، ورفعها للشعارات الطائفية والمتطرفة، وتدخل الحرس الثوري الإيراني،
وعدم وجود قيادة ميدانية حكيمة تمثل القوى السياسية الوطنية المؤتلفة بموجب ميثاق
دمشق، وضرورة رفع الشعارات الصحيحة التي تؤكد على الوحدة الوطنية، وإقامة نظام
ديمقراطي تعددي، كل هذه الأمور جعلت قوى التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وكذلك
السعودية ودول الخليج تقلق من سيطرة القوى الإسلامية الموالية لإيران على الحكم في
العراق، وما يسببه ذلك من خطورة على مصالحهم في المنطقة، وجعلتهم يضعون كامل ثقلهم
إلى جانب النظام الصدامي، وتمكينه من استعادة سيطرته على البلاد من جديد.
وهكذا فتحت
قوات التحالف التي كانت تطوق قوات الحرس الجمهوري في جنوب الناصرية الطريق إمام
تلك القوات للعبور، بل لقد أقامت لها الجسور العسكرية لكي تستطيع التقدم نحو
المناطق التي سيطرت عليها قوات الانتفاضة، وبذلك بدأت مرحلة الانحسار للانتفاضة في
17 آذار1991.
ثالثاً:
الهجوم المعاكس للنظام وانحسار الانتفاضة
بدأ انحسار
قوة الانتفاضة بعد منتصف شهر آذار، حيث سمحت الولايات المتحدة وحليفاتها لقوات
الحرس الجمهوري بالعبور، كما سمحت لنظام صدام باستخدام الطائرات الحربية، وصواريخ
ارض ـ ارض، وسائر الأسلحة الأخرى، لقمع الانتفاضة، ووقفت قوات التحالف تراقب قوات
النظام وهي توجه كل أسلحتها نحو الشعب العراقي الذي أنتفض على حكم الطاغية،
وابتلعت الولايات المتحدة كل دعواتها بإسقاط نظام صدام، لا بل ساعدته ومكنته من شن
هجومه على قوى الانتفاضة و ضرب المدن بكل
ما توفر له من الأسلحة، فليس مهماً للولايات المتحدة مصير العراق وشعبه ، بل كل ما
يهمها هو أن تحافظ على مصالحها النفطية في الخليج.
وفي الوقت
الذي كان المواطنون في مدن الجنوب يتصدون لهجمات القوات الصدامية وطائراتها
ودباباتها، توقفت القوات الكردستانية عن زحفها نحو الموصل وصلاح الدين، وقد مكّن
ذلك الموقف قوات صدام من تركيز جهدها العسكري على الفرات الأوسط والمنطقة الجنوبية
للقضاء على قوات الانتفاضة، لتعود بعد ذلك إلى منطقة كردستان، وتنكل بالشعب الكردي
أشنع تنكيل، وتسببت جرائم النظام بهجرة أكثر من مليون مواطن نحو الحدود التركية
هرباً من بطش قواته.
لقد كان
الموقف يتطلب من القوات الكردستانية أن تواصل ضغطها على القوات الصدامية، وعدم
إتاحة الفرصة لها لتركز كل قواتها على المنطقة الجنوبية، ومنطقة الفرات الأوسط.
ففي يوم
الأحد 17 آذار هاجمت قوات النظام مدينة الكوت، واستبسلت قوات الانتفاضة في الدفاع
عن المدينة أمام قوات الحرس الجمهوري وأسلحته المختلفة من الدبابات والصواريخ
والمدفعية والطائرات السمتية، وتم في البداية إيقاف تقدم قوات النظام، واستطاعت
قوات الانتفاضة إسقاط طائرتين سمتيتين، وتدمير عدد من الدبابات، وإنزال العديد من
الخسائر في صفوف قوات صدام، لكن المهاجمين استطاعوا في نهاية الأمر السيطرة على
جزء من المدينة بعد أن نفذ معظم العتاد لدى قوات الانتفاضة، وأصبح موقف قوات
الانتفاضة صعباً أمام قوات الحرس الجمهوري المجهز بمختلف الأسلحة الثقيلة.
وفي يوم
الاثنين 18 آذار قامت قوات النظام بهجوم
واسع على مدينة كركوك بعد قصف مركز بالمدفعية والدبابات، واستطاعت القوات المهاجمة
بعد قتال عنيف من السيطرة على مقر
المحافظة ومقر الفيلق الأول والمطار ومناطق آبار النفط .
وفي اليوم
نفسه قصفت قوات النظام مدن خانقين وجلولاء
وطوز خورماتو وكلار والمجمع السكني [صمود] بصواريخ أرض ـ ارض، منذُ الساعة السادسة
صباحاً، مستخدمة 4 قواعد للصواريخ في السعدية، مما أوقع أعداداً كبيرة من القتلى
والجرحى بين السكان المدنيين، ثم أعقب القصف هجوماً على طوز خورماتو من خمسة محاور هي طريق كركوك، وطريق تكريت،
وطريق بلان، وطريق ينجول وطريق سلمان بيك، مستخدمة الدبابات والطائرات السمتية
والمدفعية الثقيلة، والقنابل الفسفورية والنابالم ،مما تسبب في وقوع خسائر جسيمة
في صفوف المدنيين والعسكريين على حد سواء.
وفي يوم الثلاثاء 19 آذار كان القتال يدور حول مدينة
كربلاء المقدسة، حيث هاجمتها قوات الحرس الجمهوري على محورين، محور المسيب، ومحور
الرزازة، حيث أحرزت القوات المهاجمة المتفوقة في المعدات والأسلحة الثقيلة تقدماً
باتجاه المدينة وحاصرتها، وجرى قصفها بشكل مركز بمختلف الأسلحة الثقيلة.
كما شن
النظام هجوماً آخر على مدينتي النجف والكوفة بعد أن تمكن من جلب قوات كبيرة من
الحرس الجمهوري بأسلحتها الثقيلة.
وقام صدام
حسين بتعين حكام عسكريين في مناطق الانتفاضة، من بين كبار الضباط الذين كان لهم
دور إجرامي كبير في الحرب العراقية الإيرانية، فقد عين [ماهر عبد الرشيد] حاكماً عسكرياً على قاطع الناصرية، و[طالع
الدوري] حاكماً عسكرياً على قاطع البصرة،
و[هشام صباح الفخري] حاكماً عسكرياً على قاطع العمارة، و[طالب السعدون ] حاكماً
عسكرياً على قاطع الكوت، و[علي حسن المجيد] حاكماً عسكرياً على منطقة كردستان.
وفي يوم
الأربعاء 20 آذار حققت قوات الانتفاضة انتصاراً لها في كركوك والسليمانية و أربيل
وأجزاء من محافظة صلاح الدين، وبعض قرى محافظة نينوى، واستطاعت قوات الانتفاضة
السيطرة على دار الإذاعة والتلفزيون في كركوك، و3 مطارات عسكرية ومدنية وجميع
مناطق آبار النفط.
وقامت قوات
صدام المنسحبة من مدينة كركوك بذبح أكثر من 100 طفل كردي فيها، وأخذت رهائن من
المدنيين الأكراد ما يزيد على 15 ألف مواطن من النساء والأطفال والشيوخ، ثم قامت
القوات الصدامية بعد انسحابها من المدينة، بضربها بالقنابل الفسفورية
والنابالم والصواريخ، واستخدمت في قصفها
الطائرات الحربية ذات الأجنحة والطائرات السمتية.
أما في
المنطقة الجنوبية فكانت المعارك الشرسة يدور رحاها بين القوات صدام وقوات
الانتفاضة في داخل مدن كربلاء والنجف والديوانية والسماوة، واستبسلت قوات الانتفاضة
المدافعة عن المدن المذكورة رغم التفوق الكبير لقوات الحرس الجمهوري في الأسلحة والمعدات والخبرة العسكرية، وقد ذهب
ضحية تلك المعارك في مدينة النجف وحدها أكثر من 15 ألف مواطن، وتم اعتقال المرجع
الأعلى للطائفة الشيعية السيد [أبو القاسم الخوئي ] وجرى نقله إلى بغداد.
وفي الوقت
نفسه كانت المعارك الشرسة تجري داخل مدينة البصرة بمختلف أنواع الأسلحة مما أوقع
الخسائر الجسيمة في صفوف المدنيين. وفي يوم الخميس 21 آذار اقتحمت قوات الحرس
الجمهوري مدينة الناصرية رغم البسالة
المنقطعة النظير لقوات الانتفاضة بسبب تفوق القوات المهاجمة في الأسلحة والمعدات.
وفي مدينة
علي الغربي استطاعت قوات الانتفاضة السيطرة على مقر اللواء التاسع من الفيلق
الثالث، وقد استسلم ما يزيد على 250 ضابطاً وجندياً بكامل أسلحتهم، وغنمت قوات
الانتفاضة حوالي 500 بندقية آلية، و30 مصفحة وسيارة عسكرية.
وفي يوم
الجمعة 22 آذار شنت قوات الانتفاضة هجوماً على منطقة زين القوس، وتمكنت من قتل آمر
الفوج، واستسلم أكثر من 100 ضابط وجندي لقوات الانتفاضة، واستولت على كميات كبيرة
من الأسلحة والمعدات.
وفي يوم
الاثنين 23 آذار جرت معارك عنيفة في منطقة فايدة شمال الموصل، على طريق دهوك،
وأوقعت قوات الانتفاضة خسائر جسيمة في صفوف قوات النظام، وتم إسقاط طائرة سمتيه،
واحتلت قوات الانتفاضة المزيد من الأراضي باتجاه مدينة الموصل.
وفي يوم
الاثنين 25 آذار قامت طائرتان حربيتان وأربع طائرات سمتيه بقصف مدينة كركوك في
الساعة التاسعة والربع صباحاً، ثم عادت الطائرات وقصفت المدينة مرة أخرى، في
الساعة الواحدة والنصف ظهراً، مما أوقع الكثير من الضحايا في صفوف المدنيين.
كما دار قتال
عنيف حول مدينتي خانقين وجلولاء حيث استهدفت القوات صدام احتلالهما والتقدم منهما
نحو كركوك.
وفي يوم
الثلاثاء، 26 آذار هبطت طائرة سمتيه حاملة كميات من الأسلحة الكيماوية وعلى متنها
4 ضباط من سلاح الجو العراقي في إحدى
المناطق الحدودية الإيرانية، وطلبوا اللجوء السياسي في إيران، رافضين استخدام
الأسلحة الكيماوية ضد الشعب العراقي.
وفي الجنوب
استطاعت قوات الحرس الجمهوري الصدامية دخول مدينة كربلاء، واستعادت السيطرة عليها،
بعد أسبوعين من المعارك الدامية أبدا فيها أبطال الانتفاضة بطولة نادرة، وقد اتهمت
قوات الانتفاضة قوات مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة والمتواجدة في العراق
بالمشاركة إلى جانب القوات الصدامية في الهجوم على المدينة.
وفي يوم
الأربعاء 27 آذار كانت القوات الصدامية قد استعادت مناطق واسعة من الجنوب وخاصة
مراكز مدن البصرة، والعمارة، والناصرية، وعقد محمد باقر الحكيم مؤتمراً صحفياً في
طهران أعترف فيه بانحسار الانتفاضة في المناطق الجنوبية والوسطى من العراق، واتهم
قوات صدام بتدمير المدن المقدسة، وقتل الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ بأساليب
وحشية يندى لها جبين الإنسانية.
وهكذا تمكنت
السلطة الصدامية من إعادة سيطرتها على مناطق الجنوب، والفرات الأوسط، وبدأت بدفع قواتها
نحو منطقة كردستان . ففي يوم الخميس 28
آذار بدأت تلك القوات هجوماً واسع النطاق على مدينة كركوك واستخدم النظام في هجومه على المدينة 6 فرق عسكرية مجهزة بكل الأسلحة الثقيلة من
الدبابات والمدفعية والصواريخ، وبإسناد الطائرات الحربية والسمتيات، وقد أدى القصف
العشوائي الشديد إلى وقوع الخسائر الجسيمة في صفوف المدنيين، وخاصة النساء
والأطفال، واستطاعت قوات الحرس الجمهوري
بعد معارك شرسة من دخول المدينة.
كما استطاعت
السيطرة على[طوز خورماتو] و[داقوق ] وعدد كبير من القرى المحيطة بكركوك، حيث قامت
القوات الصدامية بتدمير جميع القرى المحيطة بمدينة كركوك، واضطر أكثر من 100 ألف
من السكان إلى التوجه إلى أربيل والسليمانية هرباً من بطش قوات صدام، فيما وقع
أعداد كبيرة منهم بأيدي تلك القوات وجرى تصفيتهم جسدياً بصورة جماعية. وقد وجه
الزعيمان الكرديان [ مسعود البارزاني ] رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني و[جلال
الطالباني ] رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني نداءً إلى الرئيس الأمريكي بوش
طالبين منه حماية الشعب الكردي من هجوم قوات النظام العراقي.
وفي يوم
الجمعة 29 آذار قامت قوات صدام بقصف مدينة
جمجمال بالقنابل الفسفورية والنابالم موقعة الخسائر الجسيمة في صفوف سكانها، ثم
قامت قوات الحرس الجمهوري بمهاجمتها واحتلالها، والتقدم نحو مدينتي السليمانية
وأربيل، مستخدمة كل ما تملكه من أنواع الأسلحة والمعدات الثقيلة والطائرات، مما
أدى إلى حدوث هجرة جماعية كبرى للشعب الكردي نحو الحدود التركية والإيرانية هرباً
من بطش القوات الصدامية وأسلحتها الكيماوية التي كان قد أستخدمها في حلبجة من قبل،
وذهب ضحيتها أكثر من 5000 مواطن خلال بضعة دقائق، وقدر عدد النازحين بأكثر من
مليوني مواطن.(3)
كان وضع
الأكراد مأساوياً بكل معنى الكلمة، نيران القوات النظام من جهة، وقسوة المناخ،
والبرد الشديد، والثلوج من جهة أخرى، مما سبب في وفاة أعداد كبيرة من النازحين.
ومما زاد في
الطين بله إقدام الحكومة التركية على إغلاق حدودها بوجه النازحين مما جعلهم عرضة للتصفية من قبل الطائرات
العراقية التي كانت تلاحقهم وقوات الحرس
الجمهوري الزاحفة.
وسارعت الولايات المتحدة و حليفتها بريطانيا إلى فرض
الحماية على المنطقة الكردية الواقعة شمال خط العرض 32 فيما سمي بعملية {بروفايد
كوم فورت} ومنعت القوات العراقية من تجاوز هذا الخط ، كما منعت الطائرات من
التحليق فوق هذه المنطقة، وبذلك أخذ النازحون الأكراد يعودون إلى مناطق
سكناهم تحت حماية الطائرات الأمريكية.
وهكذا أسقط في يد صدام حسين، واضطر للرضوخ للأمر،
وسحب قواته من المنطقة، كما أقدم على سحب أجهزته الأمنية والإدارية، والمدرسين
وأساتذة الجامعة من كردستان، وقطع الطاقة الكهربائية عن مدينة دهوك.وهكذا أصبحت
منطقة كردستان تحت حماية الولايات المتحدة وبريطانيا وتخلص الأكراد من سيطرة النظام الصدامي، وجرى
تنظيم إدارة جديدة في كردستان من قبل أبناء الشعب الكردي.
كما جرت فيما بعد انتخاب المجلس التشريعي، وتشكيل
مجلس للوزراء بمعزل عن سلطة النظام الصدامي في بغداد.
أما في
الفرات الوسط وجنوب العراق فقد تمّ إجهاض الانتفاضة بقوة السلاح، تحت سمع وبصر
القوات الأمريكية والحليفة، بل وبدعم منها، وأجرى النظام الذي استطاع قمع الانتفاضة والبقاء في السلطة
حملة تصفية وحشية لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل لكل من تشك السلطة بمشاركته في
الانتفاضة، وقدر عدد الضحايا بما يزيد على 300 ألف مواطن، هذا بالإضافة إلى تدمير
المدن والقرى بأسلوب إجرامي بشع.
لقد خذلت
الولايات المتحدة الشعب العراقي، وبان زيف ادعاء الرئيس الأمريكي بوش في أن يشهد
سقوط صدام حسين ونظامه، فقد وجد بوش أن بقاء صدام على رأس النظام يحقق للولايات
المتحدة مصالحها، فيما وجد أن سيطرة القوى الإسلامية الموالية لإيران يمثل أكبر
الأخطار على مصالحهم في الخليج، ويهدد الأنظمة القائمة في هذه المنطقة الهامة،
التي تحتوي على أكبر مصادر الطاقة في
العالم . (4)
رابعاً:
أسباب فشل الانتفاضة؟
عندما قامت
الانتفاضة في الأول من آذار 1991، كانت كل الظروف الموضوعية ناضجة لانتشارها في
كافة المدن العراقية بعد سنوات طوال من الحكم الدكتاتوري الاستبدادي، والجرائم
التي ارتكبها النظام الصدامي بحق الشعب العراقي بكل فئاته وقومياته وطوائفه.
لقد أنتشر
لهيب الثورة بأسرع مما كان يتصوره الكثير من الناس ليغطي العراق من شماله حتى
جنوبه، ومما زاد في اندفاع الجماهير الشعبية للمشاركة في الانتفاضة، هو اشتراك
عناصر واسعة من الجيش في إشعال لهيبها، وانضمام أعداد غفيرة من العسكريين إلى صفوف
الانتفاضة، مما سهل كسر حاجز الخوف الذي أشاعه إرهاب النظام لسنين طويلة، وظهر
لأول مرة أن الجهاز الذي اعتمد عليه صدام حسين في حماية نظامه، قد بدأ بالتداعي
بعد الهزائم التي ألحقها النظام بالجيش العراقي في معركة غير متكافئة مع الولايات
المتحدة وحلفائها، وتسبب ذلك في إذلال الجيش العراقي الباسل.
لقد بان
للشعب العراقي أن نظام صدام بات قاب قوسين أو أدنى من السقوط، ولم يشك أحد في
نهاية صدام حسين وعصابته المجرمة بحق الشعب والوطن.
لكن الأمور
تغيرت بشكل مفاجئ بعد أن وضعت الولايات المتحدة وحلفائها ثقلهم إلى جانب النظام
الصدامي، ومهدوا السبيل لقوات الحرس الجمهوري لاستعادة المبادرة، وسهلوا لقواته
المحاصرة جنوب الناصرية للعبور ومهاجمة المدن المحررة واستعادة السيطرة عليها،
مستخدمة شتى أنواع الأسلحة من دبابات
ومدفعية وصواريخ وطائرات مروحية. وهكذا بدأ الحلم الجميل بإسقاط النظام
يتلاشى شيئاً فشيئاً، نتيجة للأسباب التالية:
1ـ فشل قيادات الانتفاضة في استثمارها وتوجيهها
وقيادتها، وبُعد هذه القيادات عن ساحة المعركة، عدا القيادة الكردية، وتواجدها
خارج البلاد، فقد كان الأجدى بقيادات المعارضة التي اجتمعت في مؤتمر بيروت أن
تتوجه إلى المناطق المحررة من العراق لتنشئ قيادة ميدانية مشتركة لكافة القوى
والأحزاب السياسية المنضوية تحت لواء ميثاق دمشق، وتوجيه الانتفاضة نحو تحقيق
المبادئ التي أقرها الميثاق فيما يخص إسقاط النظام الصدامي، وإقامة النظام
الديمقراطي التعددي، والعمل على تحقيق الأهداف العامة التي نص عليها الميثاق.
إلا أن
شيئاً من هذا لم يحدث، وتُركت الانتفاضة
لتوجيهات بعض القيادات الإسلامية، وعلى رأسها قيادة السيد [ محمد باقر الحكيم ]
الذي دخلت قواته المسماة [ قوات بدر] من
إيران إلى جنوب العراق، مما جعل الشعارات الطائفية تطغي على الانتفاضة.
وسرت شائعات
حول دخول قوات من حرس الثورة الإيرانية بصحبة قوات بدر التابعة لباقر الحكيم ليثير
قلق الولايات المتحدة وحلفائها، وحكام الخليج وعلى رأسهم السعودية، حيث وجدوا أن
سيطرة قوى إسلامية موالية لإيران سوف يسبب
مخاطر كبيرة على مصالحهم، وعلى أنظمة الحكم في دول الخليج. وهكذا اتخذت
الولايات المتحدة قرارها بالوقوف ضد الانتفاضة وإجهاضها، واستمرار النظام الصدامي
في حكم العراق.
لقد أخطأت
القوى الإسلامية في محاولة الاستئثار بالانتفاضة، متجاهلة بقية القوى السياسية
الوطنية التي انضوت تحت راية ميثاق دمشق، وتصورت تلك القوى أنها باتت على وشك
الوصول إلى الحكم، ولم تدرِ أنها بإجراءاتها تلك قد استفزت قوى التحالف الغربي،
وأنظمة الخليج، بل وأرعبتها ، ودفعتها إلى الوقوف ضد الانتفاضة، وإجهاضها.
2 ـ توقف زحف القوات الكردستانية نحو مدينتي الموصل
وصلاح الدين بعد أن تم لها السيطرة الكاملة على كردستان، في حين كان الموقف يتطلب
مواصلة الزحف نحو محافظتي الموصل وصلاح الدين للسيطرة عليهما من جهة، ولتخفيف
الضغط على الجبهة الجنوبية والوسطى من جهة أخرى حيث كانت قوات الانتفاضة في الجنوب
والفرات الأوسط تخوض المعارك الباسلة ضد القوات الصدامية، وقد أتاح توقف زحف
القوات الكردية الفرصة للنظام للاستفراد بقوى الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط،
وتوجيه جهده العسكري لقمعها وتصفيتها، ومن ثم التحول نحو منطقة كردستان، والتنكيل
بالشعب الكردي.
3ـ بسبب من ضعف قيادة قوات الانتفاضة، وسيطرة القوى
الإسلامية عليها، واستبعاد القوى السياسية الأخرى وقعت قوات الانتفاضة بأخطاء
جسيمة، فقد اتخذت قيادة الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط سياسة التصفية الجسدية
ضد العناصر البعثية، وحتى ضد العديد من العناصر السنية في بعض الأحيان، في حين كان
المفروض الابتعاد عن مثل هذه السياسة، ومحاولة جر جانب كبير من العناصر التي
ارتبطت بحزب البعث لأسباب عديدة إلى جانبها. فمعلوم أن نظام صدام عمل بكل الوسائل والسبل
على إجبار أبناء الشعب للانخراط في صفوف الحزب، سواء عن طريق التهديد والوعيد، أو
عن طريق الإغراء المادي، والمكاسب الوظيفية وغير الوظيفية، مما جعل الكثيرين من
أبناء الشعب ينتمون لحزب البعث، رغم عدم إيمانهم به وبقيادته وتوجهاته، ولكن سياسة
التصفية الجسدية للعديد من عناصر الحزب جعلت البعثيين يقفون ضد الانتفاضة
مرغمين، بينما وجدنا القوات الكردستانية
سلكت طريقاً آخر استطاعت فيه جر جميع العناصر الكردية التي سخرها النظام الصدامي
لمحاربة الحركة الكردية لسنين عديدة إلى صفوفها، وبكامل أسلحتها، مما أسقط في يد
نظام صدام. وحتى عناصر الجيش العراقي الذين استسلموا للقوات الكردستانية فقد جرى
نزع أسلحتهم إلا أنهم لم يتعرضوا للاعتداء.
غير أن
القوات الكردستانية أخطأت في عدم محاولتها الاستفادة من قدرات تلك القوات التي
استسلمت، وألقت سلاحها، وهي بالتأكيد أعداد كبيرة جداً، وكان الأجدر أن تحاول كسب
تلك القوات، وتعبئتها ضد النظام، ولاسيما وأنها كانت على درجة كبيرة من الضخامة،
وتمتلك خبرات قتالية جيدة جداً، وقادرة على استخدام الأسلحة الحديثة التي كانت
بحوزتها، ولو تم ذلك لكانت قوات الانتفاضة قد أصبحت في موقف أحسن بكثير، وربما استطاعت
جر تشكيلات عسكرية أخرى إلى جانبها.
4 ـ إن إهمال ميثاق دمشق، ومحاولة القوى الإسلامية
الطائفية قطف ثمار الانتفاضة لنفسها، ومحاولة إقامة نظام طائفي في العراق، قد أقلق
الطائفة السنية بالغ القلق، ولاسيما وأن معظم قيادات الجيش هم من الطائفة
السنية.لقد كان الأجدى بتلك القوى أن تتجنب ذلك السلوك، وتؤكد على الشعارات
الداعية للوحدة الوطنية، والنظام الديمقراطي التعددي، ومحاولة كسب وجر العناصر
السنية في صفوف الجيش إلى جانبها، لكن تلك النظرة الضيقة للقوى الإسلامية الطائفية
جعلت جانباً كبيراً من الطائفة السنية تفضل بقاء السلطة الصدامية على قيام نظام
حكم شيعي طائفي في العراق.
5 ـ اعتماد
قوات الانتفاضة على نظرية الدفاع المحلي، سواء في المنطقة الكردية أم في المنطقة
الجنوبية والفرات الأوسط، وطبيعي أن هذه النظرية قد كلفت قوى الانتفاضة تضحيات
جسيمة في مواجهة جيش منظم ومجهز بمختلف
الأسلحة الثقيلة.
لقد كان
الأجدر بقوات الانتفاضة تشكيل قيادة موحدة للانتفاضة، في عموم العراق وأن تكون هذه
القيادة جماعية، لسائر قوى الانتفاضة، وأن تلتزم القيادة الموحدة بمقررات مؤتمر
دمشق، وتعمل على تطبيقها.(5)
6 ـ نفاذ العتاد لدى قوات الانتفاضة، وتعذر الحصول على
أي دعم أو مساندة يمكنها من مواصلة التصدي لقوات النظام، ولو وفرت القوات
الأمريكية هذا الدعم وقدمت العتاد والسلاح لقوات الانتفاضة لتغير سير المعارك
لصالح الانتفاضة، لكن الولايات المتحدة كانت قد قررت التخلي عن الانتفاضة، وأبتلع
الرئيس بوش دعوته للشعب العراقي لإسقاط النظام لمنع هيمنة النظام الإيراني على
مقدرات العراق.
هذه هي أهم
العوامل التي أدت إلى إجهاض الانتفاضة التي دفع الشعب العراقي خلالها تضحيات جسام
دون أن يحقق ما كان يصبو إليه في التخلص من صدام ونظامه، وإقامة البديل الديمقراطي
التعددي، وبات على الشعب العراقي أن يتحمل لسنين عديدة أخرى المآسي والويلات من
هذا النظام الفاشي، ويعاني من الحصار الظالم المفروض على العراق وما سببه من ويلات
ومصائب للشعب .
خامساً:
ماذا قدمت أحزاب المعارضة للانتفاضة؟
اتسمت مواقف
القيادات السياسية لقوى المعارضة العراقية بكونها دون مستوى الأحداث التي ألمّت
بالعراق وشعبه، رغم أن النظام الصدامي قد اضطهد كل القوى ونكل بها دون استثناء،
إلا أن ذلك الاضطهاد والتنكيل لم يحفز تلك القوى لتجميع قواها وتعبئتها حول قواسم
مشتركة تناضل جميعها من أجلها، وفي المقدمة من ذلك إسقاط النظام الدكتاتوري وإقامة البديل الديمقراطي التعددي الذي يضمن
الحريات العامة للشعب، ويقيم المؤسسات الدستورية في البلاد.
لقد استمرت
تلك القوى في تباعدها عن بعضها، وحتى احترابها، إلى وقت متأخر جداً، بعد أن غزا
صدام الكويت، وبعد إقدام الولايات المتحدة وحليفاتها على حشد قواتهم العسكرية في
الخليج بدعوى إخراج القوات العراقية من الكويت ، وظهر فيما بعد أهداف الولايات
المتحدة وحليفاتها الدول الغربية لا تنحصر في تحرير الكويت، بل أساساً في تدمير البنية العسكرية
والاقتصادية والاجتماعية للعراق.
عند ذلك
أدركت تلك القوى السياسية المعارضة للنظام الصدامي ماذا يحيق بالعراق وشعبه،
وتسارعت الدعوة إلى اللقاء، والاتفاق فيما بينها على قواسم مشتركة، فكان لقاء
دمشق، الذي ضم 17 حزباً وتنظيماً سياسياً، في 27 كانون الأول 1990، وقد تدارس
ممثلو تلك الأحزاب والتنظيمات الأوضاع الخطيرة في العراق قبيل بداية الحرب، وتم في
هذا اللقاء الإنفاق على برنامج للعمل
المشترك وعلى تشكيل لجنة تمثل تلك القوى،
دُعيت بـ [ لجنه العمل الوطني المشترك ]، تقوم بالتحضير لعقد مؤتمر عام لكافة
القوى والعناصر الوطنية الفاعلة، وأصدر اللقاء في نهاية اجتماعاته الميثاق التالي
الذي وقعته جميع الأحزاب والتنظيمات التي حضرت اللقاء ، وفيما يلي نص الميثاق: (6)
ميثاق للعمل
الوطني المشترك:
يا أبناء
شعبنا العراقي الأبي:إدراكاً من قوى المعارضة العراقية لحراجة الأوضاع العامة في
وطننا الحبيب، وخطورة المرحلة التي نعيشها جميعاً، حيث يسود حكم الطاغية صدام حسين
الفردي وأجهزته القمعية، وإرهابه الدموي، ويتفرد بأخطر القرارات التي تخص مصير
شعبنا ووطننا، دون مشاركة من أي مؤسسة دستورية أو قانونية منتخبة، كإشعاله الحرب
العدوانية ضد الجارة إيران، بعد إلغائه اتفاقية الجزائر التي وقعها مع الشاه عام
1975، والعودة إليها بقرار فردي متجاهلاً إرادة الشعب.
وبناء على
استمرار سياسة النظام الدكتاتوري في بغداد، بتوسيع نطاق البطش والقمع والإرهاب
والاضطهاد والتصفيات الجسدية التي ذهب
ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء شعبنا العراقي المكافح، ومن جميع القوى الوطنية الإسلامية، والقومية
العربية والكردية، والديمقراطية، عبر انتهاجه لسياسة التمييز القومي والديني
والطائفي، مما أوقع البلاد في أزمة خانقة، سياسية ، واقتصادية واجتماعية، وتجاهل
النظام للواقع التاريخي والاجتماعي للشعب العراقي الذي يتألف من قوميتين رئيسيتين
هما العربية والكردية، وأقليات قومية أخرى، وكونه شعباً مسلماً، مع وجود أقليات
دينية أخرى، وتقديراً لمخاطر الأزمة في منطقة الخليج التي نجمت جراء العدوان على
الكويت واحتلالها، وضمها قسراً إلى العراق، وما رافقه من عمليات قتل ونهب وسلب،
وما تبعه من حشد للجيوش الأجنبية في المنطقة العربية، مما ينذر باندلاع حرب مدمرة،
تنزل كارثة جديدة بشعبنا، وبالشعب الكويتي، والأمة العربية، وشعوب المنطقة، وتلحق
أفدح الخسائر باقتصادنا الوطني، وثروات شعبنا وإمكانياته.
وإن قوى
المعارضة إذ تدين، وترفض الاحتلال والضم القسري للكويت، تؤكد على الخيار السلمي
لحل الأزمة في الخليج، ودرء كارثة الحرب المحتملة، ونزع فتيلها، وذلك بتشديد الضغط
على النظام، لإجباره على الأنساب من الكويت دون قيد أو شرط، وإطلاق حرية جميع
الرهائن المحتجزين، وتعبئة كل القوى من أجل سحب القوات الأجنبية من المنطقة، وحل
الخلافات بين دولها سلمياً، ومن أجل إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، والحيلولة
دون وقوع كارثة الحرب، وإنقاذ شعبنا، ودرء الأخطار المحتملة جراء التوتر السائد،
وإفشالا لكل المحاولات الرامية إلى تجويعه وإضعافه، وإذلاله. أجمعت قوى المعارضة
العراقية بكل فصائلها واتجاهاتها المختلفة، واتفقت على مبادئ أساسية، وبرنامج
سياسي موحد لعمل مشترك فيما بينها، ينسجم ومطالب المرحلة الحاضرة، ملبين بذلك
إرادة شعبنا المكافح من أجل الوصول إلى أهدافه العادلة والنبيلة، وعاقدين العزم
على تصعيد وتائر العمل التضامني للتخلص وبشكل نهائي من كابوس الدكتاتورية، والتسلط
والإرهاب.
إن شعبنا
يواجه، بشجاعة نادرة قهر وقوة نظام صدام الدكتاتوري، الذي يتنكر لقيم ومثل
الإنسانية والعروبة، ويعتبر هذا النظام وريث مخلفات الأنظمة الاستبدادية العميلة
التي تعاقبت على سدة الحكم في العراق، مع تشديد لا مثيل له في وتيرة الطغيان،
والانفراد بالحكم، وهو اليوم يتأهب لمسك زمام مصيره بيده، تعضده في ذلك قوات الجيش
العراقي التي لازالت تتطلع لأداء مهامها الوطنية والقومية والإسلامية.
إن قوى المعارضة العراقية مجتمعة تهيب بأبناء شعبنا العراقي وجيشه الباسل، في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ بلادنا