الفصل الرابع عشر
عاصفة الصحراء
أولاً: أبواب الجحيم تُفتح فوق العراق .
ثانياً: طائرات أمريكا وحلفائها تركز هجماتها على
القطعات العسكرية
ثالثاً: بدء الحرب البرية.
رابعاً: هزيمة النظام العراقي، وتوقف الحرب.
أولاً:أبواب الجحيم تُفتح فوق العراق
بعد فشل
اللقاء الذي تم بين [ طارق عزيز] و[جيمس بيكر] في جنيف أدرك الشعب العراقي أن
الحرب أصبحت أمراً لا مفر منه، وكان القلق قد فعل فعله لدرجة أفقد الناس صوابها،
فقد أحس الجميع أن هذه الحرب لن تكون مثل غيرها من الحروب، كالحرب العراقية
الإيرانية مثلاً. فالأمر هنا مختلف تماماً. ذلك أن العراق لا يواجه جيش دولة
واحدة، بل جيوش 28 دولة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه الجيوش وعلى رأسها جيوش
الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ، بما تملك من أحدث أنواع الأسلحة،
والتكنولوجيا الحربية التي لا يمكن بأية حال من الأحوال مقارنتها بما يمتلك
العراق، هذا البلد الصغير من بلدان العالم الثالث.
ولم يكن
أحداً يشك بأن مسار الحرب هو بالتأكيد لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وأن مصير
الحرب قد تقرر قبل نشوبها، وأن كارثة كبرى ستحل بالعراق وشعبه، مما أشاع القلق، بل
والهلع في نفوس أبناء الشعب، وخوفهم من أن يلجأ صدام حسين إلى استخدام الأسلحة
الكيماوية والبيولوجية في الحرب، لتردّ عليه الولايات المتحدة بالسلاح الذري
والكيماوي، وكل الأسلحة الفتاكة الأخرى التي في ترسانتها، ولاسيما وأن صدام سبق أن
استخدم السلاح الكيماوي ضد أبناء الشعب الكردي في كردستان العراق عام 1988 في حملة
الأنفال السيئة الصيت، فما الذي يمنعه من استخدام أسلحته الكيماوية والبيولوجية ضد
قوات الولايات المتحدة وحلفائها، وخاصة إذا ما شعر أن وجوده ونظامه قد أصبح في مهب
الريح ؟
ولذلك فقد
سارع سكان بغداد وغيرها من المدن إلى مغادرتها هرباً من احتمالات الضربات النووية
والكيماوية، وليبحثوا لهم عن مكان آمن. لقد كان منظر سكان بغداد، وهم ينزحون منها
يثير الأسى والحزن في كل قلب، فلم يكن للشعب حيلة في ذلك، فهو شعب مسلوب الإرادة،
وقد تسلطت على الحكم عصابة مجرمة بالعنف والقوة، ونكلت به وبقواه الوطنية أبشع
تنكيل، منذُ أن سطتْ على الحكم بانقلاب عام 1968، بوحي وتخطيط أمريكي، واشتدت
حملات التنكيل الفاشية بعد أن سطا صدام حسين على الحكم، وقام بانقلابه على سيده
[أحمد حسن البكر]، ليمتد تنكيله حتى بقادة حزبه، ناهيك عن الأحزاب الوطنية
المعارضة لحكمه، وليفرض من نفسه أعتا دكتاتور عرفه العراق، وجعل من نفسه القائد
العام للقوات المسلحة، ومنح نفسه أعلى رتبة عسكرية في العالم، وشن على الجارة
إيران حرب مجرمة لا ناقة ولا جمل للشعب العراقي فيها، كما يقول المثل العربي
المشهور، بالنيابة عن الولايات المتحدة،
ودفع خلالها مئات الألوف من خيرة الشباب العراقي إلى محرقة الموت دفاعاً عن
المصالح الأمريكية في الخليج.ولم تكد تنتهي الحرب عام 1988، ويتنفس الشعب العراقي
الصعداء حتى بدأ صدام حسين يخطط لمغامرة جديدة، فكانت غزو الكويت، وظن صدام أن الولايات
المتحدة ستسكت على مغامرته تلك مكافئة له على حربه ضد إيران، فكانت حساباته خاطئة
جداً، فالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لاتهمهم العلاقات مع صدام، بل إن ما
يهمهم هو تأمين مصالحهم النفطية في الخليج،والحيلولة دون ظهور أية قوة تحاول
الهيمنة على نفط الخليج. (1)
فكان لابد من تجريد العراق من أسباب القوة، وتصفية
أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها، بعد أن انتهت الحرب مع إيران، وهكذا نصبت
الولايات المتحدة الفخ لصدام وسهلت له غزو الكويت، ولم تحاول أن تنهره عن الإقدام
على فعلته رغم أن أقمارها التجسسية، ومخابراتها العسكرية كانت تراقب عن كثب كل
تحركات قوات صدام قبل الغزو ساعة بساعة. (2)
وها هو
العراق يواجه ذلك اليوم جيوش الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وبكل ما تملكه
من أسلحة فتاكة، إضافة إلى اشتراك قوات عربية، مصرية وسعودية وسورية ومغربية، ومن
كافة دول الخليج، فلم يجد أبناء الشعب أمامهم سوى هجر بغداد والمدن الأخرى لعلهم
ينجون من الموت، وكانوا يعدون الدقائق انتظاراً للكارثة التي لم يشك أحد بقرب
وقوعها الوشيك، وتحولت مدينة بغداد إلى مدينة أشباح بعد أن هجرها سكانها هرباً من
الموت. (3)
بداية
الحرب الجوية :
كانت الساعة
تشير إلى الثالثة من فجر يوم الجمعة المصادف للسابع عشر من كانون الثاني 1991
عندما انطلقت أكثر من 2000 طائرة حربية نحو 700 هدف كان قد حُدد سلفاً، كما انطلقت
الصواريخ البعيدة المدى من السفن الحربية المتواجدة في الخليج العربي وخليج العقبة
والبحر الأحمر. ففي أعالي البحر الأحمر كانت هناك حاملات الطائرات [ساراتوجا ] و [كندي] و[تيدور روزفلت] و[
أمريكا ] وعلى ظهرها ما يزيد على 200 طائرة، قادرة على الوصول إلى أي نقطة في
العراق، هذا بالإضافة إلى الصواريخ البعيدة المدى من نوع كروز الموجهة تلفزيونياً،
التي كانت على متنها، والقادرة على المناورة لإصابة أهدافها بدقة. (4)
وكانت
القواعد الجوية الأمريكية في [ حفر الباطن ] و[الظهران] و[الرياض ] في السعودية،
والقواعد الجوية في البحرين، وقاعدة [انجرلك ] في تركيا،وقاعدة [ديغو كارسيا] في المحيط الهادئ، حيث تقف على أهبة
الاستعداد طائرات B52 القاذفة الضخمة، والمعدة للغارات البعيدة المدى،
والقادرة على حمل كميات ضخمة من القنابل.
وفي الخليج
كانت الولايات المتحدة قد عبأت كل ما أمكنها من القطعات البحرية، وحاملات الطائرات
المجهزة بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الحربية بالإضافة إلى القاعدة الكبرى
للإمبريالية، وأعني بها إسرائيل، رغم التعتيم الشديد على النشاط الإسرائيلي في تلك
الحرب بسبب ما يمكن أن تسببه من حساسية وهياج لدى الشعوب العربية، مما قد يثير
متاعب جمة للجهود الحربية الأمريكية،غير أن الذي لا شك فيه أنه كان لإسرائيل دور
تلعبه فيها، كما أن قواعدها الجوية كانت منطلقاً للطائرات الأمريكية للهجوم على
العراق.
راحت
الطائرات الحربية الأمريكية والحليفة، وصواريخهم البعيدة المدى، تدك أهدافها
المحددة سلفاً، بادئةً بالقواعد الجوية، وأنظمة الدفاع الجوي، وقواعد الرادار،
وقواعد إطلاق الصواريخ، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، والاتصالات السلكية
واللاسلكية، والمنشآت النفطية والمصافي، والمصانع الحربية والطرق والجسور، ومخازن
المؤن، ومعامل الأدوية، وشبكات الصرف الصحي
والمفاعل النووي، وما يقرب من 12 مصنعاً للصناعات الكيماوية والبتر
وكيماوية.
ثم توسع القصف ليشمل كافة المنشآت الصناعية المدنية،
بما فيها مصانع حليب الأطفال، والنسيج،والسكر، ومصانع الأجهزة المنزلية، كشركة
الصناعات الخفيفة وخلاصة القول كان القصف قد شمل كل القواعد الأساسية للاقتصاد
العراقي دون استثناء، ولم تسلم بقعة واحدة من بقاع العراق من بطش الطائرات
والصواريخ الأمريكية والحليفة، فقد بدا واضحاً أن الحرب قد أعدت لا لتحرير الكويت
بل لتدمير العراق تدميراً شاملاً ، كما أشار بيكر في لقائه مع طارق عزيز في جنيف،
أما تحرير الكويت فكانت لا تتعدى كونها تحصيل حاصل.
وفي الوقت
نفسه كانت طائراتهم تتسابق لشن الهجمات الوحشية والهمجية على القوات العراقية في
الكويت، وجنوب العراق دون هوادة ودون توقف، منزلة خسائر فادحة بالجنود والمعدات،
وبعد أن تم إخراج القوة الجوية العراقية من ساحة المعركة، أصبحت القوات
العراقية تحت رحمة نيران الطائرات
الأمريكية والحليفة، فقد استطاعت الهجمات الجوية المكثفة والمتتالية من تحطيم
أنظمة الدفاع الجوي وقواعد الرادار، وأنظمة الاتصالات، لدرجة أصبح من المستحيل أن
تحلق أي طائرة عراقية في الجو دون أن تكون معرضة للإسقاط .
وهكذا أصبحت
أجواء العراق، ومناطق تجمع القوات العراقية مكشوفة تماماً، وهدفاً سهلاً للطائرات
المغيرة، واضطر النظام العراقي إلى إخفاء ما أمكن من طائراته بين الدور السكنية،
والشوارع ليقيها خطر الدمار في قواعدها الجوية، واضطرت أكثر من 144 طائرة إلى
الهروب إلى إيران، والهبوط في مطاراتها، وقد سيطرت عليها إيران فيما بعد، معتبرة
إياها جزء من التعويضات عن تلك الحرب التي أشعلها صدام حسين ضدها. لقد وقع النظام العراقي الذي يقوده صدام حسين،
والذي جعل من نفسه قائداً عسكرياً،
ومخططاً ميدانياً، وهو الذي لم يخدم حتى الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش،
بأخطاء جسيمة في كامل حساباته، فلقد استهان بقدرات الولايات المتحدة وحلفائها
العسكرية والتكنولوجية، واعتقد أن هذه الحرب ستكون كسابقتها حرب الخليج الأولى،
كما اعتقد أن الحرب البرية ستبدأ في نفس الوقت التي تهاجم به الطائرات الحربية
والصواريخ الأهداف المحددة لها، ولم يدرْ في خلده أن الحرب الجوية ستستمر 45 يوماً
متواصلاً، قبل أن يبدأ الهجوم البري.
كما أن إنذار
الولايات المتحدة لصدام حسين، وتحذيره من مغبة استخدام الأسلحة الكيماوية
والبيولوجية، سيؤدي بالولايات المتحدة إلى الرد الفوري والسريع، وبالأسلحة غير
التقليدية [النووية] وبذلك فقد صدام
القدرة على استخدام هذا السلاح الذي طبل وزمر له في كل خطاباته، وهو يهدد ويتوعد
به، وظهر أنه لا يستطيع استخدامه إلا ضد شعبه في كردستان وجنوب العراق، وهو لو فكر
في استخدم هذا السلاح لكانت الكارثة التي
ستحل بالعراق وشعبه ما لا يمكن أن يتصورها العقل.
لقد أخطأ
صدام كذلك حين أعتقد أن الهجوم البري سيكون من السعودية والخليج نحو الكويت
مباشرة، غير أن الذي حدث أن القوات الأمريكية والحليفة قامت بهجوم التفافي من
الأراضي السعودية نحو جنوب العراق، بغية تطويق القوات العراقية، وقطع طرق
مواصلاتها، ومنع أي إمدادات عنها، وخاصة المياه والغذاء وبالفعل تمكنت القوات
المهاجمة من الوصول حتى مدينة الناصرية، وحاصرت القوات العراقية في الجنوب.
استمرت
القوات الجوية والصاروخية تهاجم المرافق الاقتصادية في العراق المدنية منها
والعسكرية طوال 43 يوماً، بمعدل أكثر من 1000 غارة جوية يومياً، عدا الصواريخ التي
كانت تطلقها السفن الحربية.
لقد كانت
حرباً جوية رهيبة بكل المقاييس، لم يشهد لها العالم من قبل، وخصوصاً وأنها حرب
يقودها هذا التجمع الإمبريالي الكبير، وبكل ما يملك من وسائل القوة، ضد بلد صغير
من بلدان العالم الثالث أبتلى بدكتاتور أهوج لا يفهم غير لغة الدماء والقتل ضد
أبناء شعبه، مما جعل الشعب غير قادر على الاعتراض على خططه الهوجاء التي ساقت
البلاد إلى حرب مستمرة طيلة عشر سنوات.
لقد وقع
الشعب العراقي المنكوب بين فكي كماشة، صدام ونظامه الفاشي من جهة ، والإمبريالية
الحاقدة على العراق، والمصممة على تدمير بنيته الاقتصادية، وإفقاره وتجويعه حتى
الموت ، حفاظاً على مصالحها في الخليج من جهة أخرى، فالنفط بالنسبة للولايات
المتحدة يستحق إبادة شعب بكامله دون وازع من ضمير، في عصر أصبحت فيه سيدة العالم
دون منازع، ومستعدة لإنزال أشد الكوارث على رؤوس كل من يهدد أو يحاول أن يهدد مصالحهم في الخليج.
لم يسلم أي
هدف من غاراتهم الوحشية مهما كان صغيراً، ووصل بهم الأمر أن أقدموا على قصف ملجأ
العامرية في بغداد، وإحراق حوالي 1700
مواطن، من النساء والأطفال والشيوخ الذين لجئوا إليه هرباً من غاراتهم الوحشية
الرهيبة، فكانت كارثة، وجريمة إنسانية
كبرى، ستظل وصمة عار تلاحق أولئك القتلة الذين طالما تبجحوا بالدفاع عن الإنسان
وحقه في الحياة، وتمسكهم باتفاقيات جنيف فيما يخص حماية المدنيين أثناء الحرب،
ونراها في ذلك اليوم وهي تدوس بجزمتها العسكرية كل تلك القوانين والأعراف الدولية.
إن كل ما قيل ويقال عن العدالة والحرية وحقوق الإنسان
ما هي إلا محض هراء، وإن من يملك القوة في عالم اليوم لا تثنيه تلك القوانين
والقرارات والاتفاقات الدولية عن فعل كل ما يروق له، فالقوة والمصالح الاقتصادية
ونهب الشعوب هي فوق كل القوانين، وكل المعاهدات الدولية. في تلك الأيام الرهيبة
كنت أحد المواطنين العراقيين الذين سلموا مصيرهم
ومصير عوائلهم للأقدار، حيث كانت الغارات الجوية تتوالى على بغداد دون
انقطاع، وكانت صفارات الإنذار ما تبرح تعلن نهاية غارة جوية، حتى تبادر إلى
التحذير من غارة أخرى.
لقد ضاع
الحساب ولم نعد نميز بين نهاية غارة وبداية غارة جديدة، واضعين أيدينا على قلوبنا،
ولا ندري متى ينزل صاروخ علينا، أو تلقي طائرة علينا قنابلها، وخصوصاً بعد أن قُصف
ملجأ العامرية، وأُحرق كل من فيه، وبعد أن قصفت الطائرات سوق الخضار في مدينة
الفلوجة، ومُزقت أجساد المئات من المواطنين الأبرياء بشكل رهيب. كان الوضع
مأساوياً بشكل فوق ما يتصوره العقل حتى لكأن القيامة قد قامت في تلك الساعة.
كان أشد ما
يرهب الإنسان هو حلول الليل بظلامه الدامس، حيث قُطعت القوة الكهربائية منذ
الساعات الأولى من الهجوم الجوي، وبدأ الناس يفتشون عن المصابيح النفطية التي كان
الناس يستعملونها قبل أكثر من خمسين عاماً، وحتى هذه المصابيح تحتاج إلى النفط
الذي أصبح من العسير الحصول عليه، كما كان البرد قد شهر سيفه هو الأخر في تلك
الأوقات من السنة، حيث بقي الناس دون تدفئة، هذا بالإضافة إلى فقدان الماء والغذاء،
ومما زاد في الطين بله تلف المواد الغذائية المخزونة لدى المواطنين في الثلاجات
والمجمدات بعد تدمير محطات توليد الطاقة الكهربائية، فقد دمر القصف الجوي محطات
الطاقة الكهربائية، سواء المائية أو التي تعمل بالغاز، بصورة جزئية أو كلية، ولم
تنجُ من القصف سوى محطة النجيبية، التي تنتج 200 ميكا واط ، أما المحطات التي دمرت
فهي :
1 ـ محطة الناصرية 2 ـ محطة خزان سد سامراء
3 ـ محطة سد الموصل 4 ـ محطة سد دوكان
5 ـ محطة خزان سد حديثة 6 ـ محطة التاجي الغازية
7 ـ محطة النجف 8 ـ محطة الموصل الغازية
9 ـ محطة خور الزبير 10 ـ محطة صلاح الدين
11 ـ محطة بغداد الجديدة 12 ـ محطة الدورة
13 ـ محطة بيجي 14 ـ محطة الدبس
15 ـ محطة الحارثة
واستمرت الهجمات
الجوية على المدن العراقية، وكافة المرافق الاقتصادية لمدة 43 يوماً ألقت خلالها
الطائرات ما يزيد على 130 ألف طن من القنابل والمتفجرات، من أحدث وأفتك ما أنتجته
التكنولوجيا العسكرية. لقد أرادت الولايات المتحدة أن ترهب العالم أجمع بما تملكه
من الأسلحة الفتاكة التي جربت على رؤوس أبناء الشعب العراقي لأول مرة، لكي تقول
للعالم أنها أصبحت سيدة العالم أجمع دون منازع، وأن لا أحد يستطيع الوقوف بوجهها،
أو يعارض سياستها في الهيمنة على مصائر الشعوب.
ولقد أرادت الولايات المتحدة بشكل خاص إرهاب الشعب
العراقي، ولإحداث أبعد التأثيرات النفسية فيه، ولتفهم النظام العراقي أن من يحاول
التحدي، أو التعرض للمصالح الإمبريالية في الخليج سوف يتعرض إلى كارثة لا أحد يعرف
أبعادها.
لقد تعرضت
خطط الولايات المتحدة في إحداث الدمار الشامل في العراق إلى انتقادات شديدة في
جميع أنحاء العالم، واستقبلتها الشعوب قاطبة بشعور من الاستهجان والغضب، ووصل ذلك
الغضب والاستهجان إلى شعب الولايات المتحدة نفسها، حيث وجهت الانتقادات لاستمرار
القصف الجوي طيلة 43 يوماً، في حين كان
القصف قد حقق أهدافه خلال الأيام الثلاثة الأولى من بداية الحرب، وقد اضطر
الجنرال [كولن باول] رئيس أركان الجيش الأمريكي إلى الرد على تلك الانتقادات في
مؤتمره الصحفي الذي عقده في 11 نيسان 991
قائلاً:
{لا ينبغي أن يراود أحدًا الشك في أننا فعلنا ما كان
لابد لنا أن نفعله!!. لقد كنا نريد أن ُنحدث أكبر قدر من التأثير على المجتمع
العراقي، وكنا نتمنى لو لم نفعل ذلك !!، ولكن إذا كان علينا أن نحقق أهدافنا بأقل
ما يمكن من الخسائر في الأرواح الأمريكية، فلا أظن أنه كان أمامنا خيار آخر!!، ولو
كنا قد اكتفينا بالحد الأدنى من استعمال القوة الجوية، لكان عدد العائدين من أفراد
قواتنا العسكرية أحياء أقل من العدد الذي عاد إلينا بالفعل }. (5)
أتلك هي
الكذبة الحقيرة التي لا يصدقها أحد مارسها الجنرال [كولن باول] في تبريره لما حدث
، فهل كان ضرب ملجأ العامرية، وإحراق 1700 مواطن مدني أغلبهم من الأطفال والنساء
والشيوخ، عملا من الأعمال العسكرية حقاً!!؟ (6)
أما قائد
عاصفة صحرائه الجنرال [ شوارزكوف ] فقد كان أكثر منه وقاحة واستهتاراً حيث قال في
حديث صحفي ، في 13 آذار ما يلي :
{ إن أهداف الضرب الجوي للعراق جرى توسيعه، وهذا صحيح،
ولكن التدمير لم يلحق بالأبرياء !!، فالشعب العراقي ليس كله بريئاً لسببين، السبب
الأول أن كثيراً من أفراده تحمسوا لغزو الكويت، والسبب الثاني إن الشعب العراقي
قابل بحكم صدام حسين}. (2)
ولقد
كذب[شوارزكوف] في كلا السببين، وتجنى على الشعب العراقي، وعلى الحقيقية، فما كان
الشعب العراقي يوماً راضياً عن حكم دكتاتور أرعن، ونظامه الفاشي، وحروبه المجرمة،
وظل يعاني طيلة حكمه أبشع أنواع البطش
والإرهاب والاضطهاد.
لقد تمادى
هذا الجنرال الفاشي في وقاحته، لدرجة أن دعا إلى ما أسماه الحاجة إلى تحديد معنى
جديد للمدنيين الأبرياء !!، وبعد كل هذا أليس هذا الجنرال إلا صورة لمجرمي الحرب
النازيين أبان الحرب العالمية الثانية ؟
ثانياً:الطائرات
الحليفة تركز هجماتها على القطعات العسكرية
بعد أن استطاعت الطائرات المغيرة والصواريخ تدمير القواعد
الجوية العراقية، وقواعد إطلاق الصواريخ، وقواعد الرادار وطرق الموصلات، وقطعت
الاتصالات، وأخرجت القوة الجوية من ميدان المعركة، أخذت تركز هجماتها على القطعات
العسكرية المحتشدة في الكويت وجنوب العراق.
كان النظام العراقي قد حشد ما يزيد على 50 فرقة
عسكرية، من مختلف الأصناف معززة بما يزيد
على 4000 دبابة، و3000 مدفع ثقيل، وما يزيد على 10000 مدفع مضاد للطائرات، أقامها
حول مواقع قواته، بالإضافة إلى 400 قاعدة لإطلاق الصواريخ، وما يزيد على 700 طائرة
من مختلف الأنواع.
كما أنشأت
القوات العراقية نظاماً دفاعياً، وحواجز يمكن أن تتحول إلى جحيم من النيران لكن
القوات العراقية بقت عاجزة عن مجابهة قوة عسكرية جبارة كالتي تملكها الولايات
المتحدة وحليفاتها، وبما تملكه من مختلف أنواع الأسلحة الفتاكة التي استخدمت لأول
مرة.
وكانت
القذائف تنهال على القوات العراقية من الجو دون توقف، بعد أن سيطرت الطائرات
الأمريكية والحليفة معها على جو المعركة بشكل مطلق مستهدفة كل الاستحكامات
العسكرية، وملاجئ الجنود.
تقطعت السبل
بالقوات العراقية بعد أن قُطعت المواصلات، نتيجة قصف كل الطرق والجسور التي تربطها
بالعراق، وبذلك انقطعت كل الإمدادات الغذائية والمياه، وأصبح الجيش كله في موقف
صعب للغاية. لقد كانت خطة الولايات المتحدة تقتضي بعدم الالتحام بالجيش العراقي
عند بدء الحرب، لتفادي وقوع خسائر بشرية في صفوف قواتها وقوات حليفاتها، واعتمدت
على السلاح الجوي لإنزال أكبر الخسائر الممكنة بالجيش العراقي وإنهاكه، وإضعاف
معنوياته إلى أبعد حد ممكن، وتدمير كل ما أمكن تدميره من معداته، لكي يصبح الهجوم
البري قادراً على إلحاق الهزيمة بالقوات العراقية بأقل ما يمكن من الخسائر. وخلال
تلك الضربات الجوية التي دامت قرابة الشهر والنصف، لم تخسر القوات الأمريكية
والحليفة سوى 32 طائرة فقط، فقد كانت السيادة الجوية لها دون منازع، وكانت عمليات
القصف بالصواريخ تجري من ارتفاعات عالية، لا تستطيع الدفاعات الجوية العراقية
وصولها، بالإضافة إلى تدمير أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات في الأيام الأولى من الحرب،
مما جعل الطائرات المغيرة في مأمن من أي تهديد أو خطر الإصابة.
كانت أعصاب
صدام حسين وكبار قادته العسكريين تكاد تنهار في تلك الساعات الحرجة، فقد كانوا
يتوقعون التحام القوات البرية ببعضها في أول أيام المعركة، مما يفقد القوات
الأمريكية والحليفة إمكانية استخدام السلاح الجوي ضد القوات العراقية، أو على
الأقل يحد من تأثيرها، وعندما استمرت الحرب الجوية وحدها لأسابيع، أضطر صدام حسين
إلى الإيعاز لبعض قاطعاته العسكرية للهجوم على مدينة [الخرجي ] السعودية محاولاً
رفع معنويات جنوده التي أنهكها القصف الجوي لأسابيع، ويجبر القوات الأمريكية
والحليفة على الاشتباك بالجيش العراقي، وتقدمت بالفعل القوات العراقية تحت وابل من
القنابل والصواريخ نحو مدينة الخرجي واحتلتها، واضطرت القوات الأمريكية والحليفة
إلى القيام بهجوم معاكس مستخدمة شتى أنواع الأسلحة المتطورة، واستطاعت طرد القوات
العراقية من الخرجي منزلة فيها خسائر فادحة في الأفراد والمعدات.
لم يكن
الهجوم على الخرجي سوى عملية انتحارية قام بها النظام الصدامي، غير مبالٍ بأرواح
جنوده الذين ساقهم إلى حرب لا يرغبون فيها، ولا يؤمنون بها، ولا قادرين عليها.
إن الجيش
العراقي، والحقيقة تقال، جيش شجاع بكل معنى الكلمة، والجندي العراقي على كامل
الاستعداد للدفاع عن وطنه مهما كانت التضحيات، إلا أن صدام حسين ساقه إلى حرب
عدوانية غير مبررة، ولا مصلحة للعراق فيها، مع الجارة إيران استمرت ثمان سنوات،
ولم يكد الجيش يجر أنفاسه بعد تلك الحرب المجنونة حتى أقدم صدام على اجتياح الكويت
وضمها للعراق بالقوة، متحدياً الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، الذين نصبوا له
هذا الفخ القاتل، ليتخذوا من الغزو ذريعة تمكنهم من تدمير العراق وجيشه أبشع تدمير.
لقد أقدم
صدام حسين على فعلته هذه دون أن يحسب أي حساب لاختلال مراكز القوة في العالم، بعد
انهيار المعسكر الاشتراكي، وبداية تفكك الاتحاد السوفيتي، ودون أن يحسب حساباً
للمعطيات الدولية الجديدة، وبروز الولايات المتحدة كقطب وحيد في العالم تستطيع فرض
إرادتها على كل من يحاول تهديد مصالحها بقوة السلاح، وبشكل خاص في منطقة الخليج التي
يخرج منها نصف بترول العالم، وتحتوي على أكبر احتياطيات النفط في العالم أجمع.
وحاول صدام
حسين إدخال الجماهير العربية في الحرب كطرف رئيسي عندما أقدم على ضرب إسرائيل
بصواريخه بعيدة المدى، لكي يجر إسرائيل إلى حرب مكشوفة، وليحول الحرب من حرب
عراقية إلى حرب عربية، فقد وجه صدام حسين 39
صاروخاً من طراز[ سكود ] إلى إسرائيل، غير أنه فشل في خططه هذه، فقد
استطاعت الولايات المتحدة أن تمنع إسرائيل من الانجرار إلى الحرب بصورة مكشوفة،
لكي لا يؤدي ذلك إلى هيجان الرأي العام العربي، ويحرج الحكام العرب الذين شاركوا
الولايات المتحدة في العدوان على العراق، وقد يتحول الهيجان إلى ما هو أبعد من
ذلك، وربما يؤدي إلى قلب تلك الأنظمة التي شاركت في الحرب ضد العراق.
ورغم أن الجماهير العربية، والحقيقة تقال، كانت
قلوبها مشدودة إلى جانب العراق إلا إنها لم تستطع أن تفعل شيئاً، بعد أن أخذتها
المفاجئة، والاستعدادات التي أتخذها الحكام العرب لقمع أي تحرك ممكن في مهده،
خوفاً من تطوره، وأصيبت الجماهير العربية باليأس، وهي تراقب سير الحرب الجوية، عبر
شاشات التلفزة لأول مرة في التاريخ لحظة بلحظة، وترى الطائرات المغيرة وهي ترسل من
أعالي الجو صواريخها الموجهة بأشعة الليزر، إضافة إلى الصواريخ التي تطلقها السفن
الحربية المتواجدة في الخليج العربي، وخليج العقبة، وشواطئ إسرائيل، والموجهة
إلكترونياً لتصيب أهدافها بدقة متناهية.
ثالثاً ـ بداية الحرب البرية:
بعد 43 يوماً
متواصلاً من الهجمات الجوية العنيفة بالطائرات والصواريخ بعيدة المدى استطاعت
الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إلحاق الخسائر الجسيمة بالقوات العراقية في
الكويت وجنوب العراق، بالإضافة إلى تدمير كافة المرافق الاقتصادية والعسكرية داخل
العراق، أصبح الجو مهيئاً للهجوم البري، الذي أرادته الولايات المتحدة أن يكون
خاطفاً وسريعاً، وبأقل ما يمكن من الخسائر البشرية في صفوف قواتها وقوات حلفائها.
كان وضع
القوات العراقية مأساوياً، بعد أن انقطعت عنهم كافة الإمدادات الغذائية والمياه،
وتواصلت عليه الهجمات الجوية وهي تلقي بقنابلها فوق رؤوسهم دون توقف.
وفي 24 شباط بدأت القوات الأمريكية والحليفة هجومها
البري على القوات العراقية تحت وابل من قذائف المدفعية والدبابات لم يعرف العالم
لها مثيلاً من قبل منذُ نهاية الحرب
العالمية الثانية، وكانت الطائرات الحربية تركز هجماتها على القوات العراقية التي
خرجت من مكامنها واستحكاماتها، لتصب عليهم حمما من القنابل الفتاكة، هي أحدث ما
أنتجته مصانع الولايات المتحدة الحربية.
كان صدام
حسين قبل نشوب الحرب البرية قد وضع في حساباته أن الولايات المتحدة ستهاجم من
البحر، حيث تقوم قوات[ المارينز] بإنزال بحري على شواطئ الكويت، وبالفعل قامت
القوات الأمريكية بمحاولة تضليلية لتشعر القوات العراقية بأنها تنوي القيام بإنزال
على شواطئ الكويت، وكان النظام العراقي قد ركز الكثير من قواته وأسلحته على طول
تلك الشواطئ، لكن تلك المحاولة لم تكن سوى خدعة
وإشغال للقوات العراقية، وعزلها عن الميدان الحقيقي للمعركة. فقد كانت خطة
الولايات المتحدة وحليفاتها بريطانيا وفرنسا هو مهاجمة العمق العراقي من داخل
الأراضي السعودية، والقيام بحركة التفافية لتطويق القوات العراقية في الكويت وجنوب
العراق، والإجهاز عليها.
وبالفعل بدأت
قوات التحالف بالتقدم نحو الحدود العراقية، مستخدمة أحدث طراز من الدبابات التي لم
تستخدم من قبل وهي من طراز A 1 و M 1 ، والتي يبلغ مدى نيرانها ضعف
أحدث الدبابات التي يملكها العراق وهي من طراز T 72 ، وهكذا كان
بوسع الدبابات الأمريكية إصابة أهدافها بسهولة، دون أن تصلها القذائف العراقية،
واستطاعت القوات الحليفة من التقدم داخل جنوب العراق.
وأصدر صدام
حسين أمراً لقواته بالانسحاب من الكويت، والعودة نحو الأراضي العراقية، وانتهزت
القوات الأمريكية والحليفة هذا القرار لترسل طائراتها لتصب حممها على تلك القوات
المنسحبة منزلة بها أقصى ما تستطيعه من الخسائر البشرية، وتدمير المعدات الحربية.
لقد كانت تلك
العملية جريمة نكراء بحق الجيش العراقي المنسحب، دون أي مبرر فقد امتلأت الصحراء بجثث الجنود العراقيين،
وكانت الآليات العسكرية تسير على تلك الجثث، في الطريق المؤدي إلى البصرة، في جنوب
العراق، حيث كانت الطائرات المغيرة تلاحق الجنود المنسحبين بنيرانها الكثيفة، دون
وازع أخلاقي، وهذا العمل إن دل على شئ فإنما يدل على همجية الحضارة التي تدعيها
الولايات المتحدة، واستهانتها بكل القوانين والأعراف الدولية والأخلاقية، فهي لا
تتوانى عن أي عمل مهما كان، إذا كان ذلك العمل يخدم مصالحها الإمبريالية، حتى ولو
اقتضى ذلك إبادة الشعوب، فالمهم أن تبقى مصالحها سالمة، وتمتلئ جيوب كبار أصحاب
الشركات الرأسمالية بما تنهبه من ثروات الشعوب.
رابعاً: هزيمة العراق، وتوقف الحرب
لم تدم الحرب
البرية سوى 100 ساعة فقط، ليفاجئ الرئيس الأمريكي بوش العالم يوم 28 شباط1991
بقراره وقف العمليات الحربية، بعد أن وافق صدام حسين على القبول بكل الشروط التي
تفرضها الولايات المتحدة عليه، مهما كانت تلك الشروط ، فالمهم بالنسبة لصدام هو
بقاء نظامه، وبقاءه على رأس النظام الذي أوصل العراق وشعبه إلى هذه الكارثة
المخيفة والمرعبة، وتقرر على الفور أن يعقد الجنرال شواردزكوف وكبار قادته
العسكريين مع كبار الضباط لعراقيين الذين أنتدبهم صدام حسين برئاسة [ الفريق سلطان
هاشم ] ومعهم توجيهات من صدام بأن لا يرفضوا أي طلب للجنرال شواردزكوف، وليعلنوا
استعداد العراق لتنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة من العراق، وكان أهم شروط بوش
لوقف الحرب هي :
1 ـ تدمير جميع أسلحة الدمار الشامل العراقية من صواريخ
بعيدة المدى،والأسلحة الكيماوية والبيولوجية، والمفاعل النووي
2 ـ أن يقوم النظام العراقي بتقليص عدد قواته العسكرية،
ومنع تسلحه.
3 ـ قيام فرق التفتيش التي سيعينها مجلس الأمن، لغرض إجراء
تفتيش دقيق وشامل عن كل الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل وتدمير كل المنشآت
والمصانع العسكرية الخاصة بها.
4 ـ الحصول على كل الوثائق المتعلقة ببرامج التسلح
العراقي منذُ عام 1980، وحتى هذا التاريخ.
5ـ عدم وضع العراقيل أمام فرق التفتيش للوصول إلى أي
بقعة في العراق، للتأكد من تدمير كل الأسلحة المطلوب تدميرها، ومصانعها ومخازنها.
6 ـ ووضع نظام
للمراقبة المستمرة عن طريق نصب كامرات حساسة ودقيقة في كافة المصانع الحربية
للتأكد من أن النظام العراقي لا يخالف الشروط التي تم بموجبها وقف إطلاق النار.
7 ـ إقرار النظام العراقي بدفع تعويضات الحرب، والتي
تبلغ أرقاماً خيالية.
8 ـ استمرار الحصار الاقتصادي على العراق، واستمرار
تجويع الشعب العراقي إلى أن يتم تنفيذ كافة قرارات مجلس الأمن الدولي.
إن استمرار
الحصار يعني استمرار الحرب في واقع الأمر ضد الشعب العراقي، وليس ضد نظام صدام،
بأبشع صورها وإشكالها، فحرب التجويع بلا أدنى شك هي أسوأ أشكال الحروب التي عرفتها
البشرية، حيث يفتقد الشعب العراقي الغذاء والدواء منذُ أن تم فرض الحصار في 2 آب
1990، واستمر حتى سقوط النظام الصدامي على أيدي القوت الأمريكية والبريطانية
الغازية في 9 نيسان 2003 ، وكان مجلس
الأمن يجدد الحصار كل شهرين بحجة عدم تنفيذ النظام العراقي لشروط وقف إطلاق
النار، ولا يدري الشعب العراقي المنكوب
بحكامه وبالولايات المتحدة متى تقرر الولايات المتحدة أن العراق قد نفذ تلك الشروط
وترفع عنه الحصار.
لقد خلق
الحصار وضعاً مأساوياً في العراق، لا يمكن تصوره، ومهما حاول المتتبعون لتلك
الأوضاع الكتابة عنها، فأن أقلامهم تعجز عن وصف هذه المأساة، فقد انهارت العملة
العراقية إلى الحضيض، وتدهورت القوة الشرائية للمواطنين من الطبقات المتوسطة
والفقيرة إلى ما يقارب الصفر، بل لقد زالت الطبقة الوسطى من الوجود، وتحولت إلى
طبقة فقيرة معدمة، وحتى الطبقة الغنية قد
نالت نصيبها من تدهور الوضع الاقتصادي، فلقد أصاب الحصار بناره كل أبناء الشعب
العراقي ما عدا فئة من أزلام السلطة الصدامية ومريديه، الذين اثروا على حساب جوع
وشقاء الشعب العراقي، حيث يتاجرون بقوته، ويرفعون الأسعار كل يوم بل كل ساعة دون
وازع أخلاقي.
كان ما يزيد
على 4500 طفل عراقي يموت كل شهر، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم
المتحدة، وفي واقع الحال فإن هذا الرقم هو أقل بكثير من الرقم الحقيقي، جراء فقدان
الغذاء والدواء، كما أشارت منظمة الأغذية الدولية إلى أن أكثر من 4 ملايين عراقي
معرضين للموت جوعاً.
ورغم كل ما
قيل وما كتب، ورغم كل التقارير الرسمية وغير الرسمية عن الوضع المأساوي للشعب
العراقي، فإن الضمير الأمريكي بوجه خاص والغربي بوجه عام لم تهزه كل تلك التقارير،
فمصائب الشعب العراقي ومعاناته القاسية لا يعنيهم أبداً، فالمهم لديهم هو تأمين
مصالحهم الإمبريالية في منطقة الخليج، حتى ولو مات الشعب العراقي جوعاً ومرضاً.
إن كل
ادعاءات الرئيس الأمريكي بوش في خطاباته
بأن مشكلة الولايات المتحدة مع النظام الصدامي وليس مع الشعب العراقي، وانه
لا يكن للشعب العراقي العداء، لم يكن سوى محض افتراء ونفاق، ومحاولة خدع الرأي
العام العالمي.
لقد اثبت الأيام بعد انتهاء الحرب أن صدام حسين قد
نجا من العقاب، واستمر نظامه المسلط على رقاب الشعب، بل ودعمته الولايات المتحدة
عندما قام الشعب العراقي بانتفاضته ضد النظام في 1 آذار 1991، بعد توقف الحرب
مباشرة، ومكنته من سحب قواته المحاصرة جنوب العراق لضرب وقمع الانتفاضة، مستخدماً
كل ما لديه من أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية والصواريخ والدبابات
والمدفعية، فلم تبغي الولايات المتحدة
إسقاط النظام الصدامي، بل أرادت إذلال الشعب العراقي وتجويعه، وإفراغ العراق من
كوادره العلمية التي أخذت تهرب بالآلاف من جحيم العراق، حيث يقدر عدد الذين هجروا
العراق وانتشروا في بقاع الدنيا أكثر من ثلاثة ملايين عراقي.
لقد أدى صدام
حسين الدور الموكول له، وتنازل عن سيادة العراق واستقلاله، وأباح للإمبرياليين كل
إسرار البلاد، وترك رجال مخابراتهم يسرحون ويمرحون في طول البلاد وعرضها، وترك
أبناء الشعب العراقي فريسة للحصار الظالم والجوع القاسي والأمراض الفتاكة، ولاسيما تلك الأمراض الخطيرة التي سببها
استخدام الولايات المتحدة وحلفائها لليورانيوم المنضد، ومن ضمنها مرض السرطان ،
والتشويه الخلقي للمواليد، وتصاعد الوفيات بين الأطفال بشكل رهيب حيث تجاوز عدد
الوفيات أكثر من 4000 طفلاً في كل شهر حسب تقارير منظمة الصحة العالمية ، على الرغم
من تقديرات العراقيين قد تجاوزت تلك الأرقام بكثير، لكن صدام حسين لم يضع في
حساباته سوى استمراره في لسلطة، فالمهم هو
أن يبقى نظامه الدكتاتوري الكارثي، ويبقى هو على رأس النظام .