الفصل العاشر

 

         العراق بعد حرب الخليج الأولى

 

 

أولاً: العراق ق قوة عسكرية كبيرة واقتصاد منهار

ثانيا: العراق والولايات المتحدة وإسرائيل.

ثالثا: مؤتمر القمة العربي في بغداد .

رابعا: العراق يحول سهامه نحو الكويت.

خامسا: العراق يوقع معاهدة عدم اعتداء مع السعودية.

سادسا: تصاعد التوتر بين العراق والكويت .

سابعا:المخابرات الأمريكية ترصد تحركات عسكرية عراقية جنوبا  

ثامنا: خطاب صدام حسين، ورسالة العراق للجامعة العربية.

تاسعا: التحرك العربي لاحتواء الأزمة العراقية الكويتية .

عاشرا: السفيرة الأمريكية تقابل صدام حسين.

 

 

 أولاً:العراق قوة عسكرية كبيرة واقتصاد منهار

 

خرج العراق من حربه مع إيران بعد ثمان سنوات من الدماء والخراب، وهو يملك جيشاً جراراً هو في واقع الحال أكبر جيش في الشرق الأوسط، ويمتلك ترسانة حربية ضخمة من شتى أنواع الأسلحة التقليدية منها، وأسلحة الدمار الشامل الصاروخية والكيميائية والبيولوجية والجرثومية، إضافة إلى الأعداد الهائلة من الدبابات، والمدفعية والطائرات، وكميات كبيرة من العتاد والقنابل التي جرى حشوها بالغازات السامة كغاز السارين، والخردل، هذا بالإضافة إلى أن العراق كان قد قطع شوطاً طويلاً في بناء مفاعله النووي لغرض الحصول على السلاح الذري .

لقد كانت الأسلحة تنهال على العراق خلال سنوات الحرب من دول الشرق والغرب دون قيود، وكان النظام العراقي قد سخّر كل إمكانيات البلاد الاقتصادية، وموارده النفطية من أجل التسلح، كما ساهمت السعودية وبقية دول الخليج مساهمة كبرى في دعم العراق اقتصادياً  لضمان تدفق السلاح إليه، بسبب خوفهم من المد الإسلامي الإيراني من جهة، وبضغط من الولايات المتحدة من جهة أخرى.

لقد قُدّرَ ما كان يملكه العراق من الطائرات عند نهاية الحرب بما لا يقل عن[ 500 طائرة ] من مختلف الأنواع، ومن الدبابات [5000 دبابة] بالإضافة إلى [3500 مدفع ] من مختلف العيارات، وأعداد كبيرة من الصواريخ المختلفة المدايات التي تتراوح ما بين 150 ـ 1250 كم،  وكميات كبيرة من القنابل الكيميائية، والبيولوجية، والجرثومية، هذا بالإضافة إلى القوة البحرية.

كانت هيئة التصنيع العسكري، التي كان يشرف عليها [ حسين كامل ] صهر صدام حسين تعمل ليلاً ونهاراً دون توقف من أجل توسيع المصانع الحربية، وتخزين كميات هائلة من مختلف الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل ، وكان قد تم وضع 70% من موارد العراق النفطية تحت تصرف حسين كامل.

لقد وسع النظام العراقي الجيش خلال سنوات الحرب حتى تجاوز الرقم المليوني جندي وضابط،، وإذا ما أضفنا إليه الجيش الشعبي الذي أجبر النظام الصدامي جميع البالغين وحتى سن الستين على المشاركة بهذا الجيش خلال الحرب فإن عدد قواته المسلحة لا يمكن حصرها.

لقد خلقت تلك الحرب من صدام حسين اعتي دكتاتور عرفته البشرية بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث جعل من نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ومنح نفسه أعلى رتبه عسكرية في الجيش وهي [رتبه مهيب ركن] علماً أنه لم يسبق له أن خدم في الجيش[الخدمة الإلزامية] فقد كان شريراً فاراً من وجه العدالة لقيامه بأعمال إجرامية، كان منها اشتراكه في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، رئيس الوزراء، وقائد ثورة الرابع عشر من تموز 1958.

ركز الدكتاتور جهوده لإخضاع الجيش وضباطه بإقدامه على إعدام أعداد كبيرة من الضباط حتى بمجرد الشك في ولائهم له، وخلق أجهزة أمنية واسعة ومتعددة داخل صفوف الجيش وخارجه لتقدم له التقارير عن كل حركات الناس وسكناتهم ، وحماية نظامه الدكتاتوري الفاشي  بشتى وسائل البطش والإرهاب والتعذيب والقتل والسجون.

ولم يكتفِ الدكتاتور بكل ذلك بل أقدم على تصفية معظم قيادات حزبه ،وخلق قيادات هزيلة بدلاً منهم تأتمر بأوامره ولا تتجرأ على معارضته.

 وهكذا أصبح الحزب أداة طيعة في يده، وغدا ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، والقيادة القطرية لحزب البعث، ومجلسه الوطني، ومجلس وزرائه، مجرد موظفين عنده، ينفذون أوامره لا غير، والويل كل الويل لمن يشك في ولائه له، وصار صدام حسين يتخذ وحده كل القرارات مهما كانت خطيرة، دون أن يجرأ أحد من أعضاء وزارته أو قيادة حزبه أو مجلس ثورته على مجرد مناقشته حتى ولو كان القرار يهدد مستقبل العراق وشعبه. خرج العراق من حربه مع إيران ، بوضع اقتصادي لا يحسد عليه، فقد أستنفذ النظام الصدامي كل احتياطيات البلاد من العملة النادرة والذهب، البالغة [36 مليار دولار] وكل موارده النفطية خلال سنوات الحرب، والتي تقدر بـ [ 20 مليار دولار سنوياً ] وفوق كل ذلك خرج العراق بديون كبيرة جداً للكويت والسعودية، وفرنسا والاتحاد السوفيتي السابق والبرازيل وغيرها من الدول الأخرى، وقد جاوزت الديون [90 مليار دولار] وصار العراق ملزماً بدفع فوائد باهظة لقسم من ديونه بلغت حدود 30 % ، مما جعل تلك الفوائد تتجاوز 7 مليارات دولار سنوياً. هذا بالإضافة إلى ما تطالب به إيران من تعويضات الحرب، بعد أن أقرت لجنة خاصة تابعة للأمم المتحدة بأن العراق هو المعتدي في تلك الحرب، وتطالب إيران مبلغ [160 مليار دولار] كتعويضات حرب.

لقد أثقلت الديون كاهل الاقتصاد العراقي، وتوقفت معظم مشاريع التنمية، هذا بالإضافة إلى ما يتطلبه تعمير ما خربته الحرب من أموال وجهود فقد جاء في تقرير أمريكي عن وضع العراق الاقتصادي ما يلي:

} إن الوضع الاقتصادي في العراق لا يبشر بخير، دخله وصل إلى 25 مليار دولار في عام1988، ولكن صورة الاقتصاد العراقي خلال السبعينيات قد تلاشت،  وحل محلها وضع اقتصادي مظلم،  وخراب واسع في أنحاء البلاد، وفي ظل الحكومة الحاضرة وسياستها الاقتصادية، فإن الاقتصاد يتحول من سيئ إلى أسوأ، وإن ذلك يمهد لسياسة عراقية متهورة، في محاولة للخروج من المأزق الاقتصادي الذي يمر به العراق.{

لقد أصبح العراق بعد حربه مع إيران يملك القوة،  ولكنه في الوقت نفسه يعاني من اقتصاد متدهور، وديون تثقل كاهله، وجواره بلدان عربية ضعيفة عسكرياً ولكنها غنية جداً، تغري ثرواتها أصحاب القوة، وخاصة بالنسبة إلى بلد مثل العراق، الذي يحكمه نظام دكتاتوري يقوده رجل كصدام حسين، هذا الرجل الذي أصابه غرور لا حدّ له بعد أن أنتصر في حربه ضد إيران، وأصبح لديه جيش جرار، وترسانة هائلة من أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة التقليدية، ومصانع حربية متطورة، ولكنه يفتقد إلى المال لسداد ديونه، وتعمير ما خربته الحرب، هذا بالإضافة إلى ما يتطلبه لإدامة جيشه ومواصلة تسلحه ناهيك عن مشاريع التنمية التي تحتاجها البلاد والتي توقفت خلال سنوات الحرب.

ولاشك أن هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي خلقها النظام العراقي نتيجة تهوره واندفاعه لتنفيذ المخططات الإمبريالية بشنه الحرب ضد إيران، والتي ظنها نزهة قد تدوم بضعة أسابيع أو بضعة أشهر على أبعد الاحتمالات، وأراد لها مخططوها أن تدوم سنوات طوال، وبقوا يغذونها باستمرار، تارة يقدمون المساعدات للعراق، وتارة أخرى لإيران.

ولابد أن أشير هنا إلى أن العراق الذي خاض ثمان سنوات من الحرب لم يجابه خلالها نقصاً في السلع الغذائية وغيرها من السلع الأخرى، فقد كانت الأسواق تُملأ كل يوم بكل ما يحتاجه البلد، حيث أغرقت الولايات المتحدة وحلفائها الأسواق بالمواد الغذائية والألبسة والأجهزة المنزلية كافة، فقد كان على مشعلي الحرب أن يخففوا ما استطاعوا من التذمر الشعبي من تلك الحرب المجرمة التي حصدت أرواح نصف مليون من خيرة شباب العراق، ورملت مئات الألوف من النساء، ويتّمت مئات الألوف من الأطفال، ومزقت قلوب الآباء والأمهات، وكل ذلك من أجل أن تستمر الحرب، لكي يعبئ كبار الرأسماليين جيوبهم ببلايين الدولارات، على حساب بؤس الشعبين العراقي والإيراني وعذاباتهم ودماء أبنائهم.

 

ثانيا: العراق والولايات المتحدة وإسرائيل

 

أصبح العراق بعد نهاية الحرب مع إيران بما يمتلكه من قوة وسلاح مصدر خطر على الخليج، وخاصة وأن أزمته الاقتصادية قد أصبحت من العمق ما يهدد بوقوع انفجار جديد في المنطقة، ولاسيما وأن العراق يحكمه نظام دكتاتوري متهور يقوده صدام حسين.

كانت الولايات المتحدة وإسرائيل يراقبان عن كثب تسلح العراق، وخاصة في مجال الصواريخ البعيدة المدى، والأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية، ومحاولات نظامه لتطوير قدراته النووية بغية الوصول إلى إنتاج السلاح النووي ، كل هذا أثار حفيظة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبدأت الشكوك تتصاعد حول مستقبل القوة العراقية، ثم سرعان ما تحولت الشكوك إلى حقيقة واقعة، على الرغم من محاولات صدام حسين المحمومة لتحسين صورته إمام الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي أواخر عام 1989 توجه [طارق عزيز] نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إلى الولايات المتحدة حيث قابل الرئيس [جورج بوش]  ووزير خارجيته [جيمس بيكر] وأجرى الطرفان حواراً مطولاً وصريحاً حول العلاقات العراقية الأمريكية، أصدر بعدها الرئيس بوش توجيهاً داخلياً إلى إدارته يطلب منها أن تحرص على تنمية علاقات طبيعية مع العراق قائلاً:{ إن ذلك قد يساعد في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط{ .

ثم عاد الرئيس بوش في 16 كانون الثاني 1990، فأصدر أمراً رئاسياً جاء فيه:

[ إن زيادة حجم التجارة مع العراق يمكن أن يكون مفيداً للمصالح الأمريكية].(1)

وبالفعل حصلت[شركة بكتيل] على عقود في العراق تصل قيمتها إلى [1200 مليون] وفي نفس الوقت أقدم العراق على وقف دعمه لميشيل عون في لبنان، واتخذ موقفاً مرناً من الصراع العربي الإسرائيلي حيث أعلن حكام العراق أن دول المواجهة مع إسرائيل حرة في الحركة للوصول إلى تسوية سلمية للنزاع العربي الإسرائيلي .

إلا أن تلك العلاقة لم تدم طويلا، حيث ما لبثت وسائل الإعلام الأمريكية التي تهيمن عليها الصهيونية العالمية أن بدأت في الشهور الأولى من عام 1990 بشن هجومها على صدام حسين متهمة إياه بالعمل على تهديد الأمن والسلام في الشرق الأوسط، والسعي لامتلاك وتطوير أسلحة الدمار الشامل.

ورغم محاولات [الملك حسين] ملك الأردن والرئيس المصري [حسني مبارك] لتلطيف جو العلاقات بين العراق والولايات المتحدة فإن تلك المحاولات لم تستطع تبديد شكوك الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالنظر لما تمتلكه إسرائيل من تأثير كبير على السياسة الأمريكية، وعلى وسائل الإعلام الأمريكي والعالمي، فقد لعبت إسرائيل دوراً كبيراً في تخريب العلاقات بين العراق والولايات المتحدة، وبدأت الصحافة الأمريكية والغربية عموماً تشن حرباً كلامية على النظام العراقي، وتصاعدت حرب الكلمات إلى حرب أعصاب، ثم إلي الكراهية، لتسير بعد ذلك إلى الحرب الحقيقية والدماء.

ففي 11 شباط 1990 قام [جون كيللي] مساعد وزير الخارجية الأمريكية، بزيارة إلى بغداد، وأجرى مباحثات مع حاكم بغداد، صدام حسين، حول العلاقات العراقية الأمريكية أثار صدام حسين قضية الحملة الإعلامية التي تشنها الصحافة الأمريكية ضد نظامه، وحاول جون كيللي التخفيف من آثار تلك الحملة مدعياً أن الصحافة تمثل وجهة نظرها، وهي حرة في الكتابة والتعبير، وهي ليست بالضرورة تعبر عن السياسة الرسمية للولايات المتحدة. (2)

وفي 15 شباط صدر تقرير عن لجنه حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة يتهم النظام العراقي بالقيام بممارسات منافية لحقوق الإنسان من تعذيب وقتل وإعدامات، وقامت إذاعة صوت أمريكا بإذاعة التقرير، ثم أعقبته بتعليق يمثل وجهة النظر الرسمية للحكومة الأمريكية، وقد أحتوى التعليق على هجوم شديد على سلوك وتصرفات الحكومة العراقية.

وفي 19 شباط ألقت السلطات الأمريكية القبض على أحد عملاء النظام العراقي، بتهمة تدبير محاولة اغتيال معارض عراقي لاجئ في الولايات المتحدة، وقامت الحكومة الأمريكية على الأثر بطرد أحد أعضاء السفارة العراقية في واشنطن، وردت الحكومة العراقية على الإجراء الأمريكي  بطرد أحد أعضاء السفارة الأمريكية في بغداد.

وفي 20 شباط 1990 أعلنت إسرائيل أنها اكتشفت وجود وحدات عسكرية عراقية في الأردن، وعلى الأثر قامت الطائرات الأمريكية بطلعات استكشافية فوق الأردن، وأعلنت بعدها الولايات المتحدة عن اكتشاف 6 قواعد إطلاق صواريخ عراقية قرب قاعدة ( H2 ) الجوية الأردنية، وقامت إسرائيل إثر ذلك بتكثيف حملاتها على العراق، وقرر الكونجرس الأمريكي وقف بيع القمح الأمريكي للعراق. (3)

وفي 21 شباط 1990 نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً عن حقوق الإنسان في العراق يتألف من 12 صفحة، وصفت فيه حكام العراق بكونهم أسوأ مُنتهك لحقوق الإنسان، وممارسة التعذيب والقتل دون محاكمة، أو إجراء محاكمات سريعة لا تتيح للإنسان الدفاع عن نفسه، وبدا وكأن الولايات المتحدة قد اكتشفت لتوها جرائم النظام الصدامي، التي مارسها  بحق الشعب العراقي منذُ تسلطه على الحكم في البلاد عام 1968، والتي راح ضحيتها مئات الألوف من المواطنين الأبرياء، وسكتت عن حملة الأنفال الفاشية ضد الشعب الكردي، وقتل سكان مدينة حلبجة عن بكرة أبيهم بالسلاح الكيماوي، فلم تكن كل تلك الجرائم تحرك ضمير  حكام الولايات المتحدة، طالما لا تؤثر على المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

وفي 9 آذار تصاعدت الحملات ضد النظام العراقي على أثر إقدام النظام على اعتقال الصحفي البريطاني [فازاد بازوفت] مراسل صحيفة الابزورفر البريطانية  بتهمة التجسس،  حيث اتهمته بالقيام بزيارات لمنطقة عسكرية، تظم مجمعاً لإنتاج الصواريخ، وأحالته إلى[ محكمة الثورة] التي أصدرت عليه حكماً بالإعدام .

 ورغم جميع المحاولات التي قامت بها بريطانيا، وحلفائها الغربيين لإنقاذ حياته، فقد أقدم حكام بغداد على تنفيذ حكم الإعدام به في 15 آذار، وأدى ذلك الإجراء إلى تصاعد الحملات على النظام العراقي في الصحف الغربية، ووصفت صحيفة [الابزورفر] صدام حسين بأنه جزار بغداد، وكأن صدام حسين لم يصبح جزاراً إلا بعد أن أقدم على إعدام الصحفي بازوفت !!. وفي 18 آذار، أعلنت الحكومة البريطانية أنها عثرت على شحنات من أجهزة  [المتسعات] التي تستخدم في التفجيرات النووية كانت في طريقها إلى العراق، وتمت مصادرتها.

و في نفس اليوم، وقف صدام حسين في اجتماع عام، أمام عدسات التلفزيون، وبيده مجموعة من المتسعات وهو يتحدث باستهزاء قائلاً:

[ هذه هي المتسعات التي يتحدث عنها الإنكليز؟ قد صنعها أبنائنا النشامى في هيئة التصنيع العسكري ] .

وفي 27 آذار 1990 التقي صدام حسين  بملك السعودية [ فهد ] في حفر الباطن بالسعودية، وشكى له من الولايات المتحدة، وأبلغه بأن الولايات المتحدة تضمر الشرّ للعراق، وقد أجابه الملك فهد بأنه لا يعتقد ذلك، وأن الرئيس بوش رجل طيب !!، ثم انتقل صدام في شكواه للملك فهد إلى حكام الكويت قائلاً: [إن حكام الكويت قد رفعوا إنتاجهم النفطي عن الحصة المقررة في مؤتمر الأوبك وأن هذا الإجراء قد أضر كثيراً ليس بالعراق فحسب بل وبالسعودية أيضا، فقد أدى إلى انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهذا ما أدى إلى انخفاض دخل العراق بشكل كبير، ذلك أن انخفاض بمقدار دولار واحد لبرميل النفط  يعني خسارة العراق لمبلغ بليون دولار سنويا ] وقد وعد الملك فهد بالاتصال بأمير الكويت والتباحث معه حول الموضوع ، وكانت هذه الشكوى مؤشراً واضحاً على نوايا الحاكم بأمره في بغداد.

وفي الوقت نفسه وجه صدام حسين تحذيراً شديداً إلى الدول التي تتجاوز حصص الإنتاج، وطالب برفع سعر البرميل الواحد من النفط إلى مستوى 25 دولا، وعدم السماح بهبوطه إلى ما تحت 18 دولار.

كان موقف الحكومة السعودية مع الحفاظ على حصص الإنتاج، وأقدمت الحكومة على إعفاء وزير النفط [أحمد زكي يماني] من منصبه بالنظر لمساعيه الكبيرة والمكشوفة في خدمة المصالح الأمريكية والغربية.

و في 29 آذار من نفس العام أعلنت بريطانيا أنها عثرت على قطعة من مواسير المدفع العملاق الذي كان العراق يسعى لتصنيعه في طريقها إلى العراق، وجرت مصادرتها.  وكانت المخابرات الإسرائيلية قد قامت قبل أسبوع من هذا التاريخ [ 22 آذار] باغتيال العالم الدكتور [جيرالد بول] الخبير في صنع المدفع العملاق، في أحد فنادق العاصمة البلجيكية [بروكسل].

وفي 30 آذار 1990 أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أن إسرائيل لابد أن توجه ضربة وقائية للعراق، في أي وقت تشعر فيه بأنه قد أصبح خطر عليها. ثم أعقبه رئيس الوزراء [ شامير] بالقول  بأن إسرائيل ستوجه ضربة للعراق إذا أحست انه في طريقه لإنتاج قنبلة نووية.

في 1 نيسان رد صدام حسين على التهديدات الإسرائيلية قائلاً:

[ إن العراق سوف يرد على إسرائيل إذا ما تجرأت على استخدام  السلاح النووي ضد العراق، وأنه سيحرق نصف إسرائيل بالكيماوي المزدوج ]. (4)

وفي 3 نيسان 1990 أطلقت إسرائيل قمرأً تجسسياً، وأطلقت عليه أسم [الأفق]، وكان الهدف من إطلاقه مراقبة ما يدور في الجانب العراقي .

وفي 14 نيسان وقف رئيس وزراء إسرائيل شامير يهدد ويعلن بأن إسرائيل تحتفظ لنفسها بحرية العمل لتدمير قواعد الصواريخ العراقية.

و في 18 نيسان، رد صدام حسين في مقابلة له مع وفد عربي من اتحاد نقابات العمال قائلاً:

[ إن أي هجوم من قبل إسرائيل على العراق سيواجه بحرب شاملة، لن تتوقف إلا بتحرير كامل الأرض العربية]

 وفي 19 نيسان، أعلن الرئيس الفرنسي [متران] أن فرنسا تؤيد جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي، وأن الأعضاء الدائميين في مجلس الأمن الدولي سوف يجتمعون في تموز القادم لبحث الموضوع المذكور.

 وفي 21 نيسان أعلن العراق  أن طائرة استطلاع أمريكية وطائرات الأواكس قد حلقت في سماء العراق.

 وهكذا بدأت الحرب الكلامية وتصاعدت بين النظام العراقي من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى حتى بدا وكأن الحرب على وشك الوقوع في الشرق الأوسط  بين العراق وإسرائيل وكان صدام حسين ينتهز كل فرصة للتحدث عن قوته وسطوته وأسلحته واستعداداته الحربية، ويهدد بضرب إسرائيل بالكيماوي المزدوج، ويتفاخر باستطاعة هيئة التصنيع العسكر إنتاج المتسعات في الوقت الذي كان نظامه يعاني من أزمةاقتصادية حادة لا يعرف كيف يخرج منها.

 

ثالثا:عقد مؤتمر القمة العربية في بغداد

 

في خضم تصاعد الأزمة بين العراق والولايات المتحدة وإسرائيل، وتصاعد لهجة التهديدات من كلا الطرفين، جرت الدعوة من قبل العراق وبعض الدول العربية، لعقد مؤتمر للقمة العربية في بغداد لدراسة الأوضاع العربية، والتهديدات الإسرائيلية بضرب العراق، وتدهور العلاقات العراقية الأمريكية. وقد تمت الموافقة على عقد المؤتمر، وحُدد له يوم 28 أيار 1990.

سبق عقد المؤتمر اجتماع وزراء الخارجية العرب لإعداد جدول مباحثات القمة ، وفي أثناء الاجتماع حدثت خلافات حادة بين وزير الخارجية العراقية من جهة ، ووزيرا  خارجية مصر ، والسعودية من جهة أخرى ، حينما قدم العراق مشروع قرار يدين الولايات المتحدة ، ويتهمها بتهديد العراق ، ودعمها لإسرائيل.

  فقد أعترض الوزيران على ذكر الولايات المتحدة ، ولم يتوصل المجتمعون إلى صيغة قرار بشأن الموضوع ،وتقرر عرض الموضوع على الملوك والرؤساء للبت فيه .

انعقد المؤتمر في موعده المقرر في بغداد ،وكان جو المؤتمر كئيباً جداً، حيث بدأ صدام حسين خطابه الافتتاحي بمهاجمة الولايات المتحدة، مما سبب إحراجاً، وقلقاً كبيراً لدى العديد من الملوك والرؤساء العرب كمصر والسعودية، وحكام الخليج، الذين يحرصون على عدم إغضاب الولايات المتحدة، ومما جاء في خطاب صدام حسين قوله :

[ إن الأمة العربية كلها مستهدفة، والعراق أول المستهدفين، فهو الآن في مواجهة مؤامرة أمريكية  عسكرية واقتصادية، وحصار تكنولوجي وإعلامي، ويتحتم على الأمة العربية أن تتصرف على اعتبار أنها كلها حالة واحدة، لأن الأعداء يعاملونه كحالة واحدة، حتى وإن استعملوا البعض منا أحياناً ضد البعض الآخر. (5)

نحن جميعاً على فوهة بركان، ولا يتصور أحد أن بمقدوره أن يجري بسرعة ليبتعد عن مركز الانفجار والحمم ]. شعر الملوك والرؤساء العرب بضيق شديد من تصرفات صدام وتمنى معظمهم لو أنهم لم يحضروا المؤتمر، وأخذوا يعدون الدقائق لانتهائه، والعودة إلى بلادهم،

 فقد كان صدام حسين يتحدث إليهم والشرر تتطاير من عيونه.

وعندما طُرح مشروع قرار بدعم منظمة التحرير الفلسطينية، بمبلغ 150 مليون دولار، سادت القاعة فترة من الصمت، وكان عدم الرضا بادياً على المجتمعين، ولما طرح الأردن طلبه بتجديد الدعم الذي كان قد أقره مؤتمر القمة السابق عام 1979 ، أبدى ملوك وأمراء الخليج رأيهم في أن يكون قرار المساعدات للأردن على أساس الاتصالات الثنائية، وكان ذلك يشير بوضوح إلى رغبة حكام الخليج للتهرب من أي التزام. وكان أن ثار صدام مرة أخرى موجهاً عتاباً مراً لهم على تقصيرهم في تقديم العون للدول الشقيقة، ولمنظمة التحرير الفلسطينية.

أشتعل جو المؤتمر، أحس الحاضرون أن كابوساً قد سقط فوق رؤوسهم وأرادوا إنهاء المؤتمر ومغادرة بغداد، وفي النهاية في 30 أيار، وقع المجتمعون على مقررات المؤتمر دون اعتراض.

  كانت تصرفات صدام حسين قد أثارت المخاوف في نفوسهم، وكان أكثر من أغاظ صدام هو أمير الكويت، فقد شكى صدام للملك فهد من تصرفات حكومة الكويت تجاه العراق قائلاً : [ إن الكويتيين يضاربون على الدينار العراقي لخفض سعره، ويخربون أسعار النفط   بتجاوزهم حصص الإنتاج، مما يضر كثيراً جداً بمصالح العراق الاقتصادية ].

 أما الملك فهد فقد اقترح عقد قمة مصغرة تضم العراق والكويت والسعودية، والإمارات للعمل على التوصل لحل حاسم وعادل لقضية الحصص والأسعار.

وعند مغادرة أمير الكويت الشيخ [ جابر الصباح ] ، وكان برفقته إلى المطار صدام حسين، جرى بين الاثنين حديث عن العلاقات الكويتية العراقية، ومسألة الديون البالغة [30 مليار دولار] حيث طالبه صدام حسين بالتنازل عنها.

 كان رد الأمير:[ أن الكويت لم تطالبكم بالديون]

إلا أن صدام حسين رد عليه طالباً منه التنازل عن الديون بصورة رسمية، وحاول الأمير التخلص من إلحاح صدام قائلاً له:

 [ إن تنازل الكويت بصورة رسمية سوف يجعل الآخرين يطالبوننا بنفس الشيء، كما أن التنازل الرسمي عن ديوننا، سيجعل ديونكم أقل لدى صندوق النقد الدولي، ويجعل الدائنين يطالبونكم بديونهم، وكان واضحاً أن الكويت لا تريد التنازل عن ديونها للعراق]. (6)

 

 رابعا: النظام العراقي يحول سهامه نحو الكويت

 

في خضم الأحداث والتهديدات المتقابلة بين العراق من جهة ،وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وتوجه أنظار العالم أجمع إلى ما يمكن أن تتمخض عنه تلك التهديدات، حوّل العراق على حين غرة  اتجاه هجومه نحو الكويت ، فقد أعلن في 3 أيار 1990 أن الكويت تقوم بدور كبير في تخريب أسعار النفط ، حتى وصل سعر البرميل إلى أدنى مستوى له منذُ عام 1972 حيث بلغ 11 دولار، وإن هذا العمل يضر بمصالح العراق الذي خرج من حرب دامت 8 سنوات دفاعاً عن البوابة الشرقية للوطن العربي !!، وحماية أمن الخليج !!، وقد سببت الحرب للعراق أزمة اقتصاد حادة، وذكّر حكام الكويت بأن هبوط دولار واحد من أسعار النفط يسبب للعراق خسارة تتجاوز المليار دولار، وإن العراق لا يمكنه السكوت على هذه الحال.

وفي شهر تموز من عام1990، عاد صدام حسين مرة أخرى إلى علاقته مع الكويت، ومسألة التزام حكومتها بحصص الإنتاج المقررة من قبل منظمة الأوبك ، والمحافظة على مستوى الأسعار، التي أخذت تنحدر شهراً بعد شهر، ولم تخفي الحكومة الكويتية وحكومة الإمارات العربية المتحدة أنهما قد زادا من إنتاجهما تجاوزاً على الحصص المقررة مما أثار غضب العراق.

لقد بدا من تصرفات الكويت والإمارات أن هناك أمرٌ يدبر في الخفاء، لا من قبل هاتين الدولتين وإنما من جهة كبرى، وهي بالتأكيد الولايات المتحدة ، التي رأت في التضييق على العراق اقتصادياً هو خير سبيل لكسر شوكته ، فليس من المعقول أن تتحدى دولتان صغيرتان كالكويت والإمارات العراق المزهو بنصره على إيران في حرب ألثمان سنوات،

 والذي يملك أقوى وأكبر جيش في الشرق الأوسط إذا لم يكن وراءهما الولايات المتحدة.

لقد وصل الأمر بوزير النفط الكويتي [ على خليفة الصباح ] أن تحدى العراق علناً في مؤتمر الأوبك قائلاً بان الكويت لا تنوي الالتزام بحصتها المقررة من الإنتاج ، وهي مليون وسبعة وثلاثين ألف برميل يومياً، وتصر على إنتاج مليون وثلاثمائة وخمسون ألف  برميل، وكان وزير النفط الكويتي يتحدث في المؤتمر وكأنه رئيس دولة عظمى ، تملي شروطها على الآخرين ، ولاشك أن الكويت ما كانت لتجرأ على هذا التصرف لولا تحريض ، ودعم الولايات المتحدة .

وحاول الوزير الكويتي أن يجعل الخلاف ليس مع العراق وحده، وإنما مع السعودية كذلك، للتمويه، لأنها طالبت بالالتزام بحصص الإنتاج قائلاً: [ إن الكويت والسعودية على طريق التصادم المحقق بسبب حصص الإنتاج   فنحن لا ننوي التراجع عن موقفنا] !!.

لكن كلام [علي الخليفة الصباح] في حقيقة الأمر لم يكن موجهاً للسعودية، وإنما بكل تأكيد موجهاً للعراق، وأنه بهذا الخلط أراد أن يُشعر العراق وكأن خلافات الكويت ليست مع العراق فحسب، وإنما مع السعودية أيضاً !! . 

كاد صدام حسين أن يفقد صبره في تلك الأيام، من تصرفات حكام الكويت، فقد سبب انهيار أسعار النفط خسارة كبيرة قُدرت بـ [ 7 بليون دولار]، في وقت هو أحوج ما يكون لهذا المبلغ الكبير، بعد حربه مع إيران.

وفي الوقت الذي كانت فيه حكومة الكويت تزيد من إنتاجها النفطي، فأنها كانت تجني الأرباح الطائلة من استثماراتها في الخارج، وتعوض فرق أسعار النفط ، حيث أن نصف دخل الكويت يأتي من تلك الاستثمارات.وهكذا أخذت الأزمة بين العراق والكويت تتصاعد حدتها يوماً بعد يوم ، وكانت الولايات المتحدة تدفع حكام الكويت على عدم الاستجابة لأي من مطالب العراق، لكي تعمق الأزمة وتوصلها إلى مرحلة الانفجار، وتدفع صدام حسين إلى عمل متهور ضد الكويت، لكي تتخذه  ذريعة لتوجيه ضربة قاضية للعراق، ولتدمر ترسانته الحربية، وبنيته الاقتصادية، وتعود به إلى الوراء عشرات السنين.

 

خامسا: صدام يوقع معاهدة عدم اعتداء مع السعودية

 

نتيجة للتوتر الشديد الذي أصاب العلاقات العراقية الكويتية، بسبب عدم التزام الكويت بحصص الإنتاج، وتدهور أسعار النفط في الأسواق العالمية، ورفض حكومة الكويت التنازل رسمياً عن ديونها على العراق، فقد اختمرت في عقل صدام حسين فكرة غزوها، وضمها للعراق.

 كان على صدام حسين أن يهيئ الظروف للعدوان، وليطمئن السعودية وبقية دول الخليج بأنه  لا يضمر لهم أي عدوان، وعلى ذلك قرر صدام أن يقوم بزيارة رسمية إلى السعودية، بدعوى التباحث مع الملك فهد حول موضوع الالتزام بحصص الإنتاج ، والعمل على رفع أسعار النفط إلى ما كانت عليه سابقاً، ثم لينتقل إلى الهدف الحقيقي من زيارته، ليعرض على الملك فهد عقد معاهدة عدم اعتداء بين العراق والسعودية، ولكي يفهمه بأنه لا يضمر شراً للسعودية.  فوجئ الملك فهد باقتراح صدام حسين، وسأله إن كانت المعاهدة ضرورية، فكان جواب صدام أن أطراف عديدة تحاول تخريب العلاقة بين البلدين، وخاصة بعد أن خرج العراق من حربه مع إيران منتصراً.

كان جواب الملك فهد بأنه وأن كان يرى أن علاقة الدم هي أقوى من أي معاهدة، فإنه على استعداد لعقد المعاهدة المقترحة.

كان صدام حسين في تلك الأيام يخطط لمهاجمة الكويت، أراد أن يستغل المعاهدة المقترحة مع السعودية لكي يضمن حيادها، ذلك أن الكويت عضو في مجلس التعاون الخليجي، وبينها وبين دول المجلس معاهدة للدفاع المشترك، والسعودية أكبر دول المجلس، ولذلك أراد أن يطمئنها بأنه ليس له أي أطماع في أراضيها، كما أراد صدام حسين أن يطمئن الولايات المتحدة بصورة خاصة والغرب بوجه عام بأنه لا ينوي الاعتداء على السعودية، التي تتسم بأهمية خاصة جداً بالنسبة لهم  باعتبارها أكبر مصدر للنفط في منطقة الخليج .

 

سادسا: تصاعد التوتر بين العراق والكويت

 

 بدأت العلاقات بين العراق والكويت تأخذ منحاً خطيراً، فالكويت تصّر على سياستها النفطية، وزيادة إنتاجها، متخطية حصتها المقررة بموجب قرارات الأوبك والعراق يطالبها بالالتزام، والعمل على رفع الأسعار. وكانت الولايات المتحدة تعمل في الخفاء على إذكاء الصراع بين البلدين وإيصاله نحو الذروة لدفع صدام حسين إلى المخاطرة باجتياح الكويت.

وفي تلك الأيام انعقد مؤتمر الأوبك مرة أخرى لبحث الوضع المتأزم بين العراق والكويت، ومسألة الأسعار والالتزام بحصص الإنتاج لكل دولة.

ومرة أخرى أصر الوفد الكويتي على تجاوز حصته من الإنتاج ، بدفع من الولايات المتحدة، مما دفع صدام حسين إلى إرسال رسالة إلى أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح يطالبه فيها باتخاذ كل الإجراءات التي من شأنها الحفاظ على مستوى معقول لأسعار النفط ، والتقيد بحصص الإنتاج، لكن الرسالة لم تغّير مواقف الحكومة الكويتية، والتي هي إرادة الولايات المتحدة بالطبع، مما أدى إلى تصاعد التوتر بين الطرفين.

حاولت السعودية والأردن التوسط بين الطرفين، لكن المحاولة لم تثمر، بل على العكس ظهرت أشياء جديدة أخرى على سطح الأحداث، فقد أخذ صدام حسين يتحدث عن حمايته لأمن الخليج بحربه مع إيران طيلة 8 سنوات !!، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء مئات الألوف من أبنائه، وردت الكويت على دعاوى العراق، بأنها قد ساعدت العراق حيث قدمت له بعد أسابيع من بداية الحرب قرضاً بمبلغ 5 بلايين دولار، وأنها كانت تصدر لحساب العراق 125 ألف برميل من النفط يومياً للإيفاء بالتزامات العراق المالية المتعاقد عليها مع الدول الأخرى لغرض التسلح. أما صدام حسين فقد رد على حكام الكويت قائلاً: [ إن الأموال هي أرخص تكاليف الحرب، وإن القرض هو دين علينا أن نرده، وأن العراق خسر مئات البلايين، ومئات الألوف من أرواح أبنائه دفاعاً عن الخليج] !!.

وردت حكومة الكويت بأنها هي أيضاً تعرضت لنيران الحرب، حيث جرى قصف منشآتها النفطية وناقلاتها، واضطرت لشراء الحماية من العديد الدول الكبرى لناقلاتها .

وجاء الرد العراقي متهماً الكويت بأنها لم توافق على إعطائه تسهيلات في جزيرتي[ بوربا، وبوبيان] وأن الكويت لو فعلت ذلك لاستطاع العراق تحرير الفاو منذ زمن طويل.

 و ردت حكومة الكويت بأنها لو أعطت تلك التسهيلات للعراق لتمسك بها ورفض الخروج منها، ولم يكد صدام حسين يسمع الجواب حتى بادر إلى القول أن الجزيرتين عراقيتان، وسارع حكام الكويت إلى الرد بأن النظام العراقي بدأ يكشف عن أطماعه في الكويت.

 وهكذا تصاعدت لهجة حكام البلدين إلى درجة تنذر بعواقب وخيمة، فقد اتهم العراق حكام الكويت باستغلال انشغال العراق في الحرب  للزحف داخل الأراضي العراقية، وتغيير الحدود، وسرقة نفط حقل الرميلة الجنوبي، وأن الكويت باعت نفطاً من هذا الحقل ما مقداره[ 2000 مليون دولار]

وردت حكومة الكويت بأن العراق يرفض تثبيت الحدود بين البلدين، وأن له أطماع في الكويت، وأن ادعاء حكام العراق عن زحف مزعوم للحدود الكويتية تجاه العراق، وسرقة نفط حقل الرميلة الجنوبي لا أساس له من الصحة. وفي واقع الحال كان العراق يتهرب دائماً من مسألة تثبيت الحدود بين البلدين، بشتى الوسائل والأعذار مدعياً بأن العراق منشغل في حربه مع إيران، وأن الوقت غير مناسب للبحث في هذا الموضوع .  

وعندما انتهت الحرب، وعاد السلام إلى المنطقة، أرادت حكومة الكويت فتح باب الحدود من جديد، وتوجه ولي العهد الكويتي [ سعد العبد الله الصباح ] إلى بغداد، في 6 شباط 1989 لتقديم التهنئة للحكومة العراقية على انتهاء الحرب، ولفتح ملف الحدود.

وفي يوم وصوله نشرت صحيفة القادسية ـ لسان حال وزارة الدفاع ـ مقالاً حول مسألة الحدود قبل أن يطرحها الشيخ سعد، وكانت المقالة أشبه بعاصفة إعلامية، فقد أتهم المقال حكومة  الكويت بقضم أراضٍ عراقية، وأعاد إلى الأذهان أن جزيرتي بوربا وبوبيان عراقيتان.

 أثار الشيخ سعد في أول لقاء له مع نائب رئيس الوزراء  ووزير الدفاع  [عدنان خير الله ] موضوع الحملة الصحفية التي قيل آنذاك أن صدام حسين نفسه هو الذي أملى المقال على الصحيفة، وأشار الشيخ سعد بأنه فكر في قطع الزيارة، والعودة إلى الكويت. وكان رد الوزير العراقي أن قطع الزيارة ليس في صالح العلاقات العراقية الكويتية .

رضخ الشيخ سعد للواقع، وعقد لقاءات مع طارق عزيز، وزير الخارجية، وعزت الدوري، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، وجرى خلال اللقاءات نقاش حول الحدود، ثم حان وقت لقاء الشيخ سعد بصدام حسين، وتحدث صدام مع الشيخ سعد وكأنه لا يعرف شيئاً عن الموضوع، وطلب من الشيخ سعد أن يلتقي مرة أخرى بطارق عزيز ويبحث معه الأمر، وأبلغه بأنه مخول بكل شيء، ثم التفت صدام إلى طارق عزيز قائلاً له:

[ لابد وأن تحلوا هذا الموضوع، شكلوا لجنة على أعلى مستوى، ودعونا ننتهي منه]. أقترح طارق عزيز أن تكون اللجنة بمستوى الجانب الكويتي، أي أحد نواب رئيس مجلس قيادة الثورة، بالإضافة إلى وزيرا خارجية البلدين.