لم يشهد تاريخ الحكم
الملكي في العراق شخصية سياسية لعبت دوراً خطيراً في تاريخ العراق خلال تلك الحقبة
الممتدة من عام 1921 ولغاية قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 كشخصية [نوري
السعيد]،فقد كان السعيد يتمتع بثقة كبرى ومنزلة خاصة لدى
بريطانيا ،وقد كانت بريطانيا تعتبره رجل المهمات الخاصة والكبرى للمصالح
البريطانية في العراق وسائر منطقة الشرق الأوسط ،وكما هو معروف لدى المؤرخين
والمتتبعين للسياسة البريطانية أن كل وزارة كانت تشكل في العهد الملكي تمر عبر
السفارة البريطانية في بغداد ،وينبغي أن تنال شخصياتها رضا وقبول السفير
البريطاني.
كانت بريطانيا ،تلك الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس آنذاك قد
احتلت العراق عام 1915 أبان الحرب العالمية الأولى وأخضعته لانتدابها ،واضطرت على
أثر اندلاع ثورة العشرين إلى إقامة ما سمته بالحكم الوطني ،لكنها في واقع الأمر
كانت تهيمن على مقدرات العراق السياسية والاقتصادية والعسكرية وسائر الشؤون الأخرى
،وكانت كلما كان لديها مهمة خطيرة تشير
على الملك فيصل الأول ،ومن بعده الملك غازي ،ثم الوصي على عرش العراق عبد الإله
بعد مقتل الملك غازي وانتهاءً بالملك فيصل الثاني إلى وجوب تكليف نوري السعيد
بتأليف الوزارة العراقية الذي تعتمد عليه كل الاعتماد بأداء المهمة المطلوب
تنفيذها ،ولذلك فقد كانت لنوري السعيد حصة الأسد في تلك المرحلة حيث شكل أربعة عشر
وزارة،وهو رقم قياسي لم تحققه أي شخصية سياسية عراقية خلال تلك الحقبة من تاريخ
العراق التي دامت 37عاماً .
ففي 23 آذار شكل نوري السعيد وزارته الأولى التي
استمرت في الحكم حتى 19 تشرين الأول 1930.
وفي 19 تشرين الأول
عام 1931شكل وزارته الثانية ،واستمرت في الحكم حتى 27
تشرين الأول 1932 .
وفي 25 كانون الأول
1938 شكل وزارته الثالثة ،واستمرت في الحكم حتى 6 نيسان
1939 .
وفي 6 نيسان 1939 شكل
وزارته الرابعة على أثر مقتل الملك غازي وتولي عبد الإله وصاية العرش بسبب صغر سن
الملك فيصل الثاني آنذاك ،واستمرت في الحكم حتى18 شباط
1940.
وفي 22 شباط 1940 شكل
السعيد وزارته الخامسة،واستمرت في الحكم حتى 31 آذار
1940 .
وفي 9 تشرين الأول
1941 شكل وزارته السادسة،واستمرت في الحكم حتى3 تشرين
الأول 1942 .
وفي 8 تشرين الأول
1942 شكل وزارته السابعة ،واستمرت في الحكم حتى 19 كانون
الأول 1943 .
وفي 25 كانون الأول
1943 شكل وزارته الثامنة ،واستمرت في الحكم حتى 19 نيسان
1944 .
وفي 21 تشرين الثاني
1946 شكل وزارته التاسعة ،واستمرت في الحكم حتى 19 نيسان
1944 .
وفي 6 كانون الثاني
1949 شكل وزارته العاشرة،واستمرت في الحكم حتى 9 كانون
الأول 1949 .
وفي 15 أيلول 1950
شكل وزارته الحادية عشرة ،واستمرت في الحكم حتى 10 تموز
1952 .
وفي 3 آب 1954 شكل
وزارته الثانية عشرة ،واستمرت في الحكم حتى 17 كانون
الأول 1957 .
وفي 17 كانون الأول
1957 شكل السعيد وزارته الثالثة عشرة واستمرت في الحكم حتى 8 حزيران 1957.
وفي 3 آذار 1958 شكل
وزارته الرابعة عشرة ،واستمرت في الحكم حتى 14 مايس 1958 .
وفي 19 أيار 1958 شكل
السعيد وزارة حكومة الاتحاد الهاشمي المقام بين العراق والمملكة الأردنية الهاشمية
واستمرت في الحكم حتى قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 التي أطاحت بالنظام
الملكي في العراق وبالاتحاد الهاشمي الذي أقيم على عجل رداً على قيام الوحدة
السورية المصرية وتكوين[الجمهورية العربية المتحدة].
وبالإضافة إلى تأليفه أربعة عشر وزارة في تلك
الحقبة فإنه كان قد شارك كوزير للدفاع أو الخارجية في عشرة وزارات أخرى، فقد شغل وزارة الدفاع في حكومة صهره[جعفر العسكري] بتاريخ 22
تشرين الثاني 1923 .
وفي 1 تشرين الثاني
1924 شغل منصب وزير الدفاع في وزارة صهره جعفر العسكري الثانية
.
وفي 21 نيسان 1926
حاول الملك فيصل الأول إسناد منصب رئيس الوزراء إلى نوري السعيد لأول مرة،إلا أن السيد [عبد المحسن السعدون]ٍالذي يسيطرأعضاء
حزبه على البرلمان أبلغ الملك فيصل أن أعضاء حزبه لا يستطيعون منح ثقتهم لنوري السعيد
مما اضطر الملك إلى تكليف السيد [ توفيق السويدي] بتأليف الوزارة بدلاً من نوري
السعيد . (3)
وفي 18 تشرين الثاني
1929 شغل نوري السعيد منصب وزير الدفاع في وزارة السيد [ ناجي السويدي ] التي
أعقبت وزارة السيد عبد المحسن السعدون الذي انتحر في 13 تشرين الثاني من نفس العام .
وفي 20 آذار 1933 شغل
نوري السعيد وزارة الخارجية في وزارة السيد [ رشيد عالي الكيلاني ] .
وفي 9 أيلول 1933 شغل
نوري السعيد وزارة الخارجية في وزارة [ رشيد عالي الكيلاني]الثانية في أعقاب وفاة
الملك فيصل الأول وتسلم الملك غازي زمام الحكم.
وفي 9 تشرين الثاني
شغل السعيد وزارة الخارجية ووكالة وزارة الدفاع في وزارة السيد [ جميل المدفعي ]
الأولى.
وفي 25 آب 1934 شغل
السعيد وزارة الخارجية في وزارة السيد [ جميل المدفعي ] الثانية
.
وفي 29 كانون الثاني
1953 شغل السعيد وزارة الدفاع في وزارة السيد [جميل المدفعي]الثالثة
.
لقد لعب نوري السعيد
خلال سنوات حكمه دوراً خطيراً في حياة البلاد وكان سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب
العراقي حيث استهان بالدستور العراقي وسلب منه كل الحقوق والحريات التي تمس حياة
المواطنين والتي نص عليها ذلك الدستور،ومنها حرية
التنظيم الحزبي والنقابي وحرية الصحافة والنشر،وسائر المنظمات الديمقراطية
والجمعيات وحتى النوادي العامة ،وتلاعب في انتخابات مجلس النواب وتزوير إرادة
الناخبين باستمرار لضمان الإتيان ببرلمان ينفذ إرادته ومخططاته،وعمد مرات عديدة
إلى حل المجلس النيابي واستغلال الوضع بإصدار المراسيم المنافية لنصوص الدستور
،والمقيدة لحقوق وحريات المواطنين ،وأعلن الأحكام العرفية لمرات عديدة ولفترات
طويلة،ومارس حكماً قمعياً في حالات عديدة انتفض فيها الشعب العراقي احتجاجاً على
سياسات الحكومات المتعاقبة كما حدث بعد مقتل[ بكر صدقي] الذي قاد انقلاباً عسكرياً
عام 1936،وتنكيله برجالات الانقلاب كان من بينهم رئيس الوزراء حكمت سليمان والعديد
من الوزراء وكبار شخصيات الدولة،ومارس تلك السياسة الانتقامية بعد أحداث 2 مايس 1941 عندما قام رشيد عالي الكيلاني بحركته الانقلابية
بمساعدة العقداء الأربعة[ قادة الجيش] والذين كان قد استخدمهم نوري السعيد نفسه
عندما دبر انقلاباً على وزارة[ يسين الهاشمي] ،وقد نكل السعيد بالعقداء الأربعة
،حيث تم إعدامهم وعلق جثثهم في ساحات بغداد بعد أن احتل البريطانيون العراق من
جديد واسقطوا حكومة الكيلاني ،كما نكل بالعديد من الشخصيات السياسية التي اتهمها
بالمشاركة في حركة الكيلاني الانقلابية وأودعهم السجون ،ونفى البعض منهم .
كما مارس سياسته
الإرهابية تجاه الشعب العراقي أبان وثبة كانون المجيدة عام 1948
،ووثبة تشرين المجيدة عام 1952،وانتفاضة الشعب عام 1956 أبان العدوان
الثلاثي على مصر الشقيقة واحتجاجاً على مواقفه من ذلك العدوان،وشماتته بالرئيس
المصري [جمال عبد الناصر] .
ورغم كل المذكرات
التي كان يرفعها إلى الوصي عبد الإله كل من السيد كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني
الديمقراطي،والسيد محمد مهدي كبة رئيس حزب الاستقلال حول
السياسة المعادية لمصالح الشعب والوطن التي يتبعها نوري السعيد والتي تهدد مصير
الكيان العراقي لما تسببه من تراكم للسخط الشعبي،إلا أن عبد الإله صم آذانه عن
سماع تلك النصائح ،وأوغل في معاداة القوى السياسية الوطنية حتى وصل الأمر إلى
إعدام قادة الحزب الشيوعي يوسف سلمان [ فهد ] وزكي بسيم [ حازم ] ومحمد حسين
الشبيبي [ باسم]عام 1949 ،وملأ السجون بخيرة الوطنيين الساعين إلى حرية واستقلال
العراق الحقيقي،وأغلق كافة الصحف والمجلات ،وألغى جميع الأحزاب والجمعيات والنوادي
وانتهى به المطاف إلى الحكم على السيد
كامل الجادرجي بالسجن والنفاذ ،إمعاناً اضطهاد الشعب وقواه السياسية الوطنية ،وكان
هذا السلوك المعادي للديمقراطية،وحقوق الإنسان الذي مارسه الثنائي نوري السعيد
وعبد الإله عاملاً حاسماً في انفجار الغضب الشعبي ،والعناصر الوطنية في قواتنا المسلحة في ثورة الرابع عشر من تموز 1958 بقيادة
الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم ،وكانت ثورة خاطفة أنهت النظام الملكي خلال
ساعات،وأعلنت قيام النظام الجمهوري.
وقبل الولوج في صلب
الدور الذي لعبه نوري السعيد وإجراءاته المنافية للدستور،واضطهاده
لحقوق وحريات الشعب العراقي،لا بد وأن نقدم نبذة عن حياته بادئ ذي بدء،وعلاقته
بالملك فيصل الأول وبالبريطانيين،وصعود نجمه بين سائر الشخصيات السياسية التي لعبت
دوراً بارزاً في تلك المرحلة .
المؤلف
14تموز 2003