الفصل التاسع

 

تفجير مرقد العسكري في سامراء

واندلاع الحرب الأهلية

 

 

أولاً: اشتداد الصراع السياسي وتدهور الوضع الأمني في البلاد

ثانيا:انعقاد الاجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق بجهود عربية ودولية

ثالثاً: الجعفري يتجاهل التدهور الأمني ويتشبث بالسلطة

رابعاً : تفجير مرقد العسكري في سامراء واندلاع الحرب الأهلية

خامساً: اختيار مجلس الرئاسة وتشكيل حكومة نوري المالكي

سادساً: الصراع ينتقل من الشارع إلى الحكومة ومجلس النواب

 

 

أولاً: اشتداد الصراع السياسي وتدهور الوضع الأمني في البلاد

 

أصبح المواطن العراقي يعيش في ظل كابوس رهيب يتربص به الموت من كل الجهات على أيدي عصابات الإرهابيين القتلة من  الصداميين، وعناصر القاعدة، الذين كان يقودهم المجرم الزرقاوي، وفرق الموت التابعة للأحزاب الدينية الشيعية الذين تمرسوا على الجريمة والقتل بدم بارد، متخذين من الإسلام شعاراً لهم.

لقد تحول العراق بفضل السياسة الأمريكية الحمقاء إلى ساحة للصراع بين الولايات المتحدة والقوى الإرهابية التي خلقتها هي نفسها فيما مضى  يوم كان الاتحاد السوفيتي قائما، والصراع بين القوتين العظميين جارياً على قدم وساق، على حساب أمن المواطنين العراقيين، الذي أصبح فيما بعد الشغل الشاغل لهم، ناهيك عن المعانات الشديدة والقاسية نتيجة التدهور الحاصل في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والخدمية منذ أن تم إسقاط نظام صدام الدكتاتوري في التاسع من نيسان 2003 ، في حين كان الشعب العراقي المظلوم يراوده الأمل بعد التخلص من ذلك النظام القمعي الذي استباح البلاد إن يستعيد حريته المسلوبة وكرامته المهانة، وتحقيق الحياة الكريمة لأجياله الناهضة، فإذا به يعيش في وضع مأساوي لم يشهد له مثيلاً من قبل، فلا كهرباء، ولا ماء صالح للشرب، ولا وقود، ولا رعاية صحية، ولا رعاية اجتماعية، ولا اهتمام بالثقافة، وتحولت الجامعات والمؤسسات الثقافية إلى حسينيات أو جوامع بفضل السياسة الأمريكية التي صنعت لنا نظاماً طائفيا، وشكلت على أساسه مجلس الحكم [البريمري]، وفسحت المجال واسعاً للعناصر الطائفية، مستغلة التخلف الواسع النطاق الذي خلفه لنا نظام الطاغية صدام حسين من خلال حملته الإيمانية المزيفة، ومن خلال إنعاش العلاقات العشائرية المتخلفة، والتي كانت ثورة 14 تموز عام 1958 قد وضعت حداً لها، من خلال إلغاء قانون العشائر السيئ الصيت.لقد تركت قوات الاحتلال حدود العراق مفتوحة على مصراعيها أمام قوى الظلامية السنية والشيعية على حد سواء لتدخل العراق من دول الجوار إيران وسوريا والأردن والسعودية، كي تمارس جرائمها البشعة. كما وضعت للعراق دستوراً يكرس النظام الطائفي، ويشجع على تفتيت العراق كوطن، وعلى تمزيق البنية الاجتماعية على أساس ديني طائفي أو عرقي يتعارض بشكل صارخ مع مصالح الشعب والوطن.

وها هو الشعب العراقي اليوم بوضعه الحالي المفجع قد وقع ضحية استقطاب طائفي لم نشهد له مثيلا من قبل، وأخذ رجال الدين الشيعة من جهة، والسنة من جهة أخرى يمارسون عمليات التحريض لدى طوائفهم ضد بعضهم البعض، حيث أوصلوا الحال إلى حد الاقتتال. 

لقد بات الوضع الأمني يقض مضاجع جميع أبناء الشعب، حيث تهدر الدماء البريئة كل يوم بالمئات، وحيث تدمر الممتلكات الخاصة والعامة ، وحيث يعم الخراب والجوع والإذلال، وحيث تنتشر البطالة والفقر بشكل مريع، وحيث ينخر الفساد في كافة أجهزة الدولة من القمة حتى القاعدة، وحيث السرقات للأموال العامة بمليارات الدولارات، وحيث أصبحت الرشوة هي الوسيلة الوحيدة لتمشية معاملات المواطنين في دوائر الدولة بشكل علني ودون خوف ، فلا سلطة للقانون، ولا وازع من ضمير.

هذه هي الجنة التي وعد بها الرئيس الأمريكي بوش الشعب العراقي حيث المفخخات والعبوات والأحزمة الناسفة ليل نهار، وحيث تجبر العوائل على مغادرة مساكنها تحت تهديد القتل وحرق الدار.

لقد فقد الشعب الثقة بكل ما أنجزته الإدارة الأمريكية منذ التاسع من نيسان 2003 وحتى اليوم. وبات همه الوحيد عودة الأمن والسلام في البلاد، واستعادة عرى الأخوة والمحبة والاحترام بين أطياف الشعب بكل أديانهم وطوائفهم وقومياتهم.

إنه يريد الديمقراطية و الحرية الحقيقية، بعد كل تلك السنوات العجاف للطغيان البعثي الصدامي، وهو يرفض اليوم رفضاً قاطعا استبدال هذا الطغيان الصدامي بطغيان طائفي اشد ظلاماً وأقسى.

 إنه يريد حكومة لا تنتمي إلى كل هذه القيادات التي وضعت مصلحة الشعب والوطن وراء ظهرها.

إنه يريد حكومة ديمقراطية مستقلة من عناصر تنكوقراط نظيفة  أيديها، مستنيرة عقولها، قوية شكيمتها، تضع مصالح الشعب والوطن في بؤبؤ عيونها، و تعيد بناء الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية بعيداً عن هيمنة الأحزاب الطائفية وميلشياتها، وتؤمن بالعراق ومصالح الشعب فقط، وتتصدى للإرهاب والإرهابيين أينما كانوا، وإلى أية جهة ينتمون، وتعيد الأمن والسلام في ربوع العراق، وتعيد بناء ما خربه النظام السابق، وما خربته الحرب الأمريكية، وما خربته العناصر الإرهابية، وتعيد بناء البنية الاجتماعية المحطمة على أساس من العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مقدمة شعاراتها وأهدافها وصلب دستور البلاد.

الشعب يريد من حكومته أن تقول للمحتلين اخرجوا من ديارنا، ودعونا نعيش بسلام، نبني الوطن، ونحقق الحياة الرغيدة لشعبنا الجائع الذي يعيش في هذا البلد الغني جدا،ً ولا يجد من خيراته شيئاً.

الشعب يريد من حكومته أن تحقق له الاستقلال التام والناجز، وإقامة العلاقات المتكافئة مع سائر بلدان العالم على أساس الاحترام المتبادل للسيادة، والمنافع المشتركة، من دون استغلال أو استعباد.

الشعب يريد دستوراً وطنياً ديمقراطيا يفصل الدين عن الدولة، ولا يفرق بين أحد من المواطنين بسبب دينه أو طائفته أو قوميته، يحترم حقوق الإنسان ويحقق المساواة أمام القانون لسائر المواطنين دون تمييز.

إن الشعب العراقي يُحمّل الولايات المتحدة مسؤولية كل ما جرى ويجري في العراق باعتبارها دولة محتلة للعراق بجيوشها الجرارة، وأسلحتها الفتاكة، وطائراتها المخيفة، وهي تملك كل الوسائل والسبل لإخراج العراق وشعبه من هذه المحنة لو هي شاءت، لكنها كما يبدو لكل ذي بصر وبصيرة أن الإدارة الأمريكية لم يكن في أجندتها أقامة نظام ديمقراطي حقيقي، ولم يكن هدفها من الحرب الكارثية تخليص الشعب العراقي من نظام صدام القمعي وهي التي جاءت للعراقيين بهذا النظام الطائفي الذي يمارس ما مارسه نظام صدام أضعافا مضاعفة وبصورة علنية، حيث يجري قتل المئات من المواطنين الأبرياء في الشوارع والطرق على رؤوس الأشهاد، وحيث تلقى الجثث في المزابل طعاماً للكلاب السائبة، مما أوقع الشعب العراقي في محنة قاسية فاقت كل المحن السابقة، وأصابه اليأس القاتل من أمكانية الخروج منها، ولم يبقَ أمامه من طريق سوى التفكير في الرحيل من العراق لمن استطاع إليه سبيلا، أو الانكفاء في البيت واستنفاذ كافة مدخراته من أجل إدامة حياة العائلة، أو الاستسلام للأقدار، والخروج للعمل والمجازفة بحياتهم لأجل تأمين المتطلبات الضرورية للعائلة وهم غير مصدقين بسلامة العودة.

 

ثانيا: انعقاد الاجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق بجهود عربية ودولية

 

انتيجة للجهود التي بذلتها جامعة الدول العربية، وبمشاركة العديد من قادة الدول العربية لجمع الأطراف التي كانت تخوض الصراع على الساحة العراقية فيما بينها، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء تمهيداً للوصول إلى قواسم مشتركة لإجراء مصالحة وطنية تخرج العراقيين من الوضع الكارثي الذي حل بالبلاد، فقد تكللت تلك الجهود بجمع سائر الأطراف في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة في الاجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق، على أن تلتقي هذه الأطراف بعد تهدئة الأوضاع الأمنية في بغداد لمواصلة أعمال المؤتمر بغية الخروج من المأزق الراهن.

وهكذا انعقد الاجتماع التحضيري في التاسع عشر والعشرين من شهر تشرين الثاني 2005 ، ورغم ما ساد المؤتمر خلافات عميقة فقد استطاع المؤتمرون بمساعدة الرئيس المصري حسني مبارك، والسيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، والسيد عبد العزيز بلخادم الممثل الشخصي للرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقه، وبحضور الرئيس العراقي السيد جلال الطالباني، والدكتور إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء، والسيد هوشيار زيباري وزير الخارجية، والسيد اشرف قاضي ممثل الأمين العام للجامعة في العراق، ووزراء خارجية إيران وتركيا، وسفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، والعديد من الشخصيات السياسية الأخرى، الخروج من المؤتمر بالمقررات الإيجابية التي تضمنها البيان التالي الصادر عن المؤتمر، وهذا نصه: (1) 

انعقد في مقر الأمانة العامة بالقاهرة الاجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي خلال الفترة من 19-21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، بمشاركة القوى السياسية العراقية من مختلف مكونات الشعب العراقي، وذلك تلبية لدعوة من السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية.                                                                                 افتتح أعمال المؤتمر فخامة الرئيس محمد حسنى مبارك رئيس جمهورية مصر العربية، وفخامة الرئيس جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق، والدكتور إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي، والسيد عبد العزيز بلخادم وزير الدولة الممثل الشخصي للرئيس عبد العزيز بو تفليقه رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية رئيس القمة العربية، والسيد أشرف قاضي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق.                                   .                      

كما حضر الجلسة الافتتاحية السادة وزراء الخارجية العرب أعضاء اللجنة الوزارية الخاصة بالعراق ووزير خارجية الجمهورية اللبنانية، والدكتور مصطفى عثمان إسماعيل مستشار رئيس جمهورية السودان، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وممثل اتحاد المغرب العربي، وممثل جمهورية موريتانيا الإسلامية، ووزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وممثل وزير خارجية جمهورية تركيا، وسفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، والمندوبون الدائمون لدى الجامعة العربية، وعدد من سفراء الدول الأجنبية المرتبطة بمذكرات تفاهم مع الجامعة العربية، وممثل الاتحاد الأوروبي، وممثلون عن منظمة المؤتمر الإسلامي، والبنك الإسلامي للتنمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وقد أكد مصدر مسؤول في جامعة الدول العربية أن توسيع العملية السياسية هو النقطة الأولى على مشروع جدول أعمال مؤتمر الوفاق الوطني العراقي الذي أعدته الأحد 20 تشرين الثاني 2005 لجنة منبثقة عن اجتماع القوى العراقية في القاهرة.

وكانت أعمال اليوم الثاني للاجتماع التحضيري شهدت انفراجا في أجواء التوتر التي خيمت عليه السبت. وشهدت أروقة الجامعة العربية اجتماعا غير مسبوق بين رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري ورئيس هيئة علماء المسلمين السنية حارث الضاري.

وقال مصدر مسؤول في الجامعة أن الأمين العام للجامعة عمرو موسى ساهم في أتمام هذا الاجتماع الذي جرى على هامش غداء عمل لرؤساء الوفود في مقر الجامعة.

وبعد انتهاء هذا الاجتماع صرح الجعفري للصحافيين لدى مغادرته مقر الجامعة أن تقدما كبيرا تحقق في الاجتماعات التحضيرية في كافة الأمور، وأن مصالحة تمت بين العديد من المشاركين في المؤتمر، وتابع أن هناك تساؤلات مشروعة طرحت وهي تستدعي متابعة وليس الابتعاد عنها لكي يتوحد العراقيون.

وقال الجعفري انه حدث لبس في فهم الكلمة التي ألقاها السبت في الجلسة الافتتاحية للاجتماع مؤكدا انه ليس فيها إقصاء لأحد موضحا انه كان يعني أن [عودة حزب البعث إلى الحكم خط احمر سواء كان تنظيما او قيادات]. أما الذين لم يتسلموا مواقع في النظام السابق فلا مشاكل معهم وهم الذين يديرون الأمور الآن في مختلف المؤسسات.

وكان الجعفري قد قال في كلمة ألقاها أمام الجلسة الافتتاحية للاجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق العراقي السبت انه لا مجال للبعث في العراق فهذا خط احمر.(2)

وقد رد عليه حارث الضاري مؤكدا أن كلمته تضمنت روحا إقصائية واعتبر انه قلل من شأن المشاكل التي يعاني منها السنة في العراق.(3)

كما أدلى الرئيس العراقي جلال طالباني بتصريحات مماثلة وقال انه لا يعارض إدماج البعثيين الذين لم يرتكبوا جرائم بحق الشعب العراقي بل أكد استعداده لمقابلة من يسمون أنفسهم بالمقاومة والاستماع إليهم بصفته رئيسا لكل العراقيين.(4)

وقد خرج المؤتمر بالبيان الختامي التالي:

تدارس المشاركون الإعداد لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي وآليات العمل والتحضير له في المرحلة المقبلة لبناء عراق المستقبل، وأظهرت مداخلات المشاركين والمشاورات والحوارات التي جرت في جلسات العمل والحوارات التي جرت في جلسات عمل الاجتماع توافق في الرأي على النقاط التالية:

1ـ الترحيب بمبادرة جامعة الدول العربية لعقد مؤتمر الوفاق الوطني العراقي، وتأكيد حرص الجميع على توفير أفضل الظروف لعقد هذا المؤتمر ونجاحه.

2 ـ الالتزام بوحدة العراق وسيادته وحريته واستقلاله وعدم السماح بالتدخل في شؤونه الداخلية، واحترام إرادة الشعب العراقي وخياراته الديمقراطية في إطار التعددية ونظام اتحادي وحقه في تقرير مستقبله بنفسه.

3 ـ إن الشعب العراقي يتطلع إلى اليوم الذي يتم فيه خروج القوات الأجنبية من العراق وبناء قواته المسلحة والأمنية ويحظى فيه بالأمن والاستقرار، والتخلص من الإرهاب الذي يطال العراقيين والبنية التحتية العراقية ويُدمر الثروات الوطنية وأجهزة الدولة.

4 ـ مع أن المقاومة حق مشروع للشعوب كافة، بيد أن الإرهاب لا يُمثل مقاومة مشروعة، عليه نُدين الإرهاب وأعمال العنف والقتل والخطف التي تستهدف المواطنين العراقيين والمؤسسات الإنسانية والمدنية والحكومية، والثروة الوطنية، ودور العبادة، ونطالب بالتصدي له فوراً

5 ـ إدانة التكفير للشعب العراقي لأنه يتعارض مع تعاليم الإسلام السمحة التي تُحرم تكفير المسلم لأخيه المسلم، والعمل على إشاعة القيم الإسلامية التي تدعو إلى التآخي والتسامح وترسيخ الوحدة الوطنية.

6 ـ الدعوة إلى الإفراج عن كل المعتقلين الأبرياء الذين لم يُدانوا أمام القضاء، والتحقيق في دعاوى التعذيب ومحاسبة المُقصرين ومرتكبي هذه الأعمال، والإيقاف الفوري للمداهمات العشوائية والاعتقالات بدون أمر قضائي موثق.

7 ـ  المطالبة بانسحاب القوات الأجنبية وفق جدول زمني، وذلك بوضع برنامج وطني فوري لإعادة بناء القوات المسلحة تدريباً وإعداداً وتسليحاً على أسس سليمة تُمكنها من حماية حدوده، ومن السيطرة على الوضع الأمني في البلاد.

8 ـ احترام موقف جميع أطياف الشعب العراقي، وعدم إعاقة العملية السياسية والمشاركة الواسعة في الانتخابات المقبلة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، واحترام رأى الشعب العراقي في اختيار ممثليه.

كما دعا المشاركون الدول العربية الشقيقة إلى دعم العراق في مختلف المجالات وعلى رأسها ما يلي:

1 ـ التعجيل بإلغاء الديون المستحقة على العراق أو تخفيضها تمشياً مع قرار نادى باريس وقرارات جامعة الدول العربية.

2 ـ  المساهمة في تدريب وتأهيل الكوادر العراقية في مختلف قطاعات الدولة.

3 ـ تعزيز التواجد الدبلوماسي العربي في العراق مع توفير الحماية الأمنية اللازمة للبعثات الدبلوماسية العربية.

4 ـ تقديم المساعدات الإنسانية، والقيام بدورٍ فعال في عملية إعادة الإعمار في العراق.

5 ـ  المساعدة في ضبط الحدود لمنع المتسللين.                            

وفي ضوء المناقشات والمداخلات تم تشكيل مجموعتي عمل الأولى معنية بالإعداد لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي بإدارة معالي السيد عبد العزيز بلخادم، والثانية معنية بإجراءات بناء الثقة بإدارة معالي الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، حيث تم التوصل إلى ما يلي:

أولاً:  أن يُعقد مؤتمر الوفاق الوطني العراقي خلال الأسبوع الأخير من شهر فبراير/ شباط أو في الأسبوع الأول من مارس/ آذار 2006 في بغداد.

 

 ثانياً: مشروع جدول أعمال المؤتمر والذي يتضمن المحاور التالية:

1 ـ توسيع العملية السياسية لتشمل جميع القوى على أساس تبني النهج الديمقراطي.

2 ـ  وحدة العراق واستقلاله وسيادته ووضع برنامج لإنهاء مهمة القوة المتعددة الجنسيات. 

3 ـ معالجة الوضع الأمني.                                        

4ـ المساواة في المواطنة في الحقوق والواجبات.

5ـ مجالات الدعم المطلوبة لإنجاح عملية الوفاق الوطني. 

 6 ـ معالجة موضوع الديون وإعادة إعمار العراق.

 

ثالثاً: تحديد معايير المشاركة في المؤتمر على النحو التالي :            

1 ـ ضمان التمثيل المتوازن والشامل للقوى والأحزاب السياسية العراقية الممثلة لمكونات الشعب العراقي كافة بما فيها العشائر، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني والمرأة.

2ـ الالتزام بالحوار والنهج الديمقراطي ونبذ العنف والاستعداد للمشاركة في العملية السياسية.

3 ـ الالتزام بالسعي نحو تحقيق أهداف العملية السياسية بالوسائل السلمية واحترام وجهات النظر المختلفة.

 

رابعاً: تشكيل لجنة مُصغرة لمتابعة الإعداد لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي تُسمى [لجنة المتابعة والإعداد] من القوى السياسية في العراق بمشاركة جامعة الدول العربية وبالتعاون مع الأمم المتحدة.

 

خامساً: إقرار عدد من إجراءات بناء الثقة خلال المرحلة المقبلة من بينها الإجراءات العملية التالية

1 ـ الابتعاد عن تبادل الاتهامات، ودعوة وسائل الإعلام العراقية والعربية للعمل على التقريب بين أطياف الشعب العراقي.

2 ـ  عدم استخدام المنابر الدينية والسياسية والإعلامية للتحريض على الكراهية والفُرقة.

3 ـ  العمل على توفير المناخ المناسب لإجراء عملية الانتخابات القادمة بصورة حرة وشفافة.

4 ـ إيجاد صيغة عملية لعمل لقاءات منتظمة بين القوى السياسية والأطياف العراقية لتهيئة المناخ لتحقيق الوفاق الوطني العراقي.

5 ـ ضرورة مراجعة وضع المعتقلين في أسرع وقت ممكن وإطلاق سراح مَنْ لم تثبت تهمته ووقف المداهمات إلا بأمر قضائي موثق وإشاعة جو من الأمن والطمأنينة.

وقد اتفق ممثلو القوى العراقية الذين واصلوا اجتماعاتهم يوم الأحد 20-11-2005 على عقد مؤتمر الوفاق الوطني في الأسبوع الأخير من شباط 2006 داخل العراق على أن يكون [توسيع العمليةالسياسية] النقطة الأولى على جدول أعماله.( 5)

وفي الختام أعرب المشاركون عن الشكر والتقدير لجمهورية مصر العربية رئيساً وحكومةً وشعباً على حُسن الاستقبال وكرم الضيافة، وأشادوا بجهود الرئيس حسنى مبارك، وتقديرهم للدور الذي قامت به اللجنة الوزارية الخاصة بالعراق، كما أعرب المشاركون عن تقديرهم للجهود التي بذلها الأمين العام لجامعة الدول العربية لعقد هذا الاجتماع، والنتائج التي أسفر عنها، والكلمة الهامة التي ألقاها في افتتاح الاجتماع التحضيري وتقديرهم للدور الذي قامت به الأمم المتحدة في دعم المؤتمر

 

ثالثاً: الجعفري يتجاهل التدهور الأمني ويتشبث بالسلطة

 

على الرغم من التدهور الأمني الخطير، وتصاعد الأعمال الإرهابية في البلاد وعلى الرغم من الصراع الطائفي الذي بات يحصد أرواح المئات من المواطنين شيعة وسنة كل يوم، وبات القتل يجري على الهوية، بل تعداه إلى الاسم في عرف المتطرفين الجهلة من الطائفتين الشيعية والسنية، والمتطرفون والإرهابيون التكفيريون من عصابة ابن لادن والبعثيون أنصار الجلاد صدام، وكل ذلك يجري باسم الإسلام، وهكذا تحول العراق إلى جحيم لا يمكن تحمله بعد أن أدى إلى وقوع الكارثة الكبرى بالعراق.

وبات الشعب العراقي يعيش في رعب قاتل، والقلق والاكتئاب والخوف من المستقبل أصبح ملازماً للمواطن العراقي حتى في بيته ، فلا ضمان أن لا يهاجم زوار الليل من القتلة المجرمين بيوتهم وهم نيام لتجز سكاكينهم القذرة رقاب الأطفال قبل النساء والرجال، وهم يهتفون باسم الله وباسم الإسلام.

 

ولا شك أن المسؤول الأول عن الوضع المأساوي الذي حل بالمجتمع العراقي بالإضافة إلى الاحتلال هو الحكومة القائمة، برئاسة إبراهيم الجعفري، فهو السبب المباشر في الأزمة السياسية المستعصية التي حالت دون تشكيل حكومة وحدة وطنية عراقية قوية قادرة على إعادة الأمن والنظام العام في البلاد، رغم مضى أكثر من ثلاثة أشهر على انتخاب مجلس النواب، والبلاد في فراغ سياسي وأمني خطير حيث كانت وزارة الجعفري هي وزارة تصريف أعمال ليس غير.

وقد أصر السيد إبراهيم الجعفري على تولي رئاسة الوزارة للسنوات الأربعة التالية،على الرغم من معرفته أنه لا يستطيع الحصول على ثلثي أصوات أعضاء مجلس النواب، وعلى الرغم من أن نصف قائمة الائتلاف قد صوتت ضد ترشحه لرئاسة الوزارة، وعلى الرغم من إدراك كل القوى السياسية على الساحة العراقية أن أي حكومة حزبية شيعية كانت أم سنية لا يمكنها إعادة الأمن والسلام في البلاد، وأن السبيل الوحيد للخروج بالعراق وشعبه من هذه المحنة هو تأليف وزارة وحدة وطنية قوية تضم سائر الأطراف ويقودها شخصية وطنية وسياسية قوية ومعتدلة تستطيع إطفاء الحريق، وتحقيق الأمن والسلام لسائر المواطنين، والتفرغ لإعادة بناء العراق الجديد، وتحقيق حياة حرة كريمة تليق بالإنسان العراقي الذي قاسى ولا يزال يقاسي منذ عدة عقود شظف العيش والبؤس والفاقة والأمراض الفتاكة، ودون رعاية اجتماعية.

 لكن الجعفري الذي كان يرفض الفكاك من السلطة حتى لو احترق العراق بأهله، وهو ما برح يدفع بالناس البسطاء والجهلة، وبأعضاء حزبه للتظاهر رافعين صوره التي تذكرنا بصور صدام حسين المخلوع، وهم يهتفون نفس الشعارات التي كان يرفعها رعاع حزب البعث [ ماكو ولي إلا على ونريد حاكم جعفري].

أما الجعفري فقد ذهب بعيداً أكثر من هذا عندما صرح في مقابلة مع صحيفة[الكارديان البريطانية] بأنه لن يرغم على ترك منصبه تحت ضغط الولايات المتحدة وبريطانيا!!، وأضاف قائلا أنه تولى منصبه بقرار ديمقراطي، ويجب احترام إرادة الشعب. (6)

 كان الجعفري يتحدث وكأنما الشعب هو حزب الدعوة وعصابة مقتدى الصدر، بل لقد ذهب إلى ابعد من ذلك إلى التهديد بأن الشعب سيتحرك إذا لم تحترم إرادة الشعب، و يتولى منصب رئاسة الوزراء.

ويبدو أن السيد الجعفري قد نسي أم أنه يتناسى أن من بوأه رئاسة الوزارة هم الأمريكيون، وأنهم الحكام الحقيقيون للعراق شئنا أم أبينا، ولولا إسقاطهم نظام الطاغية صدام لكان هو وكل رفاقه في الحكم ما زالوا لاجئين في دول أوربا والولايات المتحدة.

  وجاء تفجير مرقدي  الإمامين على الهادي وحسن العسكري في سامراء لصب الزيت على النار الطائفية التي اشتعلت بين الشيعة والسنة وحصدت أرواح الألوف من أبناء الطائفتين السنية والشيعية، ولم تتخذ حكومة الجعفري الأجراء الحاسم لوقف حمام الدم هذا، ومنع انتشار نيران الفتنة الطائفية، فقد كان عليه أن يعلن على الفور نظام منع التجول لمنع وقوع تلك المذابح الطائفية البشعة، تاركاً العناصر المتطرفة تستغل تفجير المرقد في سامراء لترتكب تلك الجرائم البشعة بحق أبناء الطائفة السنية من جهة، ولتصعيد الصراع إلى المستوى الذي يهدد بانتشار الحرب الأهلية التي لا تخدم أحداً، تاركين الأخطار الحقيقية التي تمثلها قوى الفاشية السوداء وحلفائها قوى الظلام الإسلامي المسيرة من وراء الحدود.

كان المشهد السياسي يبعث الأسى العميق، ويثير القلق الشديد لما كنا نراه من انقسام وتنافس وصراعات غير مبررة لدى القوى الوطنية، السياسية والطائفية والقومية، وكل من هذه القوى تطرح أجندتها وتحاول فرضها على الآخرين كأمر واقع متجاهلين المخاطر التي تهدد في واقع الحال الجميع، وتهدد بكل تأكيد مستقبل العراق وشعبه بكل قومياته وأديانه وطوائفه وتوجهاته السياسية.

فقوى الإسلام السياسي للطائفة الشيعية التي تتوزع بين المجلس الأعلى وحزب الدعوة والتيار الصدري وحزب الفضيلة، إضافة للقوى الملتفة حول الحوزة تسودها حالة من التنافس غير المبرر، وكل جهة تسعى لفرض هيمنتها على الطائفة، وتحقيق حلمها بالوصول إلى السلطة، وفرض أجندتها المتمثلة بدولة ودستور إسلاميين متجاهلين كون الشعب العراقي يرفض الدكتاتورية الدينية مثل ما رفض الدكتاتورية الصدامية، وهو يطمح بقيام نظام ديمقراطي ودستور علماني يحفظ للدين هيبته واحترامه، ويبعده عن الاستغلال من قبل القوى السياسية أياً كانت، وفي المقابل نجد الطائفة السنية التي ارتبطت بوشائج عديدة مع نظام صدام تحاول إعادة ترتيب أمورها لتحقيق دور لها في العهد الجديد، لكنها تخطئ في اختيار الأساليب الصحيحة لتصحيح مسيرتها، ويقوم جانب كبير من رجال الدين السنة وخاصة خطباء الجوامع بدور خطير جداً يصب في تشجيع القوى التي تمارس الإرهاب من خلال خطبهم التحريضية التي بدأت تتصاعد في وقت كان كل هؤلاء الخطباء لا يملكون الجرأة على أن ينبسوا بكلمة واحدة ضد جرائم نظام صدام التي يندى لها جبين الإنسانية، وتجاهلوا المقابر الجماعية التي ضمت رفات مئات الألوف من أبناء الشعب، وتجاهلوا جرائم الأنفال، وحلبجة، وشهداء انتفاضة آذار المجيدة، وتجاهلواالحروب الإجرامية ضد إيران والكويت، والحروب التي خاضها النظام البائد مع الولايات المتحدة وحلفائها عام 1991 وعام 2003 التي انتهت بزواله، ومع ذلك فلا نجد خطباء الجوامع السنية يتحدثون عن تلك الجرائم ويدينوها، بل أصبح جل همهم التحريض على العهد الجديد، وتشجيع عصابات القتلة من خلال وصفها بالمقاومة للاحتلال، بل وحولوا العديد من الجوامع إلى مخازن أسلحة للإرهابيين بحجة مقاومة الاحتلال، ويتعامون عن الأعداد الكبيرة من الضحايا المدنيين وأفراد قوات الشرطة والدفاع المدني الوطنية!. لقد أصبح الوضع خطيراً جداً، وهذا الخطر يهدد الجميع دون استثناء، ولا يمكن درء هذا الخطر إلا بوحدة القوى الوطنية كافة، واتفاقها على القواسم المشتركة التي تحافظ على مصالح الشعب والوطن، من خلال إقامة نظام حكم ديمقراطي تعددي يضمن وحدة وسلامة العراق أرضاً وشعباً، ويزيل المخاوف والحساسيات، وانعدام الثقة بين سائر مكونات الشعب القومية  والطائفية والسياسية، وإعادة النظر في الدستور الجديد بما يؤمن مصالح الجميع، والتوجه العلماني للدولة ويحفظ الحقوق والحريات العامة، وتجنب المنزلقات الطائفية والشوفينية التي لن تقود إلا إلى الحرب الأهلية، والتي لا تجلب إلا الويلات والمصائب التي لا أحد يستطيع تحديد مداها.

 لقد كان أمام الأطراف السياسية خياربن لا ثالث لهما فإما الوطنية الصادقة التي تقود البلاد إلى شاطئ السلام، وتحقق الشعب طموحاته التي يحلم بها في العيش الكريم في ظل عصر من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وإما الطوفان الذي يأتي على الأخضر واليابس، ويحقق  حلم الدكتاتور صدام حسين عن تصوره للعراق بعد زوال حكمه [أرضاً يباباً دون شعب]، وتتحمل كل هذه الأطرف مجتمعة مسؤولية الطريق الموصل إلى الهاوية.

كان الأمل يحدو الشعب العراقي وهو يمر بتلك الظروف العصيبة أن تعي سائر القوى السياسية مسؤولياتها تجاه شعبها،  وأن تعي خطورة المرحلة الحبلى بكل المفاجآت، وأن تدرك أن سعيها لتحقيق مصالحها الأنانية، وما يمليه عليها ضيق افقها القومي والديني والطائفي  لن يقود إلا إلى الكارثة التي ستذهب بالجميع دون استثناء.

 

رابعاً: تفجير مرقد العسكري في سامراء واندلاع الحرب الأهلية

 

في ظل تلك الأجواء الرهيبة التي كانت تسود البلاد، وفي ظل الشحن الذي كانت تمارسه قيادات الأحزاب الدينية الشيعية والسنية، في ظل السعي المحموم لعناصر القاعدة وحلفائها الصداميين، جاءت جريمة التفجير النكراء والخطيرة التي طالت مرقدي الإمامين على الهادي وحسن العسكري في سامراء، والتي جرى تنفيذها من قبل عناصر لا تؤمن بدين ولا بأية قِيمٍ إنسانية، عناصر باعت نفسها بثمن بخس لمن دفعها للقيام بهذه الجريمة الشنعاء لتحقيق أهداف أكثر خطورة وأفضع.

أنهم  قد استهدفوا بفعلتهم الجبانة إشعال  نيران الحرب الأهلية الطائفية باسم الدين والعقيدة، ليحرقوا العراق وشعبه، حرب من أشد الحروب فضاعة، بعد أن استمرَّ المسؤولون في تجاهل الأخطار المحدقة بالبلاد  وفسحوا المجال واسعاً أمام العناصر الجاهلة التي يغلب على سلوكها التعصب الطائفي الأعمى لصب الزيت على النار، هذه النار التي كما يدرك كل العقلاء أنها تبدأ دائماً بشرارة، وها قد بدأت، ولكنها وبسبب الأجواء العراقية المحتقنة والخطيرة، والصراع السياسي المكشوف على السلطة فإن نيرانها قد انتشرت كما تنتشر النار في الهشيم، ودفع الشعب ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه ومن ممتلكاته مما لا أحد يستطيع تقديره.

إن الوضع الذي تفجر على أثر ذلك العمل الإجرامي الخطير كان يتطلب من كل الحريصين على مستقبل العراق وشعبه أن يعملوا وبأسرع ما يمكن على إطفاء نيران الحرب الطائفية قبل انتشارها، وأن يكف الجميع عن الحديث الطائفي سنياً كان أم شيعياً.

لقد كان من المؤلم أن نسمع خطابات المتطرفين من رجال الدين، ونطالع في صفحات الانترنيت دعوات مجنونة في التحريض، وصب الزيت على نار الفتنة، ليحرقوا العراق بأهله، ربما بعضهم تصرف بغير وعي منهم،  لكن تصرف الأغلبية كان بوعي وتصميم من أجل تحقيق أهداف ومكاسب سياسية في الصراع المكشوف على السلطة، وهم يستهدفون تحريك الجماهير البسيطة غير الواعية وغير المنضبطة، ودفعها إلى أتون الحرب الطائفية من أجل الإمساك بالسلطة حتى لو دُمر العراق، وقضى مئات الألوف على مذبح هذه السلطة الملعونة.

ولا شك أن كل من سعى إلى دفع الجماهير بهذا الاتجاه الخطير يتحملون كامل المسؤولية عن النتائج التي نجمت عن هذا السلوك.

لقد كان على السلطة القائمة آنذاك التوجه بأقصى السرعة لمعالجة الوضع الخطير الناشئ عن الجريمة النكراء والمفجعة، وبقدر كبير من التعقل والحكمة، وتهدئة الجماهير الهائجة أو المهيجة، والعمل بكل جد وشفافية لتشكيل لجنة تحقيقية نزيهة محايدة تتولى البحث والتحقيق عن الأيدي المجرمة والجبانة التي اقترفت هذه الجريمة، والتعمق في التحقيق للوصول إلى من يقف وراءها، ومن له مصلحة حقيقية في تدبيرها، وإنزال العقاب الصارم بالفاعلين وأسيادهم عبر الحدود، لا أن تترك منتسبي أحزابها الطائفية الجهلة تصب الزيت على الوقود وإشعال نيران الحرب الطائفية.

بدأت الأخطار المحدقة بالشعب العراقي تتصاعد يوماً بعد يوم جراء تلك الأحداث الأليمة التي جرت على أثر الجريمة النكراء حيث أقدمت زمر طائفية غوغائية مشحونة وغير منضبطة بمهاجمة الجوامع السنية وتخريبها، وقتل العديد من رجال الدين والمصلين المتواجدين فيها، بل لقد تمادت هذه الزمر في غيها بمهاجمة وقتل المواطنين الآمنين من الطائفة السنية مما أدى على استشهاد ما يزيد على 400 مواطن حسب تقدير السلطات الرسمية، وما يتجاوز ال1000 حسب تقديرات الجهات الأخرى، وأخذت تلك الأرقام تتصاعد يوماً بعد يوم حتى جاوزت عشرات الألوف من المواطنين الأبرياء..

ولقد كانت التصريحات التي صدرت من بعض قادة الأحزاب الطائفية وبعض رجال الدين التابعين لهم بمثابة صب الزيت على النيران الطائفية التي أشعلها هؤلاء الغوغائيين الذين وجهوا اتهاماتهم حول جريمة تفجير المرقد في سامراء لأبناء الطائفة السنية دون وجه حق، مما أوقع تلك الخسائر البشرية والمادية الجسيمة في صفوف المواطنين، وعلى الرغم من اتخاذ السلطة قراراً بمنع التجول في بغداد والمحافظات المجاورة ذات الأغلبية السنية لمدة ثلاثة أيام، فقد انتشرت نيران الحرب الأهلية الطائفية على أوسع نطاق. وعلى الرغم مما سببته تلك الجرائم التي أزهقت أرواح ألوف المواطنين فلم نسمع أن الحكومة التي تُعتبر مسؤولة مسؤولية مباشرة عن حفظ أرواح وممتلكات المواطنين قد اتخذت الإجراءات القانونية ضد العناصر التي قامت بهذه الجرائم، وضد محرضيها، لردع كل من تسول له نفسه تكرار ما حدث خلال الأيام التي تلت التفجير الإجرامي لمرقد الإمامين في سامراء .

فما أن رفعت حالة منع التجول بعد 3 أيام، حتى بادرت المليشيات المسلحة تواصل القيام بأعمالها الإجرامية ضد المواطنين الآمنين، مما خلق حالة من الهلع والرعب في البلاد واضطرار الكثير من المواطنين ملازمة بيوتهم التي لم تسلم هي الأخرى من هجمات واغتيالات واعتداءات هؤلاء المخربين القتلة الذين يبتغون إشعال الحرب الأهلية الطائفية. لقد كانت مهمة معالجة ذلك الوضع المأساوي الخطير الذي كان يعيش في ظله الشعب العراقي يتطلب بكل تأكيد تعاون الجميع، فليس بمقدور أي قوى سياسية لوحدها مهما كانت صفتها، وسعة جماهيرها وإمكانياتها أن تحقق الأمن والسلام في البلاد، وتأخذ بيد الشعب نحو شاطئ السلام، وكان لا بد من تكاتف كل الجهود الخيرة والحريصة على إعادة الأمن والسلام للعراقيين، والانصراف نحو إعادة بناء هذا الوطن المخرب.

لكن الذي جرى كان أقسى وأمر، فقد جرت عمليات تهجير وهجرة قسرية من قبل طرفي الصراع ، وكانت تلك الحملة المجنونة أقسى على جانب الطائفة السنية التي تعرضت لهجمة وحشية، واجبر المواطنون على ترك بيوتهم بما حوت وخرجوا بملابسهم هرباً من عمليات الذبح والتصفية الجسدية التي مورست ضدهم بوحشية، وقدر عدد المهاجرين والمهجرين بحوالي أربعة ملايين مواطن نصفهم جرى تهجيرهم في مناطق أخرى داخل الوطن والكثير منهم ما زالوا حتى اليوم يعيشون في الخيام في حالة بائسة جداً لا تتوفر فيها ابسط الشروط اللائقة بإنسان، في الوقت الذي التجأ أكثر من مليوني مواطن إلى سوريا والأردن ومصر، واستطاع عشرات الألوف ممن يمتلكون المال الوصول إلى بلدان اللجوء الأوربية ، لكي يبدأوا حياتهم من جديد بعد أن فقدوا مساكنهم وأموالهم.

 

خامساً: اختيار مجلس الرئاسة، وتشكيل حكومة نوري المالكي

 

لم تكد تجري الانتخابات البرلمانية وتظهر نتائجها بفوز قائمة الائتلاف الشيعية بالتحاف مع القائمة الكردية بالأغلبية حتى بدأ الصراع بين حزبي الدعوة بزعامة الجعفري والمجلس الأعلى بزعامة الحكيم على منصب رئاسة الوزارة حيث رشح الحكيم السيد عادل عبد المهدي لرئاسة الوزارة، في حين بقي الجعفري يتشبث بالمنصب، مما ادخل البلاد في أزمة سياسية استمرت أكثر من ثلاثة اشهر، في حين كانت البلاد في وضع كارثي خطير بسبب الإرهاب الواسع النظاق الذي عم  سائر المدن العراقية، حيث يجري تفجير السيارات المفخخة والعبوات المزروعة على جوانب الطرق والشوارع والأحزمة الناسفة لتحصد كل يوم أرواح العشرات بل والمئات من أبناء الشعب، وقوات الشرطة والحرس الوطني، وتدمر الممتلكات العامة والخاصة على نطاق واسع. وفي ظل استمرار ذلك الوضع المأساوي الحرج، وتصاعد الإرهاب كماً ونوعاً، استمرت أزمة تشكيل الوزارة العراقية منذ انتخاب مجلس النواب قبل ثلاثة اشهر، دون أن يظهر أي ضوء في آخر النفق المظلم، فقادة العراق الميامين ممن أفرزتهم حرب أمريكا لتحرير العراق، ونشر الديمقراطية الموعودة!!، منشغلون في الصراع على السلطة والكراسي، ولكل منهم أجندته الخاصة، والتي لا تمت بصلة مع أجندة العراق الوطنية، والشعب يكتوي بنير الإرهاب الطائفي المقيت.

وفي نهاية المطاف وبعد الضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية من جهة، والقيادة الكردية من جهة أخرى أدرك السيد إبراهيم الجعفري أنه بات غير مرغوب به لا أمريكياً ولا كردياً ولا من قبل المجلس الأعلى اضطر إلى الانسحاب من الترشيح مرغماً، وفاز السيد نوري المالكي بمنصب رئاسة الوزارة بتأييد كتلة التيار الصدري في البرلمان، وهكذا تم الاتفاق بين سائر الكتل الممثلة في البرلمان، وبإشراف مباشر من السفير الأمريكي خليل زادة على اختيار رئيس وأعضاء مجلس الرئاسة

والحكومة وعلى الوجه التالي:(7)

السيد جلال الطالباني ـ رئيساً للجمهورية [ كردي]

السيد عادل عبد المهدي ـ عضو مجلس الرئاسة [ شيعي]

السيد طارق الهاشمي ـ عضو مجلس الرئاسة [ سني]

وهكذا تم اختيار مجلس الرئاسة على نفس أسس المحاصصة الطائفية والعرقية، والتي اصبحت فيما بعد عامل تعطيل في إدارة شؤون الدولة بدلاً من أن تكون عامل توحيد لجهود القوى السياسية التي أمسكت بزمام السلطة.

أما الحكومة فجاءت على الوجه التالي:

1 ـالسيد نوري المالكي ـ رئيساً للوزراء

2 ـ برهم صالح نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا لشؤون الأمن الوطني.

3 ـ سلام الزوبعي نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للدفاع ( وكالة ).

4 ـ نوري المالكي وزيرا الداخلية ( وكالة).

5 ـ حسين الشهرستاني وزيرا لنفط

6 ـ باقر جبر صولاغ وزيرا للمالية

7 ـ هوشيار زيباري وزيرا للخارجية

8 ـ هاشم الشبلي وزيرا للعدل

9 ـ على بابان وزيرا للتخطيط

10 ـ كريم وحيد وزيرا للكهرباء  

11 ـ على الشمري وزيرا للصحة

12 ـ خضير الخزاعي وزيرا للتربية

13 ـ عبد ذياب العجيلي وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي

14 ـعبد الفلاح السوداني وزيرا للتجارة

15 ـ فوزي الحريري وزيرا للصناعة 

16 ـ كريم مهدي صالح وزيرا للنقل

17 ـ محمد توفيق وزيرا للاتصالات

18 ـ بيان دزة ئي وزيرة للإسكان والإعمار

19 ـ رياض بليغ وزيرا للبلديات

20 ـ يعرب ناظم وزيرا للزراعة

21ـ لطيف رشيد وزيرا للموارد المائية

22 ـ محمد ال راضي وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية

23 ـ رائد فاهم وزيرا للعلوم والتكنولوجيا

24 ـ نرمين عثمان وزيرة للبيئة

25 ـ جاسم محمد جعفر وزيرا للشباب والرياضة

26 ـ اسعد عبد الله الهاشمي وزيرا للثقافة

27 ـ وجدان ميخائيل وزيرا لحقوق الإنسان

 28 ـ عبد الصمد سلطان وزيرا للمهجرين والمهاجرين

 29 ـ لواء سميسم وزيرا الدولة للسياحة والآثار

ا30 ـ  عادل الأسدي وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني

 31 ـ رافع جياد العيساوي وزير الدولة للشؤون الخارجية

32 ـ صفاء الصافي وزير الدولة لشؤون مجلس النواب

33 ـ سعد طه الهاشمي وزير الدولة لشؤون المحافظات

34 ـ فاتن عبد الرحمن محمود وزيرة الدولة لشؤون المرأة

35 ـ أكرم الحكيم وزيرا للدولة.

36 ـ محمد عباس الربيعي وزيرا للدولة.

 37 ـ حسن راضي الساريـ وزير للدولة.

38 ـ  فهيمة باسم وزير للدولة.

ثم جرى فيما بعد وبعد مداولات ومناورات طويلة، وبعد ممارسة السفير الأمريكي مختلف الضغوط على الأطراف السياسية، ورئيس الحكومة، والبرلمان، تم التوافق على اختيار وزيري الدفاع والداخلية، حيث جرى تعيين السيد جواد البولاني وزيراً للداخلية، والسيد عبد العزيز جاسم العبيدي وزيراً للدفاع.

 

سادساً: انتقال الصراع من الشارع إلى الحكومة والبرلمان

 

جاء تشكيل مجلس الرئاسة وحكومة نوري المالكي لضم قادة القوى التي تقود الصراع المسلح في الشارع العراقي بعد الجهود التي بذلتها الإدارة الأمريكية مع قادة الطرفيين الشيعة والسنة، بعد وعود بإجراء مصالحة وطنية من خلال المشاركة الفعلية في السلطة، ومن خلال تعديل مواد الدستور المختلف عليها، وخاصة فيما يخص المادة 58 من قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية والمادة 140 المتعلقة بمحافظة كركوك، وموضوع تشكيل الفيدرالية، ومن خلال إعادة النظر في قانون اجتثاث البعث الذي أعطى نتائج عكسية لما كان ينتظر منه مشرعه بول بريمر، ومن بعده قادة الأحزاب الشيعية، والأحزاب القومية الكردية، من دون التفكير بنتائجه الكارثية التي حولت جانبا كبيرا من العناصر البعثية إلى حمل السلاح، وما ترتب عليه من خراب ودمار، وإزهاق أرواح مئات الألوف من المواطنين الأبرياء، واستنزاف مداخيل البلاد في هذه الحرب الكارثية التي عمت العراق من أقصاه إلى أقصاه.

لقد كان ذلك الأجراء الذي تم في إشراك قادة الأحزاب السنية في قمة السلطة والبرلمان محكوم عليه بالفشل بسبب كونه إجراءا فوقيا لم يتناول المشكلة الأساسية المتعلقة بالقاعدة، من خلال اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة مشكلة البطالة المستفحلة التي تمثل الحاضنة الواسعة والمفرخة لقوى الإرهاب ومن خلال تأمين وصول الخدمات الأساسية والضرورية للمواطن العراقي، وتأمين مورد يوفر للعائلة العراقية حياة كريمة خيالية من العوز والحاجة، ومن خلال أجراء مصالحة حقيقية قائمة على نفس الأسس التي جرت عليها في جنوب أفريقيا بعد إسقاط حكومة الأقلية البيضاء التي نكلت أشنع تنكيل بالسكان السود أصحاب الوطن الحقيقيين، فقد كان هذا الطريق هو السبيل الوحيد لتجنب الصراع المسلح ونتائجه الكارثية على الجميع، وبذلك استطاعت حكومة القائد الوطني الكبير نلسن مانديلا، وحكمته تجاوز تلك المظالم التي سببها حكم البيض، وكان هو شخصياً في مقدمة المواطنين الذين عانوا اشد المعانات حيث قضى في السجن الانفرادي 28 عاماً، وتلقى خلالها صنوف التعذيب النفسي والجسدي.

لم يستمر الصراع في الشارع العراقي فحسب، بل انتقل إلى الحكومة وقاعة البرلمان التي باتت ساحة للصراع، وزاد في الطين بله طبيعة اختيار أعضاء البرلمان التي جرت بموجب توزيع المحاصصة الطائفية حسب القانون الانتخابي الذي وضعه الحاكم الأمريكي بول بريمر، والذي جاء بنماذج لا تصلح بأية حال من الأحول لشغل أدنى وظيفة في الدولة، وقد تبين فيما بعد أن العديد منهم لا يمتلك شهادة تؤهله لشغل هذا الموقع الهام،  وأن غيرهم قد زور شهادته، وقد كشفت لجنة النزاهة ذلك التزوير دون أن يتخذ المجلس قراراً بإبطال عضوية المزورين، وإحالتهم للمحاكمة بتهمة التزوير.(8)

ورغم كل هذه الحالة المزرية لمجلس النواب فإن النصاب القانوني لاجتماع المجلس كان مفقوداً في أعلب الأحيان، ونواب الشعب يتنزهون في البلدان العربية والأوربية وغيرها من البلدان الأخرى، ومشاريع القوانين معطلة، فهم في وادٍ والشعب الذي أوصلهم إلى البرلمان في وادٍ آخر. ومنذُ اشهر عديدة وحكومة المالكي تعاني من صراعات عميقة، وتمزق بين إطرافها، فهذه الحكومة التي أطلق عليها حكومة الوحدة الوطنية، والتي لا تعدو عن كونها حكومة محاصصة طائفية بين قوى وأحزاب لا يجمعها أية أهداف وبرامج وطنية مشتركة، وجُل هم هذه الجهات هو تحقيق المكاسب والمغانم لحسابها الخاص، دون الالتفات للمصالح الوطنية العليا، ودون الاهتمام بما يعانيه الشعب العراقي من أوضاع كارثية في كافة المجالات الأمنية والاجتماعية والصحية والثقافية والخدماتية. ونتيجة للصراعات المحتدمة بين هذه الأطراف

بسبب اختلاف المصالح واختلاف التوجهات أخذت الانسحابات من تتوالى من الحكومة  فقد انسحب منها حزب الفضيلة منذ بداية تشكيلها، ثم تبعه انسحاب التيار الصدري، وجبهة التوافق، وجبهة الحوار، وأخيراً القائمة العراقية، وأخذ الحديث يدور عن نية حزب الدعوة [تنظيم العراقٍ] بالانسحاب كذلك، وهكذا لم يبقَ في حكومة المالكي سوى طرفين فقط هما الائتلاف الشيعي المتمثل بالمجلس الأعلى بزعامة عبد العزيز وحزب الدعوة بزعامة المالكي، والتحالف الكردستاني المتمثل بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة  السيد مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال الطالباني. ونتيجة للصراعات المحتدمة بين أطراف التحالف الشيعي نفسه بدأت الانسحابات من هذا التحالف تتوالى، فقد كان قد انسحب حزب الفضيلة من قبل، ثم لحق به التيار الصدري الذي سبق له أن انسحب من الوزارة، وتدور التكهنات عن قرب انسحاب كتلة إبراهيم الجعفري، وكتلة الرساليون، وهكذا أصبح مصير حكومة المالكي في مهب الريح، ولن يجدي نفعاً كل محاولات المالكي لترقيع الوزارة.

فمنذ اشهر عديدة والسيد نوري المالكي يصرح كل يوم تارة عن قرب إملاء الشواغر في الوزارة بعد استقالة 17 وزيراً، وعن النية في تأليف وزارة تنكوقراط مصغرة من نفس القوى السياسية تارة أخرى. ويستمر المالكي بالتشبث بالسلطة رغم انفراط أغلب أطراف الحكومة دون أن يستطيع حتى ترقيع الوزارة.ومما زاد في الطين بله الوضع المأساوي للبرلمان العراقي  الذي عجز رئيسه السيد محمود المشهداني أن يجمع أعضائه لإكمال النصاب، فمعظم أعضاء المجلس يتواجدون خارج العراق، والبرلمان مشلول تماماً، شأنه شأن حكومة المالكي، وأوضاع العراق الأمنية تسير من سيئ إلى أسوأ، والخدمات الضرورية لحياة المواطنين في أسوأ أحوالها، فلا كهرباء ولا ماء الشرب ولا وقود بمختلف أنواعه، حيث تسيطر عليه الميلشيات المعروفة، وتتحكم بأسعاره، ولا العناية بصحة المواطنين، بعد أن غادر أغلبية الأطباء الاختصاصيين، والألوف من الأطباء الآخرين إلى خارج العراق هرباً من الموت، بالإضافة إلى شحة الدواء، وصعوبة حصول المواطنين عليه، بعد الفساد الذي استشرى في كافة مرافق الدولة، وصارت الأدوية تجارة رابحة خارج المستثفيات.

كما أخذت تتصاعد كل يوم أرقام العراقيين المغادرين للعراق هرباً من الحرب الطائفية التي يدعي السيد المالكي بأنه استطاع وقفها، لكن جثث الضحايا تستمر دون انقطاع، وتستمر العصابات الميلشياوية باحتلال مساكن المواطنين بما فيها من أثاث دون أن تستطيع الحكومة أعادتها إلى أصحابها، ويعاني المهجرون داخل وخارج العراق ظروفا قاسية جداً دون أن تلقى أوضاعهم أي اهتمام.

إن حكومة هذه تركيبتها، وهذه توجهاتها وإجراءاتها لا يمكن أن تحل المليشيات، وتسحب منها السلاح، وتعيد الأمن والسلام في ربوع العراق، وتتوجه نحو معالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية، وإعادة بناء البنية التحية المخربة، وإعادة المهجرين والمهاجرين إلى الوطن، واستعادة رؤوس الأموال الهاربة خارج الحدود، وتشجيع الاستثمار الأجنبي لإقامة مختلف المشاريع الصناعية والزراعية، ومعالجة مشكلة البطالة، المفرخة الأساسية لقوى الإرهاب، ولا سبيل لمعالجة المأزق الحالي إلا بقيام حكومة تنكوقراط مركزية قوية، من العناصر الوطنية النظيفة، بعيداً عن هيمنة القوى الطائفية والعرقية، ووقف العمل بالدستور، وحل البرلمان، ووقف العمل بالمجالس المحلية التي تتحكم فيها القوى الطائفية وميلشياتها المسلحة، ومنح الحكومة صلاحيات واسعة لمدة زمنية محددة لا تتجاوز ثلاث سنوات، ريثما يعود الأمن والسلام في البلاد، وتزول الميلشيات، وتتهيأ الظروف الطبيعية لإجراء انتخابات برلمانية جديدة، بعد سن قانون جديد للأحزاب لقيام حياة حزبية تؤمن بالديمقراطية بعيداً عن الطائفية الدينية والعرقية، وتشكيل لجنة من كبار أساتذة القانون الدستوري لوضع مسودة دستور علماني جديد للبلاد، يكرس الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية بين المواطنين بمختلف قومياتهم وأديانهم وطوائفهم، وإن أي طريق أخر لن يفضِ إلى السلام المنشود، وسيستمر الصراع والتناحر بين القوى الطائفية وميليشاتها، ويستمر نزيف الدم، ويستمر الخراب والدمار في كافة مرافق البلاد وتتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، وتستمر الهجرة الاضطرارية، وتفريغ العراق من كافة كوادره العلمية بمختلف اختصاصاتها، ويستمر تحكم قوى الظلام والفاشية الدينية في حياة المواطنين الذين يسعون لإقامة نظام طالباني جديد في العراق.

 

الفصل الثاني

الفصل الأول

المقدمة

محتويات الكتاب

الفصل السادس

الفصل الخامس

الفصل الرابع

الفصل الثالث

الفصل العاشر

الفصل التاسع

الفصل الثامن

الفصل السابع

التوثيق والصور

ملحق (1)                 ملحق (2)