الفصل
الثالث
سقوط نظام صدام
والفوضى والخراب يعمان
العراق
أولاً : الرئيس الأمريكي
بوش يعلن نهاية الحرب
ثانيا: بوش يعين الجنرال
جي كاردنر حاكما عسكرياً على العراق
ثالثاً: تعيين بول برايمر
حاكما أمريكياً مدنياً على العراق
رابعاً: بول بريمر يقرر
حل الجيش والأجهزة الأمنية
خامساً:اختفاء الجيش
وقوات الأمن والفوضى تعم البلاد
أولاً: الرئيس الأمريكي بوش يعلن نهاية الحرب:
في الأول من أيار مايو/2003 ألقى
الرئيس جورج بوش خطاباً من على ظهر حاملة الطائرات [U S S أبراهام لنكولن] في البحر قرب ساحل
سان دياغو، بولاية كاليفورنيا أعلن فيه نهاية الحرب، ومهنئا قواته بالنصر، ومتباه
بالقوة العسكرية والتكنلوجيا الحربية الأمريكية قائلاً: {شكراً جزيلاً. أيها
الأميرال كيلي، والكابتن كارد، وضباط وبحارة U S S أبراهام لنكولن، وأيها الزملاء
المواطنون
لقد انتهت العمليات الحربية الرئيسية
في العراق، وقد انتصرت الولايات المتحدة وحلفاؤها في معركة العراق، وينهمك تحالفنا
الآن في السيطرة على أمن ذلك البلد، وإعادة إعماره. لقد حاربنا في هذه المعركة في
سبيل قضية الحرية، وفي سبيل سلام العالم، ويشعر بلدنا وتحالفنا بالفخر بهذا
الإنجاز.
ولكن أنتم أفراد القوات المسلحة
الأميركية الذين أنجزتموه. إن بسالتكم واستعدادكم لمواجهة الخطر في سبيل وطنكم،
ومن أجل بعضكم بعضا هو ما جعل هذا اليوم ممكنا، و إن بلدنا قد أصبح أكثر أمنا بسببكم
وقد سقط الطاغية، وتحرر العراق بفضلكم. لقد تم تنفيذ عملية [حرية العراق] بمزيج من
الدقة المتناهية والسرعة والجرأة لم يتوقعه العدو، ولم يشهد العالم له مثيلا في
السابق. وقد أرسلنا من قواعد بعيدة موجودة على سفن في عرض البحر، طائرات وصواريخ
يمكنها القضاء على فرقة معادية أو إصابة غرفة واحدة محصنة تحت الأرض. وقد اندفع
الجنود ومشاة البحرية زاحفين على بغداد عبر 350 ميلا من الأرض المعادية، في عملية
تقدم من بين أسرع عمليات تقدم الأسلحة الثقيلة في التاريخ. وقد أظهرتم للعالم
مهارة وجبروت القوات المسلحة الأميركية.
إن هذه الأمة تتقدم بالشكر لجميع أفراد
تحالفنا الذين شاركوا في قضية نبيلة. إننا نشكر القوات المسلحة البريطانية
والاسترالية والبولندية التي شاركتنا مشقات الحرب، ونشكر جميع المواطنين العراقيين
الذين رحبوا بقواتنا، وشاركوا في تحرير بلدهم. ولدي الليلة كلمة خاصة أوجهها إلى
الوزير[دونالد رمسفيلد] والجنرال [تومي فرانكس] وإلى جميع الرجال والنساء الذين
يرتدون بزات القوات المسلحة الأميركية قائلاً: إن أميركا شاكرة لكم لقيامكم بعمل
أجدتم إنجازه. إن الخُلق الذي تحلت به قواتنا المسلحة عبر التاريخ، في جرأة
نورماندي وبسالة أيوجيما الضارية والمثالية واللطف والكرم، والتي حولت الأعداء إلى
أصدقاء، متجسدة تماماً اليوم في هذا الجيل. وقد شاهد المدنيون العراقيون عند النظر
إلى وجوه مجندينا ومجنداتنا القوة واللطف والنوايا الحسنة.
وحين أنظر أنا إلى أفراد القوات المسلحة الأميركية،
أرى أفضل ما في بلدنا، ويشرفني أن أكون قائدكم الأعلى. لقد شاهدنا من خلال صور
التماثيل المنهارة حلول حقبة جديدة. فقد ظل هدف تصميم واستخدام التكنولوجيا
العسكرية، طوال مائة سنة من الحروب التي بلغت الذروة في العصر النووي، إلحاق
إصابات بين صفوف العدو بقدر مستمر التعاظم. وقد دمرت قوات التحالف، في سياق
إلحاقها الهزيمة بألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية مدنا بكاملها، في حين ظل
قادة العدو الذين بدأوا الحرب في مأمن حتى أيام القتال الأخيرة. فكانت القوة
العسكرية تُستخدم لإنهاء نظام عبر سحق أمة. وقد صرنا نملك اليوم القوة الأعظم لأن
نحرر بلدا عبر سحق نظام خطير عدواني. وأصبح بإمكاننا، بالتكتيكات الجديدة والأسلحة
المتناهية الدقة، تحقيق أهدافنا العسكرية دون توجيه العنف ضد المدنيين.
لا يمكن لأي أداة يصنعها الإنسان أن
تزيل المآسي التي تنطوي عليها الحروب، ومع ذلك فقد تحقق تقدم أخلاقي عظيم حين أصبح
ما يخشاه المذنبون من الحرب أكثر بكثير مما يخشاه الأبرياء منها. كما أننا شاهدنا
من خلال صور العراقيين المحتفلين بالتحرير، افتتان البشر السرمدي بالحرية. ولم
تنجح عقود من الكذب والتخويف في جعل الشعب العراقي يشعر بالحب تجاه مضطهديه، أو
بالرغبة في أن يتم استعباده. إن الرجال والنساء في كل ثقافة يحتاجون إلى الحرية
تماما مثل احتياجهم إلى الطعام والماء والهواء. وفي كل مكان تصله الحرية، تحتفل
البشرية، ويدخل الخوف إلى قلوب الطغاة في كل مكان تتململ فيه الحرية.
لدينا عمل صعب نؤديه في العراق. إننا
نقوم بإحلال النظام في أجزاء مازالت خطرة في ذلك البلد. وإننا نقوم بملاحقة
والعثور على زعماء النظام القديم الذين سيحاسَبون على جرائمهم. وقد بدأنا البحث عن
الأسلحة الكيميائية البيولوجية المخبأة، ونحن على علم بالفعل بمئات المواقع التي
سيتم التحقق في أمرها. إننا نساعد في إعادة بناء العراق، حيث شيد الدكتاتور قصورا
بدل المستشفيات والمدارس للشعب. وسنقف إلى جانب قادة العراق الجدد أثناء تشكيلهم
حكومة جديدة بالشعب ومن الشعب وللشعب العراقي.
إن الانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية
سيستغرق وقتا، ولكنه يستحق كل مجهود. وسيبقى تحالفنا في العراق إلى أن يتم إنجاز
عملنا، وسنغادر بعد ذلك، ونخلف وراءنا عراقا حرا. إن معركة العراق تمثل واحدة من
معارك الحرب على الإرهاب التي بدأت يوم 11 سبتمبر/ أيلول 2001، ومازالت مستمرة.
ففي ذلك الصباح الرهيب قدم 19 رجلا شريراً هم قوات المصادمة المتقدمة لأيدلوجية
مقيتة، لمحة عن طموحاتهم لأميركا والعالم، وتخيلوا، حسب ما قال أحد الإرهابيين، إن
الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول سيشكل [بداية نهاية أميركا]. واعتقد الإرهابيون
وحلفاؤهم أنهم بسعيهم إلى تحويل مدننا إلى ميادين قتل سيستطيعون القضاء على تصميم
وعزيمة هذه الأمة، ويجبروننا على الانسحاب من العالم، وقد أخفقوا.في معركة
أفغانستان، قضينا على طالبان والكثير من الإرهابيين، والمعسكرات التي كانوا
يتدربون فيها. وإننا نواصل مساعدة الشعب الأفغاني على شق الطرق وترميم المستشفيات،
وتعليم جميع أطفاله.
إلا أنه مازال علينا أيضا إتمام عمل خطير. وفي هذه اللحظة التي أتحدث فيها
إليكم، تتعقب قوة من قوات العمليات الخاصة، بقيادة القوة المجوقلة 82، الإرهابيين
وأولئك الذين يسعون إلى تقويض الحكومة الحرة في أفغانستان، وستكمل أميركا وتحالفنا
ما بدأناه في أفغانستان. إننا نقوم بملاحقة القتلة من القاعدة من باكستان إلى
الفلبين إلى القرن الأفريقي. وقد تعهدت قبل 19 شهراً بأن الإرهابيين لن يفلتوا من
عدالة الولايات المتحدة الصبورة. وقد تم حتى مساء اليوم إما اعتقال أو قتل حوالي
نصف كبار المسؤولين في القاعدة.
ويشكل تحرير العراق تقدما حاسماً في
الحملة على الإرهاب. فقد أزلنا حليفا للقاعدة، وقطعنا مصدرا من مصادر التمويل
الإرهابي. وثمة أمر أكيد: لن تحصل أي شبكة إرهابية على أسلحة دمار شامل من النظام
العراقي، لأن النظام زال ولم يعد موجودا. لقد كانت إجراءاتنا، خلال هذه التسعة عشر
شهرا التي غيرت العالم، مركزة ومدروسة ومتناسبة مع الجريمة. إننا لم ننسَ ضحايا 11
سبتمبر/ أيلول، المكالمات الهاتفية الأخيرة، وقتل الأطفال بدم بارد، والبحث بين
الأنقاض. لقد أعلن الإرهابيون ومؤيدوهم، من خلال تلك الهجمات الحرب على الولايات
المتحدة، وقد حصلوا على الحرب.
إن حربنا ضد الإرهاب تتقدم حسب مبادئ أوضحتها للجميع: أي شخص متورط في
ارتكاب أو التخطيط لارتكاب هجمات إرهابية ضد الشعب الأمريكي يصبح عدوا لهذا البلد،
وهدفا للعدالة الأميركية، وأي شخص أو منظمة أو حكومة تدعم أو تحمي أو تؤوي
إرهابيين تكون ضالعة في قتل الأبرياء، وعلى نفس القدر من الذنب في ارتكاب الجرائم
الإرهابية. وأي نظام خارج على القانون له علاقات مع جماعات إرهابية، ويسعى إلى
امتلاك أسلحة الدمار الشامل، هو خطر مميت على العالم المتحضر، وستتم مواجهته. وأي
شخص في العالم، بما في ذلك العالم العربي، يعمل ويضحي في سبيل الحرية له في
الولايات المتحدة صديق مخلص. إن التزامنا بالحرية تقليد أميركي، وقد تم الإعلان
عنه عند تأسيسنا، وتم تأكيده في حريات فرانكلن روزفلت الأربع، وأُكد في مبدأ
ترومان، وفي تحدي [رونالد ريغان] لإمبراطورية شريرة. إننا ملتزمون بالحرية في
أفغانستان وفي العراق وفي فلسطين مسالمة. وإن دفع عجلة الحرية هو أضمن إستراتيجية لتقويض جاذبية
الإرهاب في العالم.
فحيثما ثبَّتت الحرية جذورها، تختفي
البغضاء ليحل محلها الأمل. وحين تثبت الحرية جذورها، ينشغل الرجال والنساء بالسعي السلمي
في سبيل حياة أفضل. وإن القيم الأميركية والمصالح الأميركية تقود في نفس الاتجاه:
إننا نؤيد الحرية الإنسانية. إن الولايات المتحدة تدعم مبادئ الأمن والحرية هذه
بطرق كثيرة، وبجميع أدوات الدبلوماسية وتطبيق القانون والاستخبارات والأدوات
المالية. وإننا نتعاون مع تحالف عريض القاعدة من الدول التي تدرك التهديد
ومسؤوليتنا المشتركة في مواجهته. إن استخدام القوة كان ولا يزال ملاذنا الأخير.
إلا أنه يمكن للجميع أن يعلموا، لأصدقائنا وأعدائنا على حد سواء، أن لدى أمتنا
مهمة هي أننا سنرد على التهديدات لأمننا، وسندافع عن السلام. إن مهمتنا مستمرة.
لقد أصيبت شبكة القاعدة بجراح، ولم يُقضَ عليها. ولا تزال خلايا الشبكة الإرهابية
المبعثرة نشطة في دول كثيرة، ونحن نعرف من مصادرنا الإستخباراتية أنهم يواصلون
التآمر ضد الشعوب الحرة. ومازال انتشار الأسلحة الفتاكة خطرا مميتا. إن أعداء الحرية
لم يتكاسلوا ويتوقفوا عن العمل، ولم نفعل ذلك نحن أيضا. وقد اتخذت حكومتنا إجراءات
لا سابق لها للدفاع عن الوطن. وسوف نواصل تصيّد العدو قبل أن يتمكن من توجيه
الضربات لنا. إن الحرب على الإرهاب لم تنته، ولكنها ليست بلا نهاية. إننا لا نعرف
اليوم الذي سيتم فيه إحراز النصر النهائي، ولكننا قد شاهدنا تحول التيار. ولن
يحولنا أي عمل يقوم به الإرهابيون عن هدفنا أو يضعف من عزيمتنا أو يغير من مصيرهم.
لقد خسروا قضيتهم. وستواصل الدول الحرة التقدم حتى النصر. لقد حاربت دول أخرى في
أراض أجنبية عبر التاريخ، وبقيت فيها للاحتلال والاستغلال.
أما الأمريكيون فلا يرغبون في شيء بعد المعركة
قدر رغبتهم في العودة إلى الوطن. وهذه هي الوجهة التي تتوجهون إليها الليلة. أنتم
الآن في طريقكم إلى الوطن بعد أن خدمتم في ميدان الحرب في أفغانستان والعراق، وبعد
مائة ألف ميل، وأطول نشر لحاملة طائرات في التاريخ الحديث، وسيلتقي بعضكم أفرادا
جدداً في عائلاتهم لأول مرة، إذ وُلد 150 طفلاً أثناء وجود آبائهم على متن (حاملة
الطائرات) لنكولن. إن عائلاتكم تفخر بكم، ووطنكم سيرحب بكم. وإننا نذكر أيضاً بعض
النساء والرجال الأفاضل الذين لا يقومون برحلة العودة إلى الوطن. وقد تحدث أحد
هؤلاء الذين سقطوا في ساحة القتال، العريف [جيسُن ميليو] مع والديه قبل خمسة أيام
من وفاته، وقال والد جيسُن: {اتصل بنا من وسط بغداد،لا للتباهي، وإنما ليعبر عن
حبه لنا لقد كان ابننا جنديا}.
إن كل اسم وكل حياة يشكلان خسارة
لقواتنا المسلحة لبلدنا، وللأحباء الذين يشعرون بالحزن والأسى. لن تشهد هذه
العائلات عودة إلى الوطن والتئام شملها.
ولكننا نبتهل أن يلتئم شملها في الوقت
الذي يحدده الله. لقد شوهد أولئك الذين خسرناهم لآخر مرة أثناء تأديتهم واجبهم.
لقد كان آخر ما قاموا به على وجه هذا الكوكب هو مقاتلة شر عظيم وجلب الحرية
لآخرين. لقد لبيتم جميعا، كل أفراد هذا الجيل من قواتنا المسلحة، أنبل نداءات
التاريخ. إنكم تدافعون عن بلدكم وتحمون الأبرياء من الأذى. وأنتم تحملون معكم،
حيثما توجهتم، رسالة من الأمل، رسالة بالغة القدم وجديدة دوما. وكما قال إشعياء
النبي للأسرى [اخرجوا] وللذين في الظلمات [كونوا أحرارا]. شكرا لكم لخدمتكم بلدنا
وقضيتنا وبارككم الله جميعا، ونبتهل أن يستمر الله في مباركة أميركا. (1)
نظرة في خطاب الرئيس بوش
أثبت الأحداث التي تلت الحرب إن كل وعود الرئيس
بوش قد ذهبت أدراج الرياح، سواء كانت نتيجة لسياسة أمريكية معدة سلفاً وهي على
الأغلب، أو جراء الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها إدارته، والحاكم المدني الذي عينه
على العراق بول بريمر، وفي مقدمتها حل الجيش، وترك السلاح سائباً دون حماية ليقع
في أيدي العناصر البعثية التي لم تلقَ أي ملاحقة، وتنظم صفوفها من جديد، وتخوض
قتالاً شرساً ليس فقط ضد قوات الاحتلال، بل ضد أبناء الشعب العراقي، وقد امتلأت
قلوبهم حقداً، وتحول العراق ساحة لحرب العصابات الفاشية التي تسفك دماء العشرات،
بل المئات من المواطنين كل يوم، وبات الجيش الأمريكي في مستنقع عميق لا يعلم كيفية
الخروج منه.
وزاد في الطين بله إقامة حكم طائفي بقيادة
الأحزاب الدينية الشيعية والسنية التي قادت الشعب العراقي إلى الحرب الأهلية
الطائفية الوحشية، وبات الشيعي يقتل أخاه السني، والأخ السني يقتل أخاه الشيعي،
على الاسم والهوية، وجرى تهجير المواطنين من بيوتهم في داخل العراق وخارجه حتى
تجاوز رقم المهجرين والمهاجرين أربعة ملايين مواطن.
وما زال الاحتلال جاثماً على صدور
العراقيين رغم مرور خمس سنوات على سقوط نظام صدام الذي صنعوه هم، وأمدوه بكل وسائل
القوة، وأسلحة الدمار الشامل عندما كان يحارب إيران نيابة عنهم، ويقمع في الوقت
نفسه شعبه وقواه الوطنية الديمقراطية بأشد وسائل القمع الوحشية.
وافتقد الشعب العراقي الأمان، وافتقد
سائر الخدمات الضرورية لحياته، فلا كهرباء، ولا ماء صالح للشرب، ولا وقود بمختلف
استخداماته، ولا صرف صحي ، ولا عناية صحية، ولا أدنى اهتمام للقضايا الاجتماعية
والثقافية، بل لقد خسر العراق معظم كوادره العلمية أما قتلاً مبرمجاً على أيدي
عصابات الجريمة المنظمة أو هرباً إلى خارج العراق.من دون أن يتم كشف من يقف وراء
اغتيال علماء وكوادر العراق ومثقفيه.
وباتت المدارس تحت رحمة قادة وميليشيات الأحزاب
الدينية المتخلفة التي صارت تتحكم في كل صغيرة وكبيرة في العملية التربوية، وإعداد
المناهج الدراسية، حتى تحولت الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس إلى حسينيات،
وانتشرت الخرفات في المجتمع العراقي بشكل رهيب.
وبات التدخل في حياة المواطنين، وحياتهم الشخصية
صغيرها وكبيرها وجرى اضطهاد لا سابق له للمرأة حتى في أوائل القرن العشرين، بل لقد
أعادوها القهقرة مئات السنين، فأي ديمقراطية هذه التي وعد الرئيس بوش الشعب
العراقي بها، وأي حرية سوى حرية الموت بالاغتيال وبالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة،
وعمليات التهجير المنظمة، والخطف و قطع الرؤوس.
أي حياة كريمة وأكثر من نصف الشعب
العراقي تحت خط الفقر، والبطالة الكارثية التي باتت خير بيئة ومنبع لتنامي قوى
الإرهاب والجريمة. لقد شاهدت وشاهد العالم أجمع عبر شاشات التلفزة كيف يبحث
العراقيون الفقراء بين أكوام القمامة عن كسرة طعام قذرة يسدون بها رمقهم في بلد من
أغنى بلاد العالم !!، بلدٌ يطفو على بحيرات هائلة من النفط الذي وصل سعر البرميل
الواحد منه اليوم 136 دولار.
لم تجلب حرب بوش وبلير للشعب العراقي سوى الموت، والجوع والذل، والهروب من
الوطن، لمن استطاع إليه سبيلا، والعيش في الخيام هرباً من طغيان المليشيات
الطائفية، وثروات البلاد تنهب على أيدي السراق الكبار والصغار، فقد بلغ الفساد
أقصى ما يتصوره العقل البشري من درجات، وفي كل المجالات دون استثناء، وبات النفط
العراقي يهرب على يد عصابات الأحزاب الشيعية الممسكة بالسلطة والتي تهيمن بشكل
مطلق على منفذ العراق الوحيد البصرة.
ثانياً: بوش يعين الجنرال جي كاردنر
حاكما على العراق:
فور إعلان الرئيس الأمريكي بوش انتهاء
العمليات الحربية في العراق أصدر قرارا بتعيين الجنرال المتقاعد[جي كاردنر] حاكماً
عسكريا مؤقتاً على العراق بحجة إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية في البلاد.
وكان كاردنر قد قدم للرئيس بوش اقتراحاً بتقسيم العراق إلى ثلاث ولايات هي بغداد
والموصل والبصرة، ويتولى مسؤولية إدارة كل ولاية من هذه الولايات موظف أمريكي،
وتعيين مجلس استشاري له من العراقيين دون أن
يتمتع المجلس بصلاحيات تنفيذية.
كما اقترح كاردنر إن تتولى إدارة
بغداد [ باربارة بودين] السفيرة السابقة للولايات المتحدة الأمريكية في جمهورية
اليمن، فيما يتولى الجنرالل المتقاعد [بروس مور] مسؤولية إدارة ولاية البصرة،
والجنرال المتقاعد و[باك والتزر] ولاية
الموصل.
وقد ووافقت الإدارة الأمريكية على مقترح الجنرال غاردنر في بادئ الأمر، إلا
أن الرئيس بوش صرف النظر عن تنفيذ اقتراح كاردنر بعد إن لقي قرار تعيينه كاردنر
حاكماً عسكرياً على العراق من قبل الشعب العراقي، ومن قبل سائر القوى السياسية،
ومن المجتمع الدولي معارضة شديدة لهذا الإجراء الذي شدد على أن أجراء الرئيس بوش
يعني احتلال العراق لا تحريره، كما جاء خطابه الذي وجههه للشعب العراقي وللعالم
أجمع قببل بدء الحرب، وعليه قرر الرئيس
بوش إبدال الحكم العسكري المباشر بحكم تحت غطاء مدني، لكنه في واقع الحال بقي كما هو،
حيث تتحكم القيادة العسكرية الأمريكية، والحاكم المدني المعين، بكل صغيرة وكبيرة
في الشأن العراقي.
فقد أصدر الرئيس بوش بعد أسبوعين من تعيين
كاردنر قراراً بتعيين السفير السابق [بول بريمر] حاكما مطلقاً على العراق.
ثالثاً: بوش يعيّن بول برايمر حاكما مدنياً على العراق:
عندما عين الرئيس الأمريكي بوش
الجنرال المتقاعد[جي كاردنر] حاكماً مؤقتاً على العراق كان الاعتقاد السائد لدى كل
من وضع كامل ثقته في السياسة الأمريكية أن يكون هذا التعيين لفترة زمنية محدودة،
ريثما يتم إعادة الأمن والنظام العام في البلاد، بعد انهيار كافة مؤسسات الدولة،
ليتم فيما بعد تعيين حكومة عراقية مؤقتة لفترة انتقالية ريثما تهيئ الشعب العراقي
لدخول مرحلة الديمقراطية التي وعد بها الرئيس بوش آنذاك، ولم يدر في خلد الشعب أن
يمارس الرئيس بوش الضغوط على مجلس الأمن لإصدار قرارا يُشرعنُ الاحتلال، واعتبار
الولايات المتحدة دولة محتلة للعراق، ويعين الدبلوماسي الأمريكي [بول بريمر]
حاكماً عاماً على العراق.
لقد كان الأجدر بالرئيس بوش أن يشكل
فوراً حكومة تنكوقراط من العناصر الديمقراطية العلمانية المشهود لها بالكفاءة
والنزاهة مدعومة من القوات المتعددة الجنسيات لكي تثبت للعراقيين بأن الولايات
المتحدة لا ترمي إلى حكم العراق سواء كان ذلك عن طريق الحكم المباشر كما فعلت
عندما عين الرئيس بوش حاكماً أمريكيا، ولا عن طريق غير مباشر، كما فعلت بريطانيا
عندما أقامت النظام الملكي بعد ثورة العشرين، وجاءت بالأمير فيصل أبن الحسين ملكاً
على العراق، لكنها قيدت العراق بقيود معاهدات جائرة، وحكمت العراق من وراء الستار
حيث كانت الحكومات العراقية تشكل بأمر وموافقة السفارة البريطانية في بغداد،
واستمر الحال حتى قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 حيث تشكلت لأول مرة حكومة
عراقية دون تدخل السفارة البريطانية. لكن بوش اختار الحكم الأمريكي المباشر للعراق
بتعينه [ بول برايمر] حاكماً على العراق.
من هو الحاكم بول بريمر؟
بول بريمر دبلوماسي أمريكي محترف أشغل خلال ثلاثة عقود مناصب رفيعة عدة، فقد
عمل رئيساً لمستشاري وزير الخارجية السابق [هنري كيسنجر]، كما عمل كسفير مفوض في
قسم مكافحة الإرهاب، في عهد الرئيس [ رونالد ريغان ]، وتنقل بحكم وظيفته تلك بين
عواصم العديد من دول الشرق الأوسط، باستثناء بغداد. كما خدم هو زوجته [فرانسي] في
السفارة الأمريكية في أفغانستان لمدة طويلة، لكنه ترك العمل الدبلوماسي، وعمل في
القطاع الخاص، حيث أشرف على قسم إدارة الأزمات في شركة أمريكية ضخمة تدعى [مارش
وماكلنان]، وفجأة استدعاه الرئيس بوش ليعينه حاكماً مدنياً على العراق خلفاً
للجنرال كاردنر. (2)
وصل بول بريمر إلى بغداد في الثاني عشر من أيار
ليتولى منصبه الجديد، يرافقه نائبه المعين [كانكلاي مكمنوي]، وهو سفير آخر متقاعد،
وأحد أصدقائه القدامى بالإضافة إلى مستشاره[هيوم
هوران] وهو سفير سابق كذلك، وأحد
المختصّين بالثقافة العربية، في وزارة الخارجية، وقد أمضى جلّ حياته المهنية في
الشرق الأوسط. (3)
رابعاً: بول بريمر
يقرر حل الجيش والأجهزة الأمنية:
كان أول قرار اتخذه بول بريمر، بعد
المشاورات التي أجراها مع وزير الدفاع الأمريكي [رامسفيلد ] وبموافقة الرئيس بوش،
هو حل الجيش العراقي وكافة الأجهزة الأمنية، وإلغاء وزارة الدفاع، و وزارة
الإعلام، وكان ذلك القرار الكارثي من أعظم الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة
الأمريكية، وهذا ما أكده الجنرال [جيمس
كونواي] قائد قوات المارينز الأمريكية الذي صرح لشبكة US News بتاريخ 18آذار 2007 قائلاً:
{إن الخطأ الأكبر الذي تم ارتكابه في
العراق يبقى قرار تفكيك وحل الجيش العراقي، حيث أن تداعياته السلبية لا تزال تتردد
أصداؤها حتى اليوم. وأضاف قائلاً لقد كان الجيش العراقي المؤسسة الأكثر احتراما في
البلاد، كما أن مساعدته لنا كانت أساسية في مجال التخطيط الأمريكي ما قبل الحرب
لجهود إعادة البناء في العراق. لكن بعد حل وتفكيك الجيش العراقي تحول عناصره
السابقون إلى أعداء للقوات الأمريكية في محافظات
بغداد الأنبار وديالى والموصل وغيرها}.
(4)
أما الدكتور[نوح فيلدمان]استاذ
القانون الدولي في جامعة نيويورك والذي عمل مستشاراً لشؤون الدستور في سلطة
الاحتلال، وشارك في إعداد قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية، فقد وصف في
كتابه الموسوم [ماذا ندين للعراق:حرب وأخلاق وبناء دولة] قرارات الإدارة الأمريكية
بحل الجيش وقانون اجتثاث البعث بأنه هو السبب في التدهور الأمني في العراق قائلا:
إن ما اقترفته الولايات المتحدة من
أخطاء في العراق هو الذي أدى إلى وصول الحالة لما نراه الآن من تسيب أمني كبير.
وفي مقدمة تلك الأخطاء حل الجيش العراقي، وصولا إلى عملية اجتثاث حزب البعث التي
تمت بعشوائية نتج عنها غضب قطاع كبير من الطبقة الوسطي في العراق. ومع غياب مجتمع
مدني فعال، وبعد فشل تجربة مجلس الحكم الذي أوجدته الولايات المتحدة، ولم تحترمه،
كذلك لم يحترمه الشعب العراقي، لم يعد أمام الولايات المتحدة إلا أن تبدأ في نقل
السلطات الحقيقية للعراقيين. (5)
كان الأجدر بالإدارة الأمريكية لو أرادت
حقاً وصدقاً حفظ الأمن والنظام العام في البلاد لكانت قد طلبت من كافة أفراد الجيش
ضباطاً وحنوداً الالتحاق بمعسكراتهم فورا بإشراف القيادة الأمريكية، ومن ثم تجري
دراسة أضابير كبار ضباط الجيش، وتتخذ الإجراءات المناسبة بمن كان على صلة وثيقة
بنظام صدام بإحالتهم على التقاعد، و بتكليف
الآخرين بوظائف مدنية عامة، وإعادة تثقيف منتسبي الجيش بالفكر الديمقراطي،
واحترام حقوق الإنسان وحرياته المنصوص عليها في شرعة حقوق الإنسان، وإبعاد الجيش
والأجهزة الأمنية عن أي نشاط حزبي لكي يكون ولاءهم للعراق بشكل مطلق.
لقد ألقى قرار حل الجيش بأكثر من نصف
مليون ضابط وجندي بقارعة الطريق،
من دون التفكير في الوضع المعيشي لهم ولعوائلهم، ودون التفكير في عواقب هذا القرار
على مستقبل الوضع الأمني في العراق، حيث تحول قطاع كبير من ذلك الجيش نحو حمل
السلاح باسم مقاومة الاحتلال، لكنه سرعان ما تحول إلى عمليات إرهابية موجهة ضد
المواطنين وقوات الأمن العراقية حيث جرى تفجير السيارات المفخخة والعبوات المزروعة
في الطرق والشوارع والأحزمة الناسفة والإرهاب والخطف والابتزاز والاغتصاب والقتل
الذي اقض مضاجع الشعب العراقي، والذي دفع ولا يزال يدفع حتى اليوم ثمناً باهظاً من
أرواح أبنائه حيث يزهق الإرهابيون أرواح المئات من المواطنين كل يوم.
لقد ذكر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر في
مذكراته عن قرار حل الجيش قائلاً:
{في التاسع من مايو 2003، أي قبل يوم واحد من
مغادرتنا الولايات المتحدة إلى العراق، أرسلت مذكرة إلى وزير الدفاع [دونالد
رامسفيلد] ونسخة منها إلى [بول ولفوويتز] وعدد آخر من المسؤولين في الوزارة لخصت
ما دار من النقاشات مع رفاقي حول الإجراءات الضرورية التي تنتظرنا، وخلصت إلى
ضرورة حل جيش صدام وأجهزته الأمنية كمقدمة لأنشاء جيش وجهاز امني جديد، وأرفقت
بالمذكرة مسودة قرار بذلك. وعقدت جلسة
أخرى لمناقشة الموضوع مع المستشارين [وولت] و[كلاي] واستمر النقاش لأيام، وأكملنا
النقاش حول الموضوع مع مسؤولي البنتاغون، بما فيهم وكيل الوزارة [دوغلاس فيث]
وكتبت إلى رامسفيلد قائلاً :
{ دعنا أولا نكون واضحين بشأن ما نريد
تحقيقه، أنه لأمر أساسي أن نقنع العراقيين بأننا لن نسمح بعودة أدوات القمع
الصدامية كالبعث والمخابرات والجيش. فنحن لم نرسل قواتنا على بعد آلاف الأميال
لإسقاط صدام، ووضع دكتاتور آخر مكانه، ولأنه كان يتعين علينا أن نأخذ التركيبة
الطائفية في البلاد وتاريخها}. (5)
وهكذا بدأ بريمر يتحدث بأسلوب طائفي
عن تكوين جيش جديد حيث يقول: {أن تشكيل جيش عراقي جديد ليس بالأمر السهل. إذ يجب
أن يمثل الأمة بأسرها، وليس كما كان عليه الوضع بالنسبة لجيش صدام، الذي كان
غالبية ضباطه من السنة، وكان صدام هو الذي يقوم بإسناد المناصب العليا فيه لمن
يشاء، أما الجنود والرتب الدنيا فكانت من الشيعة}. (6)
ثم يمضي بريمر في رسالته إلى رامسفيلد قائلاً:
{بينما كنت أناقش المستشار [سلوكومب]
حول موضوع الجيش، اتفقنا على عدم استدعاء الجيش القديم الذي كان يخضع لهيمنة
السنة، لأن ذلك سيثير حفيظة الغالبية الشيعية، وسوف يعتبرونه عودة للصدامية دون
صدام، وكذلك عبّرَ الأكراد الذين يتمتعون بقدر كبيرمن الحكم الذاتي، عن رفض قرار
مجلس الأمن برفع الحصار عن العراق!!}. (7)
هكذا إذا بدأ بريمر فترة حكمه للعراق
التي استمرت عاماً كاملا باتخاذ القرارت
التي صبت جميعها في إقامة نظام طائفي في البلاد، وترسيخه في عملية بناء السلطة
العراقية الجديدة بدءاً من إقامة مجلس الحكم مروراً بالانتخابات البرلمانية،
وتشكيل الحكومات المتعاقبة، وإعداد الدستور، وإعادة تشكيل الجيش الجديد، وقوات
الشرطة والأجهزة الأمنية التي باتت ملغمة بالعناصر الطائفية المرتبطة بأحزاب وقوى
الإسلام السياسي، مما مهد السبيل إلى الاستقطاب الطائفي، وفسح المجال واسعاً أمام
هذه الأحزاب لتشكيل ميليشياتها التي عاثت في البلاد خرابا وتقتيلاً، وارتكبت من
الجرائم بحق المواطنين العراقيين ما يندى له جبين الإنسانية، وقادت الشعب العراقي
نحو الصراع المسلح الذي شهدناه وما نزال نشهده حتى اليوم، فإذا كان النظام الصدامي
الفاشي يقتل معارضيه خلسة، فقد غدا قتل المواطنين الأبرياء الذين لا شأن لهم في
السياسة بتقطيع رؤوسهم، وعرض صور عمليات التقطيع بالصورة والصوت على الانترنيت
وقنوات التلفزة، ورمي جثثهم في المزابل طعاماً للكلاب السائبة.
وفي نهاية المطاف أدركت الإدارة الأمريكية كم هي
أخطأت ليس فقط بحق العراق والعراقيين، بل بحق استراتيجيتها وأهدافها بالذات بعد أن
وجدت هذه الميليشيات المرتبطة بوشائج شتى مع النظام الإيراني الطامع بالهيمنة على
العراق والخليج، وبدأت تدرك المخاطر المحدقة بمصالحها في المنطقة، حيث بادرت إلى
استعادة لعبة التوازن من جديد، وأخذت تضغط على حكومة [نوري المالكي] لكي تعيد بناء
الجيش من جديد، وإعادة الألوف من عناصر وضباط الجيش العراقي السابق، وجانب كبير من
الأجهزة الأمنية، بعد أن أعيتها الحالة الأمنية، وحدّتْ من قدراتها للسيطرة على
الوضع الأمني في البلاد، ووقف نزيف الدم الذي أخذ يعصف بالجميع، رغم كل الإجراءات
التي اتخذتها قوات الاحتلال، وقوات الجيش العراقي والأجهزة الأمنية لوقف نزيف
الدم، وإعادة الأمن والسلام في ربوع البلاد.
لكن كل تلك الجهود باءت بالفشل الذريع، بل على
العكس من ذلك أخذ النشاط الإرهابي يتصاعد بوتائر عالية من حيث الكم والنوع رغم كل
ما تملكه القوات الأمريكية من أسلحة متطورة، وخبرات قتالية عالية، وبدأت ارقام
خسائرها البشرية بالتصاعد بشكل خطير لم تكن تتوقعه، ففي حين لم يتجاوز أعداد
القتلى في صفوف قواتها خلال الحرب عن 300 ضابط وجندي، فإن ارقام القتلى بعد مرور 5
سنوات على نهاية الحرب قد جاوز 4200 قتيل، وعشرات الألوف من الجرحى، بالإضافة إلى
التكاليف الباهضة للحرب والتي جاوزت 800 مليار دولار، وبات التواجد العسكري
الأمريكي في العراق يشكل كابوساً رهيباً لجنودها، وقد أثار هذا التواجد قلقاً
شديداً للكونغرس الأمريكي.(8)
فقد بدأ الديمقراطيون الذين يشكلون
الأغلبية فيه بالإضافة إلى بعض الجمهوريين يطالبون بسحب القوات الأمريكية من
العراق، بعد أن ارتفعت تكاليف الحرب بشكل كبير حتى جاوز 16 مليار دولار شهرياً،
وتصاعد عدد القتلى من القوات الأمريكية بوتائر سريعة، وهكذا تعالت الأصوات المنادية باستقالة الرئيس بوش
الذي اضطر بدوره إلى الطلب من وزير الدفاع [رامسفيلد] والعديد من طاقمه الاستقالة،
وأجراء تغيرات واسعة في البنتاغون، وتشكيل لجنة من كبار مستشاريه لإعادة تقييم
الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
خامسا: اختفاء الجيش وقوات الأمن
والفوضى تعم البلاد
لم تكن نتائج حرب الخليج الثالثة
تقتصر على إسقاط نظام صدام حسين القمعي الذي نكل بالشعب أبشع تنكيل، بل أدت هذه
الحرب إلى انهيار شامل لكل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، وفقدان
الأمن والنظام العام، وانتشار عصابات الجريمة، وميليشيات الأحزاب السياسية
الدينية، وغير الدينية بالإضافة إلى عصابات البعث في طول البلاد وعرضها، والتي
عملت على تخريب وتدمير وسرقة وحرق كل ما وقع تحت أيديهم.
وكان القرار الكارثي الذي أصدره
الحاكم المدني الأمريكي [بول بريمر] الذي عينه الرئيس الأمريكي بوش حاكماً على
العراق بحل جهازي الجيش والشرطة بذلك الأسلوب الخاطئ والمتعجل قد فسح المجال لهذه
الزمر لتمارس جرائمها بكل حرية دون أن تخشى الملاحقة، وجعلها تتمادى في جرائمها
التي وصلت إلى حد الاعتداء على المواطنين الآمنين، واغتصاب ممتلكاتهم الشخصية، ولم
يتورعوا حتى عن قتل الألوف منهم.
وهكذا وجد الشعب العراقي، الذي كان
يعاني أشد المعانات من أوضاعه المعيشية السيئة، نفسه أمام معضلة أشد واخطر، إلا وهي
فقدان الأمن الذي أصبح هاجسه الأول، وأصبح المواطنون يفكرون بالأمن قبل أن يفكروا
بلقمة العيش.
وبسبب تلكأ قوات التحالف في ملاحقة
وإلقاء القبض على أعوان النظام الذي تواروا عن الأنظار في بادئ الأمر خوفاً من
الاعتقال، ومن العقاب وجدوا بعد فترة
زمنية قصيرة أنفسهم في مأمن من المطاردة والعقاب، فبدأوا يخرجون إلى العلن، وأخذوا يمارسون أعمال التخريب
والحرق للمؤسسات العامة، ثم تصاعدت جرائمهم التي تحولت إلى أساليب جديدة وخطيرة،
حيث السيارات المفخخة، وإلقاء القنابل وزرع المتفجرات، وقتل المواطنين، ومهاجمة
قوات الشرطة، بحجة مقاومة الاحتلال، لكنهم
في واقع الأمر كانوا وما زالوا يبغون من وراء أعمالهم الإجرامية إعادة عقارب
الساعة إلى الوراء، وإعادة سلطة النظام البعثي السابق بعد أن فقدوا كل الامتيازات
التي تمتعوا بها في ظل ذلك النظام.
وهكذا أدركت قوات التحالف، بعد أن أصابتها نيران
هذه العصابات وأوقعت بأفرادها الخسائر الجسيمة، وما تزال حتى هذا اليوم، خطأ
تقديراتهم، حيث بادرت إلى شن الحملات العسكرية لملاحقة واعتقال هذه الزمر التي
تمتلك الخبرة العسكرية، والأسلحة الكثيرة التي وزعها النظام المسقط، والأموال
الضخمة التي تمت سرقتها من قبل النظام، وفي أذهانهم حلم استعادة الفردوس المفقود
!!. لقد وقع الحاكم المدني بريمر بخطأ جسيم آخر عندما استهان بتلك القوى البعثية
التي ظنها ضعيفة، ولا تشكل مصدر تهديد.
لكن الحقيقة كانت على العكس من ذلك، فبعد
فقدانها السلطة أصبحت تمثل خطراً حقيقياً على مستقبل العراق، وكان لابد من التصدي
لها، وعدم إتاحة أي فرصة أمامها لإعادة تنظيم صفوفها، وتجميع قواها، مستفيدة من
عملية حل الجيش والأجهزة الأمنية لتصعيد أعمالها الإجرامية.
سادساً: المشهد السياسي للأحزاب على
الساحة العراقية
وفي ظل تلك الظروف الصعبة فإن المشهد
السياسي كان يتسم بالتعقيد، وتحف به المخاطر، حيث بدأت تظهر بوادر انقسامات
واستقطاب بين سائر القوىالسياسية، وكل جهة تسعى للحصول على أكبر قسم من كعكة الحكم
متجاهلين المخاطر المحدقة بالعراق من كل حدب وصوب، غير مدركين أن الجميع في سفينة
واحدة، وأن غرقها يعني غرق الجميع.
كان المشهد يعكس لنا أن هناك انقساماً
واستقطاباً للقوى السياسية الفاعلة في اتجاهات أربعة:
الاتجاه الأول:
ويضم القوى الإسلامية التي كانت وما تزال تهدف
إلى إقامة دولة إسلامية تتخذ من الشريعة أساساً لسن الدستور الجديد، وفي ذهنها
أنها تمثل الأغلبية في البلاد، وأنها هي المؤهلة لحكم البلاد.
لكن هذه القوى ضمت تيارات مختلفة
وطوائف متباينة، فهناك الطائفة الشيعية، والطائفة السنية، وتضم الطائفة الشيعية
حزب الدعوة المنقسم على نفسه، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وحزب الفضيلة،
والكتلة الصدرية التابعة لمقتدى الصدر، وحزب الله العراقي، وهذا الانقسام قاد بلا
شك إلى التنافس والصراع بين هذه التيارات المختلفة.
هذا بالإضافة إلى التنافس بين التيار الإسلامي
ككل والتيار العلماني من جهة أخرى، والذي يعمق من أزمة الحركة الوطنية، ويحد من
نشاطها في استتباب الأمن والنظام العام، وإعادة بناء العراق، وإقامة نظام حكم
ديمقراطي حقيقي يصون حقوق وحريات الشعب بمختلف قومياته وأديانه وطوائفه.
أما الطائفة السنية والتي كانت في ظل النظام
السابق تهيمن على الحكم، والتي وجدت نفسها على حين غرة وقد فقدت سلطتها، فقدأصيبت
بالصدمة وبدأت ترتب شؤونها من جديد يحدوها الأمل في لعب دور سياسي في ظل النظام
الجديد، وبادرت إلى عقد مؤتمر يضم مختلف الاتجاهات السنية، وخرج علينا مؤتمرهم
ببيان يعلن تأسيس ما سمي بـ [مجلس الشورى وأهل السنة] ويضم الأخوان المسلمين
والسلفيين وغيرهم من التجمعات الرجعيةالأخرى، وهو ما يشكل استقطاباً طائفياً، وهذا
الاستقطاب أثار القلق في صفوف الشعب بعد أن تحول إلى صراع طائفي عنيف، مما تسبب في
اعظم الأخطار على حاضر ومستقبل العراق.
الاتجاه الثاني:
وقد ضم القوى العلمانية والليبرالية واليسارية،
وهذه القوى دعت إلى إقامة دولة ديمقراطية عصرية، وإلى سن دستور علماني يضمن الحقوق
والحريات العامة والمساواة لسائر المواطنين بصرف النظر عن قوميتهم وأ ديانهم و
طوائفهم، وهذا الاتجاه يطمئن مصالح كافة فئات الشعب بكل أطيافهم . لكن تنظيمات هذه
القوى لم تكن تخلو من عناصر الضعف نتيجة القمع والتصفية المتواصلة التي تعرضت لها
على أيدي الأجهزة الأمنية لنظام صدام، ومنعها من ممارسة أي نشاط سياسي في البلاد
من جهة، ونتيجة الاختلاف في التوجهات
الاستراتيجية لكل حزب، وعدم استطاعتها إيجاد قواسم مشتركة فيما بينها لتشكيل جبهة
سياسية موحدة تستطيع التأثير في مجريات الأحداث السياسية، وخاصة عندما جرت
الانتخابات البرلمانية، وفي عملية إعداد الدستور.
ورغم الدعوة التي أطلقتها ثلاث قوى
سياسية علمانية، والمتمثلة بالحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب
العربي الاشتراكي مؤخراً لتشكيل جبهة سياسية ديمقراطية علمانية قد جاءت متأخرة
جداً، وفي ظل ظروف بالغة الصعوبة حيث تسيطر اليوم قوى الإسلام السياسي على الساحة
العراقية، وميليشياتها المسلحة تتحكم في الشارع العراقي، وفي سائر أجهزة الدولة من
القمة حتى القاعدة. (9)
كما أن تخلي قيادات الأحزاب القومية
الكردية عن حلفائها الحقيقيين من الأحزاب العلمانية واليسارية والليبرالية بوجه
خاص، وتحالفها مع قائمة الائتلاف التي ضمت أحزاب الإسلام السياسي الشيعي قد ساهم
بشكل أساسي في إضعاف تأثير هذه القوى، مما أتاح الفرصة لقوى الإسلام السياسي
الشيعي أن تهيمن على البرلمان والسلطة في البلاد، ولعب دور بارز في إعداد الدستور،
وما حواه من مثالب تحمل في طياتها عوامل استمرار الصرع بين القوى السياسية.
الاتجاه الثالث :
وقد ضم هذا الاتجاه قوى الأحزاب القومية الكردية
بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود البارزاني، والاتحاد
الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال الطالباني اللذان حكما منطقة كردستان العراق
مناصفة منذ انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991 بحماية أمريكية بريطانية، واستطاع
الحزبان، رغم الصراع والاقتتال الذي جري بينهما على السلطة والثروة لسنوات، أن
يوحداً جهودهما من جديد بضغط من قبل الإدارة الأمريكية التي جمعت القطبين في
واشنطن من أجل التنسيق معهما، والإعداد لحرب الخليج الثالثة التي انتهت بسقوط نظام
الدكتاتور صدام حسين، وقد استطاعت الإدارة الكردية خلال المدة ما بين حرب الخليج
الثانية وحرب الخليج الثالثة التي دامت 12 عاماً، إن ترتب شؤون الحكم في كردستان،
وتنشئ قوات عسكرية كبيرة ساهمت في الحرب إلى جانب القوت الأمريكية، واستطاعت
الحصول على أسلحة الفيالق الأول والثاني والخامس الذين كانوا متمركزين على تخوم
كردستان، عندما ألقت قوت هذه الفيالق السلاح بعد اندحار نظام صدام.
وبذلك أصحبت قوة يحسب لها الحساب في تقرير مصير
العراق، وخاصة بعد أن تحالفت مع قوى أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، مما مكنها من
تحقيق أقصى ما يمكنها من المكاسب في السلطة، وفي تعزيز كيانها السياسي حتى باتت
دولة مستقلة تمام الاستقلال، ولا يعوزها غير الإعلان الرسمي فقط، والذي ينتظر الظرف
الدولي المناسب لإعلانه.
وهكذا تخلت القيادات الكردية عن حليفها
الاستراتيجي السابق المتمثل بالحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية والعلمانية، وتخلت
عن شعاراتها الديمقراطية التي طالما كانت تنادي بها طيلة العقود الماضية، وتحالفت مع
أحزاب الإسلام السياسي الطائفي، فالسياسة لا تحكمها المبادئ، بل تحكمها المصالح،
فليس هناك تحالفات دائمة، بل مصالح دائمة.(10)
لقد وضعت كل هذه القوى والأحزاب
السياسية كل بيضها في السلة الأمريكية، وتخلت عن شعاراتها في الحرية والديمقراطية
وتحقيق الحياة الكريمة للشعب العراقي، ودخلت في العملية السياسية التي جرى ترتيبها
على أيدي الحاكم المدني الأمريكي السيئ الصيت بول بريمر من دون أن تمارس السلطة
الحقيقية في البلاد، حيث بقيت الولايات المتحدة بقواتها المحتلة هي الحاكم الفعلي
للبلاد حتى يومنا هذا، ولا احد يستطيع تحديد نهاية لهذا الاحتلال واستعادة العراق
لسيادته واستقلاله الحقيقيين.
الاتجاه الرابع :
ويمثل هذا الاتجاه القوى التي تم
إسقاط حكمها في التاسع من نيسان والمتمثلة بحزب البعث المنحل، وفلول الرجعية التي ارتبطت
مصالحها مع النظام الصدامي المباد، والتي فقدت تلك المصالح والامتيازات التي تمتعت
بها لأربعة عقود على حساب بؤس وشقاء غالبية أبناء الشعب، وكذلك عناصر القاعدة التي
حولت ساحة صراعها مع الولايات المتحدة إلى أرض العراق، والتي بدأت تمارس أعمالاً
إجرامية في مختلف المدن العراقية من تفجير السيارات المفخخة، والأحزمة الناسفة،
وزرع القنابل الموقوتة التي تودي بحياة الكثيرين من أبناء الشعب، وتبث الفزع
والرعب في نفوسهم.
إن هذه القوى لعبت وما تزال دوراً
خطيراً في الأحداث الجارية في البلاد، وتشكل تهديداً جدياً على مستقبل
الديمقراطية، مما كان يستدعي من سائر القوى السياسية إدراك مدى هذه الخطورة،
والتصدى لها بجبهة موحدة تمتلك برنامجاً مشتركاً تتفق عليه جميع القوى العلمانية
والليبرالية واليسارية كي لا يتعرض مستقبل العراق لمخاطر جسيمة.
إن هذه القوى تبدو اليوم أشد شراسة
مما كانت في الحكم، وأن أبعاد خطرها على مستقبل البلاد ليس بالأمر الهين، وهو
يتطلب تظافر كافة الجهود للتصدي لها، وقمع أي تحرك من قبلها في مهده، وهذه القوى
تستمد القوة بلا أدنى شك من تفكك وتناحر واختلاف القوى والأحزاب السياسية فيما
بينها، بدل أن تضع مصلحة الشعب والوطن فوق كل المصالح الأخرى، لكي لا تضيّع فرصة
ربما لا تجدها مرة أخرى لسنين طويلة.
تأثير الدور الأمريكي على المشهد السياسي العراقي
وفي ظل هذا المشهد العراقي الذي نجده
اليوم يبقى الدور الأكبر الذي تلعبه الولايات المتحدة في تحديد مستقبل العراق،
ويخطئ من يظن أن الولايات المتحدة ستخرج خالية الوفاض من العراق بعد دفعت جيوشها،
وخاضت الحرب الباهضة التكاليف، وضحت بأرواح جنودها لإسقاط نظام صدام، ودفعت وما
تزال تدفع تكاليف الحرب التي جاوزت 800 مليار دولار بعد مرور 5 سنوات على هذه
الحرب.
إن العالم اليوم يعيش فترة العصر الأمريكي،
القوة العظمى الوحيدة في العالم، وبات على العالم أن يتعامل معها على هذا الأساس
شاء أم أبى، والعراق اليوم محتل من قبلها، وهي لن تخرج قواتها من العراق قبل أن
تضمن، وبشكل دائمي، مصالحها فيه، بإقامة نظام حكم يكون على ارتباط وثيق بها
سياسياً واقتصاديا، وفي سائر المجالات الأخرى.
ولا شك إن الشعب العراقي يسعى من أجل
إقامة أفضل الروابط مع بلدان العالم أجمع، ومنها الولايات المتحدة، لكنه يشترط أن
تكون العلاقة قائمة على أساس المصالح المشتركة، واحترام سيادة واستقلال العراق،
وإن تحقيق هذا الأمر يتطلب وحدة القوى والأحزاب الوطنية المؤمنة حقاً وصدقاً
بعراقيتها، واتفاقها على برنامج مستقبلي مشترك كي تشعر الولايات المتحدة بقوة
تأثيرها وعدالة مطالبها في الحرية والاستقلال، وبناء عراق ديمقراطي مسالم ومزدهر
يحقق الحياة الرغيدة للشعب الذي عانى من المصائب والويلات والإفقار خلال العقود
الأربعة الماضية.
وأن أية محاولة من جانب الإدارة
الأمريكية للاستمرار في حكم العراق من وراء الستار، واستمرار احتلاله لن يؤدي إلا
إلى تصاعد أساليب الكفاح الشعبي من أجل التحرر، واستعادة سيادة البلاد واحترامها،
فالسيادة والاستقلال أمران لا يمكن التساهل بهما، وأن العلاقات المتكافئة والمصالح
المشتركة هما السبيل الوحيد لاحتفاظ العراق بعلاقة جيدة ودائمة مع الولايات
المتحدة الأمريكية.
لكن المؤسف أن ما يجري على الساحة
العراقية اليوم يؤكد أن التوجه الأمريكي يستهدف الهيمنة المطلقة على مقدرات
العراق، واستمرار هذه الهيمنة لأمد طويل، مما افقدها المصداقية لدى غالبية الشعب
العراقي.