الفصل
الثاني
اندلاع حرب الخليج
الثالثة
أولاً : صدام يرفض مغادرة العراق ويصر على المواجهة
ثانيا : انطلاق الحرب
بالهجوم الجوي والبري المكثف
ثالثاً : قوات التحالف
تواصل زحفها في الجنوب والشمال
رابعاً : القوات
الأمريكية تطبق على بغداد
خامساً : الجيش العراقي
يلقي سلاحه، وسقوط نظام صدام
أولاً: صدام يرفض مغادرة العراق ويصّر على
المواجهة!
بدأت الأخطار المحدقة
بمصير العراق تتصاعد بوتائر سريعة، فقد كانت كل الدلائل تشير إلى أن الحرب
الأمريكية واقعة لا محالة، وتصاعدت تهديدات القادة العسكريون الأمريكان من خلال
تصريحاتهم بأن قواتهم باتت على أتم الاستعداد لشن الحرب فوراً، وبمجرد إصدار
الرئيس بوش الأوامر بذلك .
وبات نظام صدام يواجه
محنة هي من أشد ما واجهه من محن منذ أن استولى البعثيون على الحكم في انقلاب
السابع عشر من تموز عام 1968 الذي جلب كل الكوارث على البلاد، فلقد ضيقت الولايات
المتحدة عليه الخناق بعد أن تمكنت من تمرير القرار1441بمصادقة جماعية من كافة
أعضاء مجلس الأمن الدولي، مما خيب آمال دكتاتور العراق صدام حسين والزمرة المحيطة
به أن تستطيع روسيا وفرنسا والصين الحيلولة دون إصدار القرار المذكور، وفاته أن ما
يجمع هذه الدول من مصالح اقتصادية مع الولايات المتحدة هي أقوى وأكثر أهمية من
مصالحها مع العراق، وهكذا وضع النظام
العراقي رهانه على الحصان الخاسر، كما يقول المثل، وأخطأ مرة أخرى في قراءة
المتغيرات الحاصلة في الموقف الدولي، ولاسيما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول
الإرهابية الدامية، وتتالت خيبات النظام العراقي بعد أن وافق النظام السوري الذي
كان صدام يتوكأ عليه في مجلس الأمن، وقدم له الكثير من المساعدات السخية، من
تزويده بالنفط العراقي، وتوسيع حجم التبادل التجاري معه بنطاق واسع جداً، وقد فلسف
حكام سوريا موافقتهم على القرار بأنه حال دون وقوع الحرب التي تهدد الولايات
المتحدة بها لإسقاط النظام !!.
لكن الحقيقة ظهرت عندما
تحدث وزير الخارجية الأمريكية [ كولن باول] مع نائب الرئيس السوري [فاروق الشرع]
آنذاك قائلاً له:
{ إن الرئيس بوش يريد من سوريا أن تقف إلى
جانبنا، ولا يريد أي موقف آخر] ، أي أن المطلوب من سوريا أن لا تعارض القرار ولا
تمتنع عن التصويت}. (1)
كما خاب ظن النظام
العراقي بمواقف الدول العربية في اجتماع وزراء الخارجية العرب، والتي بنى عليها
الآمال في الوقوف إلى جانبه، فقد سارعت الجامعة العربية بسائر أعضائها إلى تأييد
القرار، وطالبة من النظام العراقي الالتزام به التزاماً كاملاً، وبقيت آمال النظام
العراقي معلقة بعد كل الذي حصل على ما يسميه بـ [الجماهير العربية] بالوقوف إلى جانبه، لكن كل الدلائل كانت تشير
إلى أن هذا الرهان سيلحق بالرهانات السابقة لا محالة، وستلجأ كل الحكومات العربية
إلى كبح جماح أي تظاهرة تأييد للنظام العراقي خوفاً على أنظمتها الاستبدادية من
الانهيار، وإطاعة الولايات المتحدة بكل تأكيد.
وبغية تأخير الحرب انتظاراً لمعجزة كي تنقذ
النظام، سارع صدام حسين بتقديم الملفات الخاصة بالتسلح النووي، والكيماوي،
والبيولوجي والتي تتجاوز 12000 صفحة حيث يتطلب دراستها من لجنة التفتيش المختصة
الوقت الطويل. (2)
كما سارع صدام إلى إصدار اعتذار للشعب الكويتي عن جريمته
البشعة في غزو ونهب وتخريب الكويت، والتنكيل بأبنائه، غير مدرك أن الولايات المتحدة
قد عقدت العزم على شن الحرب دون انتظار لما ستسفر عنه تلك الدراسة، طالما أعلن
صدام حسين أن بلاده لا تمتلك أي من أسلحة الدمار الشامل، وكانت الأسلحة والمعدات
والقوات العسكرية وحاملات الطائرات يجري نقلها على عجل إلى الخليج وشرق البحر
الأبيض المتوسط والأردن.
كما أن الطائرات
الأمريكية والبريطانية قد زادت من غاراتها الجوية التي كانت تمارسها باستمرار منذ
ما بعد حرب الخليج الثانية إلى ثلاثة أمثالها على المواقع العسكرية العراقية في
شمال العراق وجنوبه، مستهدفةً تدمير شبكات
الرادار، وشبكات الاتصالات لغرض تسهيل الهجوم المرتقب.
ورغم أن النظام العراقي
في واقع الأمر كان يدرك تمام الإدراك أن لا أمل له في كسب الحرب، وأنه يغامر في زج
جيشه في حرب محسومة سلفاً، كما كان الحال في حرب الخليج الثانية، مع فارق كبير هو
فقدان الجيش العراقي للغطاء الجوي بعد أن خسر معظم طائراته فيها، وما تبقى منها
طائرات قديمة لا يمكن أن تقف بوجه سلاح الجوي الأمريكي والبريطاني المجهز بأحدث
الطائرات الحربية والصواريخ الموجه عن بُعد، هذا بالإضافة إلى الأسلحة المتطورة
التي تستخدمها القوات البرية عن بُعد من
مختلف الدبابات والمدرعات التي تفوق القدرات العسكرية العراقية.
كما أن الجيش العراقي
الذي سئم من حروب صدام الكارثية لم يكن له الاستعداد والاندفاع لحرب يسوقه إليها
عنوة، وهو يدرك تمام الإدراك أن لا أمل له في كسبها، فهي مجرد محرقة لقوات الجيش
العراقي، وهي سوف تأتي على الأخضر واليابس كما يقول المثل، وستدمر البنية التحتية
للعراق في كافة المجالات، وستسبب الموت لمئات الألوف من أبناء شعبنا، وسيقع العراق
لقمة سائغة في حلق الاحتكارات النفطية الأمريكية لسنين طويلة.
لكن صدام حسين أصر على
البقاء في السلطة مستهيناً بمقدرات الشعب والوطن، ولسان حاله يقول ما دمت ذاهباً فليذهب
العراق وشعبه إلى الجحيم!!.
كان الطريق الوحيد لأبعاد
شبح الحرب، وإنقاذ الشعب والوطن هو ترك صدام وزمرته البلاد، وفسح المجال للشعب
لاختيار حكومة جديدة بإشراف مباشر من الأمم المتحدة، تعيد إليه حقوقه وحرياته، وتشيد
نظاماً ديمقراطياً تعدديا يؤمن بالسلام، ونبذ العدوان على جيرانه وأشقائه، ويحرص
على إقامة أفضل العلاقات معهم في كل المجالات، ويتفرغ لبناء العراق من جديد،
والسير بخطى مسرعة لتعويض ما فاته نتيجة الحروب العبثية المجرمة، والحصار الظالم
المفروض على العراق منذ عام 1990 والذي يعتبر أشنع أنواع الحروب.
كان هذا الأمر يتطلب من
سائر القوى الوطنية العراقية، وسائر قوى التحرر والسلام في الوطن العربي، وفي العالم أجمع، أن تمارس
أقصى ما تستطيع من الضغوط على رأس النظام لإجباره على التخلي عن السلطة، وعدم فسح
المجال للولايات المتحدة لتنفذ أهدافها في العدوان على العراق.
كان الوقوف بجانب النظام
العراقي القمعي بادعاء الحرص على العراق وشعبه لا يجلب السلام والأمن للعراق
والعراقيين، ولا يمكن أن يبعد شبح الحرب، وسيحاسب التاريخ كل من تخلى عن الشعب
العراقي من الحكام العرب، والقوى السياسية العراقية والعربية، ووسائل
الإعلام، وسائر الدول التي ترتبط بصالح
اقتصادية مع النظام لصالح بقاء النظام الديكتاتوري البغيض.
لكن هذا كله لم يحدث، وهكذا بدأ ناقوس الخطر
بدقاته المتسارعة تنذر بالخطر الجسيم، ولم يعد هناك متسع من الوقت لإنقاذ العراق
وشعبه، مسلماً قدره لزمرة النظام الصدامي القمعي الفاشي، وتجار الحروب
والإمبرياليين الطامعين بثروات العراق، غير آبهين بما سيحل بالعراق من ويلات
ومصائب ونكبات وخراب ودمار لا احد يستطيع تحديد مداها، وتهديم البنية الاجتماعية
وتفككها، واندلاع الصراعات الدموية السياسية
والطائفية والعنصرية، وهو ما يشهده العراق اليوم، والذي يمثل بحق كارثة وطنية كبرى
أحالت حياة المواطنين العراقيين إلى جحيم أقسى وأمر من كل الأيام السالفة، مما
سأتناوله في فصول قادمة .
ثانياً:
انطلاق الحرب بالهجوم الجوي والبري المكثف
كانت أجواء الحرب في شهر
آذار 2003 قد سيطرت على كامل نشاطات البيت الأبيض وجهاز المخابرات الأمريكية في
وضع اللمسات الأخيرة على سيناريو[حرب الخليج الثالثة]،وكانت المخابرات المركزية
تقوم بنشاط محموم لتقديم أي جديد من المعلومات الدقيقة عن نشاط أركان النظام
العراقي، وكان في مقدمة أهدافه أمكانية رصد موقع تواجد رأس النظام صدام والزمرة
المقربة منه بغية تسديد ضربة قاتلة لهم، لما لها من تأثير فعّال على معنويات جيشه،
ولاسيما وأن الحرب قد تقررت، ولم يبقَ غير إصدار الرئيس بوش أمراً بانطلاقها.
وفي الساعة الرابعة من
بعد ظهر التاسع من آذار 2003، بتوقيت أمريكا أبلغ مدير وكالة الاستخبارات المركزية
الأميركية CIA [جورج تينيت] الرئيس بوش أن جهاز المخابرات قد استطاع أن يحدد
موقع صدام حسين وأركان النظام على الرغم من الحرص الشديد لصدام وجهاز حمايته من
أخفاء كامل تحركاته، ومكان تواجده. (3)
و لم تكن تلك المعلومات
متوقعة، لكنها يمكن أن تتغير في أية لحظة. ولذلك فهي توفر لأمريكا ذلك الوقت هدفا
ربما لا يتكرر بعد ذلك، ومن الضروري معالجة صدام وأركان حكمه بالنظر لتأثيراته
النفسية على مجريات الحرب. وقال تينيت إن وكالته لا تعرف موقع صدام في تلك اللحظة
فحسب، بل هناك احتمال كبير بأن تعرف أين سيكون على مدى عدة ساعات قادمة، مجتمعا مع
مستشاريه في دار خاصة بجنوب بغداد. ونقل مساعدو بوش أن الرئيس كان يستمع إليه في
صمت، بينما كان تينيت يكشف مصادر معلوماته وحدودها، وقابليتها للتصديق أوالخطأ،
والمدة التي يمكن لصدام أن يقضيها في ذلك الموقع قبل أن يتحرك إلى موقع آخر يختبئ
فيه.
ومع أن الرئيس العراقي يملك عدة قصور، إلا انه
يتفاداها جميعا في حالات الخطر القصوى. وأضاف تينيت قائلاً :
{ انه ربما لن تلوح فرصة
أخرى لتحديد مكانه}.(4)
وخلال الساعات الثلاث
اللاحقة انصرف بوش وكبار مساعديه إلى فحص جدول العمليات الذي نسقته بصورة دقيقة
القيادة العامة للقوات الأميركية خلال عدة شهور، وقد ذكر مسئولون أمريكيون أن
الحاضرين في المكتب البيضاوي في تلك اللحظات كانوا هم نائب الرئيس [ديك تشيني]،
وزير الخارجية [كولن باول]، ووزير الدفاع [دونالد رامسفيلد] ومستشارة الأمن القومي
[كوندوليزا رايس]، ورئيس موظفي البيت الأبيض[اندرو كارد] ورئيس هيئة الأركان
المشتركة الجنرال [ريتشارد مايرز]. وعندما وقع بوش الأمر بتسديد الضربة الساعة
السادسة والنصف مساء، أضيفت إليه عبارة صيغت على عجل وهي :
{إن الضربات الأولى يجب تخترق سقف وحيطان هذا
المنزل المجهول في بغداد، وان تنفذ عميقا في الأرض بحيث لن ينجُ منها احد أبدا}.
(5)
وكان ضباط العمليات على
متن الطائرات الحربية المرابطة بالخليج والبحر الأحمر، وبحر العرب يبرمجون صواريخ
توماهوك وفق معلومات رقمية مبثوثة من رئاسة CIA
بفيرجينيا، تحدد الأهداف المراد ضربها. وقامت فصيلة من طواقم مقاتلات الشبح
[ستثلث] بالتقاط الطيارين من غرفهم وزودتهم بالتعليمات الجديدة.
كانت الطائرات المقاتلة والصواريخ مزودة برؤوس
حربية موجهة بواسطةالأقمار الصناعية، وكانت تزن القنابل التي تحملها هذه المقاتلات
2000 رطل، وهي المصصمة لاختراق طبقات أصلب المخابئ . وفي الساعة الخامسة والنصف
صباحا بالتوقيت المحلي من يوم الخميس المصادف العشرين من آذار/مارس 2003، وبعد 90
دقيقة من انتهاء المهلة التي حددها بوش لصدام في إنذاره، بدأت الحملة العسكرية
الأمريكية البريطانية المشتركة، والتي أطلق عليها الرئيس بوش [حرية الشعب العراقي
]!!.
وبعد ثلاث ساعات من أصدار
الرئيس بوش الامر بالهجوم وجه الخطاب التالي للشعب الأمريكي وللقوات المسلحة
الأمريكية:
أيها المواطنون: بدأت
القوات الأميركية وقوات التحالف في هذه الساعة المراحل الأولية للعمليات العسكرية
لنزع أسلحة العراق، ولتحرير شعبه، ولحماية العالم من خطر قاتم محدق.
وبناء على أوامري بدأت
قوات التحالف بضرب أهداف منتقاة تتمتع بأهمية عسكرية من أجل تقويض قدرة صدام حسين
على شن الحرب. هذه هي مجرد المراحل الاستهلالية لما ستكون حملة واسعة ومركزة.
وتقوم أكثر من 35 دولة بتقديم الدعم الحيوي لنا من استخدام القواعد البحرية
والجوية، إلى المساعدة في المعلومات الاستخباراتية والعمليات اللوجستية، إلى نشر
الوحدات االقتالية. لقد اختارت كل دولة من دول التحالف أن تتحمل المسؤولية، وأن
تشاطرنا شرف الخدمة في دفاعنا المشترك.
إلى جميع الرجال والنساء
في القوات المسلحة الأميركية المنتشرين الآن في الشرق الأوسط: أقول إن سلام العالم
المضطرب، وآمال شعب مقموع تعتمد الآن عليكم، وهذه الثقة هي في محلها تماما.
إن القوات المسلحة الأميركية، وفي هذا النزاع،
تواجه أميركا عدوا لا يحترم أعراف الحرب أو القواعد الأخلاقية، فقد وضع صدام حسين
القوات العسكرية والمعدات العراقية في المناطق المدنية، وهو يحاول أن يستخدم
الرجال والنساء والأطفال الأبرياء دروعا بشرية لحماية قواته، وهي آخر الفظاعات
التي سيقوم بها ضد أبناء شعبه. أريد من الشعب الأمريكي والعالم أن يدركوا أن قوات
التحالف ستبذل كل جهد ممكن للحفاظ على المدنيين الأبرياء من الأذى.
إن حملة في بلد ذي طبيعة
جغرافية صعبة بمساحة ولاية كاليفورنيا، يمكن أن تكون طويلة، وأصعب مما توقع البعض،
كما أن مساعدة العراقيين على إقامة دولة موحدة مستقرة وحرة ستتطلب التزامنا
المستدام. نأتي إلى العراق والاحترام يحدونا لمواطنيه، ولحضارته العظيمة،
ولمعتقداته الدينية التي يمارسونها. ليست لدينا أي مطامع في العراق، سوى أن نزيل
التهديد، ونعيد السيطرة على تلك الدولة إلى شعبها.
إنني أدرك أن أُسر أفراد قواتنا المسلحة يصلون
الليلة بأن يعود أحبتهم الذين يخدمون في القوات المسلحة إلى ذويهم بسلامة وبسرعة.
إن ملايين الأمريكيين
يصلون معكم من أجل سلامة أحبتكم وحماية الأبرياء، ولتضحياتكم، فإنكم تحظون بامتنان
وتقدير الشعب الأمريكي، وعليكم أن تدركوا أن قواتنا المسلحة ستعود فور انتهاء
مهمتها.
إن بلادنا تدخل هذا النزاع بتردد، ومع ذلك فإن
هدفنا واضح تماماً. إن شعب الولايات المتحدة وشعوب أصدقائنا وحلفائنا لن يعيشوا
تحت رحمة نظام خارج على القانون يهدد السلام بأسلحة القتل الشامل. سنتصدى لهذا
التهديد الآن بجيشنا، وسلاح طيراننا، وبحريتنا، وحرس سواحلنا، وقوات مشاة بحريتنا،
وذلك لكي لا نتصدى له بجيوش مكافحة الإطفاء والشرطة والأطباء في شوارع مدننا في
المستقبل. والآن، وبعد أن دخلنا هذا النزاع فإن الطريقة الوحيدة لخفض مدته تتمثل
في استخدام القوة الحاسمة. وأؤكد لكم أن هذه الحملة لن تكون طويلة.
أيها المواطنون: إن
الأخطار التي تتهدد بلادنا والعالم سيتم التغلب عليها، وسنجتاز أوقات الخطر هذه،
ونواصل عمل السلام. سندافع عن حريتنا، وسوف نأتي بالحرية إلى الآخرين، وسوف ننتصر،
ولن نقبل أي نتيجة إلا النصر فيها. ليبارك الله بلادنا، ومن يدافعون عنه.
واشنطن
19 مارس/ آذار 2003
نظرة في رسالة الرئيس بوش
إن ما ورد في رسالة بوش
هذه يتناقض مع الواقع الذي جرى في البلاد، فقد احتلت القوات الأمريكية العراق،
واستحصلت قرارا من مجلس الأمن لشرعنة الاحتلال، وباتت الولايات المتحدة دولة
محتلة، وعينت حاكماً أمريكيا على العراق هو الدبلوماسي [بول بريمر] الذي ارتكب
أخطاء كارثية اوصلت العراق إلى هذه الحالة المفجعة التي نشهدها اليوم، وبدلا من أن
تقيم الإدارة الأمريكية حكومة ديمقراطية علمانية قدمت العراق هدية لقوى الإسلام
السياسي الطائفي التي مكنت حكومة طهران من التغلغل في كافة مرافق الحياة العراقية
من جهة، وأوصلتنا للحرب الطائفية من جهة أخرى، وهكذا تبدد حلم العراقيين في الخلاص
من الطغيان الصدامي ليصبح ضحية طغيان اشد وأقسى، ذلكم هو طغيان قوى الإسلام
السياسي الطائفي بشقيه الشيعي والسني، لينتكس العراق، ويُعاد به القهقرى عشرات
السنين إلى الوراء.
انطلاق الحرب:
انطلقت الصواريخ الموجهة
وبدأت طائرات الشبح تلقي بحممها فوق بغداد التي هزتها الانفجارات الضخمة المتتالية.
لكن نتائج الانفجارات بقيت غير معروفة على وجه التحديد بالنسبة لمصير صدام وأركان
حكمه المقربين، وبعد عدة ساعات من الانفجارات أصدر النظام العراقي عبر التلفزيون
بياناً قال فيه إن صدام ما يزال على قيد الحياة، وانه سيوجه خطابا إلى الشعب بعد
قليل، وقد تمت إذاعة ذلك البيان حوالي الساعة الثانية عشر ونصف بالتوقيت المحلي
للعراق. (7)
وفي الوقت نفسه أعلن
مسؤول أمريكي بأن أجهزة الاستخبارات ستحتاج إلى بعض الوقت قبل أن تتمكن من التحديد
الدقيق للإصابات التي أوقعتها الضربات، والشخصيات التي كانت في الموقع المحدد
لتواجد صدام وأركان نظامه. وقد أتضح فيما بعد
أن الضربة الجوية قد دمرت الدار وما يحيط به تدميراً كاملاً ، لكنها فشلت
في اصطياد صدام وأركان حكمه في تلك الدار، حيث كان قد غادرها قبل وقت قصير من
الهجوم.
كانت الصواريخ الموجهة
والطائرات المغيرة تقذف بحممها على المواقع العسكرية والمرافق المدنية الحيوية عبر
أكثر من ألف طلعة جوية يوميا وقد بلغ عدد
المهمات القتالية الجوية قبل بداية الحرب البرية 23 ألف مهمة جوية قتالية
وتموينية. (8)
فقد ذكر مراسل الـ CNN أن الطائرات الأمريكية
والبريطانية قد نفذت في يوم واحد أكثر من 1900 مهمة قتالية، وتركزت 850 طلعة جوية
على مهام قتالية تم فيها قصف مواقع مختلفة في إنحاء العراق، أثناء زحف قوات
التحالف نحو العاصمة العراقية، وتركزت 85 % من تلك الضربات الجوية على قوات الحرس
الجمهوري، أفضل عناصر الجيش العراقي تدريباً وعتاداً. (9)
ولم يقتصر القصف الجوي
الأمريكي البريطاني على القوات العسكرية، بل ركزت هجماتها على سائر المرافق
المدنية، فلم تترك مرفقاً اقتصادياً أو
خدمياً إلا ودمرته، ولم يسلم من بطشها ما تبقى من المصانع المدينة والعسكرية،
والطاقة الكهربائية المنهكة أصلاً بسبب حرب الخليج الثانية عام 1991، ومصافي
النفط، والغاز السائل المستخدم كوقود في منازل المواطنين، ومصانع الأدوية، و
المدارس، والمستشفيات وسائر المرافق العامة والخاصة، وكانت الطائرات المساندة تقوم
بإعادة تزويد الطائرات بالوقود في الجو بحوالي 450 طلعة من إجمالي الطلعات الجوية
التي اشتملت 200 عملية نقل للجنود والعتاد، فضلاً عن 100 طلعة لطائرات المساندة
والتحكم التي تشمل المهام الاستكشافية والتجسسية، وبلغت نسبة [القنابل الذكية]
المزودة بأجهزة دقة إصابة الهدف التي استخدمتها طائرات التحالف لدك مواقع الجيش
العراقي 70% من مختلف أنواع القنابل المستخدمة، وهي سبعة أضعاف ما تم استخدامه
أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991.
وفي الوقت الذي بدأ فيه
القصف الجوي العنيف الذي استهدف القطعات العسكرية العراقية والمرافق العسكرية
والمدنية كافة، باشرت القوات الأمريكية والبريطانية هجومها البري مستهدفة احتلال
ميناء أم قصر.
لكن القوات البريطانية
واجهت مقاومة شديدة من جانب القوات العراقية، والمليشيات التابعة لحزب البعث،
وفدائيي صدام، وما أطلق عليه جيش القدس، واستمرت المقاومة أكثر من أسبوعين، على
الرغم من التفوق الكبير في الأسلحة والمعدات للقوات المهاجمة والغارات التي نفذتها
الطائرات البريطانية والأمريكية، لكنها تجنبت في بادئ الأمر حرب المدن، واستمرت في
عمليات القصف لإضعاف المقاومة، حيث اندفعت الدبابات نحو المدينة، واشتبكت في معركة
ضارية مع الدبابات العراقية، واستطاعت القوات المهاجمة في نهاية المطاف احتلال أم قصر والفاو، والسيطرة على حقول النفط
في منطقة الرميلة، حيث وضعت القوات البريطانية المهاجمة الحقول النفطية، ومنشآتها
في منطقة الرميلة في أولويات هجومها بغية السيطرة عليها، ومنع قوات النظام العراقي
من القيام بحرقها كما جرى في الكويت في حرب الخليج الثانية. (10)
وبالفعل استطاعت تلك
القوات أحكام قبضتها في المرحلة الأولى من الحرب على حقول النفط تلك، والزحف نحو
مدينة البصرة ، ثاني المدن العراقية بعد العاصمة بغداد، واستطاعت عزل وتطويق
المدينة، لكنها تجنبت الدخول فيها بادئ الأمر تجنباً لحرب المدن وما يمكن أن تسببه
من خسائر بشرية.
وفي الوقت نفسه اندفعت القوات الأمريكية
بآلياتها الحربية نحو العمق العراقي في الصحراء الغربية، والسيطرة عليها، ومن ثم
اندفعت تلك القوات نحو محافظات الناصرية والنجف وكربلاء والحلة في طريقها نحو
بغداد متجنبة في بادئ الأمر الدخول إلى تلك المدن واحتلالها، لتجنب حرب المدن
وخسائرها. (11)
ومن جانب آخر كان ما يزال
قضاء سوق الشيوخ مسرحاً للمعارك، حيث شهد قصفا عنيفا من قبل مشاة البحرية
الأمريكية، فيما أكدت قناة [سكاي نيوز] خبراستيلاء القوات الأمريكية المهاجمة على
الشطرة، ونجاح القوات المهاجمة في دخول المدينة بعد معارك عنيفة، ولم تورد القناة
وقوع خسائر لدي الجانبين.
كما أعلنت القوات
الأمريكية أنها تخوض معارك حول النجف على بعد 160 كيلومترا جنوب العاصمة العراقية
بغداد من دون أن تذكر أي تفاصيل حول المعارك الدائرة في الهندية وكربلاء، في وقت
أعلن العراق عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين خلال القصف الجوي لبغداد
والحلة.
ومن جانبها أعلنت القوات المسلحة العراقية أنها
كبدت القوات الأمريكية والبريطانية خسائر كبيرة قرب مدينة البصرة في الجنوب، ودمرت
سبع دبابات بأطقمها حول مدينة النجف بوسط العراق.
ولم يتسن التحقق من صحة التقرير من جهة مستقلة،
وهو يتناقض مع حجم الخسائر المتدني الذي كانت القيادة العسكرية الأمريكية تتحدث
عنه في بلاغاتها الحربية.
.
وعاد المتحدث العسكري العراقي مرة أخرى لإذاعة بيان
جديد صادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة أكد فيه تكبد الأمريكيين والبريطانيين
خسائر كبيرة في [أبو الخصيب] جنوب البصرة، وأعلن البيان أن جثث قتلى قوات
الأمريكية ما تزال ملقاة على الأرض في مسرح المعارك، ثم أضاف المتحدث العسكري
قائلاً:
{إن فدائيي صدام وأعضاء حزب البعث الحاكم تصدوا
للمعتدين وأجبروهم على الانسحاب}. (12)
وقال متحدث عسكري بريطاني أن جنديا بريطانيا
قُتل خلال الليل قرب البصرة، وقال متحدث عسكري عراقي ثان في التلفزيون أن فدائيي صدام
تصدوا للقوات الأمريكية على مشارف النجف، وأنهم دمروا سبع دبابات، وعددا من
العربات، وقتلوا كل من فيها.
وعلى صعيد المعارك التي خاضتها القوات
البريطانية في محيط مدينة البصرة ذكرت مراسلة [بي. بي. سي] أن القوات البريطانية
والأمريكية في جنوب العراق قد استولت على مدينتي [ أبو الخصيب] و[الزبير] مما يُعد
تطوراً مهماً في مجرى الحرب، حيث فرضت القوات البريطانية حصارها على مدينة البصرة
الكبرى، لكن متحدثاً باسم القوات الأمريكية أكد عدم الاستعجال في اقتحام المدينة.
واشتد ضغط القوات
المهاجمة حول البصرة حيث شهد [حي البعث] السكني الواقع غرب المدينة، والذي يشكل
آخر منطقة سكنية قبل المطار معارك عنيفة بين الجانبين في وقت أعلن ناطق بريطاني في
قطر أن القوات البريطانية التي تحاصر البصرة لا تعتزم التسرع في عملياتها
للاستيلاء على المدينة.
.
وقال اللفتنانت [بيتر
دارلينغ] إن قواته تقوم بالسيطرة على المدينة قطاعا تلو الآخر، ولن نسمح للقوات
العراقية بأن تدفعنا إلى التهور، ملمحاً إلى احتمال سقوط عدد كبير من الضحايا،
وأضاف اللفتنانت دارلينغ أن الأوضاع في المنطقة المحيطة بالبصرة، والتي تحتلها
قوات التحالف بدأت تعود إلى طبيعتها في المدن الثلاث الزبير والرميلة وصفوان،
وتوقف المقاومة في تلك المنطقة.
وتحت ضغط الهجوم البريطاني المكثف اضطر فدائيو صدام، والقوات
العسكرية النظامية إلى إخلاء مواقعهم في البصرة، ونزعوا ملابسهم العسكرية، وتواروا
بين المدنيين عقب وصول الدبابات البريطانية إلى مركز المدينة، وفي غضون ذلك حذر
قادة عسكريون بريطانيون من أن المعارك الدائرة في البصرة ثاني اكبر المدن العراقية
لم تنته بعد، على الرغم من فرض سيطرة القوات البريطانية على أجزاء كبيرة منها.
ومن جهة أخري نُقل عن
قادة عسكريين بريطانيين أن المقاومة داخل البصرة قد فاجأتهم، وأنهم كانوا يتوقعون
نصرا سهلا في وقت قصير.
وفي 27 آذار أعلن المتحدث
باسم اللواء المدرع السابع اللفتنانت كولونيل [هيو بلاكمان] للصحفيين أن المعركة
في البصرة قد انتهت تقريبا، وأكد أن قواته تسيطر على معظم مناطق البصرة بما فيها
المدينة القديمة، وباشرت القوات البريطانية بجمع مئات الرشاشات مع ذخيرتها التي
تركها فدائيو صدام، وميليشيات حزب البعث في الشوارع بعد فرارهم أمام القوات الزاحفة.
(14)
وعلى صعيد متصل اقترب نحو
400 جندي بريطاني وأمريكي تدعمهم الدبابات وطائرات الهليكوبتر الحربية دونما
مقاومة من وسط البصرة ثاني أكبر المدن العراقية بامتداد شارع بغداد حتى أصبحوا على
بعد بضع مئات الأمتار من قلب البصرة، ولم ُتسمع أي أصوات للنيران.
وفي لندن قال وزير الدفاع
البريطاني [جيف هون] أن القوات البريطانية تحركت إلى قلب المدينة وإنها ذاهبة إلى
هناك لتبقى، وذكر متحدث عسكري في مقر للقيادة بقطر أن القوات البريطانية تسيطر
الآن على أغلب أجزاء البصرة، وذكرت قوات بريطانية في أحد المجمعات الواقعة على أطراف
البلدة القديمة للمدينة أنها تعرضت لإطلاق نيران خلال الصباح، وتتميزالبلدة
القديمة بأنها ذات شوارع ضيقة، كثيرة الأزقة، وغير مناسبة لدخول وانتشار الآليات
المدرعة الثقيلة فيها، وقد امتنعت مصادر عسكرية بريطانية عن التنبؤ بالمدة التي
ستستغرقها لتأمين البلدة وقالت مصادر عسكرية أن أكبر الخسائر البشرية قد تكون في
صفوف الميليشيات التي ترتدي ملابس مدنية ممن حوصروا في المدينة.
وبعد أن تم للقوات
البريطانية استكمال احتلال البصرة، بدأت قواتها بالزحف نحو مدينة العمارة التي
استطاعت دخولها في9 نيسان.
وفي الوقت نفسه أعلنت
القيادة البحرية الاسترالية أن سفنها الحربية
الموجودة في مياه الخليج العربي استنفاراً شاملاً تحسباً لقيام زوارق
عراقية بعمليات انتحارية تستهدف السفن الحربية المشاركة فعليا في الحرب، وبالفعل
نجحت البحرية الاسترالية في اعتقال زوارق وسفن عراقية تابعة للحرس الجمهوري وهي
تلقي ألغاماً في مياه الخليج.
ثالثاً: قوات التحالف تواصل زحفها من الجنوب
والشمال
استمرت القوات الأمريكية
في زحفها عبر الصحراء مستهدفة الوصول إلى بغداد، وقال البراجيدير جنرال [ فينست
بوكس] في بيان صحفي في قطر أن القوات الأمريكية الخاصة تسيطر على الحركة في صحراء
العراق الغربية سيطرة تامة، وتمنع أي تحرك فيها بكفاءة عالية. (15)
وفي الوقت نفسه ذكر
مسؤولون أمريكيون أن القوات الأمريكية استولت على مهبطي طائرات في الصحراء الغربية
في المراحل الأولي للحرب. وقال محللون انه يمكن الاستفادة من هذين المهبطين وهما H2 و3H لإنزال قوات وإمدادات
أمريكية وبريطانية لزيادة الضغط على بغداد.
وعلى صعيد الحرب في المنطقة الشمالية من العراق
قال مسؤول كردي كبير أن القصف الأمريكي للخط الأمامي بين المنطقة التي تسيطر عليها
الحكومة العراقية، والمنطقة التي تسيطر عليها البيشمركة الكردية يتزايد، ويحدث
تأثيرا كبيرا. (16)
معركة النجف والناصرية:
واصلت القوات الأميركية الزاحفة في تقدمها
باتجاه العاصمة بغداد من الجنوب والجنوب الغربي، فيما قالت القيادة العراقية أنها أرسلت
آلافا من عناصر قوات الحرس الجمهوري لوقف زحف قوات مشاة البحرية
الأمريكية[المارينز] الذين دخلوا مدينة الشطرة الواقعة على بعد 60 كيلومترا شمال
الناصرية، واعترفت القوات الأميركية بتدمير القوات العراقية دبابتين أميركيتين من
طراز[ أبرامز] في المعارك الشرسة التي استخدم فيها الطرفان الصواريخ والمدفعية
الثقيلة.
وأعلن الكومندان [جون ألتمان] وهو ضابط في
الاستخبارات الأميركية الذي يرافق وحدات فرقة المشاة الأميركية الثالثة في النجف
أن المارينز تدعمهم الدبابات قتلوا نحو 650 عراقيا في المعارك التي دارت في منطقة
النجف خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، إلا أن وزارة الدفاع الأميركية قدرت عدد
القتلى العراقيين بـ 300، ولم تسجل القوات الأميركية من جهتها أية خسائر حسبما
ادعى الضابط.
وقال الضابط إن حوالي 250
عراقيا قتلوا وهم يدافعون عن جسر يقع شمال المدينة، بينما قتل 200 آخرون في معارك
غرب المدينة، حيث تم اسر 300 عراقي. وسقط الآخرون في عدة نقاط في محيط النجف، حيث
يواجه الأمريكيون مجموعات صغيرة من المقاتلين يتراوح عددها من 6 إلى 12 من عناصر
الميليشيات، والنجف من كبرى المدن الواقعة على نهر الفرات وتبعد حوالي 150 كلم
جنوب بغداد.
وقال الضابط إن المقاتلين
العراقيين على الأرجح من العناصر المسلحة لحزب البعث، و[فدائيو صدام] وأنهم
تمركزوا بالخصوص في مباني مدنية أو دينية.
.
وهاجمت هذه العناصر
المسلحة الأميركيين بالأسلحة الرشاشة وقاذفات الصواريخ المضادة للمدرعات، ومدافع
الهاون، وقذائف أر بي جي، بينما رد عليهم الأمريكيون بهجوم بدبابات من طراز
إبرامز، ومدرعات برادلي الخفيفة. وأكد الضابط أن اثنتين من دبابات أبرامز دمرتا،
ولكن عناصر طاقميهما تمكنوا من الهرب، وتم إنقاذهم فيما بعد، وأضاف إن مجموعات
صغيرة من العراقيين انتشرت واتخذت لها مواقع للقنص، وأفاد ضباط في الميدان بأن
معركة شرسة استمرت ساعتين بين الدبابات الأمريكية ومقاتلين عراقيين مسلحين بقذائف
صاروخية، وأضافوا أن نحو 10 دبابات أمريكية أو أكثر حوصرت في منطقة نائية من ضفة
النهر بعد ما فجر العراقيون جسرا كانت الدبابات قد عبرته.
وأرسلت دبابات أمريكية للمساعدة، وتعتبر هذه
المواجهة أعنف معركة خاضتها الفرقة الثالثة للمشاة منذ توغلها في العراق، وخلص
الكومندان ألتمان إلى القول أن العراقيين يحاولون إرسال قوات الحرس الجمهوري إلى
النجف بالآلاف.
وفي قطاع الناصرية أطلقت
قوات المارينز نيران مدفعيتها على مواقع عراقية شمال المدينة الاستراتيجية التي
تقع على مسافة 350 كلم جنوب غربي بغداد، حيث عبروا نهر الفرات، وفتحت المدفعية الأميركية
النار بشكل متقطع على مواقع عراقية على طول الطريق شمال الناصرية، وتقدم جنود
المارينز بنحو 30 كلم شمال الناصرية. وأعلنت القيادة الوسطى في قطر أن معارك الأول
من نيسان أوقعت ضحايا في صفوف الأميركيين، ولكنها لم تقدم أية حصيلة، وقال
الكولونيل [ كين كيلي] أن أربعة من جنوده
جرحوا مساء وليل الثلاثاء أثناء الاشتباكات التي جرت بين الطرفين، وأكد أن
قواته أسرت 50 عراقيا من بينهم ضابطين.
وذكرت مصادر عسكرية أمريكية أن عناصر من
المارينز سيطروا على مستشفى في الناصرية، وأسروا 170 جنديا عراقيا كانوا قد
استخدموا المستشفى لشن هجمات ضدهم، وأشارت إلى عثور القوات الأمريكية في الشطرة
شمال الناصرية على جثث 25 جنديا عراقياً.
احتلال كربلاء:
بعد أن تسنى للقوات الأمريكية احتلال الناصرية،
واصلت زحفها نحو كربلاء، حيث نجحت في
الاستيلاء عليها بعد معارك عنيفة استمرت 48 ساعة أوقعت 400 قتيل في صفوف
الميليشيات العراقية، بحسب الناطق الأمريكي باسم الفرقة الأمريكية المجوقلة 101
الميجور[هيو كيت] الذي أضاف أن اللواء الثاني في فرقته سيطر على هذه المدينة
الاستراتيجية بعد ما تمكن من القضاء على مقاومة حوالي 500 مقاتل موالين للرئيس العراقي صدام حسين.
وقال الميجر هيو كيت إن
قوات اللواء الثاني هاجم القوات شبه العسكرية العراقية وقضى عليها، مؤكدا أن
الجهود التي بذلها الأمريكيون تكللت بالنجاح بعد يومين من المعارك العنيفة. وأكد
الضابط الأمريكي أن أقل من مئة عراقي أسروا، بينما قتل معظمهم في المعارك، وتابع كيت أن جنديا قتل
بالرصاص السبت، وجرح ثمانية آخرون خلال شن الهجوم النهائي على كربلاء.
أصوات قذائف الدبابات
الأمريكية تسمع في بغداد:
بعد التقدم السريع للقوات
الأمريكية نحو بغداد أصبحت أصوات قذائف الدبابات الأمريكية تسمع فيها، فيما تركز
القصف على مدينة تكريت مسقط رأس الرئيس العراقي، وقد أعلن وزير الدولة البريطاني
للقوات المسلحة [آدم انغرام] أن القتال مستمر في العراق، وليس هناك أية هدنة كما
يشاع مؤكداً أن قوات التحالف الأمريكي البريطاني قد أخذت قسطاً من الراحة والحصول على الإمدادات، وأضاف أنغرام
في مقابلة مع تلفزيون [سكاي نيوز] قائلاً :{ لقد وصلنا إلى مرحلة تفرض علينا العمل
على أن يأخذ الجنود قسطاً من الراحة، وان يحصلوا على الإمدادات، وأضاف بأنه ليست
هناك أية هدنة. إن كلمة هدنة غير واردة، وفي رد واضح على شائعات حول إبطاء التقدم
في اتجاه العاصمة العراقية، حيث تعرضت بغداد طيلة نهار أمس إلى غارات جوية وهجمات
صاروخية استهدفت تجمعات الحرس الجمهوري في غرب المدينة، وقصور رئاسية، ومقار للحزب
الحاكم، ومراكز للتدريب}.
وتُبينْ أحدث العمليات العسكرية أن القيادة
العسكرية للتحالف مصممة على ملاحقة أفراد الميليشيات العراقية التي تعوق التقدم
باتجاه بغداد، وضرب القوات النظامية والحرس الجمهوري الذي يغلق طرق العاصمة
والمكلف بالدفاع عنها.
وعلى صعيد متصل اكتسبت
المعارك الدائرة قرب مدينة الحلة أهمية استراتيجية في السيطرة على بغداد حيث ركزت
القوات الأمريكية جهودها لتحييد المدينة عسكرياً أو احتلالها باعتبارها آخر معقل
عسكري نحو العاصمة، فيما تدافع فرقة حمورابي، وهي من نخبة الحرس الجمهوري الخاص،
عنها.
ويتقدم جنود المارينز في
اتجاه هذه المدينة التي تبعد عن بغداد 70 كيلومتراً من محاور عدة هي كربلاء ــ الهندية [طويريج]
فيما واصلت الزحف نحو منطقة [النبي أيوب] في ضواحي الحلة مع تقدم للقوات القادمة
من النجف ــ الكوفة ــ أبو ضخير ــ الكفل وصولاً إلى الحلة، ومحور آخر يبدأ من
مدينة كربلاء أيضاً في عملية التفاف عبر مدينة الإسكندرية صعودا حتى مدينة المسيب
على بعد ثلاثين كيلومتراً من بغداد، عند تقاطع طريق حلة ــ بغداد، وكربلاء ــ
بغداد، لقطع الحلة عن بغداد نهائياً، وتقدمت
دبابات مشاة البحرية في اتجاه المدينة التي استطاعت احتلالها في الأول من
نيسان. (17)
وقالت القيادة الأمريكية
أن قواتها اشتبكت مع قوات عراقية في معركة ضارية أمس حول جسر على نهر الفرات في
منطقة الهندية الواقعة على بعد 80 كيلومترا جنوب بغداد، وقد جرى أسر عدد من أفراد
الجيش العراقي كان بينهم عدد من الضباط ، وكان من بين الأسرى ضابط قال انه من فرقة
نبوخذ نصر من الحرس الجمهوري، وذكر أنه فاجأ القادة الأمريكيين الذين قالوا أنهم
كانوا يعتقدون أن هذه الفرقة متمركزة في الشمال.
وقال الكولونيل[جون بيبودي] من الفرقة الثالثة
مشاة البحرية الأمريكية أن جندياً أمريكياً واحداً أصيب بجروح طفيفة، وان
العراقيين تكبدوا عشرات الخسائر البشرية، ومن جهة أخرى قال مصدر أمريكي إن جندياً
من المارينز قتل في المعارك قرب النبي أيوب، وان طياراً أصيب بجروح في رأسه خلال
تحليق طائرة هليكوبتر، واشتبكت وحدات أمريكية أمس مع مقاتلين عراقيين قرب موقع
بابل القديمة، فيما يبدو أنه أقرب قتال بري من العاصمة.
وبمقتل جندي أمريكي يوم
الاثنين قرب بلدة إمام أيوب على مسافة 110 كيلومترات جنوب بغداد يرتفع عدد القتلى
من الجنود الأمريكيين حسبما أعلنت القيادة الأمريكية الى 46 قتيلا، بالإضافة الى
104 جرحى و 17 مفقوداً منذ بدء الحرب يوم
20 آذار. (18)
أما بريطانيا فقد أعلنت عن مقتل 24 من الجنود
البريطانيين، في حين قال ناطق باسم القوات المسلحة العراقية أن 600 مدني قتلوا
وأصيب أكثر من 4500.
وحول المعارك الدائرة للسيطرة على الناصرية شن
أفراد مشاة البحرية الأمريكية [المارينز] هجوماً واسعا مستهدفين موقعاً كان يُعتقد
أن حاكم المنطقة العسكرية على حسن المجيد الملقب [على كيماوي] يتمركز فيه.
وذكرت شبكة [سكاي نيوز] أن قوات المارينز
استهدفت مدينة الشطرة شمال الناصرية بناء على معلومات حول وجود المجيد في المدينة.
وقالت الشبكة أن عدداً من جنود قوات التحالف دخلوا الشطرة للقبض على مسؤولين
عراقيين بارزين، حيث قتل جندي بريطاني خلال اقتحام المدينة، فيما أحكمت القوات
الأمريكية حصارها حول مدينة النجف، في حين قُتل جندي وجرح عدد من الجنود
البريطانيين في الفاو.
وعلى صعيد متصل أرسلت
الولايات المتحدة آلافاً من الجنود الإضافيين الى مدينة الناصرية من أجل تأمين
خطوط الإمداد نحو العاصمة بغداد.
وذكر راديو لندن انه تم
نشر فرق القوات الخاصة، ومشاة البحرية الأمريكية للسيطرة على المنطقة بشكل كامل،
وقد تقرر ضم خمسة آلاف جندي من قوات المارينز الأمريكيين الى القوات المقاتلة في
الناصرية.
وعلى صعيد آخر نقلت
القيادة المركزية لفوات التحالف مركز ثقل العمليات الميدانية والاستخبارية في
اتجاه بغداد، مع تصعيد عسكري على مختلف محاور جنوب ووسط العراق، وذلك من أجل تضييق
الخناق أكثر فأكثرعلى فدائيي صدام والميليشيات، مع تركيز القصف الجوي والمدفعي على
مقار ومؤسسات الحزب الحاكم.
رابعاً:
القوات الأمريكية تطبق على بغداد
بدأت صفحة
جديدة من الحرب التي تخوضها جيوش الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ضد العراق،
وتتضمن المرحلة الجديدة الاستمرار الثابت للقوات الأمريكية والبريطانية على جميع
محاور القتال في جنوب ووسط وشمال العراق، بعد أن كان الزحف على جبهة واحدة، مع
تواصل ملاحقة الحرس الجمهوري حول العاصمة العراقية، على أن تتواصل الإمدادات لخوض
معركة فاصلة في بغداد تستهدف الإطاحة بنظام صدام، ومن ثم الإعلان عن نهاية
العمليات العسكرية في العراق، فيما نفذت الطائرات المقاتلة الأمريكية والبريطانية
في ذلك اليوم أكثر من ألف طلعة جوية فوق العراق، وبشكل خاص العاصمة بغداد لضرب
مواقع الحرس الجمهوري العراقي الخاص.(19).
من جهة
أخرى دخلت قوات التحالف مرحلة جديدة لتطويق بغداد حيث لجأت طيلة يوم كامل إلى
القصف الجوي الكثيف من خلال محاولة تعزيز السيطرة على بعض المناطق في الجنوب
والغرب والشمال.
وعلى صعيد متصل ذكر مكتب رئيس الوزراء
البريطاني [توني بلير] أن الحرب على العراق دخلت الآن مرحلتها الثانية من التقدم
نحو الهدف النهائي المتمثل في الإطاحة بنظام الدكتاتورصدام حسين من السلطة.
وصرح المتحدث باسم بلير
بعد اجتماع لحكومة الحرب في مقر رئيس الوزراء البريطاني أن الحملة النهائية على
بغداد ستبدأ عندما نكون مستعدين لها تمام الاستعداد، وقال المتحدث إن مشاعر الخوف
بين العراقيين في المناطق التي تحتلها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة تتقلص
يوما بعد يوم. (20)
قوات التحالف تقتحم المجمع الرئاسي
كان الحدث الأبرز في
تطورات الحرب قيام القوات الأمريكية باقتحام المجمع الرئاسي بقيادة قائد الحملة
[تومي فرانكس] الذي كان يقود العمليات داخل الأراضي العراقية، وقد أعلن وزير
الدفاع البريطاني [جيف هون] أن نصف قوات الحرس الجمهوري باتت لا تقاتل، ولكن
المجموعات العسكرية الصغيرة تشكل خطراً على خطوط اتصالاتنا، وأن قوات المارينز قد
عبرت نهر ديالى باتجاه معسكر الرشيد، وأن الدبابات والدروع الأمريكية قد اخترقت في
إنزال مفاجئ وسط بغداد، ومرت عبر ساحة الاحتفالات، ومن تحت قوس النصر الذي كان قد
شيده صدام، عبوراً إلى القصر الجمهوري، حيث لم تلق مقاومة شديدة بعد إنزال سابق في
منطقة الدورة.
من جهة أخرى وصف الصليب الأحمر الوضع في
مستشفيات بغداد بالمروع مع تدفق الأعداد الكبيرة من القتلى والجرحى نتيجة المعارك
الدائرة في بغداد، وفي غضون ذلك توغلت عشرات الدبابات والعربات المدرعة الأمريكية
في شوارع العاصمة العراقية، وسيطرت على حدائق القصر الجمهوري الواقع في منطقة
كرادة مريم من دون أن تتمكن هذه القوات من الدخول الى مبان مجاورة تشغلها وزارتا
الإعلام والخارجية، فيما زجت القيادة العسكرية الأمريكية بمشاة البحرية الأمريكية،
المارينز في العمليات القتالية الدائرة في العاصمة.
وقال ضابط أمريكي أن عناصر من قوات المارينز
دخلوا بغداد قادمين من الجنوب الشرقي بهدف استكمال عزل نظام صدام، بعد إن تمكنت
هذه القوات من العبور فوق جسر عسكري أقامته على نهر ديالى، بعد أن دمرت القوات
العراقية في وقت سابق الجسر لوقف الهجوم. ومن جهته قال الجنرال [جون كيلي] مساعد
قائد فرقة المارينز الأولي أن قوات المارينز عبرت نهر ديالى. (21)
كما شنت القاذفات الأمريكية هجوماً قوياً
بالصواريخ على الموصل، حيث تم تفجير مذاخر الأسلحة والعتاد جنوبي الموصل. من جانب
آخر قال متحدث عسكري أمريكي أن قائد قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة
[تومي فرانكس] قد زار قوات التحالف في العراق، وأكد الكابتن [فرانك ثورب] للصحفيين
في المقر المتقدم للقيادة الأمريكية في قطر أن الجنرال فرانكس زار القوات في ثلاثة
مواقع في العراق من دون أن يتطرق إلى تفاصيل الزيارة.
وفي الوقت نفسه عرض التلفزيون العراقي صوراً
للدكتاتور صدام حسين وهو يترأس اجتماعا للقيادة العراقية حضره نائبه طه ياسين
رمضان، وابنه الأصغر قصي الذي كان يقود الحرس الجمهوري إضافة الى كبار ضباط الجيش.
كما شارك في الاجتماع
نائب رئيس الوزراء طارق عزيز، ووزير الدفاع سلطان هاشم احمد، ورئيس هيئة الأركان
إبراهيم عبد الستار، والمدير العام للرئاسة أحمد حسين، وعضو القيادة القطرية للحزب
لطيف نصيف جاسم، وكان صدام يجلس الى طاولة المكتب باللباس العسكري في غرفة مع
واجهة زجاجية رفعت الستائر عنها. (22)
وأكد مسؤول عسكري أمريكي في مطار بغداد الدولي
الذي استولت عليه الفرقة الثالثة من مشاة البحرية الأمريكية في 5 نيسان، بعد معارك
شرسة أن القوات الأمريكية استولت على ثلاثة قصور رئاسية من بينها القصر الرئاسي
الأساس في وسط بغداد.
غير أن وزير الإعلام
العراقي محمد سعيد الصحاف نفى نبأ الاستيلاء على القصر الرئاسي، ودعا الصحفيين إلى
عدم تصديق المعلومات الأمريكية حول معارك بغداد. ونقل عن مراسل وكالة الأنباء
الفرنسية أن القوات العراقية تحاول يائسة الدفاع عن بغداد أمام الجيش الأمريكي
الذي يتفوق عليها على
الصعيدين التقني والعسكري.
ونقل المراسل عن مصادر أمريكية انه قتل خلال
زحف قوات التحالف على بغداد الآلاف من قوات الحرس الجمهوري الخاص، ولم يقاوم
التقدم سوي قلة قليلة منهم حسب تلك المصادر، وتتفوق القوات البرية والجوية
الأمريكية على الحرس الجمهوري بتجهيزاتها الحديثة، وأكد أنه في مواجهة هذه القوة
العسكرية الضخمة لجأت القوات العراقية الى تكتيك حرب الشوارع، وأضاف أنه قد ظهر
عدم التوازن بشكل لافت داخل بغداد وجوارها، حيث دخلت فرقة المشاة الأمريكية
الثالثة التي تضم 18 ألف عنصر و500 دبابة ومدرعة في العاصمة العراقية بدعم
جوي يساندها من الخلف
جنود مشاة البحرية.
وأكد المراسل أن الحرس الجمهوري الذي يمثل فرق
النخبة في القوات العراقية فشل في صدها بعد أن أضعفته العمليات المتتالية من القصف
الجوي الكثيف، وأكد ضباط أمريكيون أنهم قضوا على جانب كبير فرق الحرس الجمهوري
التي تضم 60 ألف عنصر.
لكن وزير الدفاع
البريطاني [جيف هون] صرح أن نصف قوات الحرس الجمهوري العراقي لم تعد تقاتل من أجل
الدكتاتور صدام حسين، وقال هون في مؤتمر صحافي أن جهدا كبيرا أنجز من أجل الحد
منفعاليةالحرس الجمهوري، وأوضح أن تقديرات مختلفة وضعت من قبل قواتنا حول تقليص فعاليتهم في المعركة، والتي باتت بالتأكيد
بحدود 50%.
وأضاف المراسل أنه كلما احتلت قوات التحالف
أراضي كلما استطاعت أن تعد عدد الدبابات وقطع المدفعية التي دمرت، وكان الرقم 50%
يبدو هو الأكثر قرباً إلى الحقيقة، وأشار إلى أن العراقيين قسموا الوحدات الى
عناصر أصغر بكثير، معتبرا أن هذا يعكس على الأرجح تداعي القيادة االعليا للجيش
العراقي.
وتابع أن هذه الوحدات الأصغر غير فعّالة من وجهة
نظر عسكرية لأنها يمكن إيقافها بسهولة، لكنها تبقى خطيرة خصوصا على خاصرات خطوط
اتصالات القوات. وأشار هون إلى أن كثيراً من قوات وحدات الحرس الجمهوري قد ألقت
سلاحها، وعادت ببساطة إلى بيوتها، ونحن وجدنا دبابات بحالة ممتازة متروكة في
الميدان. وأوضح أن هذا يظهر مرة أخرى أن كثيراً من هذه القوات لم تعد مستعدة
للقتال من أجل صدام، وما أن انتهت التهديدات والتخويف حتى اتخذوا قرارهم بترك
مواقعهم.
وفي الوقت نفسه أعلن ناطق باسم القيادة
الأمريكية الوسطى في قطر أن النظام العراقي قد فقد السيطرة على قسم من بغداد،
وأعلن الجنرال [فينيس بروكس] خلال مؤتمر صحفي أن الهجمات الأمريكية في قلب بغداد
على أهداف سياسية للنظام يعزز في الواقع الرأي القائل بأن النظام
لم يعد يسيطر على هذه
المدينة بكاملها. (23)
وعلى صعيد آخر حاول
فدائيو صدام، ووحدات الحرس الجمهوري قطع طريق عبور الدبابات والمدرعات الأمريكية
من جانب الكرخ الى جانب الرصافة حيث كانوا يتمركزون في الضفة الأخرى لنهر دجلة،
بينما قالت الولايات المتحدة أنها أقامت نقاط تفتيش على كل الطرق الرئيسة الى
بغداد لمنع التحركات العسكرية العراقية، لكنها ستسمح للمدنيين بحرية المرور.
وقال الكابتن [فرانك ثورب] المتحدث في مقر
القيادة الأمريكية للحرب في قطر لدينا نقاط تفتيش على كل الطرق الرئيسة الخارجة من
المدينة بما يمنع تحرك القوات العراقية. وذكرت الأنباء الواردة من بغداد إن القوات
الأمريكية استولت بعد قتال عنيف مع القوات العراقية على الساحة التي تقام عليها
الاستعراضات العسكرية الكبرى في بغداد.
وعرضت شبكة سكاي نيوز الإخبارية صورا للقوات
الأمريكية وهي تأسر عددا من الجنود العراقيين في الساحة. وذكرت الشبكة أن القوات
الأمريكية دمرت عددا من تماثيل رئيس النظام العراقي صدام حسين في أماكن مختلفة في
محاولة لإضعاف معنويات القوات العراقية. وأضافت أن قوات التحالف استطاعت احتلال
القصر الجمهوري في 7 نيسان، وأنها الآن تتمركز في قصور صدام الثلاثة التي سيطرت
عليها، ومن ضمنها القصر الجمهوري.
ومن جهة أخرى قام الجنود العراقيون بتفجير اثنين
من الجسور الواقعة على نهر ديالى لإعاقة تقدم القوات الأمريكية، وذكرت محطات
فضائية أن قوات أمريكية
أخرى تحاصر حاليا فندق الرشيد
المقابل لوزارة الدفاع بوسط المدينة.
من جهته قال المتحدث باسم القيادة المركزية
الوسطى في السيلية بقطر الكابتن [ فرانك ثورب] لشبكة[CNN] أن قوات الحرس الجمهوري لم تبد
مقاومة كبيرة في صد قوات التحالف.
وردا على تصريحات لوزير
الأعلام العراقي محمد سعيد الصحاف قال فرانك ثورب أن تصريحات الصحاف تفتقر
للمصداقية والصحة، واصفا إياه بأحد الأعضاء المهمين في دائرة صدام حسين، وذكر
أن هدف قوات التحالف القضاء على النظام العراقي مضيفا أن ما يفعلونه غير مجدٍ،
ولابد أن يستسلموا. (24)
المعارك في شمال العراق
وعلى صعيد الحرب في شمال
العراق قامت القوات الأمريكية المحمولة جواً بإنزال في أطراف المنطقة المحاذية
لمنطقة كردستان التي كانت تحت سيطرة الأحزاب الكردية منذ عام 1991 بدعم وإسناد من
قوات البيشمركة الكردية بعد قصف شديد من قبل الطائرات الأمريكية على القطعات
العسكرية العراقية المتمركزة فيها.
و في أربيل، أكبر مدن المنطقة التي يسيطر عليها
الأكراد، كان يسمع أزيز الطائرات المتجهة لقصف أهداف تابعة للحكومة العراقية ليلاً
ونهارا، وفي قرية[كلك] على خط المواجهة، والتي تبعد مسافة نصف ساعة بالسيارة من
أربيل، شاهد مراسل رويترز حفراً ناتجة عن سقوط قنابل بالقرب من خنادق عراقية يوم
الاثنين نتيجة قصف مكثف خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية. ومن جانبه قال [هوشيار
زيباري] المستشار السياسي لمسعود البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني آنذاك
للصحفيين أن هجمات القوات الأمريكية والبيشمركة الكردية كانت تستهدف أغلب وحدات
الخط الأمامي للفيالق الأول والثاني والخامس العراقية، حيث ألحقت بها خسائر كبيرة.
وأضاف زيباري، من دون ذكر أرقام مفصلة، أن أعداد القوات الخاصة و قوات المظلات الأمريكية قد زادت، و أنهم
ينقلون المزيد من المعدات والإمدادات الى الجبهة الشمالية يوميا، وإن هناك بالفعل
قوة كبيرة في المنطقة.
لكنه حذر قائلا انه رغم
الفاعلية الكبيرة للغارات الجوية، وانسحاب قوات الحكومة العراقية عن الخط الأمامي
في موقعين على الأقل هما جمجمال وقشتبة، إلا أن هذا ليس مؤشرا على تراجعها، وأضاف
أننا لا نعتقد أن هذا يعد تطورا كبيرا، بل هو عمل تكتيكي لإعادة تجميع قواتهم
والدفاع عن المدن الرئيسية.
وأشار الزيباري الى عدة
وقائع في الفترة الأخيرة لمواقع عراقية تلقت ضربات مباشرة من غارات جوية أمريكية،
وقال أن هناك تدفقا منتظما للمنشقين الى الجانب الكردي أغلبهم من ضباط الصف
والجنود، ولكن ليس بينهم ضباط من رتب كبيرة. (25)
من جهة أخرى تعرضت مدينة
الموصل لغارات متتالية، وإلى قصف مدفعي عنيف استهدفت محيطها وأحياء بداخلها. وإثر
الغارات بدأت أطراف المدينة تتعرض لقصف مدفعي عنيف بعيد المدى، ولم يتم التمكن من
تحديد مصادره، بينما غاب هدير الطائرات عن سماء المدينة. ويذكر أن المقاتلين
الأكراد كانوا يتقدمون بمساندة قوات أمريكية على محاور مختلفة مؤدية إلى الموصل
مستفيدين من تراجع القوت العراقية.
وبسقوط العاصمة بغداد
انتهت المقاومة المسلحة في مدينة الموصل، وتلاشى وجود القوات المسلحة العراقية
وأفراد المليشيات التابعة لحزب البعث.
ودخلت القوات الأمريكية لمدينة الموصل ترافقها
قوات البيشمركة الكردية، واستطاعت القوات الأمريكية دخول مدينة كركوك في العاشر من
نيسان، وتعرضت المدينتين لعملية نهب وتخريب واسعة النطاق وخاصة نهب موجودات البنك
المركزي بالموصل الذي افرغ بكل ما فيه. كما استولت قوات البيشمركة الكردية على
معظم أسلحة الفيالق الثلاث التي كانت متواجدة في المنطقة بما فيها من أسلحة ثقيلة
من الدبابات والمدفعية والطائرات السمتية والصواريخ وغيرها من الأسلحة الأخرى.
خامساً: الجيش العراقي يلقي سلاحه وسقوط نظام
صدام
بعد أن دخلت القوات الأمريكية
العاصمة بغداد، وبعد هروب صدام حسين وأركان نظامه، سارع أفراد الجيش العراقي إلى إلقاء سلاحهم، وتواروا عن الأنظار،
ولم يعد في أنحاء البلاد جيشاً، ولا قوات أمنية تحافظ على الأمن والنظام
والممتلكات العامة والخاصة، فقد انهار كل شيء، مما تسبب في ترك البلاد في فراغ
أمني خطير. وفي الوقت نفسه لم تقم القوات الأمريكية بواجبها باعتبارها قوة احتلال
مسؤولة بموجب القانون الدولي عن حماية أرواح المواطنين العراقيين وممتلكاتهم،
وحماية المؤسسات العراقية ودوائر الدولة، وسائر الممتلكات العامة، ولم تعر أي
اهتمام لهذا الواجب، فقد كان جُل اهتمامها الوصول إلى وزارة النفط فحسب وحمايتها،
تاركة البلاد في حالة من الفوضى لم يشهد لها الشعب العراقي من قبل.
فقد انطلق آلاف اللصوص الذين أطلق صدام سراحهم
قبيل نشوب الحرب، في الوقت الذي أعدم جميع السجناء السياسيين عن أخرهم، في حملة
مسعورة لنهب كل ما يقع تحت أيديهم تحت سمع وبصر القوات الأمريكية دون أن تتخذ أي
أجراء لحماية الممتلكات العامة والوزارات ودوائر الدولة وجميع البنوك بما فيها
البنك المركزي، وفروعه، والمتحف العراقي الذي يضم أعظم ثروات البلاد التي لا تقدر
بثمن، وتلك كانت جريمة كبرى يتحمل مسؤوليتها المحتلون الأمريكيون، فلم تبقَ مؤسسة
صناعية أو خدمية إلا وسرقت، واحرق معظمها، فلا المستشفيات سلمت من السرقة ولا
المدارس ولا دوائر التسجيل العقاري،وخلاصة القول أن العراق أصبح بعد الاحتلال
مباشرة أشبه بسفينة على وشك الغرق، وبات كل شئ فيه مباح للسراق، وقوات الاحتلال
تراقب هذه الجرائم دون أن تفعل شيئا لوقفها، بل على العكس سارعت الإدارة الأمريكية إلى إصدار قرار بحل
الجيش العراقي وكذلك الشرطة وسائر الأجهزة الأمنية لكي تفسح المجال واسعاً أمام
عصابات الأجرام لسرقة كل ما تقع عليه أياديهم الآثمة.
كما أن قوات الاحتلال لم
تتابع اعتقال أعوان نظام صدام الذين ارتكبوا من الجرائم بحق الشعب العراقي خلال 35
عاماً ما يندى لها الجبين، واكتفت بإصدار قائمة باعتقال ألـ 55 المعروفة التي
وضعها الرئيس الأمريكي بوش، مما مهد السبيل
أمام القوى البعثية المسقطة عن السلطة، والتي توارت عن الأنظار في بداية الاحتلال،
لتعيد تنظيم صفوفها، بعد أن أمنت الجانب الأمريكي من الاعتقال والمحاسبة عما
اقترفت أياديهم الآثمة، لتبدأ من جديد حملتها لاستعادة السلطة من خلال اقتراف
الجرائم الإرهابية من تفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والاغتيالات
المتواصلة الهادفة لقتل المواطنين بالجملة والتي ما زلنا نشهدها حتى اليوم والتي
حولت حياة الشعب العراقي إلى جحيم لا يطاق وتسببت في تهجير الملايين من المواطنين
داخل وخارج العراق.
ولا شك إن القوة العسكرية
الجبارة للولايات المتحدة وبريطانيا التي أسقطت نظام الدكتاتور صدم حسين بكل ما
يمتلك من جيش عرمرم وفدائيي صدام وجيش القدس خلال عشرين يوماً لم تكن عاجزة عن
حماية الأمن والنظام العام في البلاد، وكان بإمكانها الإعلان الفوري لمنع التجول
في سائر أرجاء البلاد، والسيطرة التامة على المعسكرات بما تحويه من ملايين قطع
السلاح فيه، والأسلحة المتروكة في الشوارع والطرقات بعد أن تبخر الجيش العراقي،
وتوارى عن الأنظار فدائيو صدام وجيش القدس، ونشر القوات الأمريكية في المناطق
الحساسة لحماية سائر مرافق الدولة، وكافة مؤسساتها ومخازنها، وفي المقدمة المتحف
الوطني، والمصارف، وفي المقدمة منها البنك المركزي في العاصمة بغداد وفرعيه في
الموصل والبصرة من عبث العابثين والسراق المجرمين.أن هذا التصرف من قبل قوات
الاحتلال الأنكلو أمريكي قد أثار الشكوك لدى الشعب العراقي بأنه لا بد قد جرى
الأمر حسب تخطيط مسبق من قبل الحكومتين الأمريكية والبريطانية، وهما يتحملان كامل
المسؤولية عن نتائج أعمال النهب والحرق والتخريب والتدمير ونهب السلاح العراقي من
قبل الإرهابيين، وهي المسؤولة عن استعادة كافة موجودات المتحف العراقي والتعويض عن
كافة الخسائر الناجمة عن عمليات النهب والحرق والتخريب الذي حل بالبلاد.