الفصل
العاشر
الكارثة
العراقية الراهنة
والسبيل لإنقاذ العراق من المحنة
أولاً: الخطة الأمنية
الجديدة ومستقبل حكومة المالكي
ثانيا: دور الصراع
الإقليمي في تدهور الوضع الأمني في البلاد
ثالثاً: مسؤولية إدارة
بوش عن الكارثة التي حلت بالعراق
رابعاً: اندلاع الصراع
المسلح بين قوى الإسلام الطائفية
خامساً: الفساد يعم أجهزة
السلطة من القمة حتى القاعدة
سادساً:تدهور الأوضاع
المعيشية والخدماتية في البلاد
سابعاً:السبيل
لإنقاذ بالعراق وشعبه من الكارثة
أولاً: الخطة الأمنية الجديدة ومستقبل حكومة المالكي
بعد أن انسحب وزراء جبهة التوافق،
وجبهة الحوار، والقائمة العراقية والتيار الصدري، من حكومة السيد نوري المالكي
التي عجزت عن تحقيق المصالحة الوطنية، باتت الحكومة مشلولة تماماً، وعاجزة عن
اتخاذ القرارات الحاسمة في مختلف الشؤون السياسة والاقتصادية والأمنية، وخاصة فيما
يتعلق بتعديل الدستور، ومعالجة موضوع المواد المختلف عليها، والتي تمثل المدخل
الحقيقي لتحقيق المصالحة الوطنية، وصيانة وحدة العراق، وإعادة الأمن والسلام في
ربوع البلاد، وإعادة اللحمة إلى النسيج الاجتماعي العراقي، والانتقال نحو بناء
البنية التحية المخربة، ومعالجة معضلة البطالة الواسعة، ومكافحة الفساد المستشري
في الجهاز الإداري على نطاق واسع.
مرت الأشهر العديدة و السيد رئيس
الوزراء المالكي، و الناطق الرسمي باسمه يعلنان مرة بعد أخرى بقرب إملاء الشواغر
في الوزارة تارة، أو بتشكيل وزارة تنكوقراط جديدة تارة أخرى، لكن الأيام والأسابيع
والأشهر مضت دون أن نشهد الوزارة المعهودة، ومشاريع القوانين معطلة، وفي مقدمتها
ما يخص المصالحة الوطنية أمام البرلمان المعطل هو الآخر حيث يسرح ويمرح معظم
أعضاءه في بلدان أوربا وبعض البلدان العربية للترفيه عن أنفسهم بعد عناء العيش في
سجن الواحة الخضراء!!.
وبات البرلمان العتيد والشعب العراقي
على طرفي نقيض، والأحزاب الدينية قد سيّست الدين، واستخدمته لتحقيق أغراض سياسية
تتمثل حصراً بالصراع من أجل السلطة والثروة، مدعومة من قبل مليشياتها المسلحة التي
باتت تتحكم بمصير الشعب العراقي، والويل لمن يقف أمامها، فهي لا تتحدث مع
المواطنين إلا بقوة السلاح كي تكم به أنفاسهم، ومنعهم من التعبير عن رفضهم واستيائهم مما يجري في البلاد
من جرائم وحشية بشعة من قتل وتهجير وتشريد، وانتهاك لحرمة المنازل، وقمع الحريات
العامة والشخصية، حتى بات المواطن على يقين أن الحكومة ليست هي التي تحكم هذا
البلد بل المليشيات المنفلتة من عقالها دون وازع من أخلاق أو ضمير أو قانون.
ولم يعد نشاط هذه الميليشيات تقتصر
على الصراع مع الشعب، بل لقد تعدتها لتدخل في الصراع الذي احتدم بين الأحزاب التابعة لها، وهذا ما شهده الشعب في
الديوانية والبصرة والعمارة والنجف والحلة وغيرها من المدن الأخرى حيث الصراع
المحتدم بين ميليشيات المجلس الإسلامي الأعلى التابع لعبد العزيز الحكيم وجيش
المهدي التابع لمقتدى الصدر، والذي بلغ حد الصراع المسلح، واغتيال العديد من
المحافظين ومدراء الشرطة وضباط عسكريين كبار تابعين لهما.
إن ما تدعيه حكومة المالكي حول التحسن
الأمني المحدود في البلاد أمر لا يمكن الركون إليه، فهو في واقع الأمر تحسن هش حصل
جراء زيادة القوات الأمريكية، حيث استقدمت إدارة الرئيس بوش 30 الف جندي ليرتفع
عدد الجنود الأمريكيين إلى 170 الف جندي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لجوء الإدارة الأمريكية إلى تكوين
ما يسمى بقوات الصحوة من العشائر التي كانت مرتبطة بالنظام السابق فيما مضى، والتي
كانت هي نفسها تحمل السلاح ضد قوات الاحتلال والقوات السلطة، وتمارس أعمال القتل
والتفجيرات، وزرع العبوات الناسفة وعمليات اختطاف المواطنين، وقد تم ربطها بقيادة
القوات الأمريكية بصورة مباشرة، وتستلم أجورها وسلاحها من قبل القوات الأمريكية.
(1)
إن هذه القوات المشكلة والتي أطلق
عليها بقوات الصحوة تمثل سلاحاً ذو حدين، فهي مرهونة بتواجد القوات الأمريكية في
البلاد، والتي خلقتها لتعيد التوازن بين القوى الشيعية التي هيمنت على السلطة،
والقوى السنية التي تم دحرها في الحرب الأخيرة التي انتهت بسقوط نظام الدكتاتور
صدام حسين، بعد أن أدركت الإدارة الأمريكية خطر الميليشيات التابعة للأحزاب
الشيعية المرتبطة بالعديد من الوشائج مع حكام طهران، وعليه فإن التحسن الأمني
المحدود يبقى هشاً، ويبقى الوضع الأمني قابلاً للانفجار في أية لحظة، حيث لا يمكن الركون إلى ولاء هذه القوات، والتي
يمكن أن تفجر الوضع الأمني متى شاءت.
إن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق
دون إجراء مصالحة حقيقية بين مكونات الشعب العراقي، مع استبعاد العناصر التي مارست
دوراً في جرائم النظام السابق، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي لا شائبة فيه، وهذا
الأمر لا يمكن أن يتحقق على يد حكومة مبتورة الأطراف، ولا بد من تشكيل حكومة
تنكوقراط بعيدة عن المحاصصة الطائفية والعرقية، تتولى إعادة الأمن والسلام في البلاد، وتصفي كافة
الميليشيات المسلحة دون استثناء.
إن استمرار وضع الحكومة على حاله،
وحتى القيام بترقيع الحكومة لا يمكن أن يضمن دوام الأمن والسلام في البلاد، ويشكل
تهديداً مستمراً لتدهور امني جديد ما دامت عوامل الانقسام والصراع مستمرة لتخفو تارة
وتندلع نيرانه تارة أخرى، ولابد من معالجة جذرية لأسباب الانقسام والصراع، ولا
سبيل لذلك غير طريق المصالحة الوطنية القائمة على أسس من العدالة، فلا عفو عن
المجرمين، ولا تحميل الأبرياء وزر جرائم لم يرتكبوها، وإن عملية اجتثاث الفكر
البعثي الفاشي، وليس اجتثاث البعثيين، هو السبيل لقيام النظام الديمقراطي المنشود.
ثانيا: دور الصراع الإقليمي في تدهور الوضع الأمني في
البلاد
تعرض العراق منذ اندحار القوات
الصدامية في حرب الخليج الثانية أثر غزوه الكويت لشتى التدخلات الدولية
والإقليمية، وبشكل خاص من قبل الولايات المتحدة ودول الجوار تركيا وإيران وسوريا،
ولاسيما بعد تحجيم نظام صدام، وفرض الحصار الاقتصادي على العراق، وتحول العراق إلى
ساحة للصراع. فلم تكد حرب الخليج الثانية تضع أوزارها حتى اندلعت انتفاضة الأول من
آذار عام 1991 التي جاءت احتجاجاً على
جريمة النظام الذي ورط العراق في حرب معروفة نتائجها سلفاً، واحتجاجاً على طغيان
الدكتاتور صدام حسين وحزبه، وقد انتشر لهيب الانتفاضة في مختلف المدن العراقية
بسرعة خاطفة أذهلت النظام وأرعبته، حيث تمكنت قوات الانتفاضة السيطرة على 14 من
مجموع 18 محافظة.
وسرعان ما ألقت إيران بثقلها في
الأحداث تلك في محاولة منها لتجيير الانتفاضة لحسابها، مرسلة بأعداد من حرس الثورة
للعراق، وتم رفع الشعارات الطائفية، وصور القادة الإيرانيين، وعلى رأسها صور
الأمام الخميني، مما جعل الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب، الذي كان قد دعا
الشعب العراقي للثورة على نظام صدام حسين ، إلى تغيير موقفه بصورة جذرية خوفاً من
أن يقع العراق لقمة سائغة في حلق النظام الإيراني، وهكذا تخلت الولايات المتحدة عن
انتفاضة الشعب العراقي، وسمحت لصدام حسين
باستخدام طائراته الحربية وسمتياته وصواريخه ومختلف أسلحته الفتاكة ضد الانتفاضة،
وتركت الشعب العراقي تحت رحمة الجلادين الذين أجهضوا الانتفاضة، وأغرقوا العراق
بالدماء.
وعلى الجانب التركي أصبحت منطقة
كردستان ساحة لنشاط قواتها تدخل متى شاءت بحجة ملاحقة مقاتلي حزب العمال
الكردستاني، بعد أن سمح لها نظام صدام
بدخول الأراضي العراقية بعمق 40 كم، وتعيث في المنطقة خراباً ودماراً، ولا زالت
القوات التركية تحتفظ بمنطقة بامرني ومطارها حتى اليوم، وما زالت الحكومة التركية
تهدد باجتياح كردستان بحجة ملاحقة البيشمركة الخاصة بحزب العمال الكردستاني.
واستمرت لعبة القط والفار بين الولايات المتحدة
والنظام الصدامي حول أسلحة الدمار الشامل التي تعهد صدام بتدميرها عندما تم وقف
إطلاق النار في حرب الخليج الثانية في خيمة صفوان، مما عرّض العراق للقصف الجوي من
قبل الولايات المتحدة عام 1998، وتدمير العديد من المنشآت الصناعية العراقية
والبنية التحتية ومصانع الأسلحة وغيرها.
لكن صدام حسين استمر في تحديه
للولايات المتحدة، وهو أضعف من أن يقف أمام جبروتها حتى وصلت الأمور إلى ذروتها من
التأزم، واتخذ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قراره بإسقاط نظام صدام، وكان
معروفاً أن الولايات المتحدة لا تبغي من خلال الحرب سوى تأمين مصالحها الاقتصادية
في المنطقة، وفي المقدمة منها ضمان تدفق النفط
من منطقة الخليج، والهيمنة على العراق الذي يمتلك أكبر خزين نفطي في العالم
حيث يقدر احتاطي النفط أكثر من 300 مليار برميل.
وجاءت الحرب في التاسع عشر من آذار
2003 والشعب العراقي في محنة ما بعدها محنة، فهو وإن كان كل أمله أن تخلص من أعتا
نظام دكتاتوري دموي أذاقه من الويلات والمصائب ما يعجزعن وصفها القلم إلا انه كان
يدرك ما تعنيه الحرب من ويلات وخراب ودمار وضحايا، وكان يدرك أيضاً أن الحرب ستعني
الاحتلال بكل ما فيه من إذلال وعبودية واستغلال، ويدرك أيضاً أن خروج المحتلين من
الوطن ليس كدخولهم البلاد، وأنه سيعاني الكثير من المحتلين، ويخوض الكفاح من أجل
تحرره مبتدئاً كفاحه السلمي من أجل استعادة حريته واستقلاله واستعداه لتصعيد
أساليب الكفاح بما تقتضيه الظروف والأوضاع.
لكن الظروف البالغة الصعوبة والخطورة
التي استجدت بعد إسقاط نظام صدام ، والتي بلا أدنى شك تتحمل مسؤوليتها الإدارة
الأمريكية سواء كانت قد جرت بإرادة منها، وهذا ما أرجحه، أم أنها كانت نتيجة أخطاء
غير مقصودة قد جعلت مسألة خروج الاحتلال في هذه الظروف الخطيرة بالذات سوف لا يعني
إلا اتساع الحرب الأهلية التي ستنتهي إلى إحدى نتيجتين كلاهما يشكلان كارثة عظمى
ليس على العراق فحسب ، بل على منطقة الشرق الأوسط بوجه خاص، والعالم بوجه
عام، فالحكومة الحالية سوف لن تصمد أمام
القوتين المتصارعين المتمثلتين الميليشيات الطائفية الشيعية المدعومة من قبل
النظام الإيراني من جهة، والبعثيون المتحالفون مع القاعدة من جهة أخرى، وإذا ما
وقع العراق بأيدي أي جهة منهما فالكارثة ستحل بالمنطقة لا محالة، وهكذا أصبح مصير
الشعب العراقي اليوم رهينة الاحتلال الأمريكي حيث ينطبق عليه قول الشاعر المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عـدواً له ما من صداقته بُـد
إن إيران اليوم على الرغم من الوجود
العسكري الأمريكي هي اللاعب الأكبر على الساحة العراقية، وهي تدعم الميليشيات
الشيعية وفي مقدمتها ما يسمى بجيش المهدي الذي يقوده مقتدى الصدر بالمال والسلاح
والتدريب ويخوض القتال ضد القوات الأمريكية والعراقية في مدينة الصدر حالياً
وقبلها في مدينة البصرة والعديد من المدن ذات الأغلبية الشيعية في الجنوب والفرات
الأوسط، ويقف حكام طهران على المكشوف بجانب عصابات جيش المهدي، ولولا القوات
الأمريكية والبريطانية لانهزمت قوات الحكومة أمام جيش المهدي في البصرة ومدينة
الصدر، فقد كادت قوات جيش المهدي أن تفتك برئيس الوزراء السيد نوري المالكي وكافة
مرافقيه في البصرة لولا تدخل القوات الأمريكية وسلاحها الجوي لفك الحصار عنهم
.
أما البعثيون انصار النظام الصدامي،
وأجهزة النظام القمعية فرغم عظم
الجرائم التي اقترفوها خلال 35 عاماً،
فإن المحتلين ركزوا جهودهم للقبض على 55 شخصاً من كبار المسؤولين فقط، تاركين تلك
العصابة المجرمة دون ملاحقة وحساب، فبعد أن اطمأنت من جانب المحتلين، بعد أن توارت
عن الأنظار في الأيام الأولى لسقوط النظام، بدأ البعثيون يجمعون وينظمون صفوفهم من
جديد استعداً للقيام بالعمليات الإجرامية في مختلف المدن العراقية، وساعدهم في ذلك
نشر نظام صدام ملايين قطع السلاح في مختلف مناطق العراق وطرقها وشوارعها، وتوزيع
كميات هائلة من الأسلحة على أعضاء حزب البعث والأجهزة الأمنية قبل الحرب، ونهب
النظام صدام كل ما استطاع من ثروات البلاد والأموال المودعة في البنك المركزي
والبنوك الأخرى لكي تستخدم فيما يسمونه بمقاومة الاحتلال، واجتاحت عصاباتهم مدن
العراق لينفذوا جرائمهم البشعة بحق الشعب من تفجير السيارات المفخخة، والقنابل
البشرية لطالبي الجنة من القادمين من وراء الحدود لتوقع آلاف الضحايا من أبناء
الشعب الأبرياء وتترك الشعب يعيش في حالة من الرعب والقلق بعد أن افتقد الأمان،
ولم يعد الفرد العراقي يأتمن على حياته حتى داخل بيته.
وانتهز حكام إيران وسوريا الظروف
الصعبة والحرجة التي يمر بها العراق وهم الخائفون على عروشهم المهزوزة لينقلوا
الصراع مع الولايات المتحدة إلى الساحة العراقية.
لقد أدى الفلتان في السيطرة العراقية على الحدود
إلى تدفق المغرر بهم، والمغسولة أدمغتهم من الجهلة عبر الحدود السورية والإيرانية
لينفذوا جرائمهم بحق الشعب كي يصلوا إلى الجنة التي وعدهم أسيادهم بها، وأصبح العراق
مسرحاً مرعباً لجرائمهم البشعة في بغداد وكربلاء والحلة وأربيل والبصرة والموصل
والفلوجة والرمادي والقائم، وغيرها من المدن العراقية.
واستغل حكام إيران أحزاب القوى الطائفية، وفي
مقدمتها مقتدى الصدر وجيشه المسمى بـ [جيش المهدي]، وأمدته بالمال والسلاح والمتطوعين
وشجعته على التمرد على مجلس الحكم، والسيطرة على النجف وكربلاء والكوفة ومدينة
الثورة، وإعلانه تشكيل حكومة الظل ، وفي
ذهن حكام طهران أن بإمكان مقتدى أن يسطوا على الحكم ، ويقيم دولة
إسلامية تابعة للنظام الإيراني.
كما وقفت سوريا الموقف ذاته حيث فسحت
المجال واسعاً للانتحاريين المرسلين من قبل القوى الإسلامية من مختلف الدول
العربية والإسلامية لينفذوا جرائمهم البشعة في مختلف مدن البلاد.
و فتحت الحكومة السورية مجالا رحبا
أمام العناصر القيادية لحزب البعث المسقط من السلطة لكي يمارسوا قيادة وتمويل
عصاباتهم التي تمارس الأعمال الإجرامية في سائر مدن العراق.
وسعى حكام سوريا إلى استقطاب أعضاء
حزب البعث العراقي إلى حزبهم، ودفعهم للقيام بما يسمونه مقاومة المحتلين، في وقت
تحتل فيه إسرائيل هضبة الجولان منذ عام 1967 وحتى يومنا هذا دون أن تطلق طلقة
واحدة من جانب سوريا ضد المحتلين الإسرائيليين.
ثالثاً: مسؤولية إدارة بوش عن الكارثة التي حلت بالعراق
إن تصاعدت الأزمة العراقية المستعصية
يوماً بعد يوم عمقاً واتساعاً، على الجانبين السياسي والأمني هي نتاج الأخطاء
الكارثية التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الأمريكي، والرجل الذي أوكله الرئيس بوش
لحكم العراق[ بول بريمر]،الذي كان يجهل كل شيء عن العراق وشعبه، ولم يسبق له حتى
زيارة هذا البلد من قبل، فكان أن اتخذ قرارات خطيرة كانت لها نتائج كارثية على
الجانبين السياسي والأمني، من خلال إقامة نظام حكم طائفي في البلاد، أوصل العراق
إلى هذا الجحيم الذي نشهده اليوم، والذي بات الخروج منه يصل إلى حد المعجزة، إن
كانت هناك معجزات حقاً في علم السياسة وإدارة الأزمات.
لقد أوصلت تلك السياسة الرعناء
للإدارة الأمريكية إلى ما دعته بـ [الفوضى الخلاقة] كما يتحدث الممسكون بالملف العراقي
في البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية، ولا أدري هل في قواميس اللغة ما يشير
إلى الفوضى، أية فوضى بكونها خلاقة !!
أنها في واقع الحال الفوضى المخربة
والمدمرة، والمستنقع الذي وقع فيه ليس الشعب العراقي فحسب، بل قوات الاحتلال
للدولة العظمى في العالم ذاتها، والتي باتت لا تعرف كيف تخرج من هذا المستنقع، ولا
تستطيع تحديد النتائج الكارثية للخروج منه ليس على قواتها العسكرية فحسب بل على
منطقة الخليج والشرق الأوسط خاصة، والعالم بصورة عامة، فقد يقع العراق فريسة أما
بأيدي القاعدة وحلفائها انصار نظام صدام، أو بأيدي حكام طهران وحلفائها قوى
الإسلام السياسي الشيعي المعروفة، ولا شك أن الإدارة الأمريكية تدرك تمام الإدراك
نتائج هذا المصير المفزع على العراق والعالم أجمع.
إن العراق اليوم تتحكم فيه قوى
الإسلام الطائفي بشقيه الشيعي والسني بما تحمله من فكر ديني متخلف عفا عليه الزمن،
لتستخدمه سلاحاً فعالاً لتحقيق أجندتها السياسية الهادفة لامتلاك السلطة والثروة،
مستخدمة كل وسائل العنف والتدمير والقتل على الهوية، ومستغلة الجهل والتخلف الذي
حل بالمجتمع العراقي خلال أربعة عقود من حكم البعث القومي الفاشي، ولاسيما أبان
حكم طاغية العراق صدام حسين ونظامه القمعي الشمولي، والذي ركب نفس المركب الذي
ركبه اليوم رجال الدين المتسيسون، من خلال حملته الدينية المشعوذة، وهو الذي ارتكب
من المجازر بحق شعبه وشعوب جيرانه ما يعجز خبراء الإحصاء عن تحديد حجمها وعددها،
وبذلك هيأ صدام حسين الظروف الموضوعية لرجال الإسلام السياسي ليحققوا أحلامهم في
الاستئثار بالسلطة والثروة وهذا ما يجري اليوم في البلاد حيث انتشر الفساد في كل
مرافق البلاد وكل الأجهزة الإدارية والعسكرية والأمنية، بل والأجهزة التربوية
والتعليمية والصحية والخدمية.
إن قوى الإسلام السياسي لا يهمها من
أمر الدين شيئاً، وهي التي باعت مبادئها بثمن بخس للمحتلين، وتعاونت مع الإدارة
الأمريكية في سعيها لاحتلال العراق، وعادت من منفاها وراء دباباتها لتتولى السلطة
في البلاد. ومن المؤسف أن تتخذ قيادات الأحزاب القومية الكردية نفس السبيل الذي
اتخذته أحزاب الإسلام السياسي، واضعة أيديها بيد الولايات المتحدة وجيش الاحتلال،
بل لقد ذهبت في سياستها بعيداً عندما تخلت عن اقرب واصدق حلفاء الشعب الكردي من
القوى الديمقراطية والعلمانية، وتحالفت مع قوى الإسلام السياسي، وهي تدرك حق
الإدراك أن هذه القوى لا تؤمن حقاً وصدقاً بحقوق الشعب الكردي المشروعة، يحدوها
نفس الأمل لقوى الإسلام السياسي بالاستحواذ على السلطة والثروة، واستطاعت القيادة
الكردية إقناع الإدارة الأمريكية بفرض المادة 52 في قانون إدارة الدولة في المرحلة
الانتقالية فيما يخص إقامة نظام والفيدرالية للعراق، وهذا ما شجع أحزاب الإسلام
السياسي الشيعي على العمل لتضمين الدستور هذا النظام المشبوه، ومطالبتهم في إقامة
فيدرالية الجنوب والوسط الذي يرمي إلى تمزيق وحدة العراق إن لم يكن اليوم ففي
القادم من الأيام، وهذا هو سر التحالف بين أحزاب الإسلام السياسي الشيعي وأحزاب
القومية الكردية.
لقد نادت القوى الديمقراطية
والعلمانية ومنذ أمد طويل بتحقيق أماني الشعب الكردي، وجرى الاتفاق على صيغة
الفيدرالية للمنطقة الكردية بما يحقق وحدة العراق أرضاً وشعباً، فقد عاش الشعبان
العربي والكردي إخوة متحابين، وخاضوا معا النضال ضد سلطة البعث الفاشية التي نكلت
ليس فقط بالشعب الكردي، بل نكلت بالشعب العربي، وبسائر
القوميات الأخرى من تركمان وآشوريين
وأيزيدية مندائيين.
ومن المؤسف جداً أن ينبري السيد مسعود
البارزاني عبر قناة الحرة الأمريكية بالحديث بأسلوب التهديد والوعيد بإشعال الحرب
الأهلية التي سماها بـ [الحقيقية]، إذا لم تعد كركوك إلى أحضان دولته القائمة
فعلاً، وكأنما هذه الحرب الأهلية التي يشهدها العراق اليوم بكل ويلاتها ومآسيها لم
تعد تكفي، ولم تصل [المستوى الحقيقي!!]، وأنه سيشن الحرب الأهلية الحقيقية إذا لم
تنفذ المادة 140 من الدستور الذي وضع أسسه الاحتلال الأمريكي، ووكيله بريمر تحت ظل
جيوش الاحتلال.
إن السيد مسعود البارزاني يضع نفسه
وشعبه في مأزق خطير إذا ما أقدم على السير في هذا الطريق، وهو يدرك أن الاستعانة
بالحماية الأمريكية لن تدوم مدى الدهر، وهو إن أقدم على إشعال حرب كردية عربية
فسوف يقع في خطأ جسيم لا يمكن إصلاحه، وربما يؤدي إلى انقلاب قوى الإسلام السياسي
الشيعي عليه، وتضع أيديها بيد قوى الإسلام
السياسي السني في معركة المصير. إن هذا لا يعني سوى اللعب بالنار التي ستأتي على
الأخضر واليابس، وسيكتوي الجميع بنيران الحرب التي يبشرنا بها السيد مسعود البارزاني،
وسيكون الشعب الكردي الخاسر الأكبر في هذه الحرب إن وقعت لا محالة.
إن الطريق الصحيح والآمن أن تتصرف
القيادة الكردية بحكمة بعد أن حققت كل هذه المكاسب التي حصلت عليها، والتفرغ لخدمة
الشعب الكردي والنهوض بمستوى معيشته ورفاهه، لا التضحية بكل هذه المكاسب ، فهذه
السياسة لن تجلب الخير للشعب الكردي على أية حال، وعليه أن يدرك أن السياسة هي فن
الممكن، وتتحكم الظروف الموضوعية الداخلية والإقليمية والدولية في مساراتها، وإن
سياسة حرق المراحل قد تفقد الشعب الكردي كل ما حصل عليه من حقوق، والعودة به إلى
الوراء عشرات السنين.إن مدينة كركوك هي مدينة التعايش الوطني لكل فئات الشعب بكل
قومياته وأديانه وطوائفه، وإن فرض أي حل بالقوة لمشكلة كركوك التي تمثل اليوم
برميل بارود كبير وخطير يمكن أن يحرق العراق من البصرة حتى زاخو، فلا ينبغي
المقامرة بمصير العراق وشعبه، فتتحملوا وزر الكارثة التي ستحل بالعراق، و سيحاسب
التاريخ كل من يسعى لتخريب العراق وقتل أبنائه.
رابعاً: اندلاع الصراع المسلح بين الأحزاب السياسية الشيعية
الصراع المسلح الدائر الآن في البصرة
والحلة والكوت والسماوة وبغداد وغيرها من المدن العراقية ذات الأغلبية الشيعية هي
حرب كارثية لا مصلحة للشعب العراقي فيها، ولا صلة لها بالمصلحة الوطنية والحرص على
العراق لا من قريب ولا من بعيد، إنها حرب تقودها مافيا الميلشيات التابعة للأحزاب
الإسلامية الطائفية التي جاء بها الاحتلال الأمريكي، وبوأها أعلى مراتب السلطة في
العراق، والتي سلطت ميليشياتها المسلحة لتثبيت لسلطتها على الشعب العراقي المنكوب،
بقوة السلاح، فعاثت في البلاد فساداً وخراباً ودماراً وقتلاً واغتصابا دون وازع من
ضمير او أخلاق.
إن ما نشهده ويشهده العالم أجمع من
مشاهد القتل والخراب والدمار يثير الفزع والاشمئزاز من هذا الاستهتار بحياة
المواطنين العراقيين الذين يخشون مغادرة بيوتهم والتوجه إلى أعمالهم وكلياتهم
ومدارسهم، بل لم يعودوا يأتمنون على حياتهم حتى في منازلهم، وكثيراً ما يهاجم
هؤلاء الإرهابيون المواطنين الآمنين في مساكنهم، ويصفونهم بكل وقسوة
ووحشية، نساءً ورجالاً وأطفالا.
لقد مرَّ العراق بأصعب مرحلة من تاريخه، منذ شنت
القوات الأمريكية والبريطانية الحرب على العراق، وأسقطت نظام صدام الدكتاتوري
القمعي، حيث أخذت أوضاع البلاد تتحول من سيئ إلى أسوأ، ولم يدر في خلد المواطنين
العراقيين أن يتخلصوا من ذلك النظام الكريه ليقعوا فريسة هذه العصابات الإجرامية
المتوحشة والموغلة في ساديتها، والمتخذة من الدين ستاراً لتنفيذ جرائمها البشعة،
والاعتداء على حريات المواطنين، والتحكم في نمط حياتهم ولطعامهم وحتى ملابسهم، وكم
أفواههم، وكتم أنفاسهم كي يصفو لهم الجو لتنفيذ أجندتهم الهادفة للاستئثار بالسلطة،
ونهب ثروات البلاد، حتى بات الفساد السمة المييزة لجهاز الدولة من القمة إلى
القاعدة.
والصراع الدموي الحالي الذي يجري
اليوم على الساحة العراقية ما بين
حلفاء الأمس في الائتلاف العراقي،
الذي ضم سائر أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، لا يستهدف سوى السلطة والثروة التي هي
جوهر الصراع بين المجلس الأعلى وذراعه الميليشياوي المسلحة [منظمة بدر] بزعامة
السيد عبد العزيز الحكيم، والكتلة الصدرية
وذراعها المسلح [جيش المهدي] بزعامة مقتدى الصدر، بالإضافة إلى حزب الفضيلة
وميليشياتها المسلحة، وثأر الله وميليشياته، وعلى الرغم من الروابط الوثيقة التي
تربط هذه الأحزاب بالنظام الإيراني، لكن الذي يبدو اليوم أن إيران قد وضعت ثقلها
إلى جانب الصدر وميليشيات جيش المهدي الذي بات الإعلام الإيراني لا يخفي هذا
الموقف الداعم له، متهمين المالكي والحكيم بتنفيذ الأجندة الأمريكية.
ومما لاشك فيه أن الإدارة الأمريكية وقوات
الاحتلال تتحمل كامل المسؤولية عما جرى ويجري اليوم في العراق على أيدي هذه
الميليشيات التي باتت هي السلطة الفعلية المسيطرة على الشارع العراقي، فهي التي
سمحت بتشكيل وتسلح هذه الميليشيات سواء كان ذلك عن تخطيط مسبق لغايات وأهداف مستقبلية،
وهو المرجح كما اعتقد، أو أنها تغاضت عن ذلك بسبب العمليات الإرهابية التي خاضتها
العناصر البعثية وميليشيات أحزاب الإسلام السياسي السنية، وعناصر القاعدة القادمة
عبر الحدود السورية والإيرانية والسعودية، كي تركز جهدها العسكري لمقاومتها
وسحقها، ومن ثم التفرغ للميليشيات الشيعية التي قوي ساعدها، واشتد عودها، وباتت
تؤرق وتقلق الإدارة الأمريكية، مما دفعها للتفكير في خلق نوع من التوازن بين القوى
السنية بمختلف فصائلها والقوى الشيعية بمختلف فصائلها هي الأخرى ريثما تدبر أمرها،
والتخلص منها جميعاً في نهاية المطاف.
ومن أجل تحقيق هذه الأجندة بدأت
الإدارة الأمريكية بالخطوة الأولى عندما دعت إلى إلغاء قانون اجتثاث البعث،
واستبداله بقانون المحاسبة والمصالحة، والاتصال بالعديد من القوى السنية التي حملت
السلاح ضد القوات الأمريكية وقوات السلطة التي نصبتها، واستطاعت إغرائها بالمال،
وكسب جانب كبير منها إلى جانبها، ودعتها بـ [قوات الصحوة] وتحويل سلاحها نحو
القاعدة وحلفائها من انصار نظام صدام حسين، وجهزتها بالسلاح والأموال، وبذلك
استطاعت إضعافها، وتخفيف العبء عن قواتها، تمهيداً للانتهاء منها مستقبلاً.
ثم التفتت نحو الميليشيات الشيعية لتشعل فتيلة
الصراع المسلح بينها انتظاراً لنتائج الصراع كي تتفرغ فيما بعد للجانب الرابح من
هذه المعارك الدموية الجارية اليوم .
إن الاستراتيجية الأمريكية تبقى هي
نفسها لا تتغير، وهي في نهاية المطاف ترمي إلى خلق نظام بعيد عن سائر الميليشيات
الشيعية والسنية، نظام قوي ثابت يرتبط بالولايات المتحدة بوشائج قوية وثابتة
ودائمية في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسة وسائر المجالات الأخرى،
كحليف استراتيجي لها في المنطقة على المدى البعيد.
أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس
لديها صداقة دائمة، بل لها مصالح دائمة، وعندما تقتضي مصلحتها التنكر لآي جهة
شيعية كانت أم سنية أم كردية فلا تتوانى عن ذلك فهي تريد أن تكون السيد المطاع من
قبل الجميع، ولنا من شواهد التاريخ الأمثلة الكثيرة.
إن استمرار التدهور الأمني في العراق،
وتعمق الأزمة السياسية جراء الصراع الذي تخوضه الأحزاب الدينية الطائفية الشيعية
منها والسنية على حد سواء، بالإضافة إلى القوى الموالية للنظام الدكتاتوري الصدامي
المسقط عن السلطة، وعناصر القاعدة التي يحتضنها البعثيون أعوان صدام، ويوفرون لهم
كل ما يلزم من مأوى وسلاح وأموال وتوجيهات لتنفيذ جرائمهم البشعة في البلاد، قد
أدى إلى تصاعد المحنة القاسية التي يعيش في ظلها الشعب بشكل رهيب، مما حول حياة
المواطنين إلى جحيم لا يطاق، بعد أن استشرت جرائم التفجيرات، والخطف والقتل على
الهوية والاسم، والتهجير تهديداً بالقتل، على خلفية الانتماء الطائفي الشيعي
والسني، وعلى خلفية الانتماء الديني، كما هي الحال تجاه المواطنين المسيحيين
والصابئة والأيزيدية، وعلى خلفية الانتماء العرقي كما هي الحال مع المواطنين
الأكراد والتركمان، مما اضطر جموع غفيرة من هؤلاء المواطنين إلى ترك مساكنهم،
وأعمالهم ومصالحهم ومدارس أبنائهم هرباً من الموت الذي يترصدهم على أيدي القتلة من
العناصر الطائفية المجرمة، من الطائفتين الشيعية والسنية على حد سواء وعلى أيدي
العصابات البعثية الموالية لنظام صدام المسقط، وعلى أيدي عصابات الجريمة المطلق
سراحها من السجون من قبل دكتاتور العراق صدام قبيل إسقاط حكمه الكريه.
إن الهجرة الجماعية التي يشهدها العراق اليوم
تمثل كارثة إنسانية كبرى حيث يعيش المهجرون حياة قاسية لا مثيل لها، يهيم جانب
منهم في شوارع عمان ودمشق والمدن السورية والأردنية الأخرى، والجانب الآخر في
المدن العراقية التي تظم أكثرية من تلك الطائفة في حالة مزرية، وجانب ثالث يمتلك
الإمكانية المادية وقادر أن يدفع مبالغ طائلة للمهربين بغية الوصول إلى دول اللجوء
في أوربا وأمريكا.
وتمارس الميلشيات الموالية لإيران
جرائم القتل بحق الضباط في الجيش العراقي السابق، والطيارين بوجه خاص، وكذلك
أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين، الذين يمثلون ثروة البلاد العلمية التي لا
غنى عنها، مما اضطر أعداد غفيرة منهم إلى الهجرة خارج العراق، حيث شكل خسارة جسيمة
للعراق لا تعوض.
ولا شك أن وصول العراق إلى هذه الحال
هو نتاج مباشر للسياسة التي اتبعتها سلطة الاحتلال بعد إسقاط نظام صدام حسين الفاشي،
وتشجيعها للطائفية السياسية من خلال تشكيلها لمجلس الحكم، والحكومات التي تلته،
ومن خلال الانتخابات التي أفرزت هذا الانقسام الطائفي الذي نشهده اليوم، ومن خلال
الدستور الذي كرس الطائفية المقيتة، مما أوصل البلاد إلى هذا الاستقطاب الطائفي
الحالي الذي ينذر بتوسع وانتشار الحرب الأهلية الطائفية في عموم البلاد، وهذه
الإجراءات الأمريكية لا تتفق بكل تأكيد مع الادعاءات الأمريكية بتحقيق نظام
ديمقراطي في العراق يكون نموذجاً يحتذي في الشرق الأوسط.
فقد جاءت تلك السياسة، وتلك الإجراءات بهذا
النموذج البائس الذي يشهده العراق اليوم، وهو يمثل ليس فشلاً ذريعاً للسياسة
الأمريكية في الشرق الأوسط وحسب، بل وجلب كراهية شديدة للولايات المتحدة في
المنطقة العربية من الصعب معالجته.
إن الحكومة العراقية بوضعها الحالي، حتى
لو تم الاتفاق على ترقيعها ، فإنها لا تبشر بعودة الأمن والسلام في البلاد طالما
جرى تأليفها على أساس المحاصصة الطائفية، وطالما تمتلك الأحزاب الطائفية الشيعية
منها والسنية المليشيات التي تصول وتجول في سائر مناطق العراق، ترتكب الجرائم
الوحشية بحق أبناء الشعب الآمنين، مما حول حياة المواطنين إلى جحيم لا يطاق.
إن على الولايات المتحدة أن تعيد
النظر في مجمل سياستها وإجراءاتها في العراق، وتعالج نتائج تلك السياسة الخاطئة،
والإجراءات الكارثية التي اعترف بها كل من الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني
بلير في لقائهما الأخير في واشنطن.( 2 )
وفي اعتقادي إن الشعب العراقي في وضعه
الحالي، والذي لم يشهد أو يمارس الديمقراطية خلال تلك العقود السوداء من حكم طاغية
العصر صدام حسين وحزبه الفاشي، والذي أدى على انهيار البنية الاجتماعية في العراق
جراء الحروب الإجرامية الداخلية منها والخارجية التي زج النظام بها العراق، وجراء
الحصار الظالم الذي فرضته الولايات المتحدة على شعبنا خلال 13 عشر عاماً عجاف، قد
غيَّر كل القيم والسلوكيات والعادات النبيلة في المجتمع العراقي من عفة ونزاهة
وصدق ومحبة الآخرين والتعاون الخيّر بين المواطنين، وحل محلها قيم وعادات وسلوكيات
هي على النقيض منها، فقد بات على العراقي أن يشبع بطون عائلته في ظل تلك الظروف
بكل الوسائل والسبل، وكل الطرق المشروعة وغير المشروعة. ويذكرنا الكاتب الكبير [
تلستوي ] في وصفه الدقيق لنتائج الحروب، وما تسببه من انهيار خطير للبنية الاجتماعية
حيث يقول :
[ إن سنة واحدة من الحروب تفسد
المجتمع أكثر مما تفسده ملايين الجرائم لعشرات السنين ] فكيف هو الحال بالشعب
العراقي الذي زجه حكامه المجرمون بالحروب لثلاثة عقود ونصف ؟ (3)
ومن هذا يتبين لنا أن هذه السلوكيات
الإجرامية العنيفة التي تعم العراق اليوم قد جعلت الشعب العراقي غير مؤهل
للديمقراطية والانتخابات وتشريع الدستور الدائم، إن الوضع الحالي يتطلب تشكيل
حكومة إنقاذ وطني من عناصر تنكوقراط وطنية نظيفة الأيدي لا تنتمي للأحزاب الطائفية
الشيعية منها والسنية التي تمثل وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن أن تخدم العراق، ولا
تحقق مستقبلاً مشرقاً كما يتمنى العراقيون، بل على العكس من ذلك تقود العراق نحو
مستقبل مظلم قاتم.
ولا شك أن في العراق عناصر كثيرة تحمل هذه
المواصفات، وتستطيع قيادة العراق في فترة انتقالية لا تقل لمدة محدودة يجري خلالها
العمل على إعادة الأمن والسلام في البلاد، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له
نفسه العبث بأمن المواطنين، وإعادة اللحمة بين أطياف الشعب العراقي كافة على أساس
من المساواة في الحقوق والواجبات، وعودة المهجرين إلى مناطق سكناهم، وتقديم
الحماية اللازمة لهم، ومعالجة مشكلة البطالة التي تمثل المرتع الخصب لتخريج
الإرهابيين القتلة، وإعادة بناء كافة المنشئات الخدمية المدمرة من ماء الشرب
والكهرباء والوقود، والصرف الصحي، الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، وتكليف
رجال قضاء مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة لإعداد دستور علماني جديد بعيداً عن
الطائفية وشرورها، ويتضمن قانوناً جديداً للأحزاب يحرم تأليف الأحزاب على أساس
ديني أو طائفي أو عرقي، ويحافظ على تماسك النسيج الوطني للشعب العراقي ، استعداداً
لإجراء انتخابات برلمانية جديدة بعد انتهاء فترة الانتقال .
أما الاستمرار على هذه الحال فلن توصل العراق
إلا إلى الحرب الأهلية التي ستأتي على الأخضر واليابس، وتحيل البلاد إلى خراب،
وتزهق أرواح مئات الألوف أن لم نقل الملايين من المواطنين الأبرياء، وتهجير ملايين
أخرى إلى بلدان اللجوء ربما تكون أشد وطأة من الهجرة التي جرت إبان حكم طاغية
العصر صدام حسين، وتفريغ البلاد من كفاءاته ومثقفيه، وعلى الشعب العراقي أن يأخذ
في حسبانه ما آلت إليه الحرب الأهلية في لبنان التي اشتعلت عام 1975، واستمرت 15
عاماً قاسية، وخربت المدن اللبنانية، وحصدت أرواح مئات الألوف من المواطنين
اللبنانيين، وهجرت مئات الألوف الأخرى، ودمرت اقتصاد البلاد، وأغرقته بالديون، ولا
شك في أن ما حدث في لبنان سيمثل نزهة لما يمكن أن يحدث في العراق إذا انتشر لهيب
الحرب الأهلية، وتدخلت الدول الإقليمية، وفي مقدمتها إيران وسوريا والسعودية وبقية
دول الجوار في تسعير نيرانها.
إن الوضع الحالي خطير جداً، وهو يتطلب
من الشعب العراقي الحذر من الانزلاق في أتون الحرب الأهلية المجنونة التي إن انتشر
لهيبها فلن ينجُ من نيرانها أحد أبداً، ولن يربح من ورائها أحد، وستكون الطامة
الكبرى التي يمكن أن تأتي على كل شئ.
إن تجارب أنظمة الحكم القائمة على
أساس ديني أو طائفي أو عرقي لم تستطع أن تقدم لنا أي أنجاز يستهدف خدمة شعوبها،
وتأمين حقوقها الإنسانية وحريتها، وتحقيق الحياة التي تليق بها، بل على العكس من
ذلك جلبت لشعوبها العبودية والتخلف، وسلب المواطنين لحقوقهم الإنسانية، والتدخل
الفض في أعماق شؤونهم الشخصية، مما شكل اعتداءً صارخاً على حقوق وحريات المواطنين
التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم المتحدة عام 1948.
ولنا من نموذج الحكم القائم في إيران
والسودان والسعودية ونيجريا، وقبلهم نظام طالبان في أفغانستان خير دليل على
الانتهاك الفض لحقوق مواطني هذه البلدان، ومعانات شعوبهم القاسية، حيث تتحكم هذه
الأنظمة بكل صغيرة وكبيرة في حياة للمواطنين، تتحكم في مأكلهم وملبسهم وهواياتهم
وأفكارهم، ناهيك عن حرمانهم حق المشاركة الحقيقية في الحكم من خلال الانتخابات
البرلمانية والدستور، وتتحمل المرآة التي تمثل نصف المجتمع الظلم الأكبر من طغيان
حكامهم الذين يعتبرون المرأة عورة، ويغتصبون كامل حقوقها الإنسانية، ويفرضون عليها
الحجاب والانكفاء، وخدمة الرجل في البيت ومتعته، وإنجاب الأطفال. وتعاني الأقليات
الدينية الأخرى في المجتمعات الإسلامية من تدخل الأنظمة الإسلامية الشمولية في
أسلوب حياتهم الخاصة وتقاليدهم الدينية،
ومحاولة فرض الأسلوب الذي يُلزم المسلمون إتباعه متجاهلين كون هذه الأقليات
تدين بدين آخر لا يفرض عليهم ما يفرضه الدين الإسلامي مما يشكل انتهاكاً خطيراً
لحقوقهم وحرياتهم.
ورغم أننا نعيش في مقتبل القرن الحادي
والعشرين، وما حدث من تطور وتغيير هائل في كافة مجالات الحياة للمجتمع الإنساني
خلال القرن الماضي فإن الأنظمة الدينية الشمولية ما تزال ترفض التطور والتغيير على
الرغم من الضغوط التي تمارسها عليهم شعوبهم من جهة، والمجتمع الدولي من جهة أخرى،
وتصر على الجمود والتخلف في كافة مجالات الحياة بحجة قدسية الدين وما يفرضه على
المسلم من شروط وقيود لا تتفق مع التطور الحاصل في المجتمع البشري.
إن هذه التجارب المحزنة المستقاة من تلك الأنظمة
تثير القلق والريبة لدى المواطنين العراقيين من نوايا الأحزاب الدينية العراقية
بشقيها الشيعي والسني، ومن محاولة فرض أجندتها المتخلفة عن روح العصر على المجتمع
العراقي المتكون من خليط متنوع من الأثنيات والأديان والطوائف، والتي من المستحيل
تقبلها، والرضوخ لها.
إن ما يشهده المجتمع العراقي اليوم من تمزق
واحتراب بين الطائفتين الشيعية والسنية، والذي قاد الشعب نحو الحرب الأهلية
هو نتاج نشوء وتسلط الأحزاب الدينية، وزج
الدين بالسياسة، وبالتالي أفسدت هذه الأحزاب الدين من خلال تسخيره لتحقيق أهداف
سياسية غير مشروعة، وأفسدت السياسة بعد أن اتخذت من الدين وسيلة في العمل السياسي
و واستخدمته وسيلة للصراع السياسي القائم في العراق اليوم.
إن الشعب العراقي الذي قاسى الويلات
والمصائب من طغيان نظام صدام الدكتاتوري الشمولي يقف اليوم مرعوباً أمام ما يجري
على الساحة العراقية من جرائم باسم الدين، وما يجري من صراع بين الأحزاب الدينية
من جهة وبينها وبين والأحزاب العلمانية على السلطة، وإذا ما استمر الحال على ما هو
عليه فسوف يشكل ذلك كارثة كبرى لن يخرج منها العراق ويتعافى لأمد طويل، ولا شك أن
الولايات المتحدة ستتحمل مسؤولية كاملة عما جرى ويجري في العراق من خراب ودمار.
خامساً: الفساد يعم أجهزة السلطة من القمة حتى القاعدة
1 ـ الفساد في عهد الحاكم الأمريكي
بول بريمر:
لم يتخيل الشعب العراقي الذي تخلص من
نظام الطاغية صدام الذي استأثر بكل ثروات البلاد لكي يشهد حلة من الفساد اشد
وأقسى، فقد ذهب صدام ونظامه ليجد الشعب أن الفساد قد أخذ بالاتساع في البلاد أفقيا وعمودياً، حتى عم كافة أجهزة
السلطة من قمة رأسها حتى قاعدتها، بدأ من عهد الحاكم الأمريكي بول بريمر مروراً
بمجلس الحكم ، فحكومة الدكتور أياد علاوي ، فحكومة إبراهيم الجعفري وصولاً إلى
حكومة نوري المالكي.
فقد نشرت صحيفة واشنطن غلوب تقريراً
تناول الفساد المالي والإداري في العراق على عهد بريمر قائلة:
{إن سرقة الأموال العراقية من أهم
إنجازات سلطة الائتلاف المؤقتة، حيث أن
مئات الملايين من الدولارات من أموال العراق قد نهبت أثناء فترة تولي
السفير بول بريمر إدارة سلطة التحالف المؤقتة تحت شعار إعادة إعمار العراق، سرقها
متعهدون أمريكيون من الحكومة العراقية التي أنشأتها سلطة الائتلاف المؤقتة عام
2003.
فقد أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة في
العراق مرسوما منح المتعهدين الأمريكان حصانة قانونية ضد أية دعاوى ترفع ضدهم في
العراق، وذلك قبيل أيام من موعد تسليم السلطة إلى العراقيين في حزيران- يونيو عام
2004 ، وهذا القانون حول العراق إلى موقع للنهب المباح، حتى أن الأمم المتحدة التي
أنشأت نظاماً لمراقبة التصرف بالأموال العراقية، لا تملك تفويضا لمقاضاة ومحاسبة
الذين نهبوا المال العراقي العام.
وترجع معظم هذه القضايا إلى الأيام
الأولى للاجتياح الأمريكي للعراق في آذار - مارس من عام 2003، حيث ارتأت إدارة
الرئيس بوش آنذاك أن تعيد إعمار العراق بأموال عراقية.
وبدأت قضية ضياع الأموال العراقية
عندما بسطت سلطة الائتلاف المؤقتة التي تشكلت فور سقوط النظام السابق سيطرتها على
جميع عائدات النفط، والأموال التي وجدتها في المصارف وقصور الرئيس المخلوع صدام
حسين، بالإضافة إلى الميزانية التي كانت مخصصة لبرنامج النفط مقابل الغذاء.
وهكذا أصبح تحت تصرف سلطة الائتلاف
المؤقتة أكثر من عشرين مليار دولار من المال العراقي العام، أودعت في حساب خاص سمي
صندوق تنمية العراق، والذي قال عنه السفير بول بريمر حرفيا بأنه [أنشأ لمصلحة الشعب العراقي]!!، ووضعت هذه الأموال
النقدية تحت تصرف الأمريكيين الذين كانوا مسؤولين آنذاك عن مشاريع إعادة بناء
الطرق والجسور والمستشفيات.
وهذه الأموال لم تخضع للشروط التي خضع
لها مبلغ الثمانية عشر مليار دولار التي خصصتها الإدارة الأمريكية لعمليات إعادة
الإعمار، حيث لا يمكن إنفاقها إلا بموافقة الكونغرس. أما سلطة الائتلاف المؤقتة
فقد أنفقت مليارات الدولارات من الأموال العراقية بدون حسيب او رقيب، وذلك حسب
تقارير رفعها مدققو حسابات إلى لجنة خاصة أنشأها الكونغرس للإشراف على كيفية إنفاق
الأموال المخصصة لإعادة الإعمار. (4)
وفي حزيران - يونيو من عام 2004 أصبح
[ صندوق تنمية العراق ] تحت سلطة الحكومة العراقية المؤقتة، ولكن سلطة التحالف
المؤقتة التي أنشأت هذا الصندوق كانت قد أنفقت نحو 14 مليار دولار من هذه الأموال
على مشاريع إعادة البناء، وعلى تصريف أمور الحكومة االمؤقتة. ومن ضمن الشركات التي
نالها نصيب من هذه الأموال، شركة هاليبرتون التي فازت بعقد قيمته مليارين و200 الف
دولار لإصلاح البنية التحتية للصناعة النفطية في العراق، ولكن مدققي الحسابات في
البنتاغون وجدوا أن هناك فواتير وهمية او مبالغ فيها بقيمة 263 مليون دولار، لكن
تحقيقات المفتش الخاص أدت إلى اعتقال خمسة أشخاص فقط والتحقيق في 60 قضية تضمنت
دعاوى تزوير وفساد في كيفية إنفاق الأموال الأمريكية او العراقية المخصصة لإعادة
الإعمار ، حسب ما صرح به للصحيفة [جيمس ميشيل الناطق باسم المفتش العام].(5)
أما الدكتور مهدي الحافظ الذي شغل
منصب وزير التخطيط في وزارة الدكتور أياد علاوي فقد ذكر تصريح صحفي له قائلاً:
{أن تسعة مليارات دولار من الأموال
التي خصصتها الإدارة الأمريكية لإعادة بناء البنية التحية في العراق قد اختفت دون
أن يعلم أحد عن مصيرها}. (6)
2 ـ الفساد على عهد الحكومات المتعاقبة على سدة
الحكم:
لم تكد الإدارة الأمريكية تسلم السلطة
للأحزاب السياسية الشيعية والكردية حتى بدأ الفساد المالي والإداري يأخذ بالاتساع
أفقيا وعموديا، وباتت الميليشيات المسلحة التابعة لهذه الأحزاب هي التي تحكم
البلاد ، ولا احد يستطيع الوقوف ضدها وفضح سرقاتها ونهبها لثروات البلاد حيث القتل
يتنظره على أيدي تلك الميليشيات.
لقد تحدث السيد رئيس هيئة النزاهة
التي جرى تشكيلها لتعقب الفساد والمفسدين السيد راضي حمزة الراضي أمام الكونغرس
الأمريكي عن الفساد المستشري في كافة أجهزة الدولة من القمة إلى القاعدة، وتحدث عن
المضايقات والتهديدات والقتل الذي تعرض له أعضاء وموظفي هيئة النزاهة لمنعهم من
كشف قضايا الفساد الذي بلغت قمة السلطة قائلاً:
{أن المالكي هددني بنفسه، وإن مجموع
الفساد المالي في الوزارات قد بلغ18 مليار دولار.
وقد تم اغتيال 31 من موظفي هيئة
النزاهة، وأن السلطة القضائية استسلمت للضغوط التي مورست عليها من قمة السلطة
للتستر على جرائم القتل التي سجلت ضد مجهول.
و قال راضي حمزة الراضي لقد نجحنا في التحقيق في أكثر من 3000 قضية
للفساد، وإحالتها إلى المحاكم للفصل فيها، ووفقا لسجلات بلدي، فإن 241 حالة فقط قد
تم الفصل فيها حتى الآن، وأضاف خلال جلسة الاستماع الثانية له قبل أيام أمام
الكونغرس الأمريكي أن حجم الفساد التي كشفت عنه اللجنة حتى الآن عبر جميع الوزارات
في العراق قد قُدرت بحوالي 18 مليار دولار، وتقف على رأسها وزارة الدفاع حيث بلغ
حجم الفساد فيها 5 مليارات دولار، ثم وزارة التجارة 3 مليارات، ووزارة الكهرباء 3
مليارات، ووزارة النقل ملياري دولار، ووزارة الصحة ملياري دولار، ووزارة الداخلية
مليار دولار، ووزارة لاتصالات مليار دولار، ووزارة الإسكان مليار دولار، ثم وزارة
المالية 500 مليون دولار، ثم وزارةالنفط 500 مليون دولار.
وأكد الراضي أن تلك البيانات لم
تستوعب قضايا الفساد جميعها فهناك قضايا كثيرة لم يتم إدراجها لأسباب متعددة منها
عدم اكتمال الأدلة، ومنها اختفاء ملفات، وتابع إن التقرير لا يعكس النطاق الكامل
للفساد في مجال النفط، بما في ذلك قياس الاحتيال، والسرقة والتهريب، وفي بلدي توجد
مجموعة صغيرة من المحققين ممن لا يملكون القدرة على التحقيق في كل قضايا تهريب
النفط.
ويضيف السيد راضي الراضي في تقريره
قائلاً: بالإضافة إلى السرقة من قبل الميليشيات وموظفي الحكومة، فقد تلقيت أدلة
على تفشي التهريب بما في ذلك إعادة إنشاء طرق التهريب التي تعود إلى عهد الدكتاتور
صدام حسين.
وأوضح رئيس هيئة النزاهة أنه تم تصنيف
قضايا الفساد إلى خمسة أنواع، وأنه توصل إلى أن قضايا فساد كبيرة تعود إلى 35 من
كبار المسؤولين المتهمين. وحول العقبات الرئيسة التي تعترض عمل الهيئة بيّن راضي
الراضي العقبات التالية:
1 ـ العقبة الأولى:
هي العنف والترهيب والهجمات الشخصية، حيث
أنه منذ إنشاء لجنة النزاهة العامة تعرض
أكثر من 31 موظفا للاغتيال، وكذلك لا يقل عن 12 فرد من إفراد عوائلهم.
وتابع الراضي قائلاً: كان موظفو مكتبي
وأقاربهم عرضة للخطف، أو الاحتجاز التعذيب قبل قتلهم. والعديد من هؤلاء الأشخاص
كانوا قد تعرضوا إلى إطلاقات نارية من مسافة قريبة.
وقدم السيد الراضي أمام الكونكرس عرضا
موجزا لأشخاص قتلوا أو تعرضوا للتهديد، فقد أكد أن الموظف [محمد عبد] كان قد أُطلق
عليه النار في الشارع مع أبنائه وزوجته الحامل، و رئيس جهاز الأمن في الهيئة تعرض
مرارا وتكراراً للتهديد بالقتل، وكان والده مؤخرا قد خُطف وقتل بسبب عمل ابنه في
لجنة النزاهة العامة، وقد عُثر على جثته معلقة بخطاف اللحوم، وكذلك احد الموظفين
الذين يؤدون واجبات كتابية كان في ضمن حماية أمن الموظفين، ولكن والده خُطف بسبب
عمل ابنه في اللجنة أيضا. هذا الموظف الذي كان والده البالغ من العمر 80 عاما،
وجدت جثته مملوءة بالثقوب بالدريل [ المثقب الكهربائي]الذي استخدم لتعذيبه قبل
القتل، ورئيس فرع النزاهة في الموصل قتل على يد مهاجم انتحاري في مكتبه.
وتابع الراضي:وقبل أسبوعين تعرض أحد
زملائي المحامين إلى محاولة اغتيال حيث أصيب بعدة إطلاقات نارية في رقبته و صدره،
وهو الآن يكافح من اجل البقاء على قيد حياته. و يوم الجمعة عثرنا على جثة احد
المحققين في بغداد في مكان رمي النفايات. هذه مجرد أمثلة قليلة، وهناك الكثير من
التهديدات التي وجهت إلى الموظفين التابعين لي شخصياً وكذلك لأسرتي، فعلى سبيل
المثال، تعرضت عائلتي مرارا للهجوم بقذائف الهاون، وقد دمر كل شيء من حولها. وقد
تلقيت رصاصة من قناص أثناء خروجي من المكتب.
2 ـ العقبة الثانية: تتعلق
بطبيعة عمل الهيئة في ظل حكومة المالكي حيث إن رئيس الوزراء وحكومته رفضوا
الاعتراف باستقلال لجنة النزاهة العامة، رغم أن الدستور العراقي قد نص صراحة على
استقلال اللجنة، والمسؤولون والوكالات في الحكومة العراقية أرسلوا إلينا رسائل رسمية
تمنعنا من اتخاذ أي إجراء ضد الرئاسة، ومجلس الوزراء السابقين والوزراء الحاليين.
وكشف الراضي مسألة في غاية الخطورة
حين أعلن أن هناك العديد من حالات الفساد
التي تم إغلاقها من قبل الوزراء ورئيس الوزراء، ويقدر قيمتها بمئة بليون دينار
عراقي.
3ـ العقبة الثالثة: تتعلق
بعمل القضاء حيث أن كثيرا من القضاة في
العراق يعيشون في حالة من الخوف من الخطف التعذيب والاغتيال لأنفسهم شخصياً،
ولأفراد أسرهم عندما يشاركون في قرارات الفصل في القضايا التي تعود إلى كبار
المسؤولين الحكوميين. كما أن السلطة القضائية في كثير من الأحيان تستسلم للضغوط،
ولا تفصل في قضايا الفساد.
العقبة الرابعة: أن
كافة السلطات التنفيذية، والتشريعية والقضائية وغيرها من فروع الحكومة العراقية لم
تعمل كما هو مطلوب من اجل تعزيز سيادة القانون، ومكافحة الفساد في العراق.
فالسلطة التنفيذية تنشط في كثير من
الأحيان في حماية الموظفين الفاسدين في محاولة للقضاء او السيطرة على اللجنة، وفي الوقت نفسه لم تنقح السلطة التشريعية
قوانين مكافحة الفساد، وأكد الراضي أن من المستحيل على لجنة النزاهة العامة أن
تحقق في قضايا الفساد في مجال النفط بأمان وكفاية، خاصة التي فيها ميليشيات من
السنة والشيعة يقومون بالسيطرة على عدادات مقياس النفط، ونقل وتوزيع النفط
العراقي، وقد أدى هذا الأمر إلى أن تصبح وزارة النفط في واقع الحال ممولة
لميليشيات الإرهابيين.
العقبة الخامسة: تتعلق بالتحقيق في
مجال الفساد في القوى الأمنية، ففي الوقت الذي كان يفترض أن تكون قوى الأمن حامية
ومساندة عمل الهيئة فإن التحقيق عن الفساد في قوات الأمن صعب جدا.
فألاشخاص الصادقين والمخلصين الذين
يعملون تحت رئاستي في لجنة النزاهة العامة بحاجة إلى الحماية والدعم، وأولئك الذين
تسللوا إلى اللجنة لأسباب سياسية وطائفية لا بد من استبدالهم بتعيين الناس الذين
هم حقا ملتزمون بمهمتهم، والمبدأ التوجيهي هو [لا شيء فوق القانون]. وإذا لم يحدث
ذلك أخشى أن تستخدم اللجنة نفسها كأداة من أدوات القهر، وكذلك أداة للإفساد، والى
المزيد من الفساد.
وأكد الراضي في معرض حديثه أمام
الكونغرس أن حكومة العراق ستفشل، وستستمر معانات الشعب العراقي إذا بقيت
الميليشيات مسيطرة على أجزاء من الحكومة بما في ذلك قوات الأمن، والتي ليست تحت
السيطرة. الفساد والطائفية قد تؤدي إلى تآكل عمل الأمريكان والشعب العراقي لبناء
مستقبل أفضل للعراق والمنطقة.
ويروي الراضي قصة سفره إلى الولايات
المتحدة لغرض التدريب قائلاً أنا واحد من
الموظفين الوافدين من لجنة النزاهة العامة للجمهورية العراقية جئنا من العراق إلى
الولايات المتحدة في 24 آب / أغسطس، 2007 بصورة شرعية، ولأجل التدريب مع وزارة
العدل الأمريكية، و أثناء زيارتنا وجهت لي ولعائلتي تهديدات تصاعدت إلى أعلى
مستوى، جنبا إلى جنب مع الضغط الهائل خلال السنتين الأخيرتين من أعلى المستويات في
الحكومة العراقية، ومما يدعو للأسف وبشكل مؤلم تسبب لي التماس الحماية المناسبة من
الحكومة الأمريكية لعائلتي... إن سلامة عائلتي معرضة للخطر في العراق بسبب عملي،
والآن كلماتي إليكم في هذا اليوم يمكن أن
تضيف إلى خطر آخر.
وتابع الراضي: قبل مثولي للشهادة في
الولايات المتحدة في 4 تشرين الأول / أكتوبر
2007 ، هددني رئيس الوزراء العراقي بنفسه وقيل لي أن الوكالة السابقة قد
وجهت جهودها إلى مجرد متابعة التهم الموجهة لى ولموظفي، وتجاهل الفساد في الحكومة
العراقية.
وختم الراضي تقريره بالقول: الموظفون
وأسرهم، وأنا وعائلتي نعرف جيدا أن الديمقراطية والعدالة لا تشترى بدون ثمن.
(7)
3ـ
تقرير رئيس هيئة النزاهة السابق موسى فرج في اتصال مع السيد موسى فرج الذي تولى
رئاسة هيئة النزاهة بعد إقالة السيد راضي الراضي، من قبل صحيفة [الملف برس] لتزويدها بما لديه من معلومات ووثائق حول
الفساد، وقضية سرقة وتهريب النفط في
البصرة، أجاب السيد موسى قائلاً:
{ تم الاتصال بي حول قضية البصرة، وقد
أوضحت انه يتم يوميا سرقة وتهريب للنفط تقدر بـ [ 300 إلى 500 الف برميل يوميا]
تبلغ قيمتها بالحد الأدنى إذا افترضنا انه يتم سرقة 300 الف طن بسعر 80 دولار
للبرميل ولمدة 300 يوم من السنة بـ 7,2
مليار دولار سنويا من النفط الخام.
وأضاف فرج قائلاً: لقد قمت بتاريخ 29/ 10/ 2007
بتقديم تقرير إلى رئاسة الوزراء، وهيئة رئاسة مجلس النواب، ومستشار الأمن الوطني
يتضمن عدة نقاط كان أهمها ما يخص الجهات التي تسرق النفط وتهربه وهم مسؤولون
حكوميين، في مقدمتهم محافظ البصرة الحالي وهو من حزب الفضيلة، ومع عدد من شخصيات
أحزاب المحافظة الأخرى، و قدمت وثائق رسمية فيها أسماء مهربي النفط وسراقه، مدعومة
بصور جوية لمواقعهم، وموانئ التهريب غير الرسمية، ومعدات النقل المهرب، وأنابيب
النفط المثقوبة التي يتم السرقة منها، وكذلك صور جوية لبحيرات النفط المسحوب من
الأنابيب تمهيدا لسرقته، فضلا عن مواقع موانئ التهريب التي عددها [ 6 ] في أبي
الخصيب و موقعين في الفاو وخويسات، وأوضحت لهم
في التقرير أن الجهات الضالعة في التهريب هم محافظ البصرة وحزبه، وأشخاص
يرتبطون بوزارة الداخلية، وكانت الخطة المقترحة بموجب التقرير استخدام قوة عسكرية
من بغداد حصراً وليس من البصرة لان الأجهزة الأمنية في البصرة مسيطر عليها من قبل
المحافظ، والأحزاب الموجودة فيها التي تشترك في عملية التهريب، وطالبت أن تكون هذه
القوة العسكرية مزودة بالطائرات العمودية لتقوم بمداهمة أوكار التهريب [ الموانئ
الأهلية] أي أنها غير الشرعية، بشكل مفاجئ، وتدمرها كلياً، وتعتقل أصحابها، وتدمر
وسائط النقل والمعدات المستخدمة بالتهريب، ووضع اليد على ما يسمى بـ [المسافن]،
وحجز القطع البحرية التي تستخدم في عمليات التهريب.
ومن الفقرات الأخرى التي تضمنها
التقرير طالبت بإبعاد محافظ البصرة ومسؤول لجنة النزاهة في مجلس المحافظة، و مسؤول
حماية النفط وإحالتهم للقضاء.
كما طالبت مجلس النواب بإتاحة الفرصة لي للإدلاء
بشهادتي حول سرقة النفط أمام المجلس، لكن المجلس لم يحرك ساكناً.
وأضاف فرج
قائلاً: حصلت اجتماعات بيني وبين وزير الدفاع العراقي ووزير النفط، ومسؤولين عسكريين من وزارتي
الدفاع والداخلية وذلك بحضور قادة أمريكان، وبحثنا الموضوع، لكن الموضوع علق في
حينه لغاية تأمين طائرات عمودية من قبل قوات التحالف.
وأكد رئيس هيئة النزاهة السابق موسى فرج مرة
أخرى أن المسؤولين عن السرقة هم من حزب الفضيلة، لذا تحرك رئيس لجنة النزاهة في
مجلس النواب[ صباح الساعدي ] لتطويق الموضوع بشكل محموم وعندما وجدني لم أتوقف عن
المطالبة بملاحقة المهربين، حيث اتفق مع المقربين من رئيس الوزراء بعد أن كان
يطالب بإحالته ومدير مكتبه ومستشاره القانوني إلى الاستجواب أمام مجلس النواب، إلا
انه ترك الأمر، وبدأ بالاندماج معهم مستغلاً الخلاف بيني وبينهم بسبب وجود قضايا
مثارة ضدهم، مما أدى في حينها إلى قرار إبعادي.
واضاف فرج قائلا: فوجئت خلال حملة البصرة أن الحملة موجهة إلى
التيار الصدري فإذا كان التيار الصدري في البصرة قد منع حملة الحكومة ضد المهربين
فالتيار الصدري يتحمل المسؤولية، ولكن هذا يحتاج إلى الدليل، والدليل هو أن تثبت
الحكومة أنها اتجهت إلى ضرب المهربين، فإذا اعتقلت الأشخاص الذين قدمت أسمائهم لهم
من قبل، وهم المسؤولين عن التهريب فعلاً، وليس من بينهم أحد من التيار الصدري
وأبعدت الراعين للتهريب، وهم المحافظ وأتباعه، وإذا قامت الحكومة بقصف مواقع
التهريب فأنها صادقة في توجهها للبصرة. أما إذا لم يحصل شيئاً من هذا القبيل فأن
الحكومة متجهة إلى التيار الصدري تحديداً، ولأسباب سياسية يقف في مقدمتها الخلاف
الحاصل في كربلاء.
وطالب فرج الحكومة بأن تبرهن للشعب
العراقي بأن حملتها موجهة ضد سراق النفط من خلال تقديم أدلة ملموسة باعتقالها
لرؤوس التهريب ووضع اليد على معدات التهريب، وإبعاد محافظ البصرة وأتباعه.
واستشهد فرج بوقت كان القاضي وائل عبد
اللطيف محافظ للبصرة حيث قال: لم تحصل آي عملية سرقة او تهريب في ذلك الوقت. وشدد
فرج على أن الفيصل الآن لمصداقية الحكومة في حملتها الحالية هو اعتقال الرؤوس
المدبرة والمساندة لهم في عمليات السرقة وتهريب للنفط في البصرة، وان لم يحصل ذلك
فأن الحكومة تكون قد اتجهت ضد حزب معين، ولا صلة لحملتها بمقاومة الفساد
والتهريب.(8)
4 ـ تقرير لجنة النزاهة في الجمعية
الوطنية:
كشف عضو لجنة النزاهة في الجمعية
الوطنية السيد هادي العامري، وهو أحد أعمدة النظام القائم اليوم وزعيم منظمة بدر
التابعة للمجلس الأعلى بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم عن فساد مالي وإداري في
وزارات عراقية مهمة خلال الفترة السابقة التي تسلمت فيها حكومة الدكتور أياد علاوي
الحكم للفترة الانتقالية.
فقد جاء في تقرير ديوان المحاسبة
المالية وتقارير لجنة النزاهة الذي قدمه رئيس اللجنة إلى الجمعية الوطنية وزارات
عراقية مهمة خلال الفترة السابقة التي تسلمت فيها حكومة الدكتور أياد علاوي الحكم
للفترة الانتقالية.
وتحدث في الاجتماع الاعتيادي للجمعية
الوطنية بالأرقام عن حجم المخالفات المالية والإدارية، وحجم الفساد الإداري في بعض
الوزارات العراقية في حكومة أياد علاوي، وجاء في تقريره أن وزارة الدفاع تأتي
بالمرتبة الأولي في حجم المخالفات المالية والإدارية، حيث أن الوزارة قد تعاقدت مع
احدي الشركات المدعوة [شركة العين] وحدها بمبلغ 929 مليون دولار وقد دفعت المبالغ
نقدا ومقدماً قبل إتمام العقد. وكذلك تعاقدت الوزارة على شراء 24 طائرة سمتية
ودفعت مبلغ 22 ونصف مليون دولار، وعند
تشكيل لجنة فنية من الوزارة لمتابعة الموضوع تبين عدم وجود سوي أربع طائرات،
والباقي عبارة عن طائرات قديمة بحاجة للإصلاح موجودة في احدي جمهوريات الاتحاد
السوفيتي المنحل. وأشار إلى أن المبلغ قد سدد من قبل الوزارة بالكامل مما يخالف
شروط التعاقد المتعارف عليها للتعاقدات، وأشار إلى عدم وجود ضمانات لدي الحكومة
العراقية عند نكول الشركات عن التجهيز وفق الشروط المطلوبة، وأكد أن العقد المشار
إليه قد جرى رفضه من قبل اللجنة التي شكلتها وزارة الدفاع، وأن الوزارة قد نقلت
شكواها عن طريق وزير الدفاع سعدون الدليمي للجمعية الوطنية لمساعدتها على إعادة
المبالغ التي دفعتها الحكومة العراقية لعدم إمكانية الاستفادة من الطائرات التي
تحاول الشركة المتعاقدة استبدالها بأجهزة فنية ومعدات ووضع مبالغ إضافية.
وأوضح العامري أن عددا من الدعاوى قد
أقيمت ضد عدد من ضباط الجيش والشرطة منها دعوى بمبلغ 60 مليون دينار على ضابط عن
رواتب وهمية دفعت لمنتسبين وهميين في وزارة الدفاع، وكذلك إدراج احد الضباط اسم
ابنته البالغة من العمر 3 سنوات في قوائم الرواتب وضابط آخر درج اسم ابنه البالغ
من العمر 7 سنوات في قوائم الرواتب للحماية، وتطرق إلى موضوع الرشوة وانتشارها
بشكل مروع في أجهزة الأمن، وإلى ظاهرة الفصل والطرد للمنتسبين في الوقت الذي تبقي
رواتبهم تدفع من الدولة، وبقاء سجلات الرواتب مفتوحة لهم، وعزا عدم تحسن الوضع
الأمني إلى الوقت الحاضر إلى عدم تطوير أجهزة الأمن والمؤسسات الحكومية، إضافة إلى
الفساد الذي عده أكثر خطرا من الإرهاب وحاضنة له وطريقة لتسلل العناصر البعثية إلى
مؤسسات الدولة وخاصة الأجهزة الأمنية.
وتطرق عضو لجنة النزاهة بمجلس النواب إلى عقود وزارة البلديات
حيث أشار إلى إن الوزارة قد تسببت بخسائر للدولة لا تقل عن 22 ونصف مليون دولار
عبر التعاقدات غير الصحيحة، وغير القانونية، وكذلك وزارة النقل دفعت مبلغ مليوني دولار كغرامات، وأشار إلى أن وزارة
الكهرباء هي أيضا متورطة بقضايا فساد كبيرة حيث تعاقدت لشراء محطة كهرباء، ووصل
قسم من المواد للبلاد ودفعت مبلغ 283 مليون دولار لأحدي الشركات الأميركية، ولا
توجد معلومات لدي الجمعية عن المحطة.
كما أن الفساد الإداري الذي يشمل
الرشوة، وعدم استقطاع مبالغ ضريبة الدخل، ورسم الطابع، وقسم من المواد لم تصل إلى
المخازن أصلا، فضلا على أن قسماً من العقود تحال بقرار من الوزير إلى الشركة بدون
الرجوع إلى لجنة المعطاءات، وبدون دخول الشركة في المناقصات الأصولية والعقود غير
المستوفية للشروط القانونية قد ساعد على تبديد أموال هائلة من الأموال العامة.
من جانب آخر أشار العامري إلى أن
موضوع الحصة التموينية ورداءتها، والنقص المتكرر في مفرداتها من جراء العقود غير
الدقيقة، وما تتعرض له الشاحنات من سرقة وتدمير قبل وصولها إلى المخازن، وإلى
تهريبها، كما حصل العام الماضي حيث ضبطت نحو 400 شاحنة معدة للتهريب إلى سوريا
محملة بمفردات البطاقة التموينية.
وتطرق العامري إلى عهد بريمر الذي قال
عنه انه باع حتى سماء العراق إلى شركات الاتصالات العربية مقابل مبالغ تافهة لم
تستفد منها الحكومة العراقية، والتي من المفروض الإفادة منها عبر فرض الرسوم
الاعتيادية التي تفرض عادة على حقوق الاستثمار، وطالبا من الحكومة العراقية
والجمعية الوطنية عدم منح أي شركة من شركات الاتصالات ما لم تكن تلك الشركة ذات
تقنيات تقدم خدمات جيدة للمواطن.
لكن السيد العامري تجاهل وحاول
التغطية على السرقات الكبرى وعمليات تهريب النفط التي تشارك فيها منظمة بدر التي
يقودها هو شخصيا، وهكذا ينطبق عليه المثل القائل [حاميها حراميها]. (9)
5 ـ الجريمة والفساد في وزارة الصحة
قديماً قيل عندما يتخاصم المجرمون
فيما بينهم تنكشف الجرائم، وهذا المثل ينطبق تمام الانطباق على وزير الصحة [على
الشمري]، ووكيل الوزارة [حاكم الزاملي] القيادي في التيار الصدري الذي حُوكم بتهمة
خطف وقتل وكيل الوزارة السابق السيد [عمار الصفار]، وقد حوكم حاكم الزاملي عن هذه
الجريمة، لكن المحكمة برأته من تهمة القيام بعمليات الخطف والقتل!!، وقد ادعى حاكم
الزاملي أن الوزير السابق لوزارة الصحة على الشمري قد قام بتلفيق تهم له بالقتل
والخطف، وان الحكومة أخفت اعتقالها العصابة التي خطفت وكيل وزير الصحة السابق عمار
الصفار.
وكشف الزاملي في تصريحات إلى لصحيفة
الحياة عن وجود مافيا تتاجر بالأدوية وعقود الإعمار داخل الوزارة طاولت رأس الهرم
فيها. وأوضح قائلاً: اكتشفت قبل اعتقالي وجود فساد إداري ومالي بأكثر من بليون
دولار، منها عقود بـ300 مليون دولار تورط فيها الوزير الشمري الذي طلب اللجوء إلى
الولايات المتحدة. وكذلك توصلت إلى المسؤول عن استيراد عقاقير ملوّثة بالإيدز،
وزعت في محافظة بابل قبل حوالي عام ونصف.
أما خطف المهداوي فقد شهد أكثر من عشرة مدراء
عامين وصغار الموظفين على ما جرى يوم الحادثة، حيث كان مقرراً اجتماعا للمديرين
العامين في مقر الوزارة، وفوجئنا بحضور المهداوي الذي قال أن الوزير شخصياً
استدعاه. وبعد انتهاء الاجتماع اخذ الشمري بيد المهداوي ودعاه إلى مكتبه ثم
اختفى، ونفى القيادي في التيار الصدري ما
أُشيع عن أن اختفاء المهداوي كان بسبب منافستي له على منصب الوكيل، لأن الحقيقة
أنني تسلّمت المنصب من الوكيل السابق صباح الحسيني.
أما السرداب الذي اتهمت باستخدامه
للتعذيب والقتل، بحسب ما اتهمني به الشمري حيث قال في شهادته أمام المحكمة انه كان
يشم منه رائحة جثث متفسخة، فقد أكد شهود النفي إن هذا النفق مخصص لاستخدامه من
جانب الوزير كمرآب لسياراته الخاصة!!.
وانتقد الزاملي السلطة التنفيذية لعدم
تطبيقها مذكرات قبض بحق عدد من المسؤولين في وزارة الصحة لعلاقتهم بأحزاب تقود
الحكومة كانوا ضمن شهود الإثبات بعد ما قدّمت إلى المحكمة وثائق تدينهم بالفساد،
تتجاوز مبالغها بليون دولار، كنت قد حصلت عليها قبل اعتقالي، وكان وراء مكيدة
نسجها الوزير وعدد من أتباعه ضدي بينهم صديقه الحميم الذي سلمه مهمة عقود الإعمار بالوزارة بعد سحبه
صلاحيات الوكيل السابق عمار الصفار، وتورطه أيضا باستيراد عقار الألبومين إلى
العراق الملوّث بالإيدز، وجرى توزيعه في محافظة بابل حينها، وقد جرى اغتيال
الصيدلاني الذي فحص الدواء، وكشف التلوّث، وأبلغ السلطات عنه. (10)
6 ـ الفساد والجريمة في وزارة الداخلية
أما الفساد في وزارة الداخلية فقد كان
مدار حديث المواطنين العراقيين والأجانب على حد سواء. فقد أكد [ماثيو شيرمان]
المستشار السابق في وزارة الداخلية العراقية استشراء حالات الفساد والمحسوبية في
الوزارة، الأمر الذي يهدد الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لتسليم مهام الأمن
إلى السلطات العراقية.
ونقلت صحيفة واشنطن تايمز عن شيرمان قوله في
كلمة ألقاها في معهد السلام الأمريكي في العاصمة واشنطن إن مساعي السيطرة على الوزارة
تحولت إلى صراع سياسي من أجل البقاء وكسب النفوذ أكثر من كونها محاولات لبسط
الاستقرار في البلد، ومضى شيرمان قائلاً:
أن الوزارة تدار من قِبل حزب الدعوة،
والمجلس الأعلى الإسلامي وحزب الفضيلة، مؤكدا أن طريقة استخدام هذه الأحزاب
لمقدرات الوزارة أصبح خارج نطاق سيطرة الولايات المتحدة، ومن جانبه، قال أندرو
راثميل وهو خبير أمني بريطاني إن خطط الولايات المتحدة لنقل الملف الأمني إلى
السلطات العراقية قد فشلت مرارا بسبب الإفراط في التفاؤل وعدم الواقعية بشأن
جاهزية القوات العراقية. وأعرب راثميل عن اعتقاده بأن الأشهر المقبلة ستشهد تنافسا
حادا بين الأحزاب العراقية الرئيسية، موضحا ذلك بقوله أعتقد أننا خلال الأشهر
الثمانية عشرة المقبلة، وفي الانتخابات المحلية القادمة، انتخابات مجالس المحافظات
سنرى منافسات أكثر بين القوى السياسية كمنظمة بدر وحزب الدعوة وجيش المهدي. وقد يكون
الصراع داخل وزارة الداخلية وتشكيلات قوات الشرطة.(11)
7ـ الفساد في إقليم كردستان العراق
في تقرير للأمم المتحدة نشرته الـ BBC عن الفساد في إقليم كردستان الذي
يحكمه الحزبان الكرديان، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني
تناول فيه الأوضاع المعيشية القاسية للشعب الكردي في حين ظهرت طبقة تتمتع بالثراء
الفاحش على حساب بؤس وشقاء الشعب الكردي.
يقول التقرير: يناضل المواطن الكردي
العراقي في سبيل البقاء بينما تسرق الأموال العامة، وتجد طريقها إلى جيوب قلة من
العناصر المتنفذة.
ومن جانبها، تعاقب السلطة الكردية
بشدة كل من تسول له نفسه الخروج عن خطها، حيث يقول التقرير الذي لم يجد طريقه
للنشر، واطلعت عليه بي بي سي إن السلطات الكردية تعتقل الآلاف من المواطنين شهريا
جلهم لأسباب سياسية. و يُحتجز معظم هؤلاء دون محاكمة، ويحرم عليهم الاتصال
بمحامين.
من جانب آخر، يخشى رجال الأعمال
الاكراد التحدث بحرية عن الفساد الذي يواجهونه. ولكن سامان الجاف، وهو قائد سابق
في ميليشيا البيشمركة الكردية، وافق على التحدث إلينا قائلا:
{إذا كنت قريبا لأحد الزعماء
السياسيين، فبإمكانك الحصول على وظيفة في الحكومة مع ميزانية او عقد قد تبلغ قيمته
مليونين او ثلاثة ملايين من الدولارات لتعبيد طريق على سبيل المثال}.
وقال الجاف إنه ليس من المهم أن كان
هذا القريب يعرف أي شئ عن تعبيد الطرق أساسا، فالعقد سوف يباع مرات عديدة حتى يصل
إلى أيدي شركة إنشاء حقيقية. ولكن عند ذاك ستكون قيمته نصف القيمة الأصلية. وخلص
سامان الجاف للقول:{إن الفساد كالفيروس فهو يقتل كردستان}. وأكدت لنا معلومات
سربها أحد العاملين في وزارة التخطيط الكردية أن المشاريع الحكومية لا تمنح بطريقة
شفافة وأصولية، حيث قال:
{يحاول الوزراء وكبار المسؤولين أن
يمنحوا المقاولات لشركاتهم او للشركات التي يمتلكها أصدقاؤهم، وذلك ليكون لهم من
الطيب نصيب كما يقال}.
بينما يجري كل ذلك، يجاهد الاكراد
العاديون من أجل الحصول على لقمة العيش، حيث يعانون من التضخم، والبطالة، وانقطاع
الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء.
ففي مدينة السليمانية ثاني أكبر مدن
كردستان العراق، ومعقل الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس العراقي
الحالي السيد جلال الطالباني، يقول السكان إنهم لا يحصلون على المياه الجارية إلا
لأربع ساعات كل ثلاثة أيام، أما التيار الكهربائي، فلا يصلهم إلا لثلاث أو أربع
ساعات في اليوم. وقد أدت المياه الملوثة إلى تفشي وباء الكوليرا.
وتقول إحدى النساء التي فقدت والد
زوجها ووليدها اللذين توفيا بالكوليرا: { لقد طلبنا من الحكومة مرارا أن تساعدنا،
ولكن دون جدوى. فهم يعدون ولا يفعلون شيئا}. ووصفت السيدة الكردية الخوف الذي كان
ينتابها عندما عصف الوباء بالمنطقة في شهر سبتمبر أيلول الماضي، حيث كانت تعلم أن
المياه التي تشربها أسرتها ملوثة، ولكنها لم تكن تستطيع أن تغليها بسبب انقطاع
التيار الكهربائي. وخلصت إلى القول: [عندما أفكر في الميزانية، وملايين الدولارات،
وارى وضعي اشعر وكأني مت}.
والحقيقة أن ميزانية إقليم كردستان
كبيرة فعلا، حيث تجاوزت 6 مليارات دولار في العام الماضي، جلها من حصة الإقليم من
صادرات النفط العراقي. ولكن هناك بون يتسع باستمرار بين المواطنين العاديين
والصفوة الحاكمة.
يقول آري هارسين، وهو مقاتل سابق في
صفوف البيشمركة يعمل الآن رئيسا لمكتب أربيل التابع لصحيفة [آويني] المستقلة:
{أرى بعض المسؤولين الحاليين الذين
كانوا منذ عشرين سنة خلت يقاتلون معنا في الجبال. كانوا حينئذ وطنيين مثاليين. أما
الآن فهم يستقلون سيارات اللاند كروزر ذات النوافذ الغامقة، ولديهم الكثير من
الحرس. إنهم يرون كيف يعيش المواطن العادي، ولكنهم لا يخجلون}.
ومن العجيب والمثير للسخرية في العهد
الأمريكي الجديد أن يتباهى رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني في حديث له مع
قناة الحرة الأمريكية قائلاً:
{ لقد كان عندنا قبل سقوط نظام صدام
عشرة ملياديرية في كردستان العراق، أما اليوم فقد تجاوز عددهم الـ 100 مليادير}.
ولا أدري كيف سمح الطالباني لنفسه
بهذا التصريح، ولماذا لم يخبرنا كيف حدث هذا وبأي أسلوب، وهل جمع الملياديرية
الجدد أموالهم بتعب اليمين وعرق الجبين، أم انه المال العام المسروق من أفواه
فقراء الشعب الكردي المنكوب بحكامه. وإذا كان هذا ما حدث في كردستان، فماذا حدث
لدى قادة أحزاب الإسلام السياسي الشيعية الممسكين بالسلطة بعد عمليات سرقة وتهريب
النفط الذي تحدثت عنه هيئة النزاهة على لسان رئيسها الأول السيد راضي الراضي
ورئيسها الثاني موسى فرج الذي أزيح هو الآخر من رئاسة الهيئة بعد كشف المستور، وما
ذا حدث بعد إزاحة موسى فرج، وليت قادة هذه الأحزاب تعطي الشعب العراقي الجائع فكرة
عن عدد القطط السمان من أصحاب المليارات في آخر الزمان، وليقدموا واجبات الشكر
الجزيل للرئيس الأمريكي جورج بوش على النعمة التي أسبغتها حربه اللا شرعية على
العراق، ورغم احتجاج العالم أجمع بحجة تحرير الشعب العراقي المزعوم.
سادساً: تدهور الأوضاع المعيشية والخدماتية في البلاد
لم يشهد الشعب العراقي تدهوراً في
الأوضاع المعيشية والخدماتية مثل ما يشهده اليوم حيث البطالة الواسعة والجوع
والفقر المدقع، والتصاعد الفلكي للتضخم، وارتفاع الأسعار، واختفاء العديد من السلع
والحاجات الأساسية من السوق، وانتعاش تجارة السوق السوداء، التي استنفذت كل
الإمكانيات لدى الطبقة الوسطى ناهيك عن الطبقة الفقيرة من العمال والفلاحين
والحرفيين الذين لا تكاد مدخولاتهم تسد الحاجات الأساسية لهم ولعوائلهم من طعام وغذاء
وسكن.
فقد بلغ سعر قنينة الغاز على سبيل المثال 25 الف دينار، وصار لتر وقود السيارات يباع
بالسوق السوداء بأضعاف سعره الحقيقي، وزاد في الطين بله تقليص الحصة التموينية،
وانعدام الخدمات العامة من كهرباء، وماء صالح للشرب، والصرف الصحي، وارتفاع أجور
النقل، وتدهور الخدمات الصحية، والتربوية، كل ذلك أدى إلى تدهور الحالة الإنسانية
للمواطن العراقي بحيث أوصلت الفقراء إلى البحث عن فضلات الطعام في المزابل على
مرأى ومسمع العالم كله حيث تقلت القنوات التلفزيونية تلك المشاهد المؤلمة.
ويصف تقرير لمنظمة [أوكسفام انترناشيونال]
نقلته [صحيفة الاندبندت] البريطانية الوضع الكارثي في العراق قائلاً: (13)
إن كارثة إنسانية خطيرة قد حلت في
العراق في وقت يتزايد فيه هرب الأطباء والممرضين من العنف الذي يعصف بحياة
العراقيين، وأضافت قائلة إن العراق يتعرض حالياً إلى كارثة إنسانية رهيبة بسبب
النزوح الجماعي للكوادر الطبية التي تهرب من البلاد بسبب تصاعد العنف اليومي
والفوضى المزمنة.
ويبين التقرير أن تناقص أعداد الأطباء
والممرضين يحطم النظام الطبي ويضعه على حافةالانهيار، وكشف التقرير أن العديد من المستشفيات
والمرافق الطبية والتعليمية في بغداد قد فقدت ما يصل إلى 80 % من أعضاء الهيئات
التدريسية.
ويقول التقرير كذلك أن العراق يعاني
من أزمة إنسانية مهولة وكبيرة وغير معلنة، لا تتعلق بكوارث التفجيرات اليومية،
إنما بملايين الناس الذين هم في حاجة ماسة للمساعدة الطبية والإنسانية.
ويصف التقرير حالة الطفولة البائسة
بأن الأطفال، كما هو الحال في معظم الصراعات، يشكلون الفئات الأكثر تضررا في
المجتمع، فمعدلات سوء التغذية بين الأطفال في العراق قد ارتفعت بالفعل من 19 % قبل
الغزو إلى 28%، وأكثرمن 11 % من الأطفال يولدون ناقصي الوزن، أي بنسبة ثلاثة أضعاف
منذ بدء الحرب، وتابع التقريرأن المستشفيات في المدن الرئيسية تواجه قضايا أمنية
أخرى، فمستشفى اليرموك في بغداد، يضطر بانتظام إلى تقديم العلاج إلى أفراد الشرطة
والجيش، فضلا عن عناصرالجماعات المسلحة في مقابل إهمال العناية بالمواطنين
المدنيين المرضى، والذين يعانون من إصابات خطيرة.
وتتواصل معاناة البلاد من النزوح
الجماعي في داخل وخارج البلاد، ويشير تقرير اوكسفام انه بعد خمس سنوات على غزو
العراق على يد الولايات المتحدة وبريطانيا، فان أكثر من 43% من العراقيين يعانون
من الفقر المدقع، ونحو نصف السكان يعانون من البطالة.
ويتابع التقرير القول أن من بين اربعة
ملايين عراقي يعتمدون بمعيشتهم على المعونة الغذائية، فان 60 % منهم فقط يحصلون
على نظام التوزيع الحكومي، وبنسبة انخفاض مريعة بلغت 96 % عما كانت عليه الحال قبل
ثلاث سنوات.
ويتحدث التقرير عن أوضاع المواطنين
العراقيين المتدهورة بأنها تتمثل في أعداد اللاجئين الكبيرة الذين فروا من البلاد،
والمشردين في داخلها، حيث أن هناك أربعة ملايين عراقي فروا من منازلهم، نصفهم
هربوا إلى خارج العراق، والباقي يعيشون في مخيمات النازحين في الداخل التي غالبا ما
تفتقر إلى ابسط المرافق.
وقال التقرير إن أخر الأرقام تبين أن 32 % منهم
لا يحصلون على حصص غذائية، و 51 % يحصلون على الطعام بنحو متقطع. ويضيف التقرير أن
كثيرا من الذين فروا هم من الاختصاصيين الذين توجهوا إلى الولايات المتحدة
وبريطانيا اللتين ادعتا بناء دولة ديمقراطية ومستقرة في عراق ما بعد صدام، ومن بين
أولئك الفارين آلاف من الأطباء والممرضين، وأساتذة الجامعات والمدرسين ورجال
الأعمال، ومن بينهم أيضا مهندسو مياه من الذين ساهموا في الحفاظ