الفصل الأول

 

الإعداد للحرب على العراق

 

أولاً : الولايات المتحدة تخطط لغزو العراق

 

ثانيا:الضغوط الأمريكية على مجلس الأمن

 

ثالثاً: بوش وبلير ينسقان معا خطط الحرب

 

رابعاً: التحشيد العسكري الأمريكي البريطاني استعاداً للحرب

 

خامسا:بوش يوجه إنذارا لصدام لمغادرة العراق خلال 48 ساعة

 

 

 

أولاً: الولايات المتحدة تخطط لغزو العراق:        

 

منذ عام 2002، بدأت الولايات المتحدة بالتعاون مع حليفتها بريطانيا إعداد الخطط  لشن الحرب على العراق، وفي نهاية ذلك العام كان يبدو لكل المتتبعين لتطورات الأزمة العراقية أن الولايات المتحدة قد أوشكت على وضع اللمسات الأخيرة للمسار الذي ستتخذه هذه الحرب، وهي عازمة على المضي قدماً في تحضيراتها متجاهلة كل الاحتجاجات والمظاهرات المنددة بالحرب.

 ورغم المواقف التي اتخذتها كل من فرنسا وألمانيا وروسيا والصين برفض الحرب كوسيلة لمعالجة الأزمة العراقية، وعلى أقل تقدير كانت دعواتها إلى عدم التسرع في شنها على العراق قبل استنفاذ كل الوسائل السلمية للتعامل مع نظام صدام.

لقد كان موضوع الحرب على العراق الشغل الشاغل للعالم أجمع ما بين مساند لها ومعارض، وكان لكل طرف حساباته الخاصة، ومصالحه القريبة والبعيدة المدى، لكن مصالح الولايات المتحدة كانت في مقدمة تلك المصالح. فالولايات المتحدة استهدفت من الحرب التي كانت تعد لها تحقيق الأهداف التالية:

أولا: احتلال العراق الذي يطفوا على اكبر خزين احتياطي من البترول، والذي يعتبر ثاني خزين احتياطي نفطي في العالم، بما قد يصل إلى  أكثر من 300 مليار برميل، ناهيك عن الكميات الهائلة من الغاز الطبيعي والعديد من الثروات الطبيعية الأخرى، وكان نظام صدام قد عقد العديد من الاتفاقيات النفطية مع روسيا وفرنسا والصين، وهاهي الولايات المتحدة اليوم تمارس الضغوط على حكومة المالكي للإسراع بتصديق قانون النفط الذي سيرهن النفط العراقي باطن الأرض للشركات الأمريكية والبريطانية لعدة عقود .

 

 ثانيا: التخلص من نظام الدكتاتور صدام حسين الذي كانت له تطلعات للهيمنة على منطقة الخليح الغنية بالبترول، الذي يمثل عصب الحياة للاقتصاد الغربي، والتي اعتبرتها الولايات المتحدة تشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأمريكية في منطقة الخليج، ولاسيما بعد أن أقدم صدام على غزو الكويت واحتلاله، حيث كان سيصبح العراق يمتلك ثلث نفط الخليج لو قدر له الاحتفاظ بالكويت، مما لا يمكن أن تتساهل في التصدي له.

 

 ثالثاً: فرض هيمنتها على الشرق الأوسط من خلال مشروعها الذي أطلقت عليه [ الشرق الأوسط الجديد ]، والذي يستهدف أجراء تغيرات واسعة في منطقة الشرق الأوسط وفق أجندتها الهادفة إلى تأمين المصالح الأمريكية في المنطقة.

 

 رابعاً: الرغبة بتفردها في الهيمنة على العالم من خلال هذه الحرب، ومن أجل تحقيق هذه الأهداف وجدت نفسها في موقف لا يمكن التراجع عنه حتى لو اقتضى الأمر تحدي الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهذا ما أكده الرئيس بوش بوجه معارضيه الأوربيين، وفي المقدمة منهم فرنسا والمانيا، بالإضافة إلى روسيا والصين، وعلى الرغم من كل المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها جراء الحرب، إضافة إلى تكاليفها الباهظة، كي لا يصاب حلمها في الهيمنة على العالم  بنكسة كبرى إن هي تراجعت عن خططها الحربية، وهذا ما لا يمكن أن تسمح به.

 

  خامساً: إن الولايات المتحدة تضع في استراتيجيتها مسألة عدم الاطمئنان على الوضع القائم في روسيا اليوم، وعلى الرغم من العلاقات التي تربط بين الطرفين والتي يسودها التوتر حاليا، وهي تخشى من حدوث تغيرات في قمة السلطة تعيد الحرب الباردة والصراع بين الطرفين، وهذا ما يسبب أشد القلق للولايات المتحدة، ويجعلها تحسب ألف حساب للمستقبل، وهي لذلك تعمل بأقصى جهدها ليس فقط لإبعاد روسيا عن العراق ومنطقة الخليج، بل ولتطويقها، ومد حلف الأطلسي إلى عقر دارها، حيث سعت إلى ضم بولندا وجيكيا ولتوانيا ولاتفيا واستونيا إلى حلف الأطلسي، وهي تحاول كذلك ضم أوكرانيا وجورجيا، بعد أن ضمت العديد من دول أوربا الشرقية التي كانت أعضاء في [حلف وارشو ] أيام كان الاتحاد السوفيتي قائماً.

وهكذا وجدت شعوب العالم اليوم نفسها في محنة يصعب الخروج منها دون أن تصيبها المخاطر والأضرار البالغة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فالحرب بكل تأكيد عندما تقع، يكتوي بنارها الجميع، وعليه كان لا بد من مبادرة على وجه السرعة للخروج من هذا المأزق الحرج.

 لكن كل المحاولات التي بذلت لتجنب الحرب باءت بالفشل، وأصرت الولايات المتحدة على الاستمرار في التحضير لها متحدية العالم أجمع، ومتجاهلة لدور الأمم المتحدة ومجلس الأمن. فقد كشفت الوثائق التي نشرها الموقع الخاص بـ [أرشيف الأمن القومي الأمريكي ] وهو هيئة بحثية خاصة غير حكومية تتخذ من جامعة جورج في واشنطن مقرا لها، على شبكة الإنترنيت، بعد رفع السرية عنها، تفاصيل خطة الحرب التي أعدتها القيادة الأميركية الوسطى لغزو العراق في شهر آب 2002، كما عرض رسومات خطط هذه الوثائق التي قال بإنه حصل عليها استنادا إلى قانون حرية المعلومات بعد رفع السرية عنها.                 

 

وتشير الوثائق إلى أن المخططين في القيادة الأمريكية الوسطى كانوا قد أعدوا خطط العدوان على العراق بطلب من قائد القيادة الأمريكية الوسطى آنذاك الجنرال [تومي فرا نكس] تحت اسم رمزي هو [خطوة بولو] POLO STEP ليتم عرضها خلال العام 2002 على الرئيس جورج بوش ومجلس الأمن القومي، ووزير الدفاع آنذاك [دونالد رامسفيلد] وهيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية والقادة العسكريين في القيادة الوسطى.

واستنادا إلى الرسومات التوضيحية فإن تلك الخطط قد كشفت عن أنه بعد الانتهاء من العمليات الحربية الرئيسية سيكون هناك فترة تتراوح ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر تسمى [مرحلة الاستقرار]، ثم تتبعها [مرحلة الشفاء]، وتمتد ما بين 18-24 شهرا، ثم تتبعها [المرحلة الانتقالية]، وتمتد من 12-18 شهرا لتنتهي بمرحلة [استكمال الانسحاب] بعد فترة 45 شهرا،على أن تبقى في العراق قوة رمزية تتألف من خمسة آلاف جندي أمريكي فقط. (1)

كان شهر آب من عام 2002 مهما من حيث التوقيت، حيث كان الرئيس بوش يستعد للذهاب إلى الأمم المتحدة للحديث عن النظام العراقي، ويؤكد أنه ما يزال يمتلك برنامجا لأسلحة الدمار الشامل، في الوقت الذي كان  التخطيط للحرب على العراق مستمرا، وقد أبلغ [تومي فرا نكس] كبار ضباط قيادته بأنه يفترض أن يكون لوزارة الخارجية الأمريكية الدور الرئيسي في تولي مسؤولية إعادة بناء المؤسسات السياسية في العراق، حيث تذكر الوثائق أن وزارة الخارجية ستعمل على إيجاد حكومة مؤقتة ذات قاعدة واسعة، وذات صدقية يُعتمد عليها كي تتولى الحكم في العراق حال تحقيق النصر وإسقاط نظام صدام حسين.

لكن المدير التنفيذي لأرشيف الأمن القومي [توماس بلانتون] كان قد ذكر إن خطط الحرب هذه تتضمن افتراضات غير واقعية كليا حول مرحلة ما بعد صدام، وعزا بلانتون رأيه في تلك الخطط إلى أنها تفترض قيام حكومة مؤقتة غداة إسقاط النظام، وان الجنود العراقيين سيبقون في مواقعهم العسكرية، وسيكونون شركاء يعتمد عليهم، وأخيرا فان مرحلة ما بعد الأعمال الحربية ستستمر لبضعة أشهر. (2)

 لكن كل هذا الإدعاء لم يكن سوى مجرد أوهام لا أساس لها من الصحة، فقد كانت إدارة الرئيس بوش قد استبعدت إقامة حكومة عراقية مؤقتة عقب احتلال العراق غير أن العقيد [جونو] وهو من مخططي القيادة الأمريكية الوسطى آنذاك قد ذكر بإنه لم يكن قد أدرك الكيفية التي ستكون عليها ترتيبات ما بعد الحرب إلى أن تم تعيين الجنرال المتقاعد [جاي غارنر] فور إعلان بوش انتهاء الحرب للعمل كأول مسؤول إداري أمريكي في العراق عقب احتلاله، وقد أتبعت إدارة بوش ذلك فيما بعد في شهر أيار 2003 بتشكيل [سلطة الاحتلال المؤقتة] برئاسة الدبلوماسي الأمريكي [بول بريمر] الذي لم تكن لديه أي خبرة في شؤون العراق، والذي أصدر على الفور مرسوما بحل الجيش العراقي دون التفكير بعواقب ذلك القرار الخطير الذي حول مئات الألوف من منتسبيه ضباطاً ومراتب عاطلين عن العمل، ودون دخل يتدبرون به شؤون عائلاتهم، وكان ذلك الإجراء خطأ جسيمأ أدى إلى عواقب خطيرة على الأمن والنظام في البلاد، فقد كان من نتائجه تحول أعداد غفيرة من منتسبي الجيش ضباطاً ومراتب إلى حمل السلاح والقيام بنشاط  عسكري ضد القوات الأمريكية، ونشاط إرهابي استهدف حياة المواطنين الأبرياء من خلال تفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة التي أخذت بالتصاعد يوماً بعد يوم حتى باتت السيطرة عليها  امرأ عسيراً.

 

ثانيا: الضغوط الأمريكية على مجلس الأمن

 

بدأت الولايات المتحدة تمارس ضغوطها المكثفة على الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بغية استحصال قرار يخولها باستخدام القوة ضد العراق، واستمرت في محاولاتها خارج المجلس لإقناع كل من فرنسا وروسيا والصين بضرورة التصدي عسكريا للنظام العراقي، بدعوى محاولاته الاحتفاظ بأسلحته ذات الدمار الشامل، وسعيه الدائب لإخفائها عن رقابة أعين المفتشين الدوليين، على الرغم من تقرير رئيس المفتشين [هانس بليكس] الذي أكد فيه عدم العثور على أية أسلحة جديدة، بعد أن استمرت فرق التفتيش منذ عام 1991 تدمر تلك الأسلحة، وكافة مصانع هيئة التصنيع العسكري.

ولا يستطيع أحدٌ أن ينكر أن صدام حاول بأقصى جهده أخفاء أسلحته ذات الدمار الشامل، ولكن فرق التفتيش الدولية لم تترك مكاناً في العراق كله إلا وفتشتها، بل لقد فتشت كل قصور الدكتاتور، وحتى غرف نومه، وكان لهروب [حسين كامل] إلى عمان والتقائه برئيس المفتشين الدوليين [رالف إيكيوس]، وما قدمه له من معلومات عن أسلحة الدمار الشامل قد أجبر صدام إلى تقديم 12 ألف من الوثائق المتعلقة بالتسلح بأسلحة الدمار الشامل، وأمر بتقديم كل ما يتعلق بها، وأعلن موافقته على عودة المفتشين الدوليين إلى العراق من جديد لمواصلة البحث عن ما تبقى من أسلحته المزعومة، بعد أن أدرك إن السيف الأمريكي بات قاب قوسين أو أدنى من رقبته، وعمل المستحيل لإنقاذ نظامه. (3)

لكن الرئيس الأمريكي بوش لم يقتنع لا بتقرير هانس بليكس، ولا بما قدمه نظام صدام، حيث كان قد عقد العزم على شن الحرب على العراق واحتلاله مهما كلف الأمر.

لكن الضغوطات التي مارستها الإدارة الأمريكية لم تفلح في الحصول على موافقة مجلس الأمن على إصدار قرار صريح بالحرب على العراق يرضي طموحات الرئيس بوش، وبعد جهد جهيد صدر عن مجلس الأمن القرار رقم 1441 بتاريخ 8 تشرين الثاني 2002 والذي تضمن استخدام جميع الوسائل اللازمة للتقيّد بقراره المرقم 660 والمؤرخ 2 آب 1990 ، وجميع القرارات ذات الصلة التي تلت ذلك

القرار وتنفيذها، لإعادة إرساء السلام والأمن الدوليين في المنطقة.

ومع ذلك فقد استغل الرئيس بوش هذا القرار، واستخدمه لتبرير حربه على العراق، رغم عدم تضمنه نصاً صريحاً باستخدام القوة، وكل ما طلبه القرار من نظام صدام هو وجوب تقيده بالقرارات التي سبق وأصدرها مجلس الأمن بخصوص الأزمة العراقية، ولكي  يقف  القارئ

الكريم على هذا القرار ارتأيت ضرورة تدوينه.

 

قرار رقم 1441 والمؤرخ في 8 تشرين الثاني 2002

إن مجلس الأمن:

إذ يشير إلى جميع قراراته السابقة ذات الصلة، ولاسيما قراراته 661 المؤرخ في 6 آب/ أغسطس 1990، و679 والمؤرخ في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1990، و686 المؤرخ في 2 آذار/ مارس ،1991و687 المؤرخ 3 نيسان /أبريل 1991، وا699  والمؤرخ في 5 نيسان / ابريل

1991، و707 والمؤرخ في 15آب/اغسطس1991، و715 والمؤرخ 11في  تشرين الأول /أكتوبر1991، و986 والمؤرخ 14 نيسان /ابريل 1995، و1284 والمؤرخ 17 كانون الأول /ديسمبر1999، وإلى جميع بيانات رئيسه ذات الصلة، وإذ يشير أيضاً إلى قراره 1382 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/نوفمبر2001، وعزمه على تنفيذه تنفيذاً كاملاً، وإذ يسلم بالتهديد الذي يتعرض له السلام والأمن الدوليان من جراء عدم امتثال العراق لقرارات المجلس، ونشره لأسلحة الدمار الشامل والقذائف البعيدة المدى، وإذ يشير إلى أن قراره 678 في 1990، فقد أذِنَ للدول الأعضاء باستخدام جميع الوسائل اللازمة للتقيّد بقراره 660 المؤرخ في  2 آب /أغسطس 1990، وجميع القرارات ذات الصلة التي تلت القرار 660 في 1990 وتنفيذها، لإعادة إرساء السلام والأمن الدوليين في المنطقة. (4)

                                                             مجلس الأمن

 

استمرت الولايات المتحدة وبريطانيا في محاولاتها لإقناع روسيا والصين وفرنسا لإصدار قرار جديد يبيح صراحة استخدام القوة ضد العراق بدعوى عدم التزام النظام العراقي بالقرار 1441. لكن تلك المحاولات باءت بالفشل، فقد رفضت كل من روسيا وفرنسا والصين إصدار قرار بالحرب، متحدين الإصرار الأمريكي، مما أدى إلى غضب الرئيس بوش من موقف هذه الدول، وبوجه خاص فرنسا الحليفة الأوربية التقليدية للولايات المتحدة، والتي أعلنت صراحة بأنها ستستخدم حق النقض [الفيتو] في مجلس الأمن إذا ما قدمت الولايات المتحدة وبريطانيا مشروع القرار الذي جرى إعداده من قبلهما.

 

فقد أعلن الرئيس الفرنسي [جاك شيراك] في العاشر من آذار2003 في مقابلة مع التلفزيون الفرنسي إن بلاده ستستخدم حق النقض[ الفيتو] ضد مشروع القرار الذي أرادت الولايات المتحدة تمريره في مجلس الأمن، والذي يخولها اللجوء إلى الحرب ضد العراق، وأضاف شيراك أن الحرب هي أسوأ الحلول للأزمة العراقية، رافضاً الحل العسكري ضد العراق إلا بعد أن يعلن المفتشون الدوليون أنهم لم يعودوا قادرين على العمل هناك. (5)

 

كما أعلنت الحكومة الروسية في اليوم نفسه على لسان وزير خارجيتها [إيغور إيفانوف] أن بلاده ستستخدم حق النقض [الفيتو] كذلك ضد مشروع القرار الأمريكي البريطاني المعروض على مجلس الأمن بمنح مهلة للعراق حتى 17 مارس 2003 لنزع سلاحه غير التقليدي، وقال إيفانوف في تصريحات صحفية بموسكو إن مشروع القرار يعتبر إنذارا غير قابل للتطبيق.

 

 ولاشك أن مواقف الدول الثلاث فرنسا وروسيا والصين في أساسها تخضع لمصالحها الاقتصادية التي تسعى الولايات المتحدة إلى استلابها منها، وإحكام هيمنتها المطلقة على نفط الخليج، ومن هنا كان التناقض في المواقف بينهم في مجلس الأمن، حيث سعت هذه الدول إلى حل الأزمة بالوسائل السياسية والدبلوماسية، في حين انفردت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا في قرارهما اللجوء إلى القوة العسكرية، بصرف النظر فيما إذا قبل الآخرون أم رفضوا ذلك.

 

ثالثاً: بوش وبلير ينسقان معا خطط الحرب:

 

في الرابع من شباط/ فبراير2003 التقى رئيس الوزراء البريطاني  [توني بلير] بالرئيس الأمريكي [ جورج بوش] في البيت الأبيض، وكان       الاجتماع قد جرى إعداده للتنسيق بين الولايات المتحدة وبريطانيا، ووضع اللمسات الأخيرة على خطة الحرب على العراق.

وقد أكد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير للرئيس جورج بوش في ذلك اللقاء أن بريطانيا تقف بصلابة وراء خطط الولايات المتحدة لغزو العراق حتى قبل إجراء أية مشاورات حول شرعية الغزو، وبالرغم من

 عدم وجود قرار ثان من مجلس الأمن يخولهم ذلك.

 فقد كشفت مذكرة الاجتماع الذي استغرق ساعتين بينهما أن الرئيس الأمريكي بوش أوضح لبلير بما لا يدع مجالا للشك أن الولايات المتحدة عازمة على غزو العراق، سواء كان هناك قرار دولي ثانٍ أم لا، بل وحتى ولو لم يتمكن مفتشو الأمم المتحدة من العثور على أي دليل يؤكد وجود برنامج لأسلحة الدمار الشامل في العراق، وأضاف الرئيس الأمريكي  بوش قائلاً:                                     

{يتعين أن تتركز الاستراتيجية الدبلوماسية حول التخطيط العسكري الآن}. ولم يعترض رئيس الحكومة البريطانية بلير على ذلك، بل ونقل عنه القول انه يقف بصلابة مع الرئيس، وانه على استعداد للقيام بأي شيء لنزع أسلحة صدام. (6)  

                                        

جاء هذا الكشف في الحقيقة من خلال طبعة جديدة لكتاب بعنوان [عالم بلا قانون] وضعه البروفسور[فيليب ساندز] أستاذ القانون الدولي في         الكلية الجامعية بلندن، وكان ساندز قد سلط في العالم الماضي الأضواء على الشكوك التي راودت محامي وزارة الخارجية البريطانية حول قانونية الغزو، مما اضطر رئيس الحكومة البريطانية لنشر فحوى المشورة القانونية التي كان قد قدمها له المدعي العام اللورد[غولدسميث] وكشفت المذكرة التي اطلع عليها البروفسورساندز النقاط التالية:    

 

1 ـ قول الرئيس بوش لبلير، أن الولايات المتحدة قلقة جدا من احتمال الفشل في العثور على دليل قوي ضد صدام لدرجة تفكر معها بإرسال طائرات استطلاع من طراز[U2] مصبوغة بإشارة الأمم المتحدة للتحليق في أجواء العراق تحت حماية المقاتلات الأمريكية، وإنها أي الولايات المتحدة ستعتبر صدام منتهكا لقرارات الأمم المتحدة إذا أمر بفتح النار على تلك الطائرات. 

                   

2ـ عبر الرئيس بوش عن الأمل في انتزاع شخصية منشقة من كبار أعمدة النظام العراقي من اجل التحدث علنا أمام وسائل الإعلام حول أسلحة الدمار الشامل التي لا تزال موجودة لدىنظام  صدام حسين.

 

3 ـ ابلغ بلير الرئيس بوش أن إصدار قرار دولي ثاني من الأمم المتحدة من شأنه أن يشكل ضمانا سياسيا يؤمن الغطاء الدولي في حال تعقدت الحملة العسكرية، أو إذا ما زاد صدام الأخطار بإشعال النار في أنابيب النفط، أوإحداث انقسامات داخلية خطيرة في العراق.

 

4 ـ أعرب الرئيس بوش عن اعتقاده لرئيس الحكومة البريطانية انه لا يرجح اندلاع حرب ضروس بين مختلف المجموعات الدينية والعرقية في العراق، وقد أثبتت الوقائع بعد الحرب ليس فقد خطأ هذا الاستنتاج، بل وقوع كارثة الحرب الطائفية في البلاد التي يشهدها العراق اليوم.    

    

 5 ـ أن بلير أعلن عن استعداده لدعم خطط الرئيس الأمريكي في خوض الحرب ضد العراق حتى في غياب قرار ثاني من الأمم المتحدة يتعارض مع التأكيدات التي كان قد قطعها بلير على نفسه أمام أعضاء البرلمان البريطاني بعدم القيام  بذلك. (7)

                         

 وجدير بالذكر أن بلير كان قد أبلغ مجلس العموم البريطاني في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير عام 2003، أي بعد ثلاثة أسابيع من رحلته إلى واشنطن، أن الحكومة البريطانية ستمنح صدام فرصته الأخيرة لنزع أسلحته طواعية، حيث ورد في خطابه أمام المجلس قائلاً :

{ إننا حتى هذه الساعة نعرض على صدام خيار نزع أسلحته طواعية من خلال الأمم المتحدة، ورغم أني امقت نظامه، وآمل أن يفعل معظم الناس ذلك، لكن بإمكانه إنقاذ هذا النظام الآن، وذلك بالانصياع لمطلب الأمم المتحدة، ونحن ما نزال مستعدون لاتخاذ خطوة إضافية أخرى من

أجل تحقيق نزع السلاح سلميا}. (8)                         

 وفي الثامن عشر من آذار/ مارس 2003، أي قبل التصويت الحاسم على الحرب، أبلغ بلير البرلمان البريطاني قائلا: {يتعين أن تكون الأمم المتحدة محور الدبلوماسية والعمل}.(9)

 ومعروف أن الاجتماع بين بوش وبلير جاء في وقت اشتد فيه القلق لدى الجانبين الأمريكي والبريطاني حول الفشل في إيجاد أية معلومات موثوقة تعزز التقارير التي كانت تشير إلى أن صدام كان ما يزال ينتج أسلحة دمار شامل، وينتهك بذلك التزاماته الدولية.

وكان قد جرى ذلك الاجتماع قبل أيام قليلة من إلقاء وزير الخارجية الأمريكية [كولن باول] خطابه الشهير أمام مجلس الأمن، وعرض خلاله بشكل دراماتيكي صورا لبرنامج أسلحة العراق.

بيد أن[ جاك سترو] وزير الخارجية البريطاني كان قد أعرب في وقت سابق في كانون الثاني/يناير 2003 عن قلقه من عدم وجود دليل ثابت في هذه القضية، وذلك في مذكرة خاصة رفعها لبلير جاء فيها:

{آمل أن يتمكن رئيس مفتشي الأسلحة في العراق [هانز بليكس] من العثور على دليل قوي يكفي لاتهام العراق بخرق التزاماته الدولية}.(10)

 

رابعاً: التحشيد العسكري الأمريكي البريطاني:

 

في بداية العام 2003 بدأت تتصاعد الجهود المحمومة للولايات المتحدة  بالتعاون مع بريطانيا لحشد القوات والأساطيل المجهزة بأحدث ما أنتجته التكنولوجيا العسكرية، استعداداً لشن هجوم واسع النطاق على العراق مبررين ذلك بعدم التزام نظام صدام الدكتاتوري بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بتدمير أسلحة الدمار الشامل، مما جعل الشعب العراقي رهينة ذلك النظام الاستبدادي من جهة والسياسة العدوانية الأمريكية التي تحاول إيجاد الذرائع للهجوم المرتقب من جهة أخرى، دون الاكتراث بما  ستسببه الحرب من كوارث خطيرة لا يمكن تحديد مداها، وبكل تأكيد فأن الضحية  هو الشعب العراقي المغلوب على أمره.

كان إصرار الولايات المتحدة على استخدام القوة العسكرية الغاشمة بحجة إجبار صدام حسين على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة القاضية بتدمير أسلحة الدمار الشامل، التي كانوا هم مَنْ جهزوه بها ليستخدمها في الحرب ضد إيران، وبالنيابة عنها، تلك الحرب التي استمرت 8 سنوات والتي وصفها وزير الخارجية الأمريكية آنذاك [هنري كيسنجر] قائلاً:{أنها أول حرب في التاريخ أردناها أن تستمر أطول مدة ممكنة، ولا يخرج منها أحد منتصرا}.                           

 

وكانت الولايات المتحدة تقدم الدعم المعلوماتي والسلاح لكلا الطرفين العراقي والإيراني كي تستمر تلك الحرب الكارثية دون مبرر.

وهكذا دفع الشعب العراقي ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه التي جاوز تعداد ضحاياها أكثر من نصف مليون ضابط وجندي، ناهيك عن أكثر من مليون معوق، وأكثر من خمسة ملايين من الأيتام ، ومثلها من الأرامل، هذا بالإضافة إلى انهيار البنية الاقتصادية والاجتماعية.

وخرج صدام من حربه المجنونة تلك يمتلك جيشاً جراراً، واقتصادا منهاراً، فكان قراره في احتلال الكويت لكي يستطيع بموارده النفطية تعويض خسائر الحرب، والديون الثقيلة المقدرة بعشرات المليارات من الدولارات.

وكان لابد للولايات المتحدة أن تصفي أسلحة العراق التي باتت تهدد مصالحها في الخليج، وقد وجدت أن السبيل إلى ذلك هو نصب فخ لصدام، ومهدت له السبيل لغزوا الكويت، لكي تتخذ من ذلك ذريعة لسحق جيشه وتدمير أسلحته، بل ولتدمير كل مرافق العراق الاقتصادية والخدمية، وفرض الحصار الجائر على شعب العراق دون صدام وأركان حكمه وحاشيته وعشيرته، ذلك الحصار الذي دام 13 عاماً عجافاً أذاق خلاله الشعب العراقي مرارة الفقر والجوع والإذلال الذي لم يشهد مثيلاً له من قبل إلا على عهد الاستعمار العثماني أبان الحرب العالمية الأولى.

 وهكذا وجدنا الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب يرفض توجيه تحذير لصدام من مغبة غزو الكويت، بل كان ينتظر بفارغ الصبر ساعة بدء الغزو الذي ظنه صدام بمثابة المكافئة الأمريكية على حربه ضد إيران بالنيابة عنها، كما أوحت له السفيرة الأمريكية في العراق[ كلاسبي] خلال اللقاء الذي جرى بينهما، وظنه الكارت الأخضر لغزو الكويت واحتلاله.

وحاول الرئيس بوش الابن أن يبرر الحرب الجديدة [ حرب الخليج الثالثة] بعطفه الشديد على حقوق وحريات الشعب العراقي، وتخليصه من طغيان نظام صدام حسين، حين أطلق عليها [ حرب تحرير الشعب العراقي]!!.

ولو كانت الإدارة الأمريكية صادقة في دعواها لتحرير شعب العراق من الطغيان لاتخذت من مجلس الأمن سبيلاً لفرض مطالبها على النظام العراقي بالتعاون مع بقية أعضاء مجلس الأمن الدولي، و لأصدرت القرار رقم 688 المتعلق بحقوق وحريات الشعب المهضومة من قبل نظام صدام خلال 35 عاماً كالحة السواد، تحت البند السابع، أسوة بكل القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ضد  العراق، باستثناء ذلك القرار الذي تجاهله صدام ونظامه ما دام غير ملزم التنفيذ.

 

ولو كانت الإدارة الأمريكية حريصة حقاً على الشعب العراقي وحقوقه وحرياته لما سكتت عن جرائم النظام باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب، والأسلحة البيولوجية ضد السجناء السياسيين المعارضين لنظامه القمعي، وتجاهلها لسنوات طويلة فقد كان صدام آنذاك يحارب إيران نيابة عنها.

 

 لكن الولايات المتحدة أرادت أن تنفرد في إجراءاتها ضد العراق، بعد أن رفضت الدول الكبرى الثلاث اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية ضد العراق، مدعية أن لديها تخويل من مجلس الأمن.

 كان معروفاً أن هناك دوافع لدى الإدارة الأمريكية لشن الحرب على العراق، وهي بالطبع لا تخفى على العارفين بخبايا السياسة الأمريكية، وراء تحمس إدارة الرئيس بوش لضرب العراق، والتي كانت تبغي من خلالها تحقيق مصالحها الاستراتيجية في منطقة الخليج الطافية على بحيرة كبرى من النفط، وقد أراد الرئيس بوش من خلال هذه الحرب أن يثبت للعالم أن الولايات المتحدة قد غدت القوة العظمى في العالم اجمع، ودون منازع ، وأن ليس هناك من يستطيع الوقوف بوجهها في العالم أمجمع.

وفي الوقت نفسه تتخلص الولايات المتحدة هذه المرة من نظام صدام، وإقامة نظام بديل يلبي مطامح ومصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والخليج، ولا يسبب لها القلق لفترة زمنية طويلة. ولاسيما بعد أن أخذ النظام العراقي يسعى بكل جهده بعد حرب الخليج الثانية إلى تحسين علاقاته مع سوريا من جهة، ومع إيران من جهة أخرى، فقد أجرى النظام العراقي لقاءات ومحادثات متعددة مع الجانبين الإيراني والسوري استهدفت تطبيع العلاقات معهما .

 

 ولاشك أن الولايات المتحدة لا تنظر بعين الرضا والارتياح لهذا التطور في العلاقات بين هذه الدول، والذي يهدد الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، وتعتبرالنظام القائم فيها خطراً على أمن المنطقة، والخليج بوجه خاص،  وحيث أن إسرائيل لازالت تحتل الجولان السورية، والضفة الغربية وغزة في فلسطين، ومزارع شبعا في لبنان، فأن التوتر سيبقى مستمراً في المنطقة، وأن قيام أي نوع من التعاون والتحالف بين سوريا والعراق وإيران في المستقبل يهدد المصالح الأمريكية من جهة، وأمن إسرائيل من جهة أخرى، وعليه فإن الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان تحسبان ألف حساب لمثل هذا التقارب بين هذه البلدان التي تطلق عليهم الولايات المتحدة تسمية [دول الشر]لابد أن تعملا بكل طاقاتهما لمنع مثل هذا التحالف، وإن إسقاط نظام صدام حسين المكروه من الشعب، والإتيان بنظام بديل موالي للولايات المتحدة يحول دون قيام حلف بين الأطراف الثلاثة، و يلبي ويحفظ المصالح الأمريكية الاستراتيجية في المنطقة.

 

كما إن إسقاط النظام العراقي من قبل الولايات المتحدة، وفرض هيمنتها التامة على العراق، سوف يعني حرمان روسيا وفرنسا والصين من العقود الاقتصادية والنفطية التي سبق أن وقعتها مع النظام العراقي، وتجييرها لصالحها، ولذلك وجدنا إن هناك معارضة قوية للحرب ليس من جانب روسيا والصين فحسب، بل حتى من جانب الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، وفي مقدمتهم فرنسا والمانيا وتركيا والعديد من الدول الأوربية الأخرى، بالإضافة إلى العديد من الدول العربية. هذا ما أكده الرئيس الروسي [فلادمير بوتين] بخطابه في مؤتمر ميونخ للسياسات الأمنية في الحادي عشر من شباط 2007 والذي وجه فيه اتهامه للولايات المتحدة قائلاً:

{أن الولايات المتحدة تنشئ، أو تحاول إنشاء إنشاء، عالم وحيد القطبية}.  ثم عاد وفسر بوتين ما تعنيه هذه التسمية قائلاً :

{ماذا يعني عالم وحيد القطبية؟  بصرف النظر عن محاولاتنا لتجميل تلك العبارة، فإنها تعني العالم الذي يرتكزعلى وجود قوة واحدة تتحكم فيه، وتعني أيضا عالم له سيد واحد فقط، وإن هذه التركيبة أدت إلى كارثة، مضيفاً أن الولايات المتحدة قد تحدت حدودها الوطنية في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والإنسانية، بل وفرضت نفسها على الدول الأخرى. إن الحروب الأهلية والإقليمية لم تتوقف، كما أن عدد الناس الذين يقتلون بسببها في ازدياد متصاعد. إننا لا نرى أي نوع من التعقل في استخدام القوة، بل نرى استخداما مستديما ومفرطا للقوة، وأضاف أن الولايات المتحدة قد خرجت من صراع لتدخل صراع آخر دون تحقيق أي حل شامل لأي منهم }. (11) 

                                                                                      

وبحضور وزير الدفاع الأمريكي الجديد [روبرت جيت] وعدد من نواب الكونجرس، دعا بوتين أمامهم إلى إعادة هيكلة نظام الأمن الدولي القائم حالياً بأكمله.

 وقد وصف الأمين العام لمنظمة دول حلف شمال الأطلنطي الناتو السيد[ جاب دي هوب شيفر] خطاب الرئيس بوتين بأنه مخيب للآمال وغير مجدي. ( 12)

أما السناتور الجمهوري الأمريكي [ جون ماكين ] المرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري فقد رد بعنف على خطاب الرئيس بوتين قائلاً:

 

{إن عالم اليوم ليس وحيد القطبية، وأن روسيا الاستبداديةّ هي التي تحتاج إلى تغيير في سلوكها، وأضاف قائلاً إن على موسكو أن تفهم أنها لا تستطيع أن تتمتع بمشاركة حقيقية مع الغرب طالما أن أفعالها في الداخل وفي الخارج تتعارض بشكل أساسي مع لب قيم الديمقراطيات إلىورو- أطلسية، وادعى جون ماكين أن عالم اليوم هو بالفعل عالم متعدد الأقطاب، ولا يوجد مكان للمواجهات العديمة الجدوى، لذا أتمنى أن يفهم الزعماء الروس هذه الحقيقة}!!. ( 13 )    

وبعد هذه المواجهة الكلامية بين بوتين وماكين تحدث بعض المشاركين في المؤتمر عن قيام حرب باردة جديدة، لكن البعض  الآخر قللوا

من أهمية ما حدث، وقالوا إن خطاب بوتين يعد أحد الحركات التي دأبت روسيا على اتخاذها بصفة دورية للتعبير عن سخطها من تلاشي دورها الكبير الذي كانت تلعبه في الخريطة السياسية للعالم.

                                                     

 وهكذا فإن الوضع الحالي للعلاقة الأمريكية الروسية  يسبب للإدارة الأمريكية أشد القلق، ويجعلها تحسب ألف حساب للمستقبل، وهي لذلك عملت ولا تزال تعمل بأقصى جهدها ليس فقط لإبعاد روسيا عن العراق ومنطقة الخليج، بل ولتطويقها، ومد حلف الأطلسي إلى عقر دارها، حيث سعت إلى ضم دول أوربا الشرقية أعضاء [حلف وارشو] والتي كانت تعرف بالمعسكر الاشتراكي، بل لقد تجاوزت ذلك إلى العمل على ضم الدول التي استقلت عن روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مثل أوكرانيا وجورجيا ، وجمهوريات أسيا الوسطى.

 ورغم أن الشعب العراقي كان يتمنى الخلاص من ذلك النظام القمعي المستبد، إلا أنه كان ينتابه القلق الشديد على مصيره ومصير الوطن العراقي من نتائج الحرب إن وقعت حيث لا يستطيع أحد تقدير النتائج الكارثية المترتبة عليها على العراق، وتأثيراتها على العالم العربي وسائر دول العالم ثانيا، فالحرب بطبيعة الحال لا تعني سوى الخراب والدمار والضحايا والدماء، والاحتلال الذي لا يمكن تحديد مداه.

 

وبعد كل هذا فأن كل المتتبعين الحريصين على مصالح العراق وشعبه كانوا يطمحون  أن يجري تغيير نظام الدكتاتورصدام حسين على أيدي الشعب والجيش العراقي بعيداً عن التهديدات الحربية الأمريكية، وهيمنتها ووصايتها على العراق، والتي قد تمتد لسنوات طويلة، فقد كفى الشعب العراقي ما تحمل من ويلات الغزو والاحتلال لقرون عديدة من قبل المغول والعثمانيين والصفويين والبريطانيين، وأخيراً الاحتلال الأمريكي، وقاسى من الويلات والمصائب والمآسي على أيدي نظام صدام  الدكتاتوري الفاشي وحروبه الكارثية خلال ثلاث عقود ونيف، وما يعانيه الشعب اليوم على أيدي قوى الإرهاب، والمعتدين الإمبرياليين الطامعين في ثروات البلاد.

 

خامساً: بوش ينذر صدام بمغادرة العراق خلال 48 ساعة

 

في اليوم الثامن عشر من آذار 2003 ألقى الرئيس الأمريكي خطاباً ذو طابع تهديدي أمهل فيه رئيس النظام العراقي صدام حسين 48 ساعة لمغادرة العراق وإلا واجه حرباً لنزع أسلحته، وفيما يلي النص الحرفي للخطاب:

{وصلت الأحداث في العراق إلى آخر أيام القرار. لأكثر من عقد من الزمن بذلت الولايات المتحدة ودول أخرى خلالها جهودا صبورة ومشرفة لنزع أسلحة النظام العراقي من دون حرب، وتعهد هذا النظام بالكشف عن كل أسلحة الدمار الشامل التي يملكها، وتدميرها كشرط لوقف حرب الخليج العام 1991.

 ومنذ ذلك التاريخ باشر العالم اثنا عشرعاما من الدبلوماسية، واعتمدنا أكثر من 12 قرارا في مجلس الأمن الدولي، وأرسلنا مئات المفتشين للإشراف على نزع أسلحة العراق.

لكن نيتنا الحسنة لم تقابل بالشيء نفسه، فقد استغل النظام العراقي الدبلوماسية كحجة لكسب الوقت، وقد تحدى قرارات مجلس الأمن التي تطالب بنزع أسلحته بالكامل.  

 

وعِبر السنين تعرض مفتشو الأمم المتحدة لتهديدات من المسؤولين العراقيين،وتم التنصت عليهم ألكترونيا، وخداعهم بشكل منهجي. وفشلت الجهود السلمية لنزع أسلحة العراق مرة بعد أخرى لأننا لا نتعامل مع رجل مسالم.

إن المعلومات التي جمعتها حكومتنا وحكومات أخرى لا تترك أي مجال للشك بأن النظام العراقي لا يزال يمتلك ويخفي بعضا من أفتك الأسلحة، وقد سبق لهذا النظام أن استخدم أسلحة دمار شامل ضد جيران العراق وضد الشعب العراقي. فالنظام له تاريخ من العدوان الأخرق في الشرق الأوسط، وهو يضمر حقدا عميقا لأميركا وأصدقائنا، وساعد ودرب وآوى إرهابيين بينهم عناصر من القاعدة. إن الخطر واضح فعبر استخدام أسلحة كيميائية وبيولوجية، وربما يوما ما أسلحة نووية يحصلون عليها بمساعدة العراق، يمكن للإرهابيين تحقيق طموحاتهم المعلنة، وقتل عشرات آلاف،  بل ومئات الآلاف من الأشخاص الأبرياء في بلادنا، وفي دول أخرى. 

إن الولايات المتحدة والدول الأخرى لم تفعل شيئا لتستحق هذا التهديد، لكننا سنبذل قصارى جهدنا لهزمه بدلا من الانجرار إلى المأساة، وسنسلك الطريق نحو بر الأمان قبل أن تحل الفظاعة، وقبل أن يفوت الأوان للتحرك، وستتم إزالة هذا الخطر، فالولايات المتحدة تتمتع بالصلاحية السيادية لاستخدام القوة لحماية أمنها القومي، وهذا الواجب يقع على عاتقي بصفتي القائد الأعلى من خلال القسم الذي أديته، هذا القسم الذي سأحترمه.                                    

والكونغرس وعى بالتهديد الذي يحدق ببلادنا فصوت بغالبية كبرى العام الماضي لتأييد استخدام القوة ضد العراق. لقد حاولت أميركا العمل مع الأمم المتحدة لمواجهة هذا التهديد لأنها أرادت حل هذه المسألة سلميا، ونحن نؤمن بمهمة الأمم المتحدة.

                                                   

 إن أحد الأسباب التي أدت إلى تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كان لمواجهة الطغاة العدوانيين بنشاط مبكر قبل أن يتمكنوا من مهاجمة الأبرياء وتدمير السلام، وفيما يتعلق بالعراق تحرك مجلس الأمن الدولي في بداية التسعينيات، وبموجب القرارين 678 و687 اللذين لا يزالان ساريين يسمح للولايات المتحدة وحلفائنا باستخدام القوة لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية. 

                            

إن الأمر لا يتعلق بالصلاحية بل يتعلق بالإرادة، ففي سبتمبر الماضي أيلول ذهبت إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودعوت أمم العالم إلى الاتحاد، ووضع حد لهذا الخطر. وفي الثامن من نوفمبر[تشرين الثاني] اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 1441 الذي نص على أن العراق ينتهك بشكل واضح التزاماته، وسيتعرض لعواقب وخيمة في حال لم ينزع العراق أسلحته فورا وبالكامل.                                                   

واليوم لا يمكن لأي دولة أن تدّعي أن العراق نزع أسلحته، ولن ينزع أسلحته طالما أن صدام حسين يتمسك بالسلطة. فخلال الأشهر الأربعة ونصف الشهر الأخيرة عملت الولايات المتحدة وحلفائها داخل مجلس الأمن للدفع إلى تطبيق مطالب المجلس. إن بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن أعلنت أنها ستستخدم الفيتو على  مشروع عزمنا على تقديمه لنزع أسلحة العراق، هذه الـدول تشاطرنا تقييمنا للخطر، لكنـها لا تشاطرنا عزمنا على مواجهته.  

                              

  الكثير من الدول رغم ذلك تمتلك العزم والقوة المعنوية للتحرك ضد التهديد الذي يحدق بالسلام، ويتشكل الآن تحالف واسع للعمل على تنفيذ مطالب العالم العادلة، ولم يرتق مجلس الأمن الدولي إلى مستوى مسؤولياته، لذا سنرتقي إلى مستوى مسؤولياتنا .

في الأيام الأخيرة كانت بعض حكومات الشرق الأوسط تقوم بالجزء العائد إليها، فقد وجهتْ رسائل علنية وشخصية تحض الديكتاتور على مغادرة العراق حتى يفسح المجال أمام عملية نزع أسلحته سلمياً، بيد أنه رفض ذلك.                                             

وصلت كل عقود المخادعة والشراسة إلى نهايتها، وعلى صدام حسين وأبنائه أن يغادروا العراق في غضون 48 ساعة، وسيؤدي رفضهم إلى بدء نزاع عسكري في الوقت الذي نختاره، وبغية المحافظة على سلامتهم, على كل الرعايا بمن فيهم الصحفيون والمفتشون مغادرة العراق فورا.                                     

الكثير من العراقيين يستطيعون سماعي هذا المساء من خلال بث إذاعي مترجم ولدي رسالة أوجهها إليهم: إذا بدأنا حملة عسكرية فإنها ستكون موجهة ضد الرجال الخارجين على القانون الذين يحكمون بلادكم وليست ضدكم. وما أن يسحب التحالف السلطة منهم سنوفر الأدوية والأغذية التي تحتاجونها، وسنقضي على آلة الترهيب، وسنساعدكم على بناء عراق مزدهر وحر، ولن يشهد العراق الحر حروبا عدوانية على جيرانكم، ولا مصانع للسموم، ولا عمليات إعدام للمنشقين، ولا غرف تعذيب، ولا غرف اغتصاب، سيرحل الطاغية قريبا، ويوم تحرركم قد إقترب، لقد فات الأوان لبقاء صدام حسين في السلطة، لكن الوقت لم يفت لكي يتصرف العسكريون العراقيون بشرف لحماية بلادكم عبر السماح بدخول قوات التحالف سلميا للقضاء على أسلحة الدمار الشامل.

قواتنا ستعطي الوحدات العسكرية العراقية تعليمات واضحة حول التحركات التي يجب أن تقوم بها لتجنب تعرضها للهجوم والتدمير. أحض كل عناصر القوات العسكرية العراقية، وأجهزةالاستخبارات  في حال وقوع الحرب لا تقاتلوا في سبيل نظام يحتضر لا يستحق أنتضحوا بحياتكم من أجله، وعلى كل العسكريين العراقيين والموظفين المدنيين أن يصغوا جيدا إلى هذا التحذير:

 في حال وقوع أي نزاع فإن مصيركم رهن بتصرفاتكم، لا تدمروا آبار النفط، وهي ثروة يملكها الشعب العراقي، ولا تذعنوا لأي أوامر باستخدام أسلحة دمار شامل ضد أي كان، بمن فيهم الشعب العراقي، وستتم محاكمات بتهمة ارتكاب جرائم حرب، ستتم معاقبة مجرمي الحرب، ولن ينفع القول لقد كنت أتبع الأوامر لا أكثر.

 

 في حال اختار صدام حسين المواجهة يجب أن يعرف الشعب الأمريكي أن كل الإجراءات اتخذت لتجنب الحرب، وستتخذ كل الإجراءات للانتصار فيها، ويعي الأمريكيون كلفة النزاعات لأننا دفعنا الثمن في السابق، لا شيء أكيدا في الحرب سوى التضحية. لكن الطريق الوحيد لخفض الضرر ومدة الحرب هو في استخدام القوة المطلقة لقواتنا وعظمتها ونحن مستعدون لذلك. 

                                

في حال حاول صدام حسين التمسك بالسلطة سيبقى خصما مميتا حتى النهاية، ففي حالة اليأس قد يحاول هو ومجموعات إرهابية شن عمليات إرهابية ضد الشعب الأمريكي وأصدقائنا. هذه الهجمات ليست حتمية لكنها ممكنة. وهذا الواقع يعزز سبب عدم تمكننا من العيش في ظل تهديد الابتزاز. التهديد الإرهابي لأميركا والعالم سيتراجع عندما تُنزع أسلحة صدام حسين. 

                                           

حكومتنا في حالة يقظة عالية ضد هذه المخاطر، ومع استعدادنا لضمان النصر في العراق، فإننا نتخذ إجراءات إضافية لحماية بلادنا، في الأيام الأخيرة طردت السلطات الأميركية من البلاد بعض الأفراد الذين لهم روابط مع أجهزة الاستخبارات العراقية، ومن الإجراءات الأخرى أمرتُ بإجراءات أمنية إضافية في مطاراتنا وزيادة الدوريات لخفر السواحل في المرافئ الرئيسية. وتعمل وزارة الأمن الداخلي بشكل وثيق مع حكام الولايات لزيادة الأمن في مرافق حساسة في كل أنحاء الولايات المتحدة.

 في حال ضرب الأعداء بلادنا فإنهم بذلك يحاولون تحويل انتباهنا من خلال زرع الذعر، وسيحاولون إضعاف معنوياتنا بالخوف، لكنهم سيفشلون في ذلك. فما من عمل يقومون به سيؤثر على عزم هذا البلد. نحن شعب مسالم لكننا لسنا شعباً هشاً. ولن تخفينا الوحوش والقتلة.

 في حال تجرأ أعداؤنا على ضربنا سيواجهون وكل من ساعدهم عواقب وخيمة، ونحن نتحرك الآن لأن مخاطر عدم التحرك ستكون أكبر بكثير. فبعد سنة أو خمس سنوات ستتضاعف قدرة العراق على إلحاق الضرر على كل الأمم الحرة مرات كثيرة.

 ومع هذه القدرات يمكن لصدام حسين وحلفائه أن يختاروا متى يشنون نزاعا قاتلا عندما يكونون في موقع أقوى. ونحن نختار أن نواجه هذا التهديد الآن في مكان ظهوره قبل أن يظهر فجأة في سمائنا ومدننا.                                      

قضية السلام تقتضي من كل دول العالم الحرة أن تعترف بالوقائع الجديدة التي لا تُدحض. في القرن العشرين البعض قرر تهدئة طغاة قتلة، مما سمح لتهديداتهم بالتحول إلى مجازر إبادة وإلى حرب شاملة.                                         

وفي القرن الحالي في وقت يخطط فيه الرجال الأشرار لإرهاب كيميائي وبيولوجي ونووي، فإن سياسة التهدئة قد تخلف دمارا لم تعرف الأرض بحجمه قبل الآن، والإرهابيون والدول الإرهابية لا يكشفون عن هذه التهديدات مسبقا، وفي تصريحات رسمية، والرد على هؤلاء الأعداء فقط بعد توجيههم الضربات لا يعتبر دفاعا عن النفس إنه انتحار. إن أمن العالم يتطلب نزع أسلحة صدام حسين الآن، وفي سعينا إلى تحقيق مطالب العالم المحقة فإننا سنحقق أيضا التزامات بلادنا العميقة}. (14)

 

نظرة في خطاب الرئيس بوش

بقراءة متأنية للإنذار الذي وجهه الرئيس الأمريكي بوش لصدام حسين ونظامه نستطيع تحديد الحقائق التالية التي تتناقض مع ما جاء في الإنذار  والوعود التي قطعها للشعب العراقي:

1 ـ إن ما ادعاه الرئيس بوش عن كون العراق ما يزال يمتلك أسلحة الدمار الشامل قد ثبت للعالم عدم صحتها، وذلك من خلال تقرير رئيس المفتشين الدوليين [هانس بليكس] قبل وقوع الحرب، ومن خلال عمليات التفتيش التي قامت بها الفرق الأمريكية بعد إسقاط نظام صدام واحتلال العراق، حيث لم تستطع تلك الفرق التي لم تترك زاوية في الأرض العراقية إلا وفتشتها دون أن تجد أي أثر لأسلحة الدمار الشامل التي اتخذها بوش مبرر للحرب.

 

2 ـ إن ادعاء الرئيس بوش بأن صدام كان يضمر الحقد العميق للولايات المتحدة يتناقض مع الواقع، فالخدمات الجلى التي قدمها نظام صدام لأمريكا من خلال انقلاب 8 شباط 1863 الفاشي، وانقلاب 17 و30 تموز 1968 الذي جرى الإعداد لهما في دهاليز البيت الأبيض، ووزارة الدفاع والمخابرات المركزية الأمريكية، والتي كان في مقدمة أهدافها تصفية القوى الوطنية على الساحة العراقية، وفي المقدمة منها القوى اليسارية، وشن الحرب على إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، تلك الحرب الدامية التي سعت الإدارة الأمريكية إلى استمرارها 8 سنوات قاسية ذهب ضحيتها أكثر من نصف مليون جندي وضابط عراقي، ناهيك عن مليون معوق حرب ومثلها من الأيتام والأرامل، هذا بالإضافة إلى تحطيم البنية الاقتصادية والاجتماعية العراقية.

 

3 ـ إن ادعاء الرئيس بوش بمواجهة الحكام الطغاة في العالم يكذبه واقع الحال هو الآخر، حيث تحتضن الولايات المتحدة وتحتفظ بأقوى العلاقات وأمتنها مع أعتا الدول الدكتاتورية والرجعية القمعية والشمولية في العالم العربي، والتي تحكم شعوبها بالحديد والنار.

 

4 ـ ذكر الرئيس بوش في إنذاره إن بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن أعلنت أنها ستستخدم حق النقض [الفيتو] على أي مشروع قرار يلزم العراق بنزع أسلحته، قائلا:

{ إن هذه الدول تشاطرنا تقييمنا للخطر، لكنها لا تشاطرنا عزمنا على مواجهته}!!.

وهنا يخالف بوش الحقيقة مرة أخرى حيث أن الدول المعنية، وهي فرنسا وروسيا والصين والمانيا، لو كانت حقاً تشاطر الرئيس بوش، لما أعلنت صراحة أنها ستستخدم حق النقض ضد القرار الذي كان يزمع بوش تقديمه لمجلس الأمن، والذي كان من المقرر أن يتضمن الإنذار الأمريكي، ولو كانت تلك الدول لا تشاطر الولايات المتحدة عزمها على شن الحرب على العراق، على الرغم من أنها تشاطرها تقييمها كما قال بوش، فإن هذا يعني توجيه اتهام خطير لهذه الدول بتقاعسها عن إقرار الأمن والسلام في العالم والتهرب من مسؤولياتها الدولية.

      

5 ـ وجه الرئيس بوش خطاباً للشعب العراقي من خلال إنذاره مبشراً إياه بالحرية  والعيش الرغيد قائلاً :

{إن الحملة العسكرية ستكون موجهة ضد الرجال الخارجين على القانون الذين يحكمون بلادكم وليست ضدكم. وما أن يسحب التحالف السلطة من النظام العراقي، إذا بدأنا حملة عسكرية، فإنها ستكون موجهة ضد الرجال الخارجين على القانون الذين يحكمون بلادكم وليست ضدكم.

وما أن يسحب التحالف السلطة منهم فسنوفر الأدوية والأغذية التي تحتاجونها، وسنقضي على آلة الترهيب، وسنساعدكم على بناء عراق مزدهر وحر، ولن يشهد العراق الحر حروبا عدوانية على جيرانكم، ولا مصانع للسموم، ولا عمليات إعدام للمنشقين، ولا غرف تعذيب، ولا غرف اغتصاب، سيرحل الطاغية قريبا، ويوم تحرركم قد إقترب.

 

 لكن الوقائع على الأرض تصرخ بأعلى صوت أنظروا أيها العراقيون ماذا حل بكم !!، وماذا حل بوطنكم ؟ الاحتلال جاثم على صدوركم، والأمن والسلام أصبح بعيد المنال، والسيارات المفخخة، والعبوات والأحزمة الناسفة لعناصر النظام الصدامي وحلفائه عصابات القاعدة من جهة، وعصابات المليشيات التابعة لأحزاب الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني تفتك كل يوم بالعشرات، بل بالمئات من المواطنين الأبرياء، وخطف المواطنين وابتزاز ذويهم، واغتصاب النساء والفتيات، وقتلهن، وفتح الحدود السورية والإيرانية على مصراعيها أمام العناصر الإرهابية من أعوان بن لادن[ القاعدة ]، وزاد في الطين بله النظام الطائفي المتخلف الذي أقامته الولايات المتحدة في العراق بعد إسقاط نظام صدام، والذي قاد الشعب العراقي إلى حرب طائفية وحشية بشعة، حيث القتل يجري كل يوم على الاسم والهوية بين الشيعة والسنة، والتهجير القسري لملايين المواطنين في الداخل والخارج الذي جاوزت أرقامه أربعة ملايين مواطن، وغزو المخدرات القادم من إيران، هذا بالإضافة إلى البطالة الواسعة والفقر المدقع، بل والجوع الذي المَّ بشعب العراق، فقد ذكرت التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة إن ثلث الشعب العراقي بات تحت خط الفقر[أي ما يعادل 9ملايين مواطن]، وأن 5% من العراقيين في عداد الجوعى [ إي ما يعادل مليون و1350000 ] مواطن عراقي جائع. ناهيك عن الفساد المستشري في سائر أجهزة الدولة الجديدة من القمة إلى القاعدة، وفقدان الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ووقود وخدمات صحية واجتماعية، أما الثقافة والأجهزة التربوية فقد تولى أمرها العناصر الطائفية التي أعادت العملية التربوية إلى الوراء مئات السنين، من خلال ربطها بالمرجعية الدينية، حيث باتت ميليشيات الأحزاب الدينية الطائفية تتحكم بحياة المواطنين، وتعتدي على حرياتهم الشخصية، وسائر الحريات العامة، بقوة السلاح.

 

 هذا هو الوجه الحقيقي للعراق اليوم بعد مرور خمسة أعوام على سقوط نظام الدكتاتور صدام القمعي وحزبه الفاشي الشمولي، لقد انحدرت أحول الشعب العراقي نحو الحضيض، وهو الذي كان يتمنى التخلص من نظام صدام لينعم بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم،  فإذا به اليوم قد تلاشت كل أحلامه، بل لقد وصل به اليأس من البقاء على قيد الحياة، والعيش بأمان وحرية وكرامة تليق بالإنسان.

 

الفصل الثاني

الفصل الأول

المقدمة

محتويات الكتاب

الفصل السادس

الفصل الخامس

الفصل الرابع

الفصل الثالث

الفصل العاشر

الفصل التاسع

الفصل الثامن

الفصل السابع

التوثيق والصور

ملحق (1)                 ملحق (2)