الفصل الثالث

 

 ثورة 14 تموز 1958،وعودة الزعيم مصطفى البارزاني

والتطورات التي حدثت بعد الثورة

 

 

 

 

 

 

 أولاً : ممهدات ثورة 14 تموز 1958 .

 

 ثانياً: تشكيل جبهة الاتحاد الوطني واللجنة العليا للضباط الأحرار.

 

 ثالثاً:انتصار الثورة وإعلان الجمهورية وعودة البارزاني ورفاقه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً : ممهدات ثورة 14 تموز 1958

 

بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية ، وبعد إجهاض الثورة الكردية بقيادة السيد مصطفى البارزاني ، رأى  رئيس الوزراء [ حمدي الباجه جي ]أن يحل مجلس النواب ،ويجري انتخابات جديدة لمرحلة ما بعد الحرب ،وأعلنت الحكومة عن عزمها إنهاء الأوضاع الاستثنائية في البلاد ، وإلغاء الأحكام العرفية ،وإجراء إصلاحات ديمقراطية ،بإطلاق حرية تأليف الأحزاب والجمعيات ،وحرية الصحافة ،وتعديل قانون الانتخابات ،والعمل على إحداث إصلاحات اجتماعية ،وغيرها من الأمور الأخرى ،لامتصاص نقمة الشعب .

لم يرق للسفارة البريطانية هذا التوجه الجديد، فأوعزت إلى الوصي لإجراء تغير وزاري ، وقد أشار الوصي عبد الإله لرئيس الوزراء أن يقدم استقالة وزارته تمهيداً لتشكيل حكومة جديدة تأخذ على عاتقها تحقيق الإصلاحات المسموح بها ، حيث سارع إلى تقديم استقالة حكومته في 29 كانون الأول 1946 وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي .

لكن تأليف الوزارة الجديدة تأخر مدة شهرين بسبب الخلاف حول المدى المطلوب للإصلاحات الديمقراطية ، وأخيراً تم تأليف الوزارة الجديدة برئاسة السيد [توفيق السويدي] في 23 شباط 1946 .

وقد أكد السيد السويدي في أول خطاب له على ضرورة إنهاء كافة الأوضاع الاستثنائية ومراسيمها المخالفة للدستور ، وتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد ، بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية ، و تم قهر الثورة الكردية بزعامة السيد مصطفى البارزاني ، وزالت كل مبررات الأوضاع الاستثنائية في البلاد .

ومن جهة أخرى أشار الوصي عبد الإله في خطابه في 27 كانون الأول 1945 إلى أهمية العمل على عودة الحياة الطبيعية للبلاد، وإنهاء الظروف الاستثنائية ،ووإلغاء المراسيم المناهضة لحقوق وحريات الشعب ،وإشاعة الديمقراطية في البلاد . (1)

وجاء برنامج الحكومة بما يشير إلى رغبة الحكومة بانتهاج هذا السبيل، ووجدت الشخصيات الوطنية أن من الضروري استثمار هذه الفرصة، رغم عدم ثقتهم بنوايا البلاط والحكومة والمحتلين الإنكليز ودعواهم، فقد جاء في مذكرات زعيم حزب الاستقلال السيد محمد مهدي كبه حول نوايا البلاط والحكومة ما يلي :

{ لم يكن الوصي ،ولا الطبقة الحاكمة ،ولا الإنكليز جادين في تنفيذ هذه السياسة الجديدة التي أعلن عنها الوصي . ولم نكن نحن ولا الساسة والعناصر الوطنية التي بادرت إلى تأليف الأحزاب والجمعيات السياسية واثقين من حسن نوايا الحاكمين وجديتهم في انتهاج السياسة التي أعلن عنها الوصي .

غير أننا وباقي العناصر الوطنية من رجال الأحزاب الآخرين رأينا من واجبنا انتهاز هذه الفرصة لتنظيم الحياة السياسية في البلاد ،وجمع العناصر الوطنية فيها، ونشر الوعي السياسي والوطني بين أبناء الشعب.(2)

وهكذا تقدمت تلك العناصر الوطنية بطلب إجازة أحزابها، وتمت موافقة الحكومة على إجازة خمسة أحزاب منها ، فيما رفضت إجازة [حزب التحرر الوطني] الذي يقوده الشيوعيون ، و[الحزب الديمقراطي الكردستاني ] بزعامة السيد إبراهيم أحمد ، وبقي نشاط هذين الحزبين سرياً حتى قيام ثورة 14 تموز 1958 ، بعد أن حجبت الحكومة حقهما بممارسة النشاط السياسي على الرغم من أنه كان لهما الدورالبارز والمؤثر على الساحة السياسية في البلاد لما يتمتعان فيه من جماهيرية واسعة في صفوف الشعب العراقي .(3)

أما الأحزاب التي أجيزت فهي :

1 ـ الحزب الوطني الديمقراطي ـ بزعامة السيد كامل الجادرجي .

2 ـ حزب الإستقلال ـ بزعامة الشيخ محمد مهدي كبه .

3 ـ حزب الأحرار ـ بزعامة الشيخ داخل الشعلان .

4 ـ حزب الشعب ـ بزعامة السيد عزيز شريف .

5ـ حزب الاتحاد الوطني ـ بزعامة السيد عبد الفتاح إبراهيم .

لكن الأحداث جرت كما توقعت الأحزاب الوطنية تماماً ، فلم تكن الحكومات المتعاقبة قادرة على استيعاب وتحمل النشاط السياسي لهذه الأحزاب التي كانت تناضل من أجل أوضاع ديمقراطية جدية ، وانتخابات حرة ونزيهة من دون تدخل الحكومات أو البلاط أو السفارة البريطانية ، مما جعل حالة التصادم بين تلك الأحزاب والحكومات المتعاقبة على سدة الحكم أن يبقى مستعراً ، و دفع الحكومة إلى إلغاء إجازة حزب الشعب في 19 أيلول1947.(4)

وبدأت الأوضاع السياسية في البلاد بالتدهور من جديد ، على عهد وزارة السيد أرشد العمري  التي خلفت وزارة السويدي التي أراقت دماء عمال شركة نفط كركوك في[ مذبحة كاورباغي] بسبب مطالبتهم بتحسين أوضاعهم المعيشية ، ورفع رواتبهم ، وتخصيص سيارات لنقلهم إلى العمل .

واستقالت وزارة العمري لتخلفها وزارة السيد صالح جبر ـ نوري السعيد ، لتنفيذ المهمة التي أناطتها بها السفارة البريطانية بتجديد المعاهدة العراقية البريطانية الموشكة على الانتهاء ،واستبدالها بمعاهدة [بورتسموث] التي تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى مما أدى إلى تصاعد الصراع بين القوى الوطنية والحكومة ، ذلك الصراع الذي انتهى باندلاع وثبة كانون الثاني المجيدة عام 1948 ، التي ساهمت بها كل الأحزاب الوطنية ، وكان للحزب الشيوعي دور الريادة فيها ، وانتهت بسقوط حكومة صالح جبر ـ نوري السعيد ،وهروبهما إلى خارج البلاد ، بعد أن أوشك النظام الملكي على السقوط ، مما اجبر عبد الإله على إقالة الوزارة،وتعيين الشيخ [محمد الصدر] رئيساً للوزراء.

لكن وزارة الصدر لم تكن إلا وزارة تهدئة ، وامتصاص ثورة الشعب ، وتهيئة الظروف لعودة تلك [الوجوه البورتسموثية] من جديد ، والانتقام من الحركة الوطنية وأحزابها السياسية ، وتزييف الانتخابات وقمع الصحافة الوطنية ، مما أجج الصراع من جديد بين الشعب وقواه الوطنية من جهة والفئة الحاكمة من جهة أخرى ، وأدى بالتالي إلى اندلاع وثبة تشرين الثاني المجيدة التي أوشكت أن تسقط النظام الملكي مرة أخرى ، لولا أن أقال عبد الإله حكومة   [مصطفى العمري ] وعين رئيس أركان الجيش الفريق [ نور الدين محمود ] رئيساً للوزراء ،وأمره  بإنزال الجيش إلى الشوارع والتصدي للمظاهرات الشعبية ، بعد أن هربت قوات الشرطة من الشوارع أمام جموع المتظاهرين الغاضبة ودفع الشعب العراقي ثمناً باهظاً من دماء أبنائه البررة.

 لم تهدأ الأوضاع في البلاد إلا لفترة زمنية محدودة ، حيث تفجرت الانتفاضة من جديد عام 1956 بعد أن ربط نوري السعيد العراق بحلف بغداد ، وتآمر مع بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عندما شنت هذه الدول الحرب على مصر على أثر قيام عبد الناصر بتأميم قناة السويس ، فكانت معركة أخرى خاضها الشعب العراقي وقواه الوطنية ضد سياسات الحكم الملكي .

ثانياً: تشكيل جبهة الإتحاد الوطني ،ولجنة للضباط الأحرار

 

وهكذا أدركت القوى الوطنية ، بعد أن أصابها اليأس من إصلاح أحوال البلاد على الرغم من العديد من المذكرات التي قدمها السيد كامل الجادرجي زعيم الحزب الوطني الديمقراطي ، ومحمد مهدي كبة زعيم حزب الإستقلال للوصي عبد الإله ، وتحذيره من مغبة الاستمرار على هذا النهج الخطير في إدارة شؤون البلاد  ، أدركت أن لا سبيل أمامها غير توحيد صفوفها في جبهة وطنية عريضة ، والتعاون مع العناصر الوطنية في القوات المسلحة المتمثلة في اللجنة العليا للضباط الأحرار بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم .

 وبالفعل تم الإعلان عن تشكيل جبهة الإتحاد الوطني في 9 آذار 1957 ،والتي ضمت [الحزب الشيوعي] و[الحزب الوطني الديمقراطي ] و[حزب الإستقلال] و [حزب البعث ]. (5)

وقد بذل الحزب الشيوعي جهداً كبيراً لإدخال [ الحزب الديمقراطي الكردستاني  في الجبهة ،إلا أن الحزبان القوميان   [حزب الاستقلال ] و[حزب البعث ]  رفضا ذلك ، مما دفع الحزب الشيوعي إلى إقامة تحالف ثنائي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني . (6)

وفي الوقت نفسه كانت العناصر الوطنية في القوات المسلحة قد شكلت عدة تنظيمات ثورية داخل الجيش ، ثم توحدت في [اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار ] برئاسة الزعيم عبد الكريم قاسم ، وتم اللقاء بين قيادة جبهة الاتحاد الوطني واللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار لتنسيق الجهود من أجل إجراء التغيير الجذري في البلاد فكانت ثمرة ذلك اللقاء وتلك الجهود انبثاق ثورة 14 تموز58 .

ثالثاً:انتصار الثورة وإعلان الجمهورية وعودة البارزاني ورفاقه :

 

شكل  استكمال تشكيل جبهة الإتحاد الوطني ، وتوحد الفصائل الثورية في صفوف الجيش ، دافعاً قوياً لإنجاز تغيير ثوري في البلاد يطيح بالنظام الملكي ، ويقيم نظام حكم جمهوري في عراق متحرر من الهيمنة الإمبريالية ، وبناء عراق ديمقراطي جديد يحقق الحياة الحرة الكريمة للشعب .

وانتهز الزعيم عبد الكريم قاسم الأمر الذي صدر له بتحرك اللواء التاسع عشر الذي كان بإمرته ، واللواء العشرين الذي كان يقوده العقيد الركن ياسين عبد الرؤوف نحو الأردن ، وكان كل من العقيد [عبد السلام عارف] و[العقيد عبد اللطيف الدراجي]  يقودان فوجين من الأفواج الثلاثة لهذا اللواء ، واستطاعا السيطرة على اللواء واعتقال قائده[ ياسين عبد الرؤوف] لعدم موافقته على المشاركة في الثورة ، والتوجه نحو بغداد لتنفيذ الثورة . (7)

و استطاعت قوات الثورة التي دخلت بغداد فجر الرابع عشر من تموز1958 ، في طريقها إلى الأردن خلال ساعات محدودة إسقاط النظام الملكي ، وإعلان الجمهورية العراقية بدعم جماهيري هائل قُدر بمئات الألوف من المواطنين من كل أطياف شعبنا ، مما لم يترك أي مجال لأي تحرك مضاد للثورة .

وبدأت الثورة تركز أقدامها محروسة بجماهير الشعب العراقي كافة من أقاصي كردستان وحتى الفاو ،وكان شعبنا كله عزم وأمل  في قيام عراق ديمقراطي متحرر تتآخى في ظله سائر القوميات والطوائف والأديان لبناء العراق الجديد،

وتم تشكيل مجلس للسيادة ليقوم مقام رئيس الجمهورية،  وروعي في تشكيله أن يكون ممثلاً للقوميتين العربية والكردية ، وللطائفتين الشيعية والسنية وجاءت على الوجه التالي :

1ـ السيد نجيب الربيعي ـ رئيساً لمجلس السيادة ـ مسلم سني

2 ـ السيد محمد مهدي كبة ـ عضو المجلس ـمسلم شيعي

3 ـ السيد خالد النقشبندي ـ عضو المجلس ـ كوردي

كما تم تأليف الوزارة برئاسة الزعيم عبد الكريم قاسم ، وضمت الوزارة ممثلين لكافة الأحزاب السياسية باستثناء الحزب الشيوعي بدعوى عدم استفزاز الإمبريالية ، وفي حقيقة الأمر كان مجرد قيام الثورة يشكل أخطر استفزاز للإمبرياليين ، ومع ذلك فقد تغاضى الحزب الشيوعي عن ذلك مؤقتاً حرصاً على نجاح الثورة وتثبيت أقدامها ، وعدم إعطاء الذرائع لإجهاض الثورة الوليدة .

وقد حصل اثنان من الوزراء الكورد مناصب في الوزارة وهما كل من :

1 ـ السيد  بابا علي الشيخ محمود ـ  وزيراً للمواصلات .

2 ـ السيد مصطفى علي ـ  وزيراً للعدل . (8)

وبادرت قيادة الثورة إلى إصدار الدستور المؤقت ، والذي نص في مادته الثالثة على كون العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن، وهذا هو نص المادة  :

المادة الثالثة : يقوم الكيان العراقي على أساس التعاون بين المواطنين كافة ، باحترام حقوقهم ، وصيانة حرياتهم ، ويُعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ، ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية .

 ومما يؤكد هذا التوجه للزعيم عبد الكريم قاسم نحو معالجة القضية الكردية بما يلبي الحقوق القومية للشعب الكردي ضمن الجمهورية العراقية هو إصدار حكومة الثورة القرارات التالية :

 1 ـ اعتبار الحركة الكردية حركة وطنية تحررية .

 2 ـ اعتبار الضباط الشهداء الكورد الذين أُعدموا في العهد الملكي بعد إخماد الثورة البارزانية عام 1946  شهداء للوطن ، وتم إعادة حقوقهم التقاعدية وتعويض ذويهم .

 3 ـ دعوة زعيم الحركة الكردية السيد مصطفى البارزاني ورفاقه الذين لجأوا للإتحاد السوفيتي بعد قمع الثورة عام  1946،إلى الوطن والمشاركة في بناء العراق الجديد ، وقد جرى للزعيم البارزاني ورفاقه عند عودتهم للوطن استقبالاً رسمياً وشعبياً كبيراً ، وأمر الزعيم عبد الكريم قاسم بإسكان القائد البارزاني مصطفى في قصر غريمه اللدود نوري السعيد ، وخصص له راتب وزير .

 4 ـ  أمر الزعيم عبد الكريم قاسم ببناء مساكن لرفاق السيد البارزاني في منطقة بارزان،وأمر بتخصيص رواتب مجزية لهم ولعوائهم وتعويضهم .(9)

و كان هذا  خير دليل على ما كان يضمره الزعيم عبد الكريم قاسم تجاه الشعب الكردي وقضيته العادلة لو قدر للعراق أن ينعم بالأمن والسلام ، وتوجهت القوى السياسية نحو التعاون والتآلف ، وترصين جبهة الإتحاد الوطني ، والاتفاق على خطوط عريضة لبرنامج وطني من أجل بناء العراق الجديد ، عراقٌ يتسع لكل أبنائه بكافة قومياته وأديانه وطوائفه لكي ينعم الجميع بحياة رغيدة وسلام دائم لا تعكره النزاعات والاحتراب .

لكن المؤسف أن الأحداث التي جرت بعد قيام الثورة والصراع الذي نشب بين الأحزاب السياسية حول مستقبل العراق ، ولجوء الأحزاب والقوى القومية العربية للتآمر على الثورة وهي في أيامها الأولى بدعوى الوحدة الفورية مع العربية المتحدة ، والتي أثبتت أحداث التاريخ التالية كذبها وبطلانها ، فقد كان هدفهم الحقيقي سرقة  ثورة 14 تموز ،والاستئثار بالسلطة ،وخير دليل على ذلك تآمر حزب البعث الذي خان الثورة وهي في أيامها الأولى ، واستلامه للسلطة في انقلاب 8 شباط  عام 1963 بدعم إمبريالي مكشوف، وتنكرهم للوحدة وعبد الناصر ، واستلام السلطة من قبل خائن الثورة عبد السلام عارف بعد انقلابه على حلفائه البعثيين في 18 تشرين من العام نفسه ، وتنكره للوحدة وعبد الناصر الذي كان يتغزل باسمه كذباً وزوراً .

لقد عطل دعاة القومية العربية المزيفين  مسيرة التطور الديمقراطي في البلاد بمؤآمراتهم الغادرة والمتتالية على ثورة تموز الخالدة ، وأدخلوا البلاد في دوامة العنف والعنف المضاد ، ومهدوا السبيل للتدخل الإمبريالي ، بل وساهموا معه بصورة فعلية من خلال مؤآمراتهم التالية :

أولاً ـ . محاولة عبد السلام عارف اغتيال عبد الكريم قاسم في مقره بوزارة الدفاع  في 11 تشرين الأول 1958، ولولا انتباه الزعيم الفجائي لحركة عبد السلام بسحب المسدس من جيبه ، وهجوم الزعيم[ فؤاد عارف] الذي كان موجوداً في الصالة على عبد السلام والسيطرة على المسدس وتفريغه من الرصاص ، ودخول المرافق الأقدم الزعيم[ وصفي طاهر] للصالة في تلك اللحظة  لكانت قد حلت الكارثة ، ومع ذلك فقد عفا عنه عبد الكريم وطلب منه مغادرة العراق سفيراً في ألمانيا ، وودعه شخصياً في المطار . (10)

لكن عبد السلام عاد بصورة سرية ومن دون علم الحكومة يوم 4 تشرين الثاني 1959 حيث كانت حركة انقلابية قد جرى الإعداد لها من قبل عدد من الضباط القوميين المساندين له في تلك الأيام ، لكن عبد الكريم قاسم اعتقل عبد السلام وأفشل المحاولة ، وتمت إحالته للمحاكمة ، وحكم عليه بالإعدام ، لكن الزعيم عفا عنه وأعاد له راتبه التقاعدي وأرسله للحج لعله ويتوب !. (11)

 

ثانياً ـ انقلاب العقيد [ عبد الوهاب الشواف] في الموصل في 8 آذار 1959 ، والذي كان للحزب الشيوعي ،والحزب الديمقراطي الكردستاني ، الدور الأساس والفعّال في إخماد الانقلاب في مهده ،وقُتل الشواف خلال الانقلاب ،وحوكم عدد من الضباط الذين شاركوا في الانقلاب وتم إعدام البعض منهم . (12)

ثالثاً: محاولة الانقلاب الذي دبره [رشيد عالي الكيلاني] والذي تم كشفه في 8 كانون الثاني 1959 ، وإفشاله قبل تنفيذه بأيام ،وتم القبض على المتآمرين وقدموا للمحاكمة ، وتم الحكم على الكيلاني بالإعدام ،والسجن لأعوانه المشاركين في المحاولة ، لكن الزعيم عبد الكريم قاسم لم ينفذ الحكم ، وأفرج عنه وعن مجموعته المتآمرة فيما بعد !!!. (13)

 رابعاً ـ  محاولة حزب البعث اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في رأس القرية في 7 تشرين الأول 1960 ، لكن عناية الله أنقذت الزعيم عبد الكريم قاسم من الموت ، حيث أصيب بعدة رصاصات ، واستشهد سائقه ، وتم  إفشال المؤامرة الدنيئة والواسعة التي دُبرت للثورة ، وتمت السيطرة على المرافق العامة في بغداد من قبل الضباط الوطنيين وجماهير الشعب ، والقي القبض على المتآمرين وقدموا للمحاكمة وحكم عليهم بالإعدام ، لكن الزعيم عبد الكريم قاسم لم ينفذ الحكم ، بل عفا عنهم ، وأطلق سراحهم لكي يعاودوا الكرة وينفذوا انقلابهم الفاشي في 8 شباط 1963 !!!. (14)

خامساً:انقلاب 8 شباط الفاشي الذي دبره الإمبرياليون الأمريكيون والبريطانيون بالتعاون والتنسيق مع عبد الناصر ، ونفذته عصابات البعثيين والقوميين الذين اغتالوا ثورة الرابع عشر من تموز وقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم ورفاقه الشهداء ، وقادة الحزب الشيوعي والألوف من كوادره وأعضائه ،ومن الوطنيين والقاسميين ،وأغرقوا العراق بالدماء وملئوا السجون بالألوف من الوطنيين الشرفاء الذين ذادوا عن الثورة وقيادتها. (15)

 ومن المؤسف والمخجل أن تجري كل تلك المحاولات الانقلابية الفاشلة ،وانقلاب 8 شباط بدعم مباشر من قبل نظام عبد الناصر مادياً وإعلامياً وتسليحاًً ، وبالتنسيق مع الإمبرياليين الأمريكيين والبريطانيين الذين كانوا قد عقدوا العزم على إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم الوطنية منذُ اللحظة الأولى لنجاح الثورة ، وصاروا أكثر عزماً على تنفيذ جريمتهم بعد أن أصدر الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم القانون رقم 80 ، الذي سحب بموجبه من شركات النفط الاحتكارية 99،5 % من المناطق النفطية التي كانت تحت سيطرتهم أيام الحكم الملكي ، وأصدر قانون تشكيل شركة النفط الوطنية لكي تتولى استثمار تلك المناطق وطنياً .

هذا ما جرى على أيدي القوى البعثية والقومية وسادتهم الإمبرياليين ورائد القومية العربية عبد الناصر !!! ، وما سببته للشعب العراقي من ويلات وآلام ومصائب خلال 40 عاماً تلت انقلاب الثامن من شباط 1963 ، ولا زال الشعب العراقي حتى يومنا هذا يتجرع من ويلات الجرائم الوحشية لبقايا النظام الصدامي الفاشي .

وبعد أن تعرضنا للدور التخريبي والتآمري والإجرامي لتلك القوى البعثية والقومية على ثورة تموز الخالدة  لابد أن نعود إلى تقييم مواقف وسياسات القوى الوطنية المتمثلة بالحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني ، والحزب الوطني الديمقراطي ؟ وما هي الأدوار التي لعبتها في الساحة السياسية الإيجابية منها والسلبية ؟ وما هي المسؤولية التي تتحملها هذه الأحزاب بسبب أخطائها ؟ بالإضافة للمسؤولية التي يتحملها الزعيم الخالد عيد الكريم قاسم بسبب أخطائه هو بالذات بحق القوى الوطنية من جهة أخرى، وتساهله مع القوى المتآمرة على الثورة من جهة أخرى ، في ضياع ثورة 14 تموز الخالدة ،والمصائب التي ترتبت على أخطائها ، والتي كانت السبب في استيلاء البعثيين الفاشيين وحلفائهم القوميين على الحكم في انقلاب  8  شباط 1963  وحتى سقوط النظام الصدامي في 7 نيسان 2003 ، وما جلبته لشعبنا العراقي بكل قومياته وأديانه وطوائفه من ويلات ومصائب يعجز القلم عن وصفها، حروب مفجعة، وحصار اقتصادي أشنع من كل الحروب ،  وقتل لملايين المواطنين ، وخراب اقتصادي ، وانهيار اجتماعي ،وإغراق العراق بالديون .

 

 

 

 

 

****** 

***********  

*****************

 

 

توثيق الفصل الثالث

 

(1)   تاريخ الوزارات العراقية ـ عبد الرزاق الحسني ـ الجزء السادس ـ ص 344ـ348 .

 (2) في صميم الأحداث ـ محمد مهدي كبه ـ ص 111 .

(2)   تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ الجزء السادس ـ ص22 .

(3)   المصدر السابق ـ الجزء السابع ـ ص 24 .

(4)   جبهة الإتحاد الوطني والمهام الملقاة على عاتقها ـ عزيز الشيخ ـ ص12 .

(5)   ثورة 14 تموز ـ دكتور ليث الزبيدي ـ ص 97 .

(6)   وثائق محكمة الشعب ـ الجزء الخامس ـ ص 427 .

(7)   إذاعة وتلفزيون بغداد ـ 14 تموز 1958 .

(8)   الحركة القومية الكردية ـ ادمون غريب ـ ص 38 ـ39 .

(9)   مذكرات عبد السلام عارف ـ ص29 .

(10)ثورة 14 تموز 1958 ـ دكتور ليث الزبيدي ـ ص 358 .

(11)وقائع محكمة الشعب ـ الجزء الخامس ـ ص 217 .

(12)وقائع محاكمة الكيلاني أمام محكمة الشعب ـ الجزء الخامس ـ ص 61

(13)فوآد الركابي ـ الحل الأوحد ـ ص 28 ـ29 .

(14)العراق ـ الكتاب الثالث ـ ص 300 .