الفصل الثاني

 

الثورة البارزانية

 

 

 

 

 

أولاً : الثورة البارزانية بقيادة الشيخ أحمد البارزاني .

 

ثانياً:الثورة البارزانية بقيادة السيد مصطفى البارزاني

 

ثالثاً: السيد مصطفى البارزاني يعاود الثورة من جديد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً: نبذة مختصرة عن تاريخ العائلة البارزانية

 

يعتبر الشيخ محمد البارزاني ، أول رائد لحركة التحرر الكردية في العراق في مقتبل القرن العشرين ، وكان الشيخ محمد يتمتع بمركز ديني واجتماعي كبير بين أبناء الشعب الكردي أهلته لكي يقود حركة التحرر الكردية في بداياتها ، ففي عام 1907 تقدم الشيخ محمد بجملة من المطالب المتعلقة بحياة الشعب الكردي إلى الحكومة العثمانية .

لكن الحكومة العثمانية بدلاً من أن تتجاوب مع تلك المطالب البسيطة المتعلقة بالحقوق المدنية آنذاك فإنها جهزت حملة لإخضاع الشيخ محمد ، وتم لها اعتقاله وإرساله إلى السجن في [ بدليس ] بكردستان الشمالية حيث بقي في السجن حتى وفاته . (1)

وبوفاته تولى الشيخ عبد السلام  ، أكبر أبنائه، راية النضال من أجل تحقيق طموحات الشعب الكردي المشروعة .

بادر الشيخ عبد السلام إلى إقامة شبكة من العلاقات مع العديد من المنظمات والشخصيات الكردية البارزة لتكثيف الجهود من أجل تحقيق طموحات الكورد ، وكان من بين المنظمات التي جرى الاتصال بها [ جمعية تعالي وترقي الكورد ] و [ جمعية هيفي ] و [جمعية استيقاظ الكورد ] ، ومن بين الشخصيات الكردية البارزة كان كل من [ الشيخ محمود الحفيد البرزنجي ] و [ الشيخ عبد القادر النهري ] و [ اسماعيل أغا سمكو ] . (2)

 كما بادر بتقديم مذكرة  للحكومة العثمانية بمطالب تتعلق بالحقوق القومية للشعب الكردي التالية :

1 ـ جعل اللغة الكردية اللغة الرسمية في كردستان .

2 ـ جعل التعليم بالغة الكردية وضرورة فتح المدارس الكافية .

3 ـ تعيين رجال الإدارة في المنطقة الكردية من المواطنين الأكراد .

لكن الرد من جانب الحكومة العثمانية على تحركات الشيخ عبد السلام ومذكرته المتعلقة بالمطالب تلك جاء سريعاً بتجهيز حملة عسكرية نحو منطقة بارزان عمل فيها الجيش العثماني قتلاً وتخريباً وتدميراً وحرقاً ، وتم اعتقال الشيخ عبد السلام في سجن الموصل ، كما تم اعتقال زوجته وطفله البالغ 3 سنوات مصطفى البارزاني رائد حركة التحرر الكردية فيما بعد . (3)

أما الشيخ عبد السلام فقد قامت الحكومة العثمانية  بإعدامه فيما بعد في عام 1915 .

وعلى أثر اعتقال وإعدام الشيخ عبد السلام تولى أخوه الأكبر الشيخ [أحمد البارزاني ] الزعامة وقيادة حركة التحرر الكردية ، وشارك الشيخ أحمد في ا لثورة الكردية التي قادها [الشيخ محمود الحفيد] ضد الإنكليز عام 1919 ، وكان له دور كبير في تاريخ الحركة الكردية ، حيث قاد الثورة ضد الحكومة بعد أن عجزت عن تلبية المطالب الكردية المتعلقة بالحقوق المدنية . 

 

 الثورة البارزانية بقيادة الشيخ أحمد:

 

حاولت الحكومة تثبيت نفوذها في منطقة كردستان ،لمنع أية محاولة من جانب بعض الزعماء الأكراد للقيام بثورة جديدة ،وكان من جملة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة قرارها بإقامة مخافر في منطقة  [بازيان ] المحصورة بين [الزيبار] و[عقرة] و[الزاب الأعلى] والتي تتوسطها قرية [ بارزان ] حيث مقر سكن الشيخ احمد البارزاني ،عميد الأسرة البارزانية المعروفة ،والذي يتمتع بمركز كبير في صفوف الأكراد . (4)

رفض الشيخ احمد إقامة تلك المخافر،واعتبرت الحكومة أن موقفه هذا يشكل تحدياً لسلطتها ،واتخذت قراراً بإقامة المخافر ،حيث أرسلت قوات عسكرية إلى المنطقة لفرض إقامتها بالقوة، مما تسبب في وقوع مصادمات عنيفة بين أتباع الشيخ احمد والقوات الحكومة،في 9 كانون الأول 1930.

وقد  دارت معارك شرسة بيت الطرفين أدت إلى وقوع الكثير من الضحايا وقد قتل ما يزيد على 50 فرداً من قوات الحكومة،وأصيب الكثير منهم بجراح ،واستطاع أتباع البارزاني طرد بقية القوات التي أرسلتها الحكومة إلى المنطقة ،وأخذ  يوسع  نفوذه في المنطقة بعد النجاحات التي أحرزتها قواته ضد قوات الحكومة.(5)

 

وإزاء ذلك الوضع قررت الحكومة تجريد حملة عسكرية كبيرة لإخضاع الشيخ احمد البارزاني ،في شهر نيسان 1932، مستعينة بالقوة الجوية البريطانية التي شرعت طائراتها بقصف المنطقة، ومطاردة البرزانيين في 25 أيار 1931 .

 

 كان القصف الجوي من الشدة بحيث دفع المقاتلين البارزانيين إلى الالتجاء إلى الجبال حيث المخابئ الآمنة ،وبدأت قوات الحكومة حملتها ضدهم في 22 حزيران 1931، مما اجبر الشيخ أحمد بعد أن تشتت قواته،على الفرار إلى تركيا ،حيث سلم نفسه للسلطات التركية التي نقلته إلى منطقة [ أدرنة ] على الحدود البلغارية ،لكنها ما لبثت أن إعادته إلى منطقة الحدود العراقية.(6)

 ولما بلغ الخبر إلى الحكومة العراقية،تقدمت بطلب إلى الحكومة التركية لتسليمه ،إلا أن  الحكومة التركية رفضت الطلب ،مشترطة إصدار عفو عام عنه ،وعن أتباعه ،واضطرت الحكومة العراقية إلى إصدار العفو عنهم ،وعليه فقد عاد الشيخ احمد وأتباعه إلى العراق ،حيث أسكنتهم الحكومة في الموصل،ثم جرى نقلهم بعد ذلك إلى الناصرية،فالحلة، فالديوانية ،ثم استقر بهم المطاف في مدينة السليمانية .

 

ثانياً:الثورة الكردية بزعامة مصطفى البارزاني:

 

نبذه مختصرة عن حياة مصطفى البارزاني:

 السيد مصطفى البارزاني هو ابن الشيخ عبد السلام البارزاني أحد أبرز رواد حركة التحرر الكردية في القرن العشرين الذي كان يتمتع بمركز ديني كبير بين قومه ، ولد السيد مصطفى البارزاني عام 1903 في قرية بارزان الواقعة على سفوح جبل شيروان الجنوبية في قضاء الزيبار في موقع حصين ، تعرض للسجن مع والدته في سجن الموصل عام 1907 على اثر قيام السلطات العثمانية باعتقال وسجن والده في كردستان الشمالية حيث جرى إعدامه  هناك ، وقد كان لتلك الأحداث والظروف التي مر بها هو وعائلته تأثيراً كبيراً جداً على مستقبل حياته وكفاحه البطولي من أجل القضية الكردية الذي استمر سبعة عقود .

 

 كان باكورة كفاحه مشاركته في ثورة  الشيخ محمود الحفيد في عام 1930 ،وقد أظهر شجاعة فائقة دفعته إلى الصدارة فيما بعد ،وأهلته لقيادة حركة التحرر الكردية ، وقد أصبح تأريخ الكورد وانتفاضاتهم وثوراتهم مرتبطة باسم هذا القائد ، وغدا ابرز رموزهم في العصر الحديث ، حيث استمر في قيادة الحركة الكردية منذ ذلك التاريخ حتى وفاته على أثر إصابته بمرض عضال عام 1978.

إندلاع الثورة من جديد بقيادة مصطفى البارزاني: 

 

على الرغم من أن الحكومة كانت قد قضت على الثورة التي قادها الشيخ أحمد البارزاني ،إلا أن هجمات العناصر الكردية المسلحة استمرت دون انقطاع ،حيث كانت تغيرُ على المنطقة بين الحين والأخر، مما دفع الحكومة العراقية إلى محاولة فرض وجود لقواتها المسلحة في المنطقة لمنع أي تحرك ثوري فيها .

 وقد بادرت الحكومة إلى الإعلان عن قرارها بإقامةإنشاء مركز للشرطة في قرية [ بله] مقر البارزانيين ،لكن السيد مصطفى البارزاني رفض ذلك وهدد بقتل كل من يحاول القيام به .

لكن الحكومة تجاهلت تحذير البارزاني ، وأوعزت بالمباشرة في تنفيذ قرارها مما أدى إلى وقوع  اضطرابات خطيرة في المنطقة جرى على أثرها قتل القائمقام والمهندس اللذين حاولا البدء بإنشاء المركز.

وعلى الفور أقدمت الحكومة على إعلان الأحكام العرفية في المنطقة التي شملت نواحي[ ميزوري بالا] [بازيان] و[ ميركه سور] و[كاني رش ] وسيّرت قوة عسكرية ضد البارزانيين.(7)

وتعاونت الحكومة التركية مع الحكومة العراقية ،حيث قامت بإغلاق حدودها أمام البارزانيين ،وحشدت قواتها على الحدود،لمنع أي تسلل عبر الحدود ،واستطاعت قوات الحكومة القضاء على ثورة البارزني في 30 تشرين الأول 1935.

غير أن بذور الثورة وعنفوانها كانت ما تزال باقية لتفعل فعلها في المجتمع الكردي حتى تجد لها الظروف المناسبة لتنطلق من جديد ، ومما ساعد في ذلك تجاهل الحكومة لأسباب قيام الثورة وسبل معالجتها بما يوفر الحد الأدنى من طموحات الشعب الكردي .

ثالثاً:البارزاني يعاود الثورة في آب 1945

 

لم تهدأ الحركة الكردية رغم ما أصابها على يد الجيش العراقي ،وازداد إصرار أبناء الشعب الكردي على نيل حقوقهم القومية ،ومطالبتهم بتخصيص نسبة عادلة من موارد الدولة لتنمية المنطقة الكردية ،والنهوض بها من حالة التخلف ،والعمل على حل المشاكل المعيشية التي يعانون منها ،فتقدم مصطفى البارزاني بمطالب تضمنت ما يلي : (8)

1 ـ تعيين موظفين إداريين أكراد في منطقة كردستان .

2 ـ  تعين وكيل وزارة كوردي لكل وزارة .

3 ـ  اعتبار اللغة الكردية اللغة الرسمية في المنطقة الكردية .

4ـ إحداث وزارة تختص بشؤون كردستان .

إطلاق سراح المعتقلين والمسجونين الأكراد الذين تم اعتقالهم بسبب القضية الكردية .

6 ـ القيام بحملة اعمار لمنطقة بارزان التي تعرضت للتدمير .

7 ـ التعويض عن الأضرار التي أصابت المواطنين جراء القتال  

8 ـ الإهتمام بفتح المدارس في سائر المناطق الكردية .

لكن الحكومة تجاهلت تلك المطالب ،ولجأت على الضد من ذلك إلى تصعيد مواقفها تجاه الحركة الكردية وقيادتها،وطالبت بتسليم كافة الأسلحة التي بحوزتها ،وتسليم عدد من المطلوبين الأكراد .

كان مجلس الوزراء قد قرر في 25 كانون الثاني 1944 إبعاد مصطفى البارزاني من منطقة بارزان ،وأجبرته على الإقامة في منطقة[ بيران ] .

 فلما وجد أن الحكومة لا تنوي الاستجابة للمطالب التي بعث بها إليها ،ترك منطقة إقامته المحددة تلك ،وبدأ يجري اتصالاته مع العديد من رؤساء العشائر الكردية ،وحثهم على التعاون والتآزر، للوقوف بوجه الحكومة ومشاريعها الهادفة إلى إخضاع الشعب الكردي . فقد زار البارزاني منطقة [ براد وست] و [بالك] و[ به دنان] وتنقل في[العمادية] و[عقرة] و[الشيخان] حاثاً الشعب الكردي على الوقوف صفاً واحداً للضغط على الحكومة من اجل تنفيذ مطالبهم المشروعة.

كما نشطت المنظمات السياسية الكردية ،وعلى رأسها منظمة[هيوا] ،أي الأمل،التي بادرت بالاتصال بعدد من الضباط الأكراد العاملين في الجيش والمتقاعدين،داعية إياهم إلى الانضمام إلى الحركة الكردية ،وقد لبى نداءهم كل من الضباط [عزيز عبد الشمزيني] ،والرئيس[ مير حاج أحمد]،والمقدم[أمين الراوندوزي] والرئيس [مصطفى خوشناو] ،والملازم الأول[خير الله عبد الكريم] ،والملازم [ محمد القدسي ]. (9)

 وهكذا توسعت الحركة الكردية لتشمل جانبا كبيراً من العسكريين الأكراد ،ولما وجد السفير البريطاني أن الأمور قد تطورت إلى درجة خطيرة ،أرسل معاونه لمقابلة البارزاني ،محذراً إياه من الإقدام على أي تحرك ضد الحكومة ،وأبلغه أن القوات العراقية والبريطانية سوف تجريان مناورات عسكرية في كردستان ،محذراً إياه من التصدي لهذه القوات ،ونصحه بوجوب إطاعة الحكومة وتنفيذ أوامرها ،وطالبه بعودة الضباط الذين التحقوا بالحركة إلى وحداتهم العسكرية . (10)

وقد رد البارزاني بأنه لن يبدأ بإطلاق النار على قوات الحكومة إذا فعلت الشيء نفسه  أما مسألة عودة الضباط فتتطلب اتخاذ إجراءات من قبل وزارة الدفاع لضمان سلامتهم ،وأعرب عن الشكوك التي كانت تساوره من استعدادات القطعات العسكرية العراقية في راوندوز، وتساءل عن مبررات اختيار منطقة بارزان لتدريبات الجيش والحكومة على معرفة تامة بالتوتر الذي يسود منطقة بارزان والحساسية التي نشأت عن الأحداث السابقة،فمن حقنا أن نشك في نوايا الحكومة ت ونستعد لها.(11)

وفي الفترة ما بين 5 ـ 14 آذار،بدأ الفوج الرابع من الجيش العراقي بمهمة استطلاعية ،مما أثار الشكوك لدى القيادة الكردية ،وجاء مقتل أحد أخوال البارزاني [أولو بيك ]على أيدي قوات الشرطة التي حاولت نزع السلاح من مرافقيه،فكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير،حيث اندفع البارزانيون نحو مخفر الشرطة واستولوا عليه،وقتل مأمور المخفر،وقد ترك البارزاني مقر سكنه عائداً إلى بارزان،معقله الحصين ،وعمل على تعبئة قواته،استعداداً لملاقاة الجيش العراقي الذي كان قد تم تحشيده ما بين قضاء [ عقرة ] جنوباً و[بافستيان ] شرقاً ،فيما تجمعت الشرطة في منطقة[ ريكان ]،وقامت الطائرات البريطانية بقصف القرى والقصبات الكردية بوابل من قنابلها .

وفي الوقت نفسه توجه البارزاني إلى عقرة مستحثاً العشائر الكردية على الانضمام للحركة الكردية ،واستطاع استمالة عدد كبير منها،وبدأ الطرفان يستعدان ليوم النزال  ،فقد اتخذ مجلس الوزراء في 8 آب 1945 قراراً باحتلال المنطقة الكردية عسكرياً،وخول وزير الدفاع اتخاذ كل ما يلزم لتنفيذ هذه المهمة

وقد وجه البارزاني مصطفى بياناً للشعب الكردي بوجه خاص وللشعب العراقي بوجه عام جاء فيه :

[ أنني لم ولن أحارب الشعب العراقي الذي انتمي إليه ، وإن نضالنا هو ضد الاستعمار وعملائه ، أولئك الذين امتصوا دماء شعبنا العراقي،وداسوا بأقدامهم سيادة الوطن ومصالح الشعب ] ،وقد شكل نداءه هذا برنامجاً للثورة ، ومنطلقاً لعلاقات عربية كوردية قائمة على أساس النضال المشترك من أجل التحرر والديمقراطية .

بدأت القوات العراقية ،بالتعاون مع القوات البريطانية ،بالزحف على معاقل الحركة الكردية حيث احتلت منطقة [ نهلة ] بين جبل عقرة وجبل بيرس بعد معارك عنيفة مع القوات الكردية التي كان البارزاني يقودها بنفسه ،ووقعت إصابات كبيرة في صفوف الطرفين .

ثم تقدمت قوات الحكومة نحو منطقة شرق العمادية ،وواصلت تقدمها نحو منطقة  [نيروه ريكان] ثم استطاعت فيما بعد من دخول منطقة [بارزان ]،معقل البارزاني، واستطاعت تلك القوات السيطرة على  منطقة [سيدكان] و [براد وست] كما تقدمت قوات أخرى على محور [بافستيان ] واستطاعت أن تطوق قوات البارزاني،وتحتل جبل[بيرس ].

وفي 3 تشرين الأول 1945 عبرت القوات العراقية نهر الزاب ،واحتلت مركز قضاء الزيبار[ بله] وانسحبت القوات الكردية إلى جبل[ شيرين].

كما تقدمت قوة عسكرية أخرى في منطقة[ ديزي ] واحتلت قرية [أركوش ] وواصلت تقدمها على طريق [خليفان ـ ريزان ] واحتلت جسر [ خلان] وقرية [جعفريان ] . (12)

وفي 6 تشرين الأول 1945 احتلت قوات الحكومة كامل منطقة بارزان ،ثم واصلت تقدمها نحو [ميركه سور] واحتلتها،كما استولت على [كلي بالندا] .

واستمرت قوات الحكومة في تقدمها فاستولت على [ شروان مازن ] و [جامة] و[كاني وطن] واضطرت القوات الكردية إلى التراجع نحو الحدود الإيرانية ،حيث لم يكن هناك تكافؤ بين الطرفين من حيث التسليح والطائرات والدعم البريطاني المكشوف ،واضطر مصطفى البارزاني ،وشقيقه الشيخ احمد البارزاني مع مجموعة من المقاتلين قدرت ب 560 مقاتلاً التسلل إلى إيران كما عبر الحدود المئات من العوائل الباززانية هرباً من بطش قوات الحكومة ،وبذلك انهارت الحركة الكردية،وتمكن الجيش من السيطرة على كامل منطقة كردستان.(13)

وقد استنكر الحزب الشيوعي الهجوم العسكري لقوات الحكومة على البارزانيين والقرى الكردية ، وأدان المجزرة ضد الأكراد متهماً الحكومة بأنها تعمل بأمر  من السفارة والبعثة العسكرية البريطانية وبواسطة عملائها من العرب والأكراد ، وهي في نفس الوقت مناورة استعمارية هدفها تحريض الحكومة الإيرانية ضد أكراد إيران والحكومة العراقية ضد أكراد العراق ، وأن غرضهم هو تثبيت النفوذ الاستعماري في العراق وإيران . (14)

وبدأت الحكومة بإحالة المشاركين في الحركة إلى المحاكم العرفية العسكرية ،حيث حُكم على مصطفى البارزاني وشقيقه الشيخ أحمد مع  35 فردا ً آخرين ،من بينهم 7 ضباط، بالإعدام ،وحُكم على 70 آخرين بالأشغال الشاقة المؤبدة، وعلى العديد من المشاركين الآخرين في الثورة لسنوات عديدة .

وبغية التخفيف من الحالة المأساوية التي أفرزتها الحرب ، بادرت الحكومة إلى إصدار عفو عن السيد احمد البرزاني والمواطنين الكورد الذين دخلوا الأراضي الإيرانية ، وبالفعل عادت العوائل الكردية برفقة الشيخ احمد ، كما عاد الضباط الذين شاركوا في الثورة .

 لكن الحكومة بادرت إلى  إلقاء القبض على الضباط الشهداء [مصطفى خوشناو] و[عزت عزيز] و[خير الله عبد الكريم] و[محمد القدسي] ، وجرى إعادة محاكمتهم من جديد حيث قررت المحكمة العسكرية تثبيت حكم الإعدام بحقهم ، وجرى  تنفيذ حكم الإعدام بهم .(15)

وقد اعتبرتهم قيادة ثورة الرابع عشر من تموز 1958 شهداء الوطن ،وتقرر منح عوائلهم تعويضاً ورواتب تقاعدية .

أما القائد  مصطفى البارزاني وقواته المقاتلة فقد التحقوا بجمهورية كردستان في مهاباد بقيادة المناضل الكردي البارز الشهيد[ القاضي محمد ] بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بتاريخ 22 كانون الثاني 1946، بدعم من القوات السوفيتية التي احتلت أجزاء كبيرة من شمال إيران [ كردستان إيران]  إبان تلك الحرب ، وقد تقلد القائد البارزاني أرفع منصب عسكري في الجمهورية الكردية الوليدة وهو منصب القائد العام للقوات المسلحة ، وتم منحه رتبة جنرال .

لكن انسحاب القوات السوفيتية من إيران بعد المباحثات التي تم إجرائها مع الولايات المتحدة التي كانت تخشى أشد الخشية من التغلل السوفيتي نحو مياه الخليج ، وحرصاً من السوفيت على صيانة السلام في العالم ، وتجنب الصدام مع الولايات المتحدة ، ارتأت أن تسحب جيوشها من إيران وبذلك أصبحت جمهورية كردستان تواجه تهديداً حقيقياً من قبل الحكومة الإيرانية التي راعها قيام دولة كوردية في كردستان إيران ، وقد عقدت العزم على إسقاط الجمهورية الوليدة .

وبالفعل أوعزت الحكومة الإيرانية لقوات كبيرة من جيشها جاوز تعداده 120 الفاً بالتقدم صوب كردستان مجهزين بمختلف أنواع الأسلحة والمعدات ، ولم يكن هناك أي تكافؤ بين القوتين ، ومع ذلك تصدت قوات القاضي محمد للقوات المهاجمة ودافعت ببسالة منقطعة النضير عن الجمهورية الوليدة ، وكان في مقدمة المدافعين القاضي محمد رئيس الجمهورية والمناضل مصطفى البارزاني ورفاقهم الشجعان .

لكن المعركة غير المتكافئة تم حسمها لصالح القوات الحكومية ، واستسلم القاضي محمد حيث سيق إلى السجن ، ثم ُقدم للمحاكمة وحكم عليه بالإعدام ، وتم تنفيذ حكم الإعدام بالقاضي الشهيد في 30 آذار 1947 ، في نفس الساحة التي تم فيها إعلان قيام الجمهورية  الشهيدة .

أما القائد مصطفى البارزاني فقد توجه يرافقه 560 من رفاقه المقاتلين البارزانيين نحو الحدود السوفيتية تلاحقهم قوات الجيش بوابل من القذائف والرصاص من قبل القوات الإيرانية والعراقية والتركية ، لكنهم استطاعوا بصعوبة بالغة من عبور نهر آراس الفاصل بين الحدود الإيرانية والسوفيتية والوصول إلى الاتحاد السوفيتي بصعوبة بالغة،وبقي القائد البرزاني ورفاقه هناك حتى قيام ثورة الرابع عشر من تموز،حيث سمح الزعيم عبد الكريم قاسم بعودتهم وجرى لهم استقبالاً حافلاً رسمياً وشعبياً،وتم إسكان السيد البرزاني في قصر غريمه نوري السعيد،كما تم منحه راتب وزير،و منح رفاقه رواتب شهرية ،وتم إسكانهم على نفقة الدولة

 

 

 

 

*******  

***********   

*****************

 

 

توثيق الفصل الثاني

 

(1)     مأساة بارزان ـ  معروف جاويك  ـ ص 158 .

(2)     حقائق تاريخية عن القضية البارزانية  ـ محمد البرفكاني ـ ص 21 .

(3)     مأساة بارزان ـ معروف جاويك ـ ص 156 .

(4)     نفس المصدر ـ ص 171ـ172 .

(5)     تاريخ الوزارات العراقية ـ عبد الرزاق الحسني ـ الجزء السادس ـ ص 293ـ 294 .

(6)     نفس المصدر السابق .

(7)     نفس المصدر .

(8)     البارزاني وحركة التحرر الكرديةـ ثورة بارزان  مسعود البارزاني ـ ص 37 .

(9)     أسرار بارزان ـ معروف قره داغي ـ ص 40 .

(10) حركة التحرر الوطني الكودستاني ـ دكتور خليل جندي ـ ص 65 .

(11) البارزاني وحركة التحرر الكردية ـ مسعود البارزاني ـ ص 69 .

(12) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص 168 .

(13) نفس المصدر السابق .

(14) حركة التحرر الوطني الكردستاني ـ خليل جندي ـ الوثيقة رقم 1 .

(15) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء السابع ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص 112