الفصل الحادي عشر

 

القيادة الكوردية تفاوض نظام صدام

ومؤتمر شقلاوة

وانتخاب برلمان وتشكيل حكومة كردستان

 

 

 

 

 أولاً : القيادات الكوردية تفاوض نظام صدام.

 

 ثانياً : مؤتمر شقلاوة للمعارضة العراقية .

 

 ثالثاً : انتخاب البرلمان،وتأليف حكومة كردستان .

 

رابعاً:  فرض الحماية على منطقة كردستان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً:القيادات الكردية تفاوض نظام صدام

 

بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 ، في 5 نيسان 1991 ، وقرار الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بإقامة منطقة حماية للأكراد في منطقة كردستان ، الواقعة شمال خط العرض 38 ، ورضوخ النظام الصدامي للقرار ، ظهرت دعوات بين صفوف القيادات الكردية تدعو للتفاوض مع النظام على أساس بيان 11 آذار 1970 ، بعد أن عجزت الانتفاضة عن تحقيق ما كان يصبو إليه الشعب الكوردي .

ورأى النظام العراقي أن يستغل هذه الدعوات في محاولة منه لإعادة سيطرته على كردستان ، فأرسل إشارات إلى القيادات الكردية ، عن طريق برزان التكريتي ـ الأخ غير الشقيق لصدام ـ أعرب لهم فيها عن استعداد الحكومة للتفاوض مع القيادات الكردية .

وجاء الرد من القيادات الكردية على دعوة برزان التكريتي سريعاً ، بالموافقة على أجراء المفاوضات ، دون الرجوع إلى لجنة العمل الوطني المشترك للمعارضة العراقية ، وتحفظ بعض القوى المنضوية تحت لواء الجبهة الكردستانية .(1)

وفي 12 نيسان 1991 توجه وفد كردي من الحزب الديمقراطي الكردستاني ، والاتحاد الوطني الكردستاني ، على مستوى أعضاء اللجنة المركزية إلى بغداد ، وأجرى مباحثات مطولة حول مستقبل منطقة كردستان ،ومسألة تطبيق الحكم الذاتي الحقيقي ، واعتبر ذلك الاجتماع تمهيداً لاجتماع جديد ،على أعلى مستوى لبحث كافة الأمور المتعلقة بتطبيق اتفاقية 11 آذار 1975 ،وطلبت الحكومة حضور كل من السيد مسعود البارزاني ،والسيد جلال الطالباني إلى بغداد . (2)

وبعد أسبوع توجه إلى بغداد وفد برئاسة السيد جلال الطالباني ،الذي التقى بصدام وطلب صدام من القيادات الكردية أن تقدم مشروعا مفصلاً وكاملاً ودقيقاً يتضمن مطالبها .

وعاد السيد جلال الطالباني إلى كردستان ، وتم عقد اجتماع لكافة القيادات الكردية لتدارس نتائج اللقاء الذي تم بين صدام حسين وجلال الطالباني ،ووضع مشروع جديد حول إقامة حكم ذاتي حقيقي لمنطقة كردستان ، وتضمن المشروع الجديد البنود التالية : (3)

أولاً : يتم تطبيق الحكم الذاتي الذي نص عليه اتفاق 11 آذار 1970، مع ضم محافظة كركوك لمنطقة الحكم الذاتي .

ثانياً : إطلاق سراح السجناء السياسيين في جميع السجون العراقية كافة

ثالثاً :تسهيل عودة جميع اللاجئين الأكراد ، بالتعاون مع الأمم المتحدة ، ومنظمات غوث اللاجئين .

رابعاً : اعتماد التعددية السياسية والديمقراطية في العراق ، وأجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب مجلس تأسيسي ، ووضع دستور دائم للبلاد .

خامساً : ينبغي أن يتم ضمان الاتفاق بواسطة أطراف دولية ، عبر الأمم المتحدة ، ويمكن أن تشمل هذه الضمانات مشاركة طرف ثالث في المفاوضات وتوجه بعد ذلك وفد كردي عالي المستوى ، وضم كل من السادة :

1 ـ جلال الطالباني ـ زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني .

2 ـ سامي عبد الرحمن ـ سكرتير عام حزب الشعب الديمقراطي الكردستاني .

3 ـ رسول مامند ـ سكرتير عام الحزب الاشتراكي الكردستاني .

4 ـ نتشيرفان ادريس البارزاني ـ نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني

5 ـ عمر فتاح ـ قائد الجناح العسكري للحزب الديمقراطي الكردستاني

6ـ فاضل مصطفى ـ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني

7 ـ عمر عثمان ـ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني .

8 ـ فريدون عبد القادر ـ عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني .

أما الوفد العراقي فقد تالف من كل من :

1 ـ صدام حسين ـ وقد شارك في اجتماع يومي 21، 22 نيسان .

2 ـ عزت إبراهيم الدوري ـ نائب رئيس مجلس قيادة الثورة .

3 ـ طه ياسين رمضان ـ نائب رئيس الجمهورية .

4 ـ سعدون حمادي ـ رئيس الوزراء .

5 ـ حسين كامل حسن المجيد ـ وزير الدفاع .

6 ـ علي حسن المجيد ـ وزير الداخلية .

وقد جرت مباحثات بين الوفدين حول المشروع المقدم من الطرف الكردي ، مساء يوم 21 نيسان بحضور صدام حسين ، الذي تحدث في الاجتماع عن أهمية الروابط الوثيقة بين القوميتين العربية والكردية ، واعترف صدام بأنه أخطأ في سياسته تجاه الأكراد ، وأعلن عن التزامه بأجراء انتخابات عامة ، والمحافظة على التعددية السياسية ، وحرية الصحافة ، لكنه رفض القبول بمطالب القيادات الكردية حول ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي ، والبند الخامس ، المتعلق بالضمانات الدولية.(4)

 

عاد الوفد الكردي بعد نهاية المحادثات إلى كردستان للتشاور ، ثم عاد بعد أيام إلى بغداد مرة أخرى لمناقشة المسائل المختلف عليها مع الحكومة ، ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل ، وعاد الوفد الكردي إلى كردستان . وقد بدا واضحاً أن هناك العديد من نقاط الخلاف بين الطرفين وكان أبرزها :

 1 ـ رفض النظام العراقي مطالبة الوفد الكردي بضمانة دولية.

 

 2 ـ رفض النظام رفضاً قاطعاً ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي .

3 ـ إصرار النظام على عودة أجهزة الأمن والاستخبارات إلى كردستان ، ومعاودة نشاطها من جديد ، وقد رفض الجانب الكردي ذلك .

4 ـ إصرار النظام على عدم السماح بالنشاط السياسي في صفوف الجيش لغير حزب البعث ، وقد قدم الجانب الكردي اقتراحاً بأبعاد الجيش عن الحزبية ، إلا أن النظام العراقي رفض الاقتراح .

5ـ الخلاف حول مسألة الديمقراطية والحريات العامة ، فقد طالب الوفد الكردي بإطلاق حرية الأحزاب السياسية ، وحرية الصحافة ، وأجراء انتخابات حرة ونزيه لانتخاب مجلس تأسيسي يقوم بوضع دستور دائم للبلاد ، وتشكيل محكمة دستورية عليا ، وإشاعة الديمقراطية في البلاد .

لكن النظام العراقي ظل يراوغ حول هذا الموضوع ، ويحاول إقامة مؤسسات صورية خاضعة لأشرافه ونفوذه ولم يكن جاداً في تحقيق الديمقراطية في البلاد . (5)

وإثر فشل المحادثات بين الطرفين ، بدأ النظام بممارسة الضغوط على كردستان من جديد ، حيث فرض حصاراً اقتصادياً عليها ، وسحب الإدارة المدنية والموظفين وقطع الرواتب عن الموظفين والعمال الأكراد ، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك ، وقطع جميع الاتصالات مع منطقة كردستان . (6)

لقد كان واضحاً منذُ البداية أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح مع نظام معادٍ للشعب ، أوغل في جرائمه بحق الشعب العراقي ، عرباً وأكراداً ،على حد سواء ، وهو إن توصل مع الوفد الكردي إلى أي اتفاق ، فلن يكون إلا اتفاقاً مرحلياً اضطرته ظروفه الصعبة إلى قبوله ، وعندما تتحسن ظروفه يسارع للتنصل من الاتفاق ، ويبدأ بالتنكيل من جديد بالشعب الكردي ، فنظام من هذا النوع لا يمكن أن يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان .

 

ثانياً: مؤتمر شقلاوة للمعارضة العراقية:

 

بعد أن فشلت المحادثات مع النظام الصدامي عادت القيادات الكردية إلى أحياء التعاون المشترك مع لجنة العمل الوطني للمعارضة العراقية ، حيث وجه السيد مسعود البارزاني ،والسيد جلال الطالباني رسالة إلى قيادة لجنة العمل الوطني المشترك داعياً إياهم إلى عقد مؤتمر وطني في مصيف شقلاوة بكردستان ، لغرض مناقشة كل جوانب القضية العراقية ، بما في ذلك المفاوضات التي أجرتها القيادة الكردية مع النظام الصدامي .

 وقد أكدت قيادة الجبهة الكردستانية أنها بصدد أجراء مناقشة نقدية ، بعد أن وصلت المفاوضات مع النظام الصدامي إلى طريق مسدود ، والإجراءات التي اتخذها النظام ضد الشعب الكردي ، واعترفت القيادة الكردية بأن المفاوضات قد أضرّت بالقضية الكردية وبالتحالف الوطني للمعارضة العراقية التي أصيبت بالتصدع مؤكدين العودة إلى الطريق الصحيح في التعامل مع النظام العراقي . (7)

كما أكدت على أن صدام قد تعمد خداع القيادة الكردية ، وانه غير جاد في مفاوضاته معها  .

تلقت الأمانة العامة للجنة العمل الوطني المشترك رسالة البارزاني ،والطالباني ،ووعدت بدراستها والرد عليها ، وأكدت أيمانها بضرورة مواصلة العمل المشترك لكل فصائل المعارضة العراقية ، وعدم السماح للخلافات التي ظهرت أثناء المفاوضات التي جرت بين القيادات الكردية والنظام الصدامي أن تؤثر على التحالف الوطني .

 وتقرر أن تعقد الأمانة العامة للجنة العمل المشترك ، اجتماعاً طارئاً لمناقشة الموقف الحالي ، ووضع التزام محدد لكافة فصائل المعارضة ، تتعهد بالعمل به ، حرصاً على وحدة الصف الوطني ، ومن أجل قهر الدكتاتورية ، وإقامة البديل الديمقراطي التعددي ، الضمانة  الأكيدة لحقوق الشعب الكردي . (8)

 

ثالثاً:انتخاب البرلمان،وتأليف حكومة كردستان:

 

رداً على فشل المفاوضات مع النظام الصدامي ، وإقدامه على سحب الإدارة المدنية ، قررت القيادة الكوردية إجراء انتخابات عامة في كردستان في عام 1992 ، وانتخاب مجلس للنواب ، وتأليف حكومة تقوم بإدارة شؤون كردستان ، لكن الذي جرى هو اقتسام السلطة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني ، والاتحاد الوطني الكردستاني ،في حين كان من المؤمل أن تشارك في السلطة جميع الأحزاب الكردستانية ،لكي تعطي هذه التجربة حقاً نموذجاً صادقاً للديمقراطية التي يصبو إليها الشعب الكردي ، بوجه خاص ، والشعب العراقي بوجه عام . (9)

 وبعد إقامة البرلمان وتأليف الحكومة  بدأ البرلمان و القيادة الكردية بمناقشة مستقبل القضية الكوردية ووضع استراتيجية لمستقبل كردستان ، وكان قرار البرلمان بإقرار مبدأ الفدرالية لكردستان والديمقراطية للعراق ،  وقد أكدت  القيادة هذا الموقف في مؤتمر صلاح الدين لقوى المعارضة العراقية ، وكان  مؤتمر فيينا للمعارضة العراقية قد حق تقرير المصير للشعب الكردي  وإقرار الفيدرالية  إطار الوحدة العراقية .(10)

 لكن القرار أثار حفيظة الأحزاب القومية العربية ، وجميع دول الجوار ، وخاصة سوريا وإيران وتركيا ،حيث اعتبرت القرار خطوة نحو الانفصال ، وتأسيس دولة كردية ، وكانت تخشى أن بأن يحفز القرار الأكراد في تلك الدول التي تضم الجانب الأكبر من الشعب الكردي ، والذي يعاني من الحرمان التام لحقوقه القومية في إيران وتركيا ، للمطالبة بحقوقهم القومية أسوة بما جرى في العراق .

أما الولايات المتحدة فقد أرادت بهذه الخطوة أن تشكل عامل ضغط شديد على النظام الصدامي ، من أجل تنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة منه.

رابعاً: فرض الحماية على منطقة  كردستان

 

بسبب الهجمة الشرسة التي شنتها قوات النظام العراقي على كردستان والرعب الذي حل بالشعب الشعب الكوردي من إمكانية استخدام النظام الصدامي الأسلحة الكيماوية والتي دفعت الشعب للهروب الجماعي نحو الحدود التركية حيث قُدرت جموعهم  بمليوني مواطن أقدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على اتخاذ قرار بخصوص فرض الحماية على منطقة كردستان ،وقد حدد القرار المنطقة الواقعة شمال الخط 32 من منطقة كردستان ، منطقة آمنة ، تحميها طائراتهم المرابطة في تركيا ، والمسماة  [ كومفورت بروفايد ] ومنعت الجيش العراقي من دخولها ، وبذلك تسنى للمواطنين الأكراد الحصول على الأمان في كردستان،وبدأوا بالعودة إلى مدنهم وقراهم ومساكنهم.

 وكان رد فعل صدام حسين على ذلك إقدامه على سحب الموظفين والأجهزة الإدارية ،وأساتذة الجامعة من المنطقة ، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك ، وفرض على منطقة كردستان حصاراً داخلياً .

وقد جاء رد الفعل الكردي بأجراء انتخابات لمجلس وطني في كردستان ، وتشكيل حكومة كردية، وأصبحت كردستان مركزاً لتجمع قوى المعارضة العراقية ،وللمطاردين من قبل النظام .

وبسبب المعانات الصعبة والقاسية التي سببتها إجراءات النظام العراقي هذه أصدر  مجلس الأمن قرارا تحت رقم 986 بتاريخ 14 نيسان 1994   نص على تقديم الدعم المادي والاقتصادي لمنطقة كردستان لمجابهة آثار الحصار الذي فرضه النظام الصدامي .

كما قررت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا،منع طائرات سلاح الجو العراقي ـ عدى الطائرات المروحية ـ من الطيران فوق المنطقة الممتدة جنوب الخط 38 بدعوى حماية الشيعة في الجنوب .

 

لكن هذا القرار كان في واقع الأمر يخدم مصالح الولايات المتحدة من حيث الأساس ، ولم يغير شيئاً من حملات القمع ضد الشيعة ، فصدام لا  يحتاج لعملياته القمعية في الجنوب إلى الطائرات الحربية ، فلديه ما يكفيه من قوات الحرس الجمهوري ، ومن الأسلحة الثقيلة ما يستطيع فيه قمع الشعب في هذه المنطقة من العراق ، وان الولايات المتحدة أرادت بهذا القرار أبعاد الطائرات العراقية عن منطقة الخليج ، وطمأنة حكام الكويت . 

 

 

*****  

*********  

*************  

*****************

 

توثيق الفصل الحادي عشر

 

 (1) المعارضة العراقية والصراع لإسقاط صدام ـ إبراهيم نوار ـ ص 135 .

 (2) نفس المصدر السابق .

 (3)المصدر السابق ـ ص 147 .

 (4)المصدر السابق ـ ص 149.

 (5) المصدر السابق ـ ص 137 .

 (6)كردستان ودوامة الحرب ـ محمد احسان ـ ص 119 .

 (7) المعارضة العراقية والصراع لإسقاط صدام ـ إبراهيم نوار ـ ص 177 .

 (8) المصدر السابق ـ ص178 .

 (9) كردستان ودوامة الحرب ـ محمد احسان ـ ص 124 .

 (10) نفس المصدر السابق .