المقدمة
تتصاعد المخاطر التي
يتعرض لها عالمنا اليوم بسبب انتشار موجات الإرهاب في مختلف البلدان جراء تنامي الفكر القومي الفاشي والفكر
الديني المتطرف والذي أساء إساءة بالغة للإسلام ،وأدى إلى تبدل كبير في النظرة إلى
الإسلام والمسلمين لدى جانب كبير من الشعوب التي أخذت تتوجس الخوف والحذر من كل
عربي ومسلم بعد أن تصاعدت الأعمال الإجرامية التي يقترفها هؤلاء المهوسون اللذين
يجري غسل أدمغتهم من قبل أولئك الذين لبسوا جلباب الدين ، وجعلوا من أنفسهم منظرين
لا ينطقون عن الهوى ، بل من وحي يوحى !!، ودفعوا بهؤلاء المهوسين الجهلاء للقيام
بأعمالهم الإجرامية لقاء وعد بالجنة والحور الحسان ، متجاهلين أن الإسلام ينهى عن قتل
الأبرياء ويعد القتلة بعقاب شديد وعذاب أليم ، كما ورد في نصوص العديد من الآيات
القرآنية الصريحة التي لا تقبل الاجتهاد والتفسير الكيفي الذي يمارسه هؤلاء الذين نصبوا
أنفسهم منظرين للدين يفلسفون جرائهم البشعة بكونها جهاد في سبيل الله !!! فأي جهاد
هذا الذي يحصد أرواح الأبرياء نساءً ورجالاً وأطفالا ؟
لقد تصاعدت تلك
الجرائم لتشمل مختلف أنحاء العالم ، من أفغانستان إلى
الباكستان واندونسيا والفلبين والعراق
ومصر والجزائر وكينيا والمغرب وتركيا واسبانيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا
وغيرها من دول العالم المختلفة ، تلك الجرائم التي أوقعت ألوف الضحايا الأبرياء ،
ناهيك عن تدمير الممتلكات العامة والخاصة ، وإثارة الرعب والقلق ،والارتياب من كل
عربي مما يشكل إساءة كبرى للعرب وللإسلام كدين .
إن أهم العوامل التي ساعدت على انتشار الفكر
الديني المتطرف والمتخلف هو السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة إبان الحرب
الباردة بين المعسكرين قبل انهيار الاتحاد السوفيتي فقد شجعت الولايات المتحدة وجندت الكثير
من تلك العناصر للجهاد ضد الشيوعية ، كما كانت تسميه آنذاك ، فكان أن وجدنا انتشار مجموعات كثيرة من هؤلاء
الإسلاميين المتزمتين والمتطرفين في مختلف مناطق الصراع بين المعسكرين ، فكان
الأفغان العرب ،والبوسنيون العرب ،والشيشانيون العرب ،والكوزفيون العرب وغيرهم من
المجموعات الأخرى التي جندتها الولايات المتحدة في حربها ضد الشيوعية ، وكانت
الولايات المتحدة ترعى هذه المجموعات وتجهزهم بكل المتطلبات القتالية والرواتب
وتضغط على حكام بعض البلاد العربية للمساهمة في نفقات تجنيد هؤلاء ، وليس [أسامة
بن لادن] وزمرته سوى نتاج تلك السياسة الأمريكية .
لقد تجاهلت الولايات
المتحدة حقيقية
أن تجنيد هؤلاء بالرغم من كونه يصب في خدمة الجهد الأمريكي في صراعها مع الشيوعية فقد
كان هناك جانباً سلبياً خطيراً لتنامي هذه المجموعات المتطرفة يشكل خطراً جسيماً
على الولايات المتحدة نفسها وعلى العالم أجمع
حيث تنتشر هذه المجموعات في مختلف بلدان العالم وفي متناولها المتفجرات ومختلف أنواع الأسلحة ،
وأصبح الاتصال فيما بين هذه المجموعات وقادتها أمراً يسيراً وسريعاً جداً في عصر
الإنترنيت ، وأصبح بإمكان هذه المجموعات المتطرفة الحصول على المعلومات التي
تمكنها من إعداد المتفجرات والسيارات المفخخة وهناك مخاطر حقيقية من حصولها على
أسلحة كيماوية أو جرثومية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل التي باتت تقض مضاجع
مختلف دول العالم وتثير القلق والرعب في نفوس مواطنيهم .
ومما يزيد في الطين
بله موقف الولايات المتحدة من حقوق الشعب الفلسطيني ،ودعم
مواقف إسرائيل في المحافل الدولية على الرغم من الممارسات العدوانية غير الإنسانية
ضد الشعب الفلسطيني مما يشجع العناصر المتطرفة على ممارسة نشاطها الإرهابي . إن الاستمرار على هذه السياسة
المنحازة لإسرائيل وتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني يخلق مرتعاً خصباً لنشاط المتطرفين
من كلا الجانبين الديني والقومي ، وأن الحل الصائب هو
تحقيق انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بصورة كاملة ،وإقامة
دولة فلسطينية لها مقومات البقاء والاستمرار ،وتقديم الدعم والمساعدات اللازمة
لإعادة البنية التحتية المخربة في المناطق الفلسطينية ،ومعالجة مشكلة البطالة المنتشرة في صفوف الشعب الفلسطيني الذي
يعاني من فقر مدقع لا يمكن تحمله لدرجة أن أكثر من 70% من الفلسطينيين قد أصبحوا
يعيشون تحت خط الفقر .
كما أن دعم الولايات
المتحدة للعديد من الأنظمة الدكتاتورية المرتبطة بها ،وتجاهلها
لاضطهاد هذه الأنظمة لشعوبهم يخلق البيئة المناسبة للتطرف والإرهاب عندما يصبح من
المستحيل إصلاح الأوضاع السياسية واستعادة الحريات المسلوبة ، وعليه فعلى الولايات
المتحدة أن تمتنع عن دعم أي حكومة تمارس القمع تجاه شعوبها أو العدوان على الشعوب
الأخرى .
إن معالجة التطرف ينبغي أن ينطلق من معالجة
أسباب نشوئه وانتشاره ، وإن اللجوء إلى استخدام وسائل
القمع لملاحقة الإرهابيين وحده لا يحل المشكلة إطلاقاً ولا بد من معالجة المشكلة
من جذورها ،ومعالجة مشكلة الفقر المنتشرة بشكل رهيب ، فهناك بون شاسع في مستوى
معيشة السكان بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب .
كما ينبغي معالجة مشكلة البطالة التي تخلق
البيئة الصالحة للإرهاب ، وأن على البلدان الغنية أن
تخصص جانباً ثرواتها المتراكمة لمعالجة هاتين الآفتين ،الفقر والبطالة ، وعن هذا
الطريق نستطيع أن نحقق حياة كريمة للشعوب الفقيرة والتي ستكون بكل تأكيد عاملاً
حاسماً في الحد من الإرهاب ومن ثم تلاشيه .
كما أن معالجة
الإرهاب الفكري والذي بدوره يهيئ البيئة المناسبة للإرهاب لا يمكن أن يتم دون
إشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة ،والحيلولة
دون أي انتهاك لهذه الحريات من قبل الحكام ، والحرص على مبدأ التداول السلمي
للسلطة على أساس الورقة الانتخابية تحت الأشراف الدولي النزيه للحيلولة دون قيام
أنظمة حكم دكتاتورية وعلى الأمم المتحدة
أن تأخذ على عاتقها هذه المهمة ، وأن تعمل على جعل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
جزءاً لا يتجزأ من القانون الدولي ، وبذلك يصبح ملزماً لسائر الحكومات المنضوية
تحت راية الأمم المتحدة تطبيق بنود هذا الإعلان العالمي الهام جداً لضمان حقوق
وحريات الشعوب ، ومنع قيام أنظمة دكتاتورية شمولية تضطهد شعوبها من أجل أن تبقى في
سدة الحكم عقوداً عديدة دون وجه حق .
ومن كل ما سبق
نستطيع القول أن الخلاص من الإرهاب وتحقيق الأمن والسلام في العالم أجمع لا يمكن
أن يتم دون مكافحة الفقر والبطالة على المستوى العالمي من جهة ،
ودون قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية تحترم إرادة الشعوب وكامل حقوقها وحرياتها ، وأن
تحقيق ذلك يتطلب أن تمارس هيئة الأمم المتحدة دورها الرئيسي والفعّال في هذا
المجال .
يتناول هذا الكتاب
مجموعة من المقالات التي كتبتها منذ إسقاط نظام صدام حسين وحتى الوقت الحاضر ،حيث كنت أتابع بشكل مستمر عبر هذه المقالات تطورات الوضع الأمني ، وتنامي النشاط الإرهابي
في العراق ، كماً ونوعا ، ًمن قبل العناصر البعثية التي تحاول استعادة السلطة
مدعومة بالعناصر السلفية المتخلفة من أعوان بن لادن والتي كان قد استقدمها صدام
قبل الحرب التي انتهت بسقوط نظامه الدكتاتوري البشع .
كما بدأت مجموعات من هذه العناصر بالتوجه إلى العراق
بعد الحرب بدعوى مقاومة الاحتلال ، وقد لعبت دول الجوار
وأخص منها بالذكر سوريا وإيران دوراً فاعلاً في تجميع هذه العناصر فوق أراضيها ،
وتأمين عبور هؤلاء القتلة إلى العراق عبر الحدود المشتركة لكي يمارسوا جرائمهم
الوحشية بحق العراق وشعبه قتلاً مما أوقع أكثر من 26 ألف ضحية من أبناء الشعب حسب
آخر إحصائية للقوات الأمريكية في 30 أكتوبر 2005 ،أي بمعدل 68 ضحية في اليوم
الواحد، ولا زالت أعداد الضحايا في تصاعد مستمر كل يوم ، ويجري تدمير للممتلكات
العامة والخاصة وتخريب البنية التحتية وفي المقدمة منها المنشآت النفطية ،
والمرافق الخدمية الضرورية للمواطنين كمشاريع الماء والكهرباء والصرف الصحية مما
يتطلب اتخاذ إجراءات أكثر جدية في مكافحة الإرهاب والإرهابيين وتخليص الشعب
العراقي من شروهم .
المؤلف
حامد الحمداني
11/11/2005