حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل التاسع
27 ـ انقلاب
8 شباط 1963 الفاشي.
28 ـ بعد نجاح انقلاب 8 شباط ، رحلة نحو المجهول.
29 ـ
الانقلابيون يلاحقوني وقرار بفصلي من الوظيفة
{27}
انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963
في ظل الظروف التي سادت العراق
منذُ عام 1959، حيث بدأت الانتكاسة في العلاقات بين الأحزاب السياسية الوطنية من
جهة، وبين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم من جهة أخرى،تلك الانتكاسة التي تتحمل
كافة الأحزاب السياسية وعبد الكريم قاسم نفسه مسؤوليتها، حيث غلّب كل حزب مصالحه
الذاتية على المصلحة العليا للشعب والوطن، وحيث عمل عبد الكريم قاسم جاهداً
للاستئثار بالسلطة، وسعيه الحثيث لتحجيم الحزب الشيوعي، بعد المد الواسع الذي شهده
الحزب خلال العام الأول للثورة، ولجوئه إلى سياسة توازن القوى بين حماة الثورة
والقوى التي تآمرت عليها، واتخاذه سياسة التسامح والعفو عن المتآمرين على الثورة
وقيادتها، سياسة{عفا الله عما سلف}التي اقتصرت على تلك العناصر دون سواها، حيث
أطلق سراحهم من السجن، وأعاد عدداً كبيراً من الضباط الذين سبق وأن تمت إحالتهم
على التقاعد بعد محاولة العقيد الشواف الانقلابية في الموصل إلى مراكز حساسة في
الجيش.
وفي الوقت نفسه أقدم الزعيم قاسم
على اعتقال وسجن خيرة المناضلين المدافعين الأشداء عن الثورة وقيادتها ومسيرتها،
واحالهم إلى المجالس العرفية العسكرية التي أصدرت بحقهم أحكاماً بالسجن لمدد
طويلة، وتسريحه لعدد كبير من الضباط كان
من بينهم الدورة 13 للضباط الاحتياط البالغ عددهم [1700] ضابط ، وكذلك ضباط الصف
المشهود لهم بالوطنية الصادقة، والدفاع عن الجمهورية الوليدة، حيث كان لهم دور
كبير في القضاء على تمرد الشواف، وإجهاض كل المحاولات التآمرية الأخرى ضد الثورة
وقيادتها.
كما لجأ عبد
الكريم قاسم إلى تجريد المنظمات الجماهيرية التي لعبت دوراً بارزاً في حماية
الثورة ومكتسباتها من قياداتها المخلصة، والأمينة على مصالح الشعب والوطن، والتي
جادت بدمائها من أجل الثورة، ومن أجل مستقبل مشرق للعراق وشعبه، وتسليمها للقوى
المعادية للثورة، وذلك بهدف إضعاف الحزب الشيوعي وتحجيمه، وهذه أهم الإجراءات التي
أتخذها عبد الكريم قاسم في هذا المجال، والتي كان لها الأثر الحاسم في وقوع ونجاح
انقلاب الثامن من شباط الفاشي عام 1963:
1ـ سحب السلاح من المقاومة الشعبية، وإنهاء وجودها فيما
بعد، واعتقال معظم قادتها المخلصين للثورة وقيادتها.
لقد كان موقف
قاسم من المقاومة الشعبية خاطئاً بكل تأكيد، رغم أن الحزب الشيوعي يتحمل مسؤولية
الكثير من الأخطاء التي أعطت المبرر لقاسم للإقدام على حلها، فقد سيطر الحزب على
المقاومة الشعبية لدرجة أنها كانت تبدو وكأنها ميليشيا خاصة بالحزب، وكانت
المقاومة الشعبية، نتيجة الحرص الزائد على الثورة، قد أوقعت نفسها بأخطاء جسيمة،
ما كان لها أن تحدث، استغلتها القوى المعادية للثورة لتشويه سمعة المقاومة، وتحريض
عبد الكريم قاسم على سحب السلاح منها وتجميد صلاحياتها، ومن ثم إلغائها.
لقد كان بالإمكان معالجة تلك
الأخطاء لا في إلغاء المقاومة الشعبية، درع الثورة الحصين بل في إصلاحها، وإعادة
تنظيمها، وتمكينها من أداء مهامها في حماية الثورة، فلو كانت المقاومة الشعبية
موجودة يوم الثامن من شباط لما استطاعت
تلك الزمر المعزولة عن الشعب من تنفيذ مؤامرتها الدنيئة، ونجاحها في اغتيال
ثورةالرابع عشر من تموز، واغتياله هو بالذات،
وإغراق العراق بالدماء.
لقد وقع عبد الكريم قاسم في خطأ
جسيم عندما ظن أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي، وليس من القوى الرجعية وعملاء
الإمبريالية.
إن الحزب الشيوعي بقي حتى اللحظات الأخيرة
من حكمه يعتبره قائداً وطنياً معادياً للاستعمار، وذاد عن سلطته وعن الجمهورية يوم
الثامن من شباط 963 وهو اعزل من السلاح، مستخدماً كل ما تيسر له، وحتى الحجارة
لمقاومة الانقلاب، وحاول بكل جهده الحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين، وكانت
جماهيره العزلاء بالألوف تحيط بوزارة الدفاع وهي تهتف: {باسم العامل والفلاح يا
كريم أعطينا سلاح} ولكن دون جدوى حتى أحاط الانقلابيون بوزارة الدفاع بدباباتهم،
وقاموا بقصفها بالطائرات والمدفعية حتى انهارت مقاومة قاسم واستسلامه.
إن استسلام عبد الكريم قاسم
للانقلابيين كان خطأ آخر وقع فيه، فقد أعتقد أن هناك أملاً في أن يعفُ عنه
الانقلابيون، ويسفرونه إلى الخارج، أو لربما حوكم محاكمة قانونية عادلة، أو سجن
لفترة من الزمن، ولم يدر في خلده أن حقدهم عليه وعلى ثورة 14 تموز المجيدة جعلتهم
يصممون على تصفيته وتصفية كافة أعوانه، وكل الوطنيين المخلصين للثورة.
2 ـ بغية تحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه، أقدم عبد الكريم
قاسم على إحالة عدد كبير من الضباط المخلصين للثورة ولقيادته.
فقد أحال على
سبيل المثال قائد الفرقة الثانية في كركوك الشهيد الزعيم الركن[ داوود الجنابي]
وعدد من مساعديه على التقاعد في 29 حزيران 1959، كما أقدم على إبعاد الزعيم الركن
[هاشم عبد الجبار] آمر اللواء العشرين، المعروف بوطنيته الصادقة، والذي أفشل خطط
الانقلابيين، يوم جرت محاولة اغتياله في شارع الرشيد، وأحكم سيطرته على بغداد،
وأحلّ محله الزعيم [صديق مصطفى ] المعروف بعدائه للقوى التقدمية ولثورة تموز،
والذي لعب دوراً بارزاً في انقلاب 8 شباط 1963عندما سيطرت قواته على مدينة
السليمانية يوم الانقلاب، وقام بإعدام المئات من الوطنيين الأكراد ودفنهم بقبور
جماعية.
كما أقدم عبد الكريم قاسم على
اعتقال المقدم الركن [ فاضل البياتي] آمر كتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب،
وزملائه الضباط الوطنيين الآخرين كان من بينهم الرئيس [حسون الزهيري] والرئيس
[كاظم عبد الكريم] والمقدم [خزعل السعدي] وغيرهم من الضباط الذين عرفوا بإخلاصهم
للثورة، وأقدم قاسم على تسليم تلك الكتيبة إلى المتآمر الرائد [خالد مكي الهاشمي]
الذي كان له ولكتيبته الدور الأساس في الانقلاب
حيث قاد دبابات الكتيبة نحو وزارة الدفاع
مقر قاسم .
3 ـ تنحية آمر القاعدة الجوية في الحبانية وتعيين العقيد
الطيار [عارف عبد الرزاق] الذي أعاده للجيش بعد أن كان قد أحاله على التقاعد، وكان
لتلك القاعدة ولآمرها دور هام جداً في نجاح الانقلاب، حيث قامت منه الطائرات التي
قصفت وزارة الدفاع .
4 ـ تنحية آمر القاعدة الجوية في كركوك، وتعيين المقدم
الطيار حردان
التكريتي آمراً
لها، وكان له الدور الكبير في الانقلاب، حيث قام بقصف وزارة الدفاع بطائرته.
5 ـ تنحية العقيد [ عبد الباقي كاظم ] مدير شرطة بغداد،
وتعين العقيد طه الشيخلي المعروف بعدائه للثورة، ولسائر القوى التقدمية، وثبوت
مشاركته في الانقلاب.
6 ـ إعادة 19من الضباط القوميين والبعثيين الذين سبق وأن
أحالهم على التقاعد، وجرى ذلك في أوائل آب 1959، وكان من بينهم العقيد[عبد الغني
الراوي ] الذي لعب دورا رئيسياً في الانقلاب.
7ـ أحال العقيد [حسن عبود] آمر اللواء الخامس وآمر موقع
الموصل على التقاعد في كانون الثاني 1961، وكان العقيد حسن عبود قد قاد القوات
التي سحقت انقلاب الشواف في الموصل، وذاد عن الثورة، وقيادة عبد الكريم قاسم نفسه.
8 ـ إعفاء قائد الفرقة الأولى في الديوانية، وتعين
الزعيم الركن [ سيد حميد حصونة] الرجعي المعروف بعدائه الشديد للقوى التقدمية،
والذي لعب دوراً كبيراً في محاربة الشيوعية في سائر المنطقة الجنوبية من العراق،
حيث كانت تمتد سلطته العسكرية على سائر ألوية جنوب العراق، كما أحال عدداً كبيراً
من ضباط الفرقة الوطنيين على التقاعد.
9 ـ إخراج كافة ضباط الاحتياط الدورة 13،المتخرجين عام
959 ،والبالغ عددهم 1700 ضابط من الخدمة
في الجيش بالنظر للنفوذ الكبير للشيوعيين فيها .
10ـ تنحية المقدم الركن [ سليم الفخري] المدير العام
الإذاعة والتلفزيون وتسليمها لعناصر لا
تدين بالولاء للثورة وقيادتها .
وقد وصفت صحيفة [صوت الأحرار] في
12 حزيران 962 دار الإذاعة بأنها قد باتت وكراً للانتهازيين والرجعيين بعد أن أبعد
عبد الكريم قاسم جميع العناصر الوطنية منها.
كما كانت القوة
العسكرية المكلفة بحماية دار الإذاعة لا تدين بالولاء للثورة، وهذا مما سهل
للانقلابيين السيطرة على دار الإذاعة بكل يسرٍ وسهولة صباح يوم الانقلاب. وكان
لذلك تأثير كبير على معنويات الجيش والشعب عندما سارع الانقلابيون إلى الإعلان عن
مقتل عبد الكريم قاسم لإحباط عزيمة الجيش للتحرك لإخماد الانقلاب، ومعلوم أن عبد
الكريم قاسم ظل يقاوم الانقلابيين حتى ظهر اليوم التالي التاسع من شباط، ولو لم
يكن الانقلابيون قد سيطروا على دار الإذاعة
واستطاع عبد الكريم قاسم إذاعة بيانه الأخير غير المذاع لما نجح الانقلاب.
11 ـ إعفاء كافة الوزراء ذوي الاتجاه التقدمي من
الوزارة، وإعفاء عدد كبير من كبار المسؤولين المدنيين من وظائفهم، وتعين آخرين لا
يدينون بالولاء للثورة وقيادتها، فقد كان جلَّ هم عبد الكريم قاسم إبعاد كل عنصر
له ميل أو علاقة بالحزب الشيوعي من قريب أو من بعيد .
12 ـ تصفية كل المنظمات الشعبية ذات الصبغة الديمقراطية
كمنظمة أنصار السلام، واتحاد الشبيبة الديمقراطية، ورابطة الدفاع عن حقوق المرأة،
ولجان الدفاع عن الجمهورية، ومحاربة
القيادات الوطنية المخلصة في الاتحاد العام لنقابات العمال، والاتحاد العام
للجمعيات الفلاحية، ونقابات المعلمين، والمهندسين، والأطباء، والمحامين، وإبعادهم
عن قيادة تلك المنظمات، وتسليمها إلى أعداء الشعب.
13ـ إصدار العفو عن عبد السلام عارف، وعن المجموعة التي
نفذت محاولة اغتياله في شارع الرشيد، وإعفاء رشيد عالي الكيلاني وزمرته وعن جميع
رجالات العهد الملكي من محكومياتهم في 11 حزيران 962، في حين أحتفظ بكافة
الشيوعيين والديمقراطيين رهائن في السجون ليأتي الانقلابيون فيما بعد وينفذوا
جريمة قتل أعداد كبيرة منهم بعد تعذيب بشع.
لقد شجعت سياسة العفو والتسامح مع
أعداء الثورة على إيغال أولئك المتآمرين واستمرارهم في التآمر، على عكس ما تصور
عبد الكريم قاسم من أن إصدار العفو عنهم سوف يكفهم عن التآمر.
14ـ لم يقدر عبد الكريم قاسم مسالة الصراع مع القوى
المضادة للثورة الذي أججته قرارات الثورة، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي
الذي أحدث ثورة اجتماعية سلبت السلطة من الإقطاعيين دعائم الإمبريالية. فقد بدأ الرجعيون والإقطاعيون وكل المتضررين من
ثورة تموز بتجميع صفوفهم وبعث نشاطهم من جديد، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد
الكريم قاسم من الشيوعيين.
لقد استغلت الرجعية تلك الظروف
لتنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها، وإضعاف السلطة،
وعزلها عن الشعب.
15ـ قيام التمرد
الكردي بقيادة الإقطاعيين [ رشيد لولان ] و [عباس مامند]، وانجرار الحزب
الديمقراطي الكردستاني إلى تلك الحركة، ولجوء السلطة إلى القوة العسكرية لحل
التناقض مع الأكراد، مما سبب إضعافاً خطيراً للسلطة الوطنية، وشق جبهة الاتحاد
الوطني، ودفع الحزب الديمقراطي الكردستاني للتعاون مع انقلابيي 8 شباط، ومع التمرد
الرجعي لرشيد لولان، وعباس مامند، المدعوم من قبل الإمبريالية الأمريكية وحليفها
[شاه إيران].
وفي بداية عام 963 ،عندما كانت
الحرب تدور في كردستان كنت آنذاك في مدينة السليمانية إحدى أكبر مدن كردستان أتابع
مجريات تلك الحرب، وما آلت إليه الأمور في بلادي، حيث يقتل العراقيون بعضهم بعضاً.
ومن المؤسف أيضاً أن ينجر الحزب الشيوعي، بسبب أخطائه وبسبب الضغوط التي مارسها
قاسم ضده، إلى الحركة الكردية بعد أن وقف منذُ البداية داعياً للسلم في كردستان
والديمقراطية للعراق، تاركاً النظام منعزلاً في مواجهة مؤامرات الإمبريالية
وعملائها. كما يتحمل عبد الكريم قاسم جانباً كبيراً من المسؤولية في إيصال الأمور مع القيادة الكردية إلى مرحلة
الصراع المسلح.
16 ـ اعتماد عبد الكريم قاسم على جهاز أمن النظام الملكي
السابق، الذي لم يجر عليه أي تغيير، سوى إحالة 45 من ضباط الأمن على التقاعد،
ومعلوم أن ذلك الجهاز الرجعي الذي أنشأته، ورعته الإمبريالية وعملائها الحاكمون في
بغداد آنذاك، لم يكن يدين بالولاء
للثورة لزعيمها عبد الكريم قاسم ،
وكان له دور كبير في إخفاء نشاطات القوى الرجعية والحركات التآمرية عن السلطة،
وحماية المتآمرين. ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية بأحسن حال من جهاز الأمن
الذي أنيط به
حماية الثورة من
المتآمرين، وتبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة،
وكان على رأسهم رئيس الجهاز[محسن الرفيعي] ومن قبله [ رفعت الحاج سري] الذي ثبت
للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم
فيه.
كما أن موقف
[أحمد صالح العبدي] رئيس أركان الجيش والحاكم العسكري العام المتخاذل ينم عن
مساومة الانقلابيين والسكوت عن تحركاتهم، فلم ينل منهم أذى، وأطلق سراحه بعد أيام
قلائل، فيما جرى إعدام كل المخلصين لثورة تموز وقيادتها
17 ـ لم يقدر عبد الكريم قاسم ما سوف يسببه صراعه مع
شركات النفط من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية، والحفاظ على استقلاله
الوطني، وإصداره القانون رقم 80 لسنة 961، والذي أنتزع بموجبه 99،5% من مناطق
امتياز تلك الشركات من سيطرة الشركات والعمل على استغلالها وطنياً.
لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط،
وتبادل الطرفان التهديدات، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي ، وكان الوفد
يعني ما يقول، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة 14 تموز وقيادتها، والأمر المؤسف
حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة، والحذر من أحابيل ومؤامرات شركات
النفط حرصاً على مصالحها حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء. ولاشك في أن
الدور الأول في الإعداد لانقلاب 8 شباط كان لشركات النفط.
من هم الانقلابيون ؟
ضم فريق الانقلابيين من حزب البعث
كل من:
[علي صالح السعدي] و[أحمد حسن البكر] و[طالب شبيب]
و[حازم جواد] و[مسارع الراوي] و[حمدي عبد المجيد] والضباط البعثيين المقدم [عبد
الستار عبد اللطيف] والمقدم [عبد الكريم مصطفى نصرت] والمقدم[صالح مهدي عماش]
ووالمقدم [حردان التكريتي] والملازم الأول الطيار [منذر الونداوي]. وعدد آخر من
صغار الضباط، وبعض مراتب الجيش البعثيين.
أما القوى القومية فقد ضمت كل من:
[عبد السلام عارف] و[طاهر يحيى] و[عارف عبد الرزاق] و[عبد الهادي الراوي] و[رشيد مصلح] و[عبد الغني الراوي]
و[ خالد مكي الهاشمي] عدد من صغار الضباط.
أختار الانقلابيون موعداً
لانقلابهم الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق للثامن من شباط 963، وكانت
لهم حساباتهم في هذا الاختيار، حيث يوم الجمعة يوم عطلة، ولا يتواجد في المعسكرات
سوى الضباط الخفر، وكانوا قد رتبوا مسبقاً خفارة الضباط المتآمرين في ذلك اليوم،
ليسهل عليهم عملية تنفيذ الانقلاب، كما أن وقوع الانقلاب في الساعة التاسعة صباحاً
أمر غير متوقع، حيث جرت العادة بوقوع الانقلابات العسكرية في الساعات الأولى من
الفجر، ورغم وصول إشارة إلى وزارة الدفاع قبل ساعة ونصف من وقوع الانقلاب، إلا أن
آمر الانضباط العسكري، الزعيم الركن عبد الكريم الجدة لم يأخذ ذلك على مأخذ الجد ،
وأعتقد أن ذلك نوع من الخيال.
فقد ذكر أحد الضباط الوطنيين
المتواجدين في وزارة الدفاع، وكان ضابط الخفر ذلك اليوم قائلاً:
أن جرس الهاتف دق في الساعة السابعة والنصف من
صباح ذلك اليوم ، الثامن من شباط، أسرعت لرفع سماعة الهاتف وإذا بشخص مجهول يحدثني
قائلاً:
{إنني أحد الذين استيقظ ضميرهم، ووجدت لزاماً على نفسي
أن أبلغكم بأن انقلاباً عسكرياً سيقع ضد عبد الكريم قاسم في الساعة التاسعة من
صباح هذا اليوم ينطلق من قاعدة الحبانية الجوية، وكتيبة الدبابات الرابعة في أبو
غريب}، وأغلق الهاتف، ثم يضيف الضابط الخفر قائلا: أسرعت بالاتصال بالزعيم عبد
الكريم الجدة، آمر الانضباط العسكري
أبلغته بالأمر فما كان منه إلا أن أجابني قائلاً :
{هل أنت سكران
يا هذا ؟ كيف يقع انقلاب عسكري في يوم 14 رمضان، والزعيم صائم !! والناس صيام !!،
وفي مثل هذا الوقت الذي تتحدث عنه ضحى؟ فلم يسبق أن وقع انقلاب عسكري في وضح
النهار ثم أغلق الزعيم الجدة الهاتف }.
كان ذلك الموقف من عبد الكريم
الجدة لا ينم إلا عن الجهل وسوء التقدير للوضع السياسي في البلاد، فقد كان الجو
السياسي مكفهراً، ونشاط المتآمرين يجري على قدم وساق، وإضراب الطلاب على
أشده، كما أن الحزب الشيوعي كان قد أصدر
بياناً في 3 كانون الثاني 963، ووزع بصورة
علنية وعلى نطاق واسع، حذر فيه من خطورة الوضع، و جاء فيه:
{هناك معلومات متوفرة لدينا تشير إلى الكتائب المدرعة في
معسكرات بغداد، ولواء المشاة التاسع عشر الآلي قد أصبحت مراكز لنشاط عدد كبير من الضباط
الرجعيين، والمغامرين الذين يأملون تحويل هذه المراكز إلى قواعد انطلاق لانقضاض
مفاجئ على استقلال البلاد، ولقد حددوا موعداً بعد آخر لتحقيق هذا الغرض، وللموعد
الحالي مغزى خاص نظراً لخطورة الأزمة السياسية الراهنة، وعدد الزيارات التي يقوم
بها كبار الجواسيس الأمريكيين لبلدنا، وووجه الحزب نداءه لعبد الكريم قاسم لأجراء
تطهير واسع وفعال في صفوف الجيش}.
إلا أن عبد
الكريم قاسم لم يأخذ بذلك التحذير مأخذ الجد معتقداً أن ذلك لا يعدو أن يكون تهويلاً يستهدف أهدافاً
حزبية ضيقة.
كان الأولى بعبد الكريم الجدة
الاتصال بعبد الكريم قاسم فوراً واستنفار كل الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية،
وسائر الضباط الذين لا يشك بولائهم للثورة، وخاصة قائد القوة الجوية، ولكن شيئاً
من هذا لم يحدث.
وُزعت الأدوار على الضباط
الانقلابيين، ومنظمات حزب البعث وأفراد الحرس القومي الذي أُعد مسبقاً ودُرب وجُهز
بالسلاح!!، وجعلوا ساعة الصفر اغتيال قائد القوة الجوية الشهيد [جلال الأوقاتي] .
كان البعثيون قد رصدوا حركته، حيث
أعتاد صباح كل يوم جمعة أن يخرج لشراء الفطور بنفسه، وترصدوا له ذلك اليوم وهو
خارج وبصحبته ولده، حيث أطلقوا عليه النار، وأردوه قتيلاً في الحال، وجرى الاتصال
بالزمرة الانقلابية، وتم إبلاغهم باغتيال الأوقاتي، وعند ذلك تحرك المتآمرون، حيث
قاموا بقطع البث من مرسلات الإذاعة في أبو غريب، وتركيب تحويل في مرسلات الإذاعة
وبدأ البث فيها من هناك قبل استيلائهم على دار الإذاعة.
وفي نفس الوقت قام الملازم منذر
الونداوي بطائرته من قاعدة الحبانية، وحردان التكريتي من القاعدة الجوية في كركوك
بقصف مدرج مطار الرشيد العسكري، وتم حرثه بالقنابل لشل أي تحرك للطيارين الموالين
للسلطة، وبعد أن تم لهم ذلك بادروا إلى
قصف وزارة الدفاع .
وفي تلك الأثناء سمع عبد الكريم قاسم
أصوات الانفجارات باتجاه معسكر الرشيد فبادر على الفور بالذهاب إلى وزارة الدفاع،
وتحصن فيها، وكان ذلك الإجراء في غاية الخطورة، إذ كان الأجدى به أن يتوجه بقواته
المتواجدة في وزارة الدفاع إلى معسكري الرشيد، والوشاش، القريبين من مركز بغداد،
والسيطرة عليهما، ومن ثم الانطلاق نحو الأهداف التي تمركز فيها الانقلابيون، بالاستناد إلي جماهير الشعب الغفيرة التي هبت
حال سماعها بنبأ الانقلاب تطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين. لكن عبد الكريم قاسم
حصر نفسه في وزارة الدفاع ، على الرغم من تحذير الزعيم الركن [ طه الشيخ أحمد]
مدير الحركات العسكرية، الذي أشار عليه إلى ضرورة استباق المتآمرين ومهاجمتهم قبل
توسع الحركة، وسيطرتهم على معسكري الوشاش والرشيد ، القريبين جداً من بغداد. لكن
الزعيم عبد الكريم قاسم لم يأخذ بنصيحته مما سهل على الانقلابيين تطويق الوزارة،
وقصفها بالطائرات والمدفعية، قصفاً مركزاً، حتى انهارت مقاومة قواته.
ربما أعتقد عبد الكريم قاسم أن
وجوده في وزارة الدفاع المحصنة، يمكّنه من الاتصال بالوحدات العسكرية الموالية له
ولكن خاب ظنه بعد كل الذي فعله بإبعاد كل العناصر الوطنية الصادقة والمخلصة
واستبدلهم بعناصر انتهازية لا مبدأ لها، ولا تدين بالولاء الحقيقي له وللثورة، فقد
سارع معظمهم إلى إرسال برقيات التأييد للانقلابيين، وانكفأ البعض الأخر في بيته،
وكأن الأمر لا يعنيه سواء بقي عبد الكريم قاسم أم نجح الانقلابيون.
توجه[عبد السلام عارف]إلى[معسكر
أبي غريب]،حيث وصل مقر كتيبة الدبابات الرابعة، وانضم إليه [ أحمد حسن البكر]
واستقلا كلاهما إحدى الدبابات، وتوجها إلى دار الإذاعة، وبصحبتهما دبابة أخرى، وقد
ساعدهم حرس دار الإذاعة المشاركين في الانقلاب على السيطرة عليها ثم التحق بهم كل
من حازم جواد، وطالب شبيب، وهناء العمري، خطيبة علي صالح السعدي.
أما خالد مكي
الهاشمي فقد أندفع بدباباته متوجهاً إلى بغداد رافعاً صور عبد الكريم قاسم لخدع
جماهير الشعب التي ملأت شوارع بغداد لتدافع عن الثورة وقيادتها.
وفي نفس الوقت وصل العقيد [ عبد
الغني الراوي ] إلى مقر لواء المشاة الآلي الثامن في الحبانية، وتمكن بمساعدة
أعوانه من الانقلابيين من السيطرة على اللواء المذكور، وتحرك به نحو بغداد، كما
نزل المئات من أفراد الحرس القومي على طول الطريق بين الحبانية وأبو غريب، حاملين
أسلحتهم، وقد وضعوا الشارات الخضراء على أذرعهم، وتقدمت قوات الانقلابيين بقيادة
المقدم المتقاعد[عبد الكريم مصطفى نصرت] وأحاطت بوزارة الدفاع ، كما تقدمت قوة
أخرى من الطرف الثاني لنهر دجلة، مقابل وزارة الدفاع ، وبدأت قصفها للوزارة
بالمدفعية الثقيلة .
كانت جموع غفيرة من أبناء الشعب قد
ملأت الساحة أمام وزارة الدفاع والشوارع المؤدية لها وهي تهتف للثورة وقائدها عبد
الكريم قاسم، وتطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين .
لقد حدثني أحد رفاقي الذي كان
متواجداً في تلك الساعة مع الجماهير المحيطة بالوزارة، والمستعدة للتضحية والفداء
دفاعاً عن الثورة فقال:
تجمعنا حول وزارة الدفاع حال
سماعنا بوقوع الانقلاب، وكانت أعدادنا لا تحصى، فلقد امتلأت الشوارع والطرقات
بآلاف المواطنين الذين جاءوا إلى الوزارة وهم يهتفون بحياة الثورة وقائدها عبد
الكريم قاسم ، ويطالبونه بالسلاح للدفاع عن الثورة منادين:
{باسم العامل والفلاح يا كريم أعطينا سلاح}. كان الجو
رهيباً والجموع ثائرة تريد السلاح للانقضاض على المتآمرين، وكان عبد الكريم يردد
قوله:
{إنهم مجرد عصابة مأجورة لا قيمة لها، وسنقضي عليهم}
وهكذا أخطأ عبد الكريم مرة أخرى في
حساباته، ولم يستمع إلى صوت الشعب وتحذيره، ولم يقدر خطورة الوضع، وكان لا يزال
على ثقة بأولئك الذين أعتمد عليهم، وبوأهم أعلى المناصب السياسية والعسكرية
والإدارية، بأنهم سوف يؤدون واجبهم لحماية الثورة، وسحق المتآمرين.
لكن تلك الزمر
الانتهازية الخائنة أسفرت عن وجهها الحقيقي، فقسم منها أشترك اشتراكاً فعلياً مع المتآمرين،
والقسم الآخر آثر الجلوس على التل دون حراك، فلا تهمهم الثورة، ولا الشعب ولا عبد
الكريم قاسم .
ثم يضيف رفيقي قائلاً:
في تلك الأثناء وصلت أربع دبابات،
تحمل في مقدمتها صور عبد الكريم قاسم ، استخدمتها لتضليل جماهير الشعب لكي يتسنى
للانقلابيين عبور الجسر نحو جانب الرصافة حيث وزارة الدفاع، وكانت الجماهير قد
أحاطت بالجسور وقطعتها، واعتقدت أن هذه الدبابات جاءت لتعزز موقف عبد الكريم قاسم
.
وعندما وصلت تلك الدبابات إلى
وزارة الدفاع، استدارت ظهرها نحو الوزارة، وبلحظات بدأت رشاشات [الدوشكا] المنصوبة
عليها تطلق رصاصها الكثيف على الجماهير المحتشدة، وتخترق أجسادهم بالمئات لقد غطت الجثث والدماء تلك الشوارع والساحة
المقابلة لوزارة الدفاع، خلال عشرة دقائق لا غير، وكانت مجزرة رهيبة لا يمكن تصورها
ولا يمكن أن يدور في خلد أي إنسان أن يجرأ المتآمرون على اقترافها. ولم
تكتفِ دبابات المتآمرين بما فعلت، بل جاءت الطائرات لتكمل المجزرة، موجهة رشاشاتها
حتى نحو الجرحى الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة. ثم بدأ بعد ذلك القصف
المركز على وزارة الدفاع بالطائرات ومدافع الدبابات التي أحاطت بالوزارة من جانبي
الكرخ والرصافة وبدأت القذائف تنهال عليها، والقوات المتواجدة داخلها ترد على
القصف بما تملك من أسلحة وعتاد، إلا أن المقاومة بدأت تضعف شيئاً فشيئاً، دون أن
يأتي أي إسناد من أي من القطعات العسكرية التي كان عبد الكريم يعتمد عليها، لأنه
كان في وادٍ، وأولئك الخونة في وادٍ آخر، وادي الخونة والخيانة .
وفيما كانت عملية القصف تتواصل،
تقدمت قوات أخرى نحو معسكر الرشيد، ومقر الفرقة الخامسة، واللواء التاسع عشر، وحيث
هناك المعتقل رقم واحد، الذي كان عبد الكريم يحتجز فيه عدد من الضباط البعثيين
والقوميين، حيث تم إطلاق سراحهم ليشاركوا في الانقلاب، وتمكنت قوات الانقلابيين من السيطرة على
المعسكر، ومقر الفرقة، ووقع بأيديهم مجموعة من الضباط الوطنيين المعتقلين هناك،
حيث نفذ الانقلابيون مجزرة أخرى بالعديد منهم. وفي بعقوبة تصدى عدد من الضباط ،
وضباط الصف والجنود للانقلاب إلا أنهم
فشلوا في ذلك، وجرى إعدام فوري لما يزيد
على 30 ضابطاً وجندياً .
وفي معسكر التاجي القريب من بغداد،
حيث توجد محطات الرادار، حاولت مجموعة أخرى السيطرة على المعسكر، غير أن
الانقلابيين تمكنوا من التغلب على المقاومة بعد قتال عنيف، غير متكافئ، وجرى
الإعدام الفوري لعدد من الضباط الصغار ،وضباط الصف والجنود.
كما حدثت مقاومة من جانب عدد من الضباط وضباط الصف والجنود في منطقة فايدة في شمال الموصل، لكنها لم تستطع الصمود، حيث تم للانقلابيين قمعها، وجرى إعدام فوري لعشرات من الضباط والجنود.