حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل التاسع
27 ـ انقلاب
8 شباط 1963 الفاشي.
28 ـ بعد نجاح انقلاب 8 شباط ، رحلة نحو المجهول.
29 ـ
الانقلابيون يلاحقوني وقرار بفصلي من الوظيفة
{27}
انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963
في ظل الظروف التي سادت العراق
منذُ عام 1959، حيث بدأت الانتكاسة في العلاقات بين الأحزاب السياسية الوطنية من
جهة، وبين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم من جهة أخرى،تلك الانتكاسة التي تتحمل
كافة الأحزاب السياسية وعبد الكريم قاسم نفسه مسؤوليتها، حيث غلّب كل حزب مصالحه
الذاتية على المصلحة العليا للشعب والوطن، وحيث عمل عبد الكريم قاسم جاهداً
للاستئثار بالسلطة، وسعيه الحثيث لتحجيم الحزب الشيوعي، بعد المد الواسع الذي شهده
الحزب خلال العام الأول للثورة، ولجوئه إلى سياسة توازن القوى بين حماة الثورة
والقوى التي تآمرت عليها، واتخاذه سياسة التسامح والعفو عن المتآمرين على الثورة
وقيادتها، سياسة{عفا الله عما سلف}التي اقتصرت على تلك العناصر دون سواها، حيث
أطلق سراحهم من السجن، وأعاد عدداً كبيراً من الضباط الذين سبق وأن تمت إحالتهم
على التقاعد بعد محاولة العقيد الشواف الانقلابية في الموصل إلى مراكز حساسة في
الجيش.
وفي الوقت نفسه أقدم الزعيم قاسم
على اعتقال وسجن خيرة المناضلين المدافعين الأشداء عن الثورة وقيادتها ومسيرتها،
واحالهم إلى المجالس العرفية العسكرية التي أصدرت بحقهم أحكاماً بالسجن لمدد
طويلة، وتسريحه لعدد كبير من الضباط كان
من بينهم الدورة 13 للضباط الاحتياط البالغ عددهم [1700] ضابط ، وكذلك ضباط الصف
المشهود لهم بالوطنية الصادقة، والدفاع عن الجمهورية الوليدة، حيث كان لهم دور
كبير في القضاء على تمرد الشواف، وإجهاض كل المحاولات التآمرية الأخرى ضد الثورة
وقيادتها.
كما لجأ عبد
الكريم قاسم إلى تجريد المنظمات الجماهيرية التي لعبت دوراً بارزاً في حماية
الثورة ومكتسباتها من قياداتها المخلصة، والأمينة على مصالح الشعب والوطن، والتي
جادت بدمائها من أجل الثورة، ومن أجل مستقبل مشرق للعراق وشعبه، وتسليمها للقوى
المعادية للثورة، وذلك بهدف إضعاف الحزب الشيوعي وتحجيمه، وهذه أهم الإجراءات التي
أتخذها عبد الكريم قاسم في هذا المجال، والتي كان لها الأثر الحاسم في وقوع ونجاح
انقلاب الثامن من شباط الفاشي عام 1963:
1ـ سحب السلاح من المقاومة الشعبية، وإنهاء وجودها فيما
بعد، واعتقال معظم قادتها المخلصين للثورة وقيادتها.
لقد كان موقف
قاسم من المقاومة الشعبية خاطئاً بكل تأكيد، رغم أن الحزب الشيوعي يتحمل مسؤولية
الكثير من الأخطاء التي أعطت المبرر لقاسم للإقدام على حلها، فقد سيطر الحزب على
المقاومة الشعبية لدرجة أنها كانت تبدو وكأنها ميليشيا خاصة بالحزب، وكانت
المقاومة الشعبية، نتيجة الحرص الزائد على الثورة، قد أوقعت نفسها بأخطاء جسيمة،
ما كان لها أن تحدث، استغلتها القوى المعادية للثورة لتشويه سمعة المقاومة، وتحريض
عبد الكريم قاسم على سحب السلاح منها وتجميد صلاحياتها، ومن ثم إلغائها.
لقد كان بالإمكان معالجة تلك
الأخطاء لا في إلغاء المقاومة الشعبية، درع الثورة الحصين بل في إصلاحها، وإعادة
تنظيمها، وتمكينها من أداء مهامها في حماية الثورة، فلو كانت المقاومة الشعبية
موجودة يوم الثامن من شباط لما استطاعت
تلك الزمر المعزولة عن الشعب من تنفيذ مؤامرتها الدنيئة، ونجاحها في اغتيال
ثورةالرابع عشر من تموز، واغتياله هو بالذات،
وإغراق العراق بالدماء.
لقد وقع عبد الكريم قاسم في خطأ
جسيم عندما ظن أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي، وليس من القوى الرجعية وعملاء
الإمبريالية.
إن الحزب الشيوعي بقي حتى اللحظات الأخيرة
من حكمه يعتبره قائداً وطنياً معادياً للاستعمار، وذاد عن سلطته وعن الجمهورية يوم
الثامن من شباط 963 وهو اعزل من السلاح، مستخدماً كل ما تيسر له، وحتى الحجارة
لمقاومة الانقلاب، وحاول بكل جهده الحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين، وكانت
جماهيره العزلاء بالألوف تحيط بوزارة الدفاع وهي تهتف: {باسم العامل والفلاح يا
كريم أعطينا سلاح} ولكن دون جدوى حتى أحاط الانقلابيون بوزارة الدفاع بدباباتهم،
وقاموا بقصفها بالطائرات والمدفعية حتى انهارت مقاومة قاسم واستسلامه.
إن استسلام عبد الكريم قاسم
للانقلابيين كان خطأ آخر وقع فيه، فقد أعتقد أن هناك أملاً في أن يعفُ عنه
الانقلابيون، ويسفرونه إلى الخارج، أو لربما حوكم محاكمة قانونية عادلة، أو سجن
لفترة من الزمن، ولم يدر في خلده أن حقدهم عليه وعلى ثورة 14 تموز المجيدة جعلتهم
يصممون على تصفيته وتصفية كافة أعوانه، وكل الوطنيين المخلصين للثورة.
2 ـ بغية تحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه، أقدم عبد الكريم
قاسم على إحالة عدد كبير من الضباط المخلصين للثورة ولقيادته.
فقد أحال على
سبيل المثال قائد الفرقة الثانية في كركوك الشهيد الزعيم الركن[ داوود الجنابي]
وعدد من مساعديه على التقاعد في 29 حزيران 1959، كما أقدم على إبعاد الزعيم الركن
[هاشم عبد الجبار] آمر اللواء العشرين، المعروف بوطنيته الصادقة، والذي أفشل خطط
الانقلابيين، يوم جرت محاولة اغتياله في شارع الرشيد، وأحكم سيطرته على بغداد،
وأحلّ محله الزعيم [صديق مصطفى ] المعروف بعدائه للقوى التقدمية ولثورة تموز،
والذي لعب دوراً بارزاً في انقلاب 8 شباط 1963عندما سيطرت قواته على مدينة
السليمانية يوم الانقلاب، وقام بإعدام المئات من الوطنيين الأكراد ودفنهم بقبور
جماعية.
كما أقدم عبد الكريم قاسم على
اعتقال المقدم الركن [ فاضل البياتي] آمر كتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب،
وزملائه الضباط الوطنيين الآخرين كان من بينهم الرئيس [حسون الزهيري] والرئيس
[كاظم عبد الكريم] والمقدم [خزعل السعدي] وغيرهم من الضباط الذين عرفوا بإخلاصهم
للثورة، وأقدم قاسم على تسليم تلك الكتيبة إلى المتآمر الرائد [خالد مكي الهاشمي]
الذي كان له ولكتيبته الدور الأساس في الانقلاب
حيث قاد دبابات الكتيبة نحو وزارة الدفاع
مقر قاسم .
3 ـ تنحية آمر القاعدة الجوية في الحبانية وتعيين العقيد
الطيار [عارف عبد الرزاق] الذي أعاده للجيش بعد أن كان قد أحاله على التقاعد، وكان
لتلك القاعدة ولآمرها دور هام جداً في نجاح الانقلاب، حيث قامت منه الطائرات التي
قصفت وزارة الدفاع .
4 ـ تنحية آمر القاعدة الجوية في كركوك، وتعيين المقدم
الطيار حردان
التكريتي آمراً
لها، وكان له الدور الكبير في الانقلاب، حيث قام بقصف وزارة الدفاع بطائرته.
5 ـ تنحية العقيد [ عبد الباقي كاظم ] مدير شرطة بغداد،
وتعين العقيد طه الشيخلي المعروف بعدائه للثورة، ولسائر القوى التقدمية، وثبوت
مشاركته في الانقلاب.
6 ـ إعادة 19من الضباط القوميين والبعثيين الذين سبق وأن
أحالهم على التقاعد، وجرى ذلك في أوائل آب 1959، وكان من بينهم العقيد[عبد الغني
الراوي ] الذي لعب دورا رئيسياً في الانقلاب.
7ـ أحال العقيد [حسن عبود] آمر اللواء الخامس وآمر موقع
الموصل على التقاعد في كانون الثاني 1961، وكان العقيد حسن عبود قد قاد القوات
التي سحقت انقلاب الشواف في الموصل، وذاد عن الثورة، وقيادة عبد الكريم قاسم نفسه.
8 ـ إعفاء قائد الفرقة الأولى في الديوانية، وتعين
الزعيم الركن [ سيد حميد حصونة] الرجعي المعروف بعدائه الشديد للقوى التقدمية،
والذي لعب دوراً كبيراً في محاربة الشيوعية في سائر المنطقة الجنوبية من العراق،
حيث كانت تمتد سلطته العسكرية على سائر ألوية جنوب العراق، كما أحال عدداً كبيراً
من ضباط الفرقة الوطنيين على التقاعد.
9 ـ إخراج كافة ضباط الاحتياط الدورة 13،المتخرجين عام
959 ،والبالغ عددهم 1700 ضابط من الخدمة
في الجيش بالنظر للنفوذ الكبير للشيوعيين فيها .
10ـ تنحية المقدم الركن [ سليم الفخري] المدير العام
الإذاعة والتلفزيون وتسليمها لعناصر لا
تدين بالولاء للثورة وقيادتها .
وقد وصفت صحيفة [صوت الأحرار] في
12 حزيران 962 دار الإذاعة بأنها قد باتت وكراً للانتهازيين والرجعيين بعد أن أبعد
عبد الكريم قاسم جميع العناصر الوطنية منها.
كما كانت القوة
العسكرية المكلفة بحماية دار الإذاعة لا تدين بالولاء للثورة، وهذا مما سهل
للانقلابيين السيطرة على دار الإذاعة بكل يسرٍ وسهولة صباح يوم الانقلاب. وكان
لذلك تأثير كبير على معنويات الجيش والشعب عندما سارع الانقلابيون إلى الإعلان عن
مقتل عبد الكريم قاسم لإحباط عزيمة الجيش للتحرك لإخماد الانقلاب، ومعلوم أن عبد
الكريم قاسم ظل يقاوم الانقلابيين حتى ظهر اليوم التالي التاسع من شباط، ولو لم
يكن الانقلابيون قد سيطروا على دار الإذاعة
واستطاع عبد الكريم قاسم إذاعة بيانه الأخير غير المذاع لما نجح الانقلاب.
11 ـ إعفاء كافة الوزراء ذوي الاتجاه التقدمي من
الوزارة، وإعفاء عدد كبير من كبار المسؤولين المدنيين من وظائفهم، وتعين آخرين لا
يدينون بالولاء للثورة وقيادتها، فقد كان جلَّ هم عبد الكريم قاسم إبعاد كل عنصر
له ميل أو علاقة بالحزب الشيوعي من قريب أو من بعيد .
12 ـ تصفية كل المنظمات الشعبية ذات الصبغة الديمقراطية
كمنظمة أنصار السلام، واتحاد الشبيبة الديمقراطية، ورابطة الدفاع عن حقوق المرأة،
ولجان الدفاع عن الجمهورية، ومحاربة
القيادات الوطنية المخلصة في الاتحاد العام لنقابات العمال، والاتحاد العام
للجمعيات الفلاحية، ونقابات المعلمين، والمهندسين، والأطباء، والمحامين، وإبعادهم
عن قيادة تلك المنظمات، وتسليمها إلى أعداء الشعب.
13ـ إصدار العفو عن عبد السلام عارف، وعن المجموعة التي
نفذت محاولة اغتياله في شارع الرشيد، وإعفاء رشيد عالي الكيلاني وزمرته وعن جميع
رجالات العهد الملكي من محكومياتهم في 11 حزيران 962، في حين أحتفظ بكافة
الشيوعيين والديمقراطيين رهائن في السجون ليأتي الانقلابيون فيما بعد وينفذوا
جريمة قتل أعداد كبيرة منهم بعد تعذيب بشع.
لقد شجعت سياسة العفو والتسامح مع
أعداء الثورة على إيغال أولئك المتآمرين واستمرارهم في التآمر، على عكس ما تصور
عبد الكريم قاسم من أن إصدار العفو عنهم سوف يكفهم عن التآمر.
14ـ لم يقدر عبد الكريم قاسم مسالة الصراع مع القوى
المضادة للثورة الذي أججته قرارات الثورة، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي
الذي أحدث ثورة اجتماعية سلبت السلطة من الإقطاعيين دعائم الإمبريالية. فقد بدأ الرجعيون والإقطاعيون وكل المتضررين من
ثورة تموز بتجميع صفوفهم وبعث نشاطهم من جديد، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد
الكريم قاسم من الشيوعيين.
لقد استغلت الرجعية تلك الظروف
لتنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها، وإضعاف السلطة،
وعزلها عن الشعب.
15ـ قيام التمرد
الكردي بقيادة الإقطاعيين [ رشيد لولان ] و [عباس مامند]، وانجرار الحزب
الديمقراطي الكردستاني إلى تلك الحركة، ولجوء السلطة إلى القوة العسكرية لحل
التناقض مع الأكراد، مما سبب إضعافاً خطيراً للسلطة الوطنية، وشق جبهة الاتحاد
الوطني، ودفع الحزب الديمقراطي الكردستاني للتعاون مع انقلابيي 8 شباط، ومع التمرد
الرجعي لرشيد لولان، وعباس مامند، المدعوم من قبل الإمبريالية الأمريكية وحليفها
[شاه إيران].
وفي بداية عام 963 ،عندما كانت
الحرب تدور في كردستان كنت آنذاك في مدينة السليمانية إحدى أكبر مدن كردستان أتابع
مجريات تلك الحرب، وما آلت إليه الأمور في بلادي، حيث يقتل العراقيون بعضهم بعضاً.
ومن المؤسف أيضاً أن ينجر الحزب الشيوعي، بسبب أخطائه وبسبب الضغوط التي مارسها
قاسم ضده، إلى الحركة الكردية بعد أن وقف منذُ البداية داعياً للسلم في كردستان
والديمقراطية للعراق، تاركاً النظام منعزلاً في مواجهة مؤامرات الإمبريالية
وعملائها. كما يتحمل عبد الكريم قاسم جانباً كبيراً من المسؤولية في إيصال الأمور مع القيادة الكردية إلى مرحلة
الصراع المسلح.
16 ـ اعتماد عبد الكريم قاسم على جهاز أمن النظام الملكي
السابق، الذي لم يجر عليه أي تغيير، سوى إحالة 45 من ضباط الأمن على التقاعد،
ومعلوم أن ذلك الجهاز الرجعي الذي أنشأته، ورعته الإمبريالية وعملائها الحاكمون في
بغداد آنذاك، لم يكن يدين بالولاء
للثورة لزعيمها عبد الكريم قاسم ،
وكان له دور كبير في إخفاء نشاطات القوى الرجعية والحركات التآمرية عن السلطة،
وحماية المتآمرين. ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية بأحسن حال من جهاز الأمن
الذي أنيط به
حماية الثورة من
المتآمرين، وتبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة،
وكان على رأسهم رئيس الجهاز[محسن الرفيعي] ومن قبله [ رفعت الحاج سري] الذي ثبت
للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم
فيه.
كما أن موقف
[أحمد صالح العبدي] رئيس أركان الجيش والحاكم العسكري العام المتخاذل ينم عن
مساومة الانقلابيين والسكوت عن تحركاتهم، فلم ينل منهم أذى، وأطلق سراحه بعد أيام
قلائل، فيما جرى إعدام كل المخلصين لثورة تموز وقيادتها
17 ـ لم يقدر عبد الكريم قاسم ما سوف يسببه صراعه مع
شركات النفط من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية، والحفاظ على استقلاله
الوطني، وإصداره القانون رقم 80 لسنة 961، والذي أنتزع بموجبه 99،5% من مناطق
امتياز تلك الشركات من سيطرة الشركات والعمل على استغلالها وطنياً.
لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط،
وتبادل الطرفان التهديدات، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي ، وكان الوفد
يعني ما يقول، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة 14 تموز وقيادتها، والأمر المؤسف
حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة، والحذر من أحابيل ومؤامرات شركات
النفط حرصاً على مصالحها حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء. ولاشك في أن
الدور الأول في الإعداد لانقلاب 8 شباط كان لشركات النفط.
من هم الانقلابيون ؟
ضم فريق الانقلابيين من حزب البعث
كل من:
[علي صالح السعدي] و[أحمد حسن البكر] و[طالب شبيب]
و[حازم جواد] و[مسارع الراوي] و[حمدي عبد المجيد] والضباط البعثيين المقدم [عبد
الستار عبد اللطيف] والمقدم [عبد الكريم مصطفى نصرت] والمقدم[صالح مهدي عماش]
ووالمقدم [حردان التكريتي] والملازم الأول الطيار [منذر الونداوي]. وعدد آخر من
صغار الضباط، وبعض مراتب الجيش البعثيين.
أما القوى القومية فقد ضمت كل من:
[عبد السلام عارف] و[طاهر يحيى] و[عارف عبد الرزاق] و[عبد الهادي الراوي] و[رشيد مصلح] و[عبد الغني الراوي]
و[ خالد مكي الهاشمي] عدد من صغار الضباط.
أختار الانقلابيون موعداً
لانقلابهم الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق للثامن من شباط 963، وكانت
لهم حساباتهم في هذا الاختيار، حيث يوم الجمعة يوم عطلة، ولا يتواجد في المعسكرات
سوى الضباط الخفر، وكانوا قد رتبوا مسبقاً خفارة الضباط المتآمرين في ذلك اليوم،
ليسهل عليهم عملية تنفيذ الانقلاب، كما أن وقوع الانقلاب في الساعة التاسعة صباحاً
أمر غير متوقع، حيث جرت العادة بوقوع الانقلابات العسكرية في الساعات الأولى من
الفجر، ورغم وصول إشارة إلى وزارة الدفاع قبل ساعة ونصف من وقوع الانقلاب، إلا أن
آمر الانضباط العسكري، الزعيم الركن عبد الكريم الجدة لم يأخذ ذلك على مأخذ الجد ،
وأعتقد أن ذلك نوع من الخيال.
فقد ذكر أحد الضباط الوطنيين
المتواجدين في وزارة الدفاع، وكان ضابط الخفر ذلك اليوم قائلاً:
أن جرس الهاتف دق في الساعة السابعة والنصف من
صباح ذلك اليوم ، الثامن من شباط، أسرعت لرفع سماعة الهاتف وإذا بشخص مجهول يحدثني
قائلاً:
{إنني أحد الذين استيقظ ضميرهم، ووجدت لزاماً على نفسي
أن أبلغكم بأن انقلاباً عسكرياً سيقع ضد عبد الكريم قاسم في الساعة التاسعة من
صباح هذا اليوم ينطلق من قاعدة الحبانية الجوية، وكتيبة الدبابات الرابعة في أبو
غريب}، وأغلق الهاتف، ثم يضيف الضابط الخفر قائلا: أسرعت بالاتصال بالزعيم عبد
الكريم الجدة، آمر الانضباط العسكري
أبلغته بالأمر فما كان منه إلا أن أجابني قائلاً :
{هل أنت سكران
يا هذا ؟ كيف يقع انقلاب عسكري في يوم 14 رمضان، والزعيم صائم !! والناس صيام !!،
وفي مثل هذا الوقت الذي تتحدث عنه ضحى؟ فلم يسبق أن وقع انقلاب عسكري في وضح
النهار ثم أغلق الزعيم الجدة الهاتف }.
كان ذلك الموقف من عبد الكريم
الجدة لا ينم إلا عن الجهل وسوء التقدير للوضع السياسي في البلاد، فقد كان الجو
السياسي مكفهراً، ونشاط المتآمرين يجري على قدم وساق، وإضراب الطلاب على
أشده، كما أن الحزب الشيوعي كان قد أصدر
بياناً في 3 كانون الثاني 963، ووزع بصورة
علنية وعلى نطاق واسع، حذر فيه من خطورة الوضع، و جاء فيه:
{هناك معلومات متوفرة لدينا تشير إلى الكتائب المدرعة في
معسكرات بغداد، ولواء المشاة التاسع عشر الآلي قد أصبحت مراكز لنشاط عدد كبير من الضباط
الرجعيين، والمغامرين الذين يأملون تحويل هذه المراكز إلى قواعد انطلاق لانقضاض
مفاجئ على استقلال البلاد، ولقد حددوا موعداً بعد آخر لتحقيق هذا الغرض، وللموعد
الحالي مغزى خاص نظراً لخطورة الأزمة السياسية الراهنة، وعدد الزيارات التي يقوم
بها كبار الجواسيس الأمريكيين لبلدنا، وووجه الحزب نداءه لعبد الكريم قاسم لأجراء
تطهير واسع وفعال في صفوف الجيش}.
إلا أن عبد
الكريم قاسم لم يأخذ بذلك التحذير مأخذ الجد معتقداً أن ذلك لا يعدو أن يكون تهويلاً يستهدف أهدافاً
حزبية ضيقة.
كان الأولى بعبد الكريم الجدة
الاتصال بعبد الكريم قاسم فوراً واستنفار كل الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية،
وسائر الضباط الذين لا يشك بولائهم للثورة، وخاصة قائد القوة الجوية، ولكن شيئاً
من هذا لم يحدث.
وُزعت الأدوار على الضباط
الانقلابيين، ومنظمات حزب البعث وأفراد الحرس القومي الذي أُعد مسبقاً ودُرب وجُهز
بالسلاح!!، وجعلوا ساعة الصفر اغتيال قائد القوة الجوية الشهيد [جلال الأوقاتي] .
كان البعثيون قد رصدوا حركته، حيث
أعتاد صباح كل يوم جمعة أن يخرج لشراء الفطور بنفسه، وترصدوا له ذلك اليوم وهو
خارج وبصحبته ولده، حيث أطلقوا عليه النار، وأردوه قتيلاً في الحال، وجرى الاتصال
بالزمرة الانقلابية، وتم إبلاغهم باغتيال الأوقاتي، وعند ذلك تحرك المتآمرون، حيث
قاموا بقطع البث من مرسلات الإذاعة في أبو غريب، وتركيب تحويل في مرسلات الإذاعة
وبدأ البث فيها من هناك قبل استيلائهم على دار الإذاعة.
وفي نفس الوقت قام الملازم منذر
الونداوي بطائرته من قاعدة الحبانية، وحردان التكريتي من القاعدة الجوية في كركوك
بقصف مدرج مطار الرشيد العسكري، وتم حرثه بالقنابل لشل أي تحرك للطيارين الموالين
للسلطة، وبعد أن تم لهم ذلك بادروا إلى
قصف وزارة الدفاع .
وفي تلك الأثناء سمع عبد الكريم قاسم
أصوات الانفجارات باتجاه معسكر الرشيد فبادر على الفور بالذهاب إلى وزارة الدفاع،
وتحصن فيها، وكان ذلك الإجراء في غاية الخطورة، إذ كان الأجدى به أن يتوجه بقواته
المتواجدة في وزارة الدفاع إلى معسكري الرشيد، والوشاش، القريبين من مركز بغداد،
والسيطرة عليهما، ومن ثم الانطلاق نحو الأهداف التي تمركز فيها الانقلابيون، بالاستناد إلي جماهير الشعب الغفيرة التي هبت
حال سماعها بنبأ الانقلاب تطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين. لكن عبد الكريم قاسم
حصر نفسه في وزارة الدفاع ، على الرغم من تحذير الزعيم الركن [ طه الشيخ أحمد]
مدير الحركات العسكرية، الذي أشار عليه إلى ضرورة استباق المتآمرين ومهاجمتهم قبل
توسع الحركة، وسيطرتهم على معسكري الوشاش والرشيد ، القريبين جداً من بغداد. لكن
الزعيم عبد الكريم قاسم لم يأخذ بنصيحته مما سهل على الانقلابيين تطويق الوزارة،
وقصفها بالطائرات والمدفعية، قصفاً مركزاً، حتى انهارت مقاومة قواته.
ربما أعتقد عبد الكريم قاسم أن
وجوده في وزارة الدفاع المحصنة، يمكّنه من الاتصال بالوحدات العسكرية الموالية له
ولكن خاب ظنه بعد كل الذي فعله بإبعاد كل العناصر الوطنية الصادقة والمخلصة
واستبدلهم بعناصر انتهازية لا مبدأ لها، ولا تدين بالولاء الحقيقي له وللثورة، فقد
سارع معظمهم إلى إرسال برقيات التأييد للانقلابيين، وانكفأ البعض الأخر في بيته،
وكأن الأمر لا يعنيه سواء بقي عبد الكريم قاسم أم نجح الانقلابيون.
توجه[عبد السلام عارف]إلى[معسكر
أبي غريب]،حيث وصل مقر كتيبة الدبابات الرابعة، وانضم إليه [ أحمد حسن البكر]
واستقلا كلاهما إحدى الدبابات، وتوجها إلى دار الإذاعة، وبصحبتهما دبابة أخرى، وقد
ساعدهم حرس دار الإذاعة المشاركين في الانقلاب على السيطرة عليها ثم التحق بهم كل
من حازم جواد، وطالب شبيب، وهناء العمري، خطيبة علي صالح السعدي.
أما خالد مكي
الهاشمي فقد أندفع بدباباته متوجهاً إلى بغداد رافعاً صور عبد الكريم قاسم لخدع
جماهير الشعب التي ملأت شوارع بغداد لتدافع عن الثورة وقيادتها.
وفي نفس الوقت وصل العقيد [ عبد
الغني الراوي ] إلى مقر لواء المشاة الآلي الثامن في الحبانية، وتمكن بمساعدة
أعوانه من الانقلابيين من السيطرة على اللواء المذكور، وتحرك به نحو بغداد، كما
نزل المئات من أفراد الحرس القومي على طول الطريق بين الحبانية وأبو غريب، حاملين
أسلحتهم، وقد وضعوا الشارات الخضراء على أذرعهم، وتقدمت قوات الانقلابيين بقيادة
المقدم المتقاعد[عبد الكريم مصطفى نصرت] وأحاطت بوزارة الدفاع ، كما تقدمت قوة
أخرى من الطرف الثاني لنهر دجلة، مقابل وزارة الدفاع ، وبدأت قصفها للوزارة
بالمدفعية الثقيلة .
كانت جموع غفيرة من أبناء الشعب قد
ملأت الساحة أمام وزارة الدفاع والشوارع المؤدية لها وهي تهتف للثورة وقائدها عبد
الكريم قاسم، وتطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين .
لقد حدثني أحد رفاقي الذي كان
متواجداً في تلك الساعة مع الجماهير المحيطة بالوزارة، والمستعدة للتضحية والفداء
دفاعاً عن الثورة فقال:
تجمعنا حول وزارة الدفاع حال
سماعنا بوقوع الانقلاب، وكانت أعدادنا لا تحصى، فلقد امتلأت الشوارع والطرقات
بآلاف المواطنين الذين جاءوا إلى الوزارة وهم يهتفون بحياة الثورة وقائدها عبد
الكريم قاسم ، ويطالبونه بالسلاح للدفاع عن الثورة منادين:
{باسم العامل والفلاح يا كريم أعطينا سلاح}. كان الجو
رهيباً والجموع ثائرة تريد السلاح للانقضاض على المتآمرين، وكان عبد الكريم يردد
قوله:
{إنهم مجرد عصابة مأجورة لا قيمة لها، وسنقضي عليهم}
وهكذا أخطأ عبد الكريم مرة أخرى في
حساباته، ولم يستمع إلى صوت الشعب وتحذيره، ولم يقدر خطورة الوضع، وكان لا يزال
على ثقة بأولئك الذين أعتمد عليهم، وبوأهم أعلى المناصب السياسية والعسكرية
والإدارية، بأنهم سوف يؤدون واجبهم لحماية الثورة، وسحق المتآمرين.
لكن تلك الزمر
الانتهازية الخائنة أسفرت عن وجهها الحقيقي، فقسم منها أشترك اشتراكاً فعلياً مع المتآمرين،
والقسم الآخر آثر الجلوس على التل دون حراك، فلا تهمهم الثورة، ولا الشعب ولا عبد
الكريم قاسم .
ثم يضيف رفيقي قائلاً:
في تلك الأثناء وصلت أربع دبابات،
تحمل في مقدمتها صور عبد الكريم قاسم ، استخدمتها لتضليل جماهير الشعب لكي يتسنى
للانقلابيين عبور الجسر نحو جانب الرصافة حيث وزارة الدفاع، وكانت الجماهير قد
أحاطت بالجسور وقطعتها، واعتقدت أن هذه الدبابات جاءت لتعزز موقف عبد الكريم قاسم
.
وعندما وصلت تلك الدبابات إلى
وزارة الدفاع، استدارت ظهرها نحو الوزارة، وبلحظات بدأت رشاشات [الدوشكا] المنصوبة
عليها تطلق رصاصها الكثيف على الجماهير المحتشدة، وتخترق أجسادهم بالمئات لقد غطت الجثث والدماء تلك الشوارع والساحة
المقابلة لوزارة الدفاع، خلال عشرة دقائق لا غير، وكانت مجزرة رهيبة لا يمكن تصورها
ولا يمكن أن يدور في خلد أي إنسان أن يجرأ المتآمرون على اقترافها. ولم
تكتفِ دبابات المتآمرين بما فعلت، بل جاءت الطائرات لتكمل المجزرة، موجهة رشاشاتها
حتى نحو الجرحى الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة. ثم بدأ بعد ذلك القصف
المركز على وزارة الدفاع بالطائرات ومدافع الدبابات التي أحاطت بالوزارة من جانبي
الكرخ والرصافة وبدأت القذائف تنهال عليها، والقوات المتواجدة داخلها ترد على
القصف بما تملك من أسلحة وعتاد، إلا أن المقاومة بدأت تضعف شيئاً فشيئاً، دون أن
يأتي أي إسناد من أي من القطعات العسكرية التي كان عبد الكريم يعتمد عليها، لأنه
كان في وادٍ، وأولئك الخونة في وادٍ آخر، وادي الخونة والخيانة .
وفيما كانت عملية القصف تتواصل،
تقدمت قوات أخرى نحو معسكر الرشيد، ومقر الفرقة الخامسة، واللواء التاسع عشر، وحيث
هناك المعتقل رقم واحد، الذي كان عبد الكريم يحتجز فيه عدد من الضباط البعثيين
والقوميين، حيث تم إطلاق سراحهم ليشاركوا في الانقلاب، وتمكنت قوات الانقلابيين من السيطرة على
المعسكر، ومقر الفرقة، ووقع بأيديهم مجموعة من الضباط الوطنيين المعتقلين هناك،
حيث نفذ الانقلابيون مجزرة أخرى بالعديد منهم. وفي بعقوبة تصدى عدد من الضباط ،
وضباط الصف والجنود للانقلاب إلا أنهم
فشلوا في ذلك، وجرى إعدام فوري لما يزيد
على 30 ضابطاً وجندياً .
وفي معسكر التاجي القريب من بغداد،
حيث توجد محطات الرادار، حاولت مجموعة أخرى السيطرة على المعسكر، غير أن
الانقلابيين تمكنوا من التغلب على المقاومة بعد قتال عنيف، غير متكافئ، وجرى
الإعدام الفوري لعدد من الضباط الصغار ،وضباط الصف والجنود.
كما حدثت مقاومة من جانب عدد من
الضباط وضباط الصف والجنود في منطقة فايدة في شمال الموصل، لكنها لم تستطع الصمود،
حيث تم للانقلابيين قمعها، وجرى إعدام فوري لعشرات من الضباط والجنود.
أما قادة الفرق، وكبار القادة
العسكريين فلم يحركوا ساكناً، بل أن قسماً منهم كان له ضلعاً في الانقلاب، وبشكل
خاص محسن الرفيعي، مدير الاستخبارات العسكرية الذي كان يغطي ويخفي كل تحركات
الانقلابيين، دون أن يتخذ أي إجراء ضدهم، ولم ينقل لعبد الكريم قاسم حقيقة ما
يجري. ففي 4 شباط، قبل وقوع الانقلاب بأربعة أيام، اصدر عبد الكريم قاسم قرارا
بإحالة مجموعة من الضباط المعروفين بعدائهم للثورة على التقاعد، ولكن أولئك الضباط
استمروا بلبس ملابسهم العسكرية، ولم يغادروا بغداد، ولم تحرك أجهزة الاستخبارات
العسكرية، ولا الأمنية ساكناً وهذا خير دليل على تواطؤ مدير الأمن العام، ومدير الاستخبارات
العسكرية مع الانقلابيين.
أما احمد صالح العبدي،رئيس أركان
الجيش والحاكم العسكري العام، فإن خيانته قد توضحت تماماً عندما اصدر أمراً يوم 5
شباط، أي قبل وقوع الانقلاب بثلاثة أيام ، يقضي بسحب العتاد من كتيبة الدبابات
التي كان يقودها العقيد الركن [ خالد كاظم ] وهو الوحيد الذي بقي في مركزه القيادي
من الضباط الوطنيين وأودع العتاد في مستودع العينة.
وهكذا بقيت دباباته دون عتاد لكي
لا يتصدى للانقلابيين، ولم يمس الانقلابيون العبدي بسوء.
كما أن عبد الكريم قاسم قام قبل
الانقلاب بتعيين عبد الغني الراوي المعروف بعدائه للثورة، وتوجهاتها، آمراً للواء
المشاة الآلي الثاني، وكانت تلك الخطوة ذات أبعاد خطيرة، فقد كان الراوي أحد أعمدة
ذلك الانقلاب، وقام اللواء المذكور بدور حاسم فيه .
الحزب الشيوعي يتصدى للانقلابيين بلا سلاح
منذُ اللحظات الأولى لوقوع الانقلاب
سارع الحزب الشيوعي إلى إصدار بيان وُزع على جماهير الشعب صباح ذلك اليوم دعا فيه
القوات العسكرية الوطنية، وجماهير الشعب إلى التصدي للانقلابيين بكل الوسائل
والسبل، ومما جاء في البيان:
{إلى السلاح ! اسحقوا المؤامرة
الرجعية الإمبريالية}.
أيها المواطنون، يا جماهير شعبنا
العظيم المناضل، أيها العمال والفلاحون والمثقفون، وكل الوطنيين والديمقراطيين
الآخرين:
لقد دق جرس
الخطر،استقلالنا الوطني يتعرض للخطر العظيم و إنجازات الثورة تحدق بها المخاطر.
لقد قامت عصابة حقيرة من الضباط
الرجعيين والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على السلطة استعداداً لإعادة بلدنا
إلى قبضة الإمبريالية والرجعية، بعد أن سيطروا على محطة البث الإذاعي في أبو غريب،
وانكبوا على إنجاز غرضهم الخسيس وإنهم
يحاولون الآن تنفيذ مجزرة بحق أبناء جيشنا الشجاع .
يا جماهير شعبنا المناضل
الفخور!إلى الشوارع، اقضوا بحزم وقسوة على المتآمرين والخونة، طهروا بلدنا منهم،
إلى السلاح دفاعاً عن استقلال شعبنا ومكتسباته، شكلوا لجان دفاع في كل ثكنة عسكرية
وكل مؤسسة وكل حي وقرية، وسيُلحق الشعب بقيادة قواه الديمقراطية الخزي والهزيمة
بهذه المؤامرة الجبانة كما فعل بمؤامرات الكيلاني والشواف، إننا نطالب بالسلاح }.
وقد دعا البيان رفاق وجماهير الحزب
إلى الاستيلاء على الأسلحة من مراكز الشرطة وتوزيعها على الجماهير، إلا أن ذلك لم
يكن في مستوى الأحداث، فلم يكن الحزب قد كدس السلاح، كما فعل الانقلابيون خلال
ثلاث سنوات. ولاشك أن قيادة الحزب تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية في عدم أخذ
الاحتياطات اللازمة للتصدي للانقلابيين، ولاسيما وأن الحزب كان على علم بما يجري
في الخفاء، وأنه كان قد أصدر بياناً قبل أيام يحذر فيه من وقوع مؤامرة ضد الثورة.
فما هي الإجراءات التي اتخذتها قيادة الحزب لتعبئة رفاقه وجماهيره، وخاصة في صفوف
الجيش؟ في الوقت الذي كان الحزب لا يزال يتمتع بنفوذ لا بأس به داخل صفوف الجيش،
على الرغم من تصفية عبد الكريم قاسم لمعظم القيادات الشيوعية فيه. ورغم كل ذلك،
فقد أندفع رفاقه وجماهير الشعب التي كانت تقدر بالألوف للذود عن حياض الثورة بكل
اندفاع، ووقفوا إلى جانب قيادة عبد الكريم قاسم، بل أستطيع أن أقول أن الشيوعيين
كانوا القوة السياسية الوحيدة التي وقفت بجانبه،رغم كل ما أصابهم منه من حيف خلال
السنوات الثلاث الأخيرة. فقد أندفع معظم الضباط، وضباط الصف، والمسرحين من الخدمة
العسكرية إلى الالتحاق بالمقاومة وحماية الثورة، بناء على دعوة الحزب وقدموا
التضحيات الجسام ، وسالت دماؤهم على ساحات المعارك مع الانقلابين. كان كل ما يعوز
جماهير الشعب آنذاك هو السلاح الذي كانوا يفتقدونه، ورغم كل النداءات التي وجهوها
إلى عبد الكريم قاسم للحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين، إلا أن كل تلك
النداءات ذهبت أدراج الرياح.
ربما كان قاسم يتوقع من أولئك
الذين أعتمد عليهم ، في القوات المسلحة أن يقمعوا الانقلاب، ولكنهم كانوا في وادٍ
آخر، وربما خاف قاسم من إعطاء السلاح للحزب الشيوعي على مستقبله السياسي إذا ما تم
قمع الانقلاب على أيدي الشيوعيين، وفي كلتا الحالتين كان قاسم مخطئاً،ودفع حياته،
ثمناً لتلك الأخطاء التي أرتكبها طيلة فترة حكمه.
الزعيم يحاول توجيه خطاب للشعب والقوات المسلحة:
في الوقت الذي كان فيه القصف
المركز يجري على وزارة الدفاع، والقوات الانقلابية تحيط بها، حاول عبد الكريم قاسم
تسجيل خطاب يوجهه إلى الشعب والقوات المسلحة، يدعوهم لمقاومة الانقلابيين، وقد تم
تسجيل ذلك الخطاب على شريط [كاسيت] تحت أصوات الانفجارات والقصف، وأرسله إلى دار
الإذاعة مع الرائد [ سعيد الدوري ] الذي تبين فيما بعد أنه من المشاركين في الانقلاب،
حيث سلمه للانقلابيين، كما أن دار الإذاعة كانت قد احتلت من قبل الانقلابيين،
ولذلك لم يتسنَ إذاعة الخطاب، وقد حصلت على نسخة منه ،وفيما يلي نصه :
{إلى أبناء الشعب الكرام ،وإلى
أبناء الجيش المظفر }.
إن أذناب الاستعمار ،وبعض الخونة
والغادرين والمفسدين الذين يحركهم الاستعمار لتحطيم جمهوريتنا ...كلمات غير مفهومة
بسبب القصف ،الذين يحاربوننا بحركات طائشة للنيل من جمهوريتنا، وتحطيم كيانها.
إن الجمهورية العراقية الخالدة،
وليدة ثورة 14 تموز الخالدة لا تقهر...كلمات غير مفهومة بسبب القصف، وإنها ستسحق
الاستعمار، وتسحق كل عميل وخائن. إنما نحن نعمل في سبيل الشعب، وفي سبيل الفقراء
بصورة خاصة، وتقوية كيان البلاد فنحن لا
نقهر، وإن الله معنا أبناء الجيش المظفر والوحدات، والقطعات، والكتائب والأفراد،
أيها الجنود الغيارى، مزقوا الخونة، اقتلوهم، اسحقوهم، إنهم متآمرون على جمهوريتنا
ليحطموا مكاسب ثورتنا، هذه الثورة التي حطمت الاستعمار، وانطلقت في طريق الحرية
والنصر، وإنما النصر من عند الله والله معنا...كلمات غير مفهومة بسبب القصف، كونوا
أشداء، اسحقوا الخونة والغادرين ـ دوي شديد ـ أبناء الشعب في كل مكان ـ دوي شديد ـ
إنهم خونة ـ قصف ـ إنهم أذناب الاستعمار والله ينصرنا على الاستعمار وعلى أذنابه
وأعوانه.
ثم يتوقف التسجيل بسبب دوي القصف،
ويعاود الزعيم مرة أخرى:
السلام عليكم أبناء الشعب، أيها
الضباط، أيها الجنود، أيها الضباط الصف الأشاوس،أيها العمال الغيارى، إن الاستعمار
يحاول أن يسخر نفراً من أذنابه للقضاء على جمهوريتنا، لكنه بتصميمنا، وتصميم الشعب
المظفر،فأننا نحن جنود وشعب 14 تموز الخالد الذي وجه الضربات الخاطفة إلى العهد
المباد رغم ... كلمات غير مفهومة بسبب القصف، رغم الاستعمار، وحرر أمتنا،واسترد
كرامتها، فان هذا اليوم المجيد... كلمات غير مفهومة بسبب القصف، لسحق الخونه
والغادرين... كلمات غير مفهومة.
أبناء الشعب، أبناء الجيش المظفر،
إن النصر أمامنا، وإننا صممنا على سحق الاستعمار وأعوانه فلا... كلمات غير مفهومة،
الخونة والغادرين، فأن الله معكم، وسوف... كلمات غير مفهومة،الظالمون والغادرون
والسفاكون أذناب الاستعمار سوف..كلمات غير مفهومة، عندما توجه إليهم الضربات
الخاطفة، وقد باشرنا بتوجيهها إليهم ...كلمات غير مفهومه إنني الزعيم عبد الكريم
قاسم.....وإننا أقوى، وأمضى وأشد عزماً وكفاحاً في سبيل الفقراء، والنصر للشعب
العراقي المظفر، والنصر لكم أيها الغيارى ].
عبد الكريم قاسم
8 شباط 1963
هذا هو نص الخطاب الذي لم يستطع
عبد الكريم قاسم إذاعته ، فقد فات الأوان، واستولى الانقلابيين على دار الإذاعة،
ووقع الشريط الذي يحوي الخطاب بين أيديهم، وربما كان بالإمكان لو لم تقع دار
الإذاعة بأيدي الانقلابيين، وتم إذاعة البيان، أن تتحرك بعض القطعات العسكرية
الموالية له، وتتصدى للانقلابيين.
كان الانقلابيون يدركون مدى تعلق
الشعب العراقي وجيشه بثورة 14 تموز وقيادتها، رغم كل الأخطاء التي أرتكبها عبد
الكريم قاسم يحق القوى الوطنية المخلصة حقاً وفعلاً، فالكل يركب سفينة الثورة،
التي إذا غرقت غرق الجميع، ولذلك نجد الانقلابيين يعلنون في أول ساعات الانقلاب عن
مقتل عبد الكريم قاسم لكي يمنعوا أي تحرك عسكري لإسناده، مثل ما فعلوا عندما تقدمت
دباباتهم وهي تحمل صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب حتى تتمكن من الوصول إلى
وزارة الدفاع. ورغم كل ذلك فقد اندفعت جماهير الشعب تقارع الانقلابيين بكل ما
أوتيت من عزم وقوة رغم أنها كانت عزلاء من السلاح، حيث خاضت المعارك معهم بالبنادق
والعصي والحجارة فيما قابلتهم الدبابات والمصفحات منزلة بهم خسائر فادحة في
الأرواح بلغت عدة آلاف .
أما [الحرس القومي]الذي شكله
الانقلابيون فقد أندفع أفراده إلى الشوارع وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على
الأسلحة، وبدءوا يهاجمون جماهير الشعب بكل عنف وقوة موجهين نيران أسلحتهم نحو كل
من يصادفونه في طريقهم .واستمرت مقاومة الشعب في بعض مناطق بغداد، وخاصة في مدينة
الثورة، والشاكرية والكاظمية وباب الشيخ، وحي الأكراد والحرية والشعلة لعدة أيام،
ولم يستطع الانقلابيون قمع تلك المقاومة إلا بعد أن جلبوا الدروع لتنفث نار
القنابل الحارقة فوق رؤوسهم، وأصدر الانقلابيون بيانهم المشؤوم رقم 13 الذي يدعو
إلى إبادة الشيوعيين الذين تصدوا للانقلاب منذُ اللحظات الأولى، وشنوا على الحزب
الشيوعي حرب إبادة لا هوادة فيها، حيث اعتقلوا ما يزيد على نصف مليون مواطن، بينهم
1350 ضابطاً عسكريا ومن مختلف الرتب، وجرى تعذيب المعتقلين بأساليب بشعة لا يصدقها
أحد، واستشهد جراء ذلك المئات من المناضلين تحت التعذيب الشنيع، وكان من ضحايا
التعذيب كل من [ سلام عادل ] السكرتير العام للحزب الشيوعي، حيث قطع الانقلابيون
يديه ورجليه، وفقأوا عيناه في محاولة لانتزاع الاعترافات منه عن تنظيمات الحزب.
كما استشهد أيضاً من أعضاء اللجنة المركزية كل من: جمال الحيدري، ومحمد صالح
العبلي، ونافع يونس، وحمزة سلمان، وعبد الجبار وهبي، أبو سعيد، ومتي الشيخ، و محمد
حسين أبو العيس، وجورج تللو، وعبد الرحيم شريف، وطالب عبد الجبار بالإضافة إلى
المئات من الكوادر الحزبية ورفاق الحزب، قضوا جميعاً تحت التعذيب رافضين تقديم
الاعترافات عن تنظيمات حزبهم .
استسلام عبد الكريم قاسم للانقلابيين
أخذت المقاومة داخل وزارة الدفاع
تضعف شيئاً فشيئاً، وتوالت القذائف التي تطلقها الطائرات، والدبابات المحيطة
بالوزارة التي تحولت إلى كتلة من نار، واستشهد عدد كبير جداً من الضباط والجنود
دفاعاً عن ثورة 14تموز وقيادة عبد الكريم قاسم، وكان من بينهم الشهيد الزعيم [وصفي
طاهر] المرافق الأقدم لقاسم، والزعيم [عبد الكريم الجدة] أمر الانضباط العسكري،
واضطر عبد الكريم قاسم إلى مغادرة مبنى الوزارة إلى قاعة الشعب القريبة من مبنى
الوزارة، تحت جنح الظلام وكان بصحبته كل من الزعيم الشهيد [فاضل عباس المهداوي]
رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة، والزعيم الركن الشهيد [طه الشيخ أحمد] مدير
الحركات العسكرية ، والملازم الشهيد [كنعان حداد] مرافق قاسم .
ومن هناك قام عبد الكريم قاسم
بالاتصال هاتفياً بدار الإذاعة، وتحدث مع عبد السلام عارف، طالباً منه باسم الأخوة
والعلاقة التي ربطتهم معاً قبل الثورة، مذكراً إياه بالعفو الذي أصدره بحقه
ورعايته له، بالسماح له بمغادرة العراق. غير أن عبد السلام عارف أجابه بكل
صلافة بكلمات نابية لا تدل على خلق، مما
أثار غضب الزعيم طه الشيخ أحمد الذي أمسك بالهاتف من يد عبد الكريم قاسم، ورد على
عبد السلام عارف، باللهجة العامية بكلمات قاسية. واتصل عبد الكريم قاسم مرة أخرى
بعبد السلام عارف طالباً منه السماح له بمغادرة العراق، أو إجراء محاكمة عادلة له،
لكن عبد السلام عارف طلب منه الاستسلام.
وفي صباح اليوم التالي9 شباط خرج[
يونس الطائي ] صاحب صحيفة الثورة المعروف بعدائه للشيوعية،والذي كان قد سخره عبد
الكريم قاسم لمهاجمة الحزب الشيوعي على صفحات جريدته [ الثورة ] خرج للقاء
الانقلابيين، وكان في انتظاره أحد ضباط الانقلاب، واصطحبه إلى دار الإذاعة، حيث
قام بدور الوسيط!! بين عبد الكريم قاسم والانقلابيين لقاء وعدٍ بالحفاظ على حياته،
وتسفيره إلى تركيا، وهكذا انتهت الوساطة بخروج عبد الكريم قاسم، ومعه المهداوي،
وطه الشيخ أحمد، وكنعان حداد حيث كان بانتظارهم ناقلتين مصفحتين عند باب قاعة
الشعب، كان الوقت يشير إلى الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً حيث نقل عبد الكريم
قاسم وطه الشيخ أحمد على متن إحدى المصفحات، ونقل المهداوي وكنعان حداد على متن
المصفحة الثانية، وعند وصول المصفحتين إلى دار الإذاعة أنهال عدد من الانقلابيين
على المهداوي ضرباً مبرحاً حتى غطت الدماء جسمه، وأدخل الجميع إلى مبنى دار
الإذاعة، حيث كان بانتظارهم قادة الانقلاب، وكان عبد الكريم بكامل بزته العسكرية،
ولم يمسه أحد بسوء عند دخوله مبنى الإذاعة.
إعدام عبد الكريم قاسم ورفاقه
إن كل ما قيل عن إجراء محاكمة لعبد
الكريم قاسم كانت محض هراء فلقد كان الانقلابيون قد قرروا مسبقاً حكم الموت بحقه
وبحق رفاقه، وما كان لعبد الكريم قاسم أن يسلم نفسه لأولئك المجرمين، ولكنه خُدعَ
أو ربما خَدَعَ نفسه بوساطة ذلك الخائن،والدجال[يونس الطائي]الذي كان يتملقه طيلة
أيام حكمه وتبين فيما بعد أنه كان على علاقة حميمة بالانقلابيين، وتصور عبد الكريم
قاسم أن يدعه الانقلابيون يخرج بسلام، أو أن يوفروا له محاكمة عادلة، وعلنية كما
فعل هو عندما حاكم عبد السلام عارف، والمتآمرين الآخرين على الثورة.
وحال دخول عبد الكريم قاسم دار
الإذاعة،أنبري له عبد السلام عارف وعلي صالح السعدي بالشتائم المخجلة،التي لا تصدر إلا من أولاد
الشوارع فقد توجه السعدي إليه قائلاً :
[ لقد كانت عندنا حركة قبل أسبوعين، وأريد أن اعرف مَنْ
أفشى لك بهذه الحركة،وهل هو موجود بيننا؟] وكانت تلك الحادثة قد أدت إلى اعتقال
السعدي. وقد أجابه عبد الكريم قاسم [ غير موجود هنا بشرفي ] .
لكن السعدي رد عليه بانفعال
قائلاً: ومن أين لك بالشرف؟
وقد رد عليه عبد
الكريم قاسم قائلاً : [إن لي شرفاً أعتز به ].
وهنا دخل معه في النقاش عبد السلام
عارف حول مَنْ وضع البيان الأول للثورة، وكان كل همه أن ينتزع من عبد الكريم قاسم
اعترافاً بأنه هو الذي وضع البيان الأول للثورة، إلا أن عبد الكريم قاسم أصر على
أنه هو الذي وضع البيان بنفسه، وكانت تلك الأحاديث هي كل ما جرى في دار الإذاعة،
وقد طلب عبد الكريم قاسم أن يوفروا له محاكمة عادلة ونزيهة وعلنية، تنقل عبر
الإذاعة والتلفزيون ليطلع عليها الشعب، إلا أن طلبه أهمل، فقد كان الانقلابيون على
عجلة من أمرهم للتخلص منه لكي يضعوا حداً للمقاومة، ويمنعوا أي من قطعات من الجيش
من التصدي لانقلابهم المشؤوم.
قام العقيد عبد الغني الراوي بإبلاغه
ورفاقه بقرار الإعدام للجميع، وحسبما ذكر إسماعيل العارف في مذكراته أن عبد الكريم
لم يفقد رباطة جأشه وشجاعته، ولم ينهار أمام الانقلابيين، وعند الساعة الواحدة
والنصف من ظهر ذلك اليوم 9 شباط 963، اقتيد عبد الكريم قاسم ورفاقه إلى ستديو
التلفزيون، وتقدم عبد الغني الراوي، والرئيس منعم حميد، والرئيس عبد الحق فوجهوا
نيران أسلحتهم الأوتوماتيكية إلى صدورهم فماتوا لساعتهم، رافضين وضع عصابة على
أعينهم، وكان آخر كلام لعبد الكريم قاسم هو هتافه بحياة ثورة 14 تموز، وحياة الشعب
العراقي. سارع الانقلابيون إلى عرض جثته وجثث رفاقه على شاشة التلفزيون لكي يتأكد
الشعب العراقي أن عبد الكريم قاسم قد مات، فقد أراد الانقلابيون التخلص من عبد
الكريم قاسم وإعلان مقتله لمنع أي تحرك من جانب القطعات العسكرية ضد الانقلاب،
ولإحباط عزيمة الشعب على المقاومة. ولم يكتفِ الانقلابيون بكلما فعلوه، بل انبرت
أقلامهم القذرة، وقد أعمى الحقد قلوب أصحابها بنهش عبد الكريم قاسم، وإلصاق شتى
التهم المزورة به، في محاولة للإساءة إلى سلوكه وأخلاقه مستخدمين ابذأ الكلمات
التي لا تعبر إلا عن الإناء الذي تنضح منه، فعبد الكريم قاسم، رغم كل أخطائه، يبقى
شامخاً كقائد وطني معادى للاستعمار، حارب الفقر بكل ما وسعه ذلك، وحرر ملايين
الفلاحين من نير وعبودية الإقطاع، وحرر المرأة، وساواها بالرجل، وحطم حلف بغداد،
وحرر اقتصاد البلاد من هيمنة الإمبريالية، وبقي طوال مدة حكمه عفيف النفس، أميناً
على ثروات الشعب، ولم يسع أبداً إلى أي مكاسب مادية له أو لأخوته، ورضي بحياته
الاعتيادية البسيطة دون تغيير. وها هم بعض الذين أساءوا إلى شخصه، بعد أن هدأت
الزوبعة الهوجاء، قد بدأت تستيقظ ضمائرهم ليعيدوا النظر في أفكارهم وتصوراتهم عن
مرحلة عبد الكريم قاسم وثورة 14 تموز، بنوع من التجرد، لتعيد له اعتباره، وتقيّم
تلك المرحلة من جديد.
{28}
بعد نجاح انقلاب 8 شباط
رحلة نحو المجهول
أحدث نجاح انقلاب 8 شباط 63 وجوماً
كبيراً وقلقاً شديداَ لدى الغالبية العظمى من الشعب العراقي، إذا استثنينا قيادة وقواعد
وجماهير الحزب الديمقراطي الكردستاني الذين خرجوا في مظاهرة في مدينة السليمانية
يباركون نجاح الانقلاب ويعبرون عن فرحتهم بسقوط نظام عبد الكريم قاسم، وسارع
سكرتير الحزب إبراهيم احمد إلى إرسال برقية للانقلابيين يبارك فيه الانقلاب
قائلاً: {اليوم تعانقت الثورتان .......إلخ}!!.
كما شارك الطلاب
الأكراد في بغداد في الإضراب الذي أعلنه البعثيون والقوميون العرب قبيل الانقلاب
ضد حكومة عبد الكريم قاسم، وثورة الرابع عشر من تموز المجيدة.
ومن المؤسف جداً أن تحصل القناعة
لدى قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بأن إقامة نوع من التعاون مع تلك القوى
البعثية والقومية لإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم
يمكن أن يحقق لهم آمالهم في نيل الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي!!.
كان على قيادة الحزب والحركة
الكردية أن تدرك النوايا الحقيقية لحزب البعث تجاه الشعب الكردي، ولاسيما وأن
البيانات التي أصدرتها الجبهة القومية التي ضمت حزب البعث والقوميين قبل الانقلاب
تنضح منها الشوفينية والكراهية للشعب الكردي وقضيتهم العادلة، فقد أصدروا بياناً
في أواخر أيلول 1061 حول موقفهم من الحركة الكردية بعنوان:
[ بيان حول التطورات الأخيرة في شمال العراق ] وجاء في
البيان :
{منذُ الانحراف الرجعي الذي قاده عبد الكريم قاسم بمعونة
الحزب الشيوعي و"القوى الشعوبية" و"الاستعمار وعملائه" لعزل
العراق عن الحركة التقدمية العربية، ظهرت في شمال العراق نزعات عنصرية مشبوهة تدعو
زيفاً باسم الأكراد ومصلحتهم لتجزئة العراق، وتفتيت وحدته النضالية، واليوم ومنذُ
الحادي عشر من هذا الشهر تجري المعارك المسلحة بين قوات الجيش ورجال العشائر
الكردية الذين أعلنوا العصيان المسلح، ورفعوا شعار تجزئة العراق. والجبهة القومية
تحمل [قاسم] مسؤولية ما يصيب الجيش، وتحذر
العناصر الكردية المخلصة من الانسياق وراء دعاة التجزئة والانفصال والسير وراء تلك
القيادات المشبوهة}.
أما جريدة الاشتراكي، لسان حال حزب
البعث العراقي، فقد نشرت تصريحاً لمصدر قيادي بعثي نشر في أيلول 1962 بعنوان: [حول
الحركة المشبوهة في الشمال ] وجاء في تلك الصحيفة ما يلي :
{أن الحركة المسلحة التي قامت في شمال العراق منذُ أكثر
من عام واحد أصبح استمرارها يمثل خطراً ليس على استقلال البلاد وحسن العلاقات بين
الشعبين العربي والكردي فحسب، بل على وجود العراق ... إن هذه الحركة، وموقف قاسم
منها تفوح منها رائحة التآمر والتواطؤ مع الاستعمار، فقيادة الحركة المسلحة
بماضيها الملطخ بالدماء، والمتصف بالاعتداء، ونواياها العدوانية التي أفصحت عنها
مراراً، وبغضها الأعمى يجعلها محلاً للشبهة والاتهام }. ثم عادت جريدة الاشتراكي
في تشرين الثاني 1962 حينما كانت الاتصالات جارية بينهما مع تبادل المذكرات، بنشر
مقال بعنوان:[مخاطر الحركة المشبوهة في الشمال وموقف قاسم منها] ، وجاء فيها :
{إن الحركة الكردية المسلحة على الرغم من أنها معادية
للحكم القاسمي إلا أنها بسبب ارتباطاتها وأساليبها واتجاهاتها لا يمكن أن تعتبر
جزءاً من الحركة الوطنية في العراق، وباعتقادنا أن طرفي الفتنة [عبد الكريم قاسم]
و[ قيادة الحركة الكردية] لا يمثلان رغبات الشعبين العربي والكردي ولا يعبران عن
مصالحهما. وبعد كل هذا من حق كل حريص على
مصلحة الشعبين العربي والكردي أن يتساءل :
كيف حصلت تلك القناعة لدى قيادة
الحزب الديمقراطي الكردستاني بوعود أعداء الشعب الكردي لكي يمدوا إليهم أيديهم
للتعاون على إسقاط حكم عبد الكريم قاسم ؟
لكن قيادة الحزب الديمقراطي
الكردستاني استمرت بمغازلة الانقلابيين من أجل إقامة التعاون بين الطرفين على
الرغم من التحذيرات المتكررة التي وجهها الحزب الشيوعي لقيادة الحزب الديمقراطي
الكردستاني من مخاطر الانجرار وراء الانقلابيين لإسقاط حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي سوف تصيب
بكل تأكيد الشعب الكردي بصورة خاصة والشعب العراقي بصورة عامة بأفدح الأضرار.
إلا أن قادة
الحزب لم يأخذوا بتلك النصيحة، وأخذوا يتبادلون المذكرات واللقاءات مع الانقلابيين،
حيث جرت اللقاءات بين [العقيد طاهر يحيى] ممثل الانقلابيين و[صالح اليوسفي]عضو
المكتب السياسي للحزب، وكان آخر لقاء مع الانقلابيين قد جرى في بغداد بين [علي
صالح السعدي] أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث والسيدين [ صالح اليوسفي] و[شوكت
عقراوي] وذلك في 4 شباط 63 ، قبل انقلاب الثامن من شباط بأربعة أيام .
لكن الانقلابيين لم يقدموا أي تعهد
خطي لقيادة الحزب، بل مجرد وعود شفوية لا غير، ولا تلزم أحداً، وكان واضحاً أن
الانقلابيين كانوا يستهدفون بقاء الحركة الكردية على الحياد في صراعهم مع قوات عبد
الكريم قاسم .
وفي التاسع عشر من شباط 1963 ، وصل
وفد كردي مفاوض إلى بغداد ضم السادة [جلال الطالباني] و[صالح اليوسفي] و [شوكت
عقراوي ] ومثّل الانقلابيين [أحمد حسن البكر] رئيس الوزراء و[ صالح مهدي عماش]
وزير الدفاع و[طاهر يحيى] رئيس أركان الجيش و[ حردان التكريتي ] قائد القوة
الجوية، وتمخض اللقاء عن وعد بقرب إعلان الحكم الذاتي لكردستان.
لكن علي صالح السعدي أمين سر
القيادة القطرية لحزب البعث سارع في اليوم التالي إلى اتهام قيادة الحزب
الديمقراطي الكردستاني بالتعاون مع الشيوعيين !!، قائلاً:
{ نحن لا نمثل كل العرب، وكذلك الوفد الكردي لا يمثل كل
الأكراد، ولذلك يتوجب الدعوة لعقد كونفرنس شعبي واسع لانتخاب عناصر أخرى لعضوية
الوفدين}وبذلك نسف السعدي المحادثات. ثم بدأ البعثيون يتحججون بخشيتهم من أن يثير
إعلان الحكم الذاتي لكردستان انتقاد دعاة الوحدة العربية لتصرف الحكومة، وطلبوا من
الوفد الكردي المفاوض التريث لبحث المشكلة الكردية جنباً إلى جنب مع مباحثات
الوحدة مع عبد الناصر في القاهرة.
وبعد أيام جرى تشكيل وفد للتفاوض
مع عبد الناصر، وقد ضم البعثيون السيد[جلال الطالباني] للوفد على مضض، وكان
الطالباني ينوي عرض مطالب الشعب الكردي أمام الوفود المصرية والسورية والعراقية.
لكن سفر
الطالباني مع الوفد لم يلق قبول السيد البارزاني حيث صرح قائلاً:
{لقد أرسلت الطالباني للتفاوض في بغداد وليس في عواصم
عربية}.
وفي 18 آذار عقد الحزب الديمقراطي
الكردستاني مؤتمره في كويسنجق ضم 168
مندوباً بحراسة 2000 من قوات البيشمركة حيث تم دراسة الوضع السياسي العام، وقضية
المفاوضات مع انقلابيي 8 شباط، وظهر في المؤتمر اتجاهان، الاتجاه الأول يمثله
السيد جلال الطالباني، والذي دعا إلى الاستمرار في المفاوضات مع سلطة الانقلاب،
والاتجاه الثاني ممثلاً بالسيد مصطفى البارزاني، والذي .يدعو للاستعداد للقتال من
جديد. وفي النهاية تقرر تشكيل لجنة مكونة من 35 مندوباً كي تعد قرارات المؤتمر،
وجرى انتخاب وفد مؤلف من 14 مندوباً برئاسة السيد الطالباني، سبعة منهم هم أعضاء
الوفد المفاوض، والسبعة الآخرين مستشارين للوفد.
وفي نهاية المؤتمر تم إعداد مذكرة
تتضمن المطالب الكردية من الحكومة العراقية أكدت على قيام الحكم الذاتي في إطار
الجمهورية العراقية. كما طالبت المذكرة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الكرد،
ورفع الحصار عن كردستان، وإعادة المفصولين إلى وظائفهم وأعمالهم، وسحب القوات
العسكرية من كردستان، إضافة إلى مطالب أخرى تتعلق بالمنطقة التي سيشملها الحكم
الذاتي، والقضايا المتعلقة بالاقتصاد والثقافة. وفي 30 آذار وصل الوفد الكردي
المفاوض إلى بغداد برئاسة السيد جلال الطالباني، لكن أحمد حسن البكر ماطل في
استقبال الوفد، مما دفع الوفد إلى التهديد بالعودة إلى كردستان.
لكن طاهر يحيى تدخل في الموضوع
واستطاع إقناع الوفد بتأجيل المفاوضات إلى الأول من شهر أيار مدعيا أن المطالب
الكردية قد أرسلت إلى القاهرة لدراستها .
وفي العاشر من نيسان تم في القاهرة
توقيع الإتحاد الفيدرالي بين مصر وسوريا والعراق، وفي 24 نيسان تقدم الجانب الكردي
بمذكرة تضمنت مطالب جديدة أخذت بالحسبان قيام الاتحاد الفيدرالي المذكور حفاظاً
على الوجود القومي الكردي في ظل الإتحاد الجديد.
أخذت الحكومة تماطل في الاستجابة
للمطالب الكردية واضعة المسؤولية على عاتق الرئيس عبد الناصر، واقترحت على الوفد
المفاوض عرض المطالب على عبد الناصر، وطلبوا من السيد جلال الطالباني السفر مع
الوفد الحكومي إلى القاهرة واللقاء مع عبد الناصر.
لكن عبد الناصر تجاهل
موضوع الحكم الذاتي، ولم يقدم أي مقترحات حول القضية الكردية. أدرك السيد جلال
الطالباني أن التفاوض مع البعث لا يعدو عن كونه مضيعة للوقت، وأنهم ليس بنيتهم
الوفاء بوعودهم الكاذبة، فقرر العودة إلى كردستان من دون أن يمر ببغداد، فيما وضع
النظام العراقي بقية أعضاء الوفد في الإقامة الجبرية.
في 20 أيار
أعادت الحكومة الحصار على كردستان وقطعت كل الطرق المؤدية إليها، وقامت بحملة
اعتقالات واسعة شملت آلاف المواطنين الأكراد.
وفي 9 حزيران اعتقلت الحكومة الوفد
الكردي المفاوض، وفي اليوم التالي أصدرت بياناً طالبت فيه باستسلام البارزاني
وقواته خلال 24 ساعة، وبدأت الاستعدادات للحملة العسكرية الجديدة لقمع الحركة
الكردية.
{29}
الانقلابيون يلاحقوني
وقرار بفصلي من الوظيفة واختفائي
في يوم الخميس السابع من شباط 1963
عدت من بغداد إلى مقر عملي في السليمانية بعد قضاء العطلة الربيعية بين الأهل
والأقارب والأصدقاء في بغداد، كنا خلالها نناقش الأوضاع المتأزمة في بغداد وتصاعد
النشاط التآمري لتحالف حزب البعث مع القوى القومية والرجعية، وتدهور الوضع الأمني،
بسبب إضراب الطلاب وسواق سيارات التاكسي، الذي قاده حزب البعث وحلفائه القوميين من
جهة، وتشتت الحاصل في صفوف الأحزاب الوطنية، والصراعات التي اتسمت بها العلاقات
فيما بينها، وانشقاق الحزب الوطني الديمقراطي، والعلاقات التي تدهورت بين الزعيم
عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب الشيوعي من جهة أخرى، مما هيأ أفضل الأجواء لوقوع
الانقلاب، ولاسيما وأن حكومة قاسم قد اكتشفت محاولة انقلابية كان من المزمع
تنفيذها من قبل حزب البعث وحلفائه القوميين في 5 شباط ، أي قبل الانقلاب بـ 3 أيام
، وتم على أثرها اعتقال أمين سر حزب البعث [ علي صالح السعدي ] وعدد من قيادي
الحزب.
كانت أيدينا على قلوبنا مما تخبئه
الأيام لشعب العراق بوجه عام وللحزب الشيوعي بوجه خاص، فقد كانت كل الدلائل تشير
إلى أن الانقلابيين المدعومين من الولايات المتحدة وبريطانيا ينوون شن حملة تصفيه
واسعة النطاق ليس فقط ضد الحزب الشيوعي فحسب، بل وضد كل جماهيره وأصدقائه،
بالإضافة إلى العناصر الوطنية المقربة من عبد الكريم قاسم في صفوف الجيش وكان
الإمبرياليون المهيمنون على شركات النفط الكبرى والذين فقدوا امتيازاتهم النفطية
في العراق على أثر صدور قرار رقم 80 الذي تم بموجبه سحب 99،5 % من المناطق
الامتياز الغنية جداً بالمكامن النفطية ينتظرون ساعة الصفر بفارغ الصبر، وقد
امتلأت قلوبهم غيضاً على ثورة الرابع عشر من تموز وقائدها عبد الكريم قاسم، وعلى
الحزب الشيوعي الذي وقف منذ اللحظة الأولى لقيام الثورة إلى جانبها ودعموا قيادة
عبد الكريم قاسم بكل ما أوتوا من قوة، وتصدوا لكل المحاولات الانقلابية التي جرت
بتخطيطهم بدءاً من انقلاب الشواف، ومحاولة رشيد عالي الكيلاني الانقلابية ومحاولة
عبد السلام عارف قتل الزعيم، ومحاولة البعثيين قتل الزعيم في رأس القرية. وقد اعد
الإمبرياليون محطة إذاعة في الكويت كانت تذيع أسماء القياديين الشيوعيين ومناطق
سكناهم لاعتقالهم وقتلهم.
عدت إلى السليمانية
مساء الخميس السابع من شباط وقد انتابني القلق الشديد على مصير ثورة 14 تموز،
ومصير الشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية.
وفي الساعة التاسعة من صباح اليوم
التالي المصادف الجمعة 8 شباط 63 فاجأ الانقلابيون الشعب العراقي بإذاعة بيانهم
الأول من إذاعة جرى إعدادها على عجل في مرسلات الإذاعة بأبي غريب، وشكل ذلك البيان
المشؤوم صدمة كبرى لسائر الوطنيين من شيوعيين وديمقراطيين وقاسميين الذين باتوا
مستهدفين لو قدر للانقلاب النجاح.
استمرت مقاومة
الانقلاب بقيادة عبد الكريم قاسم حتى اليوم التالي في وزارة الدفاع، حيث حشر نفسه
هناك بدلاً من أن يسارع إلى التوجه إلى معسكر الرشيد حيث القطعات العسكرية الكبيرة
هناك بالإضافة للقوة الجوية ومطار الرشيد العسكري حيث كان بالإمكان التصدي
للانقلابيين.
كان الانقلابيون أسرع من عبد
الكريم قاسم في قصف مطار الرشيد وحرثه بالقنابل ليحولوا دون قيام الطائرات، كما
قصفوا الطائرات التي كانت جاثمة على ارض المطار، مما افقد قاسم أخطر قوة كانت
قادرة على سحق الانقلاب.
وهكذا نجح الانقلابيون، وتم اعتقال
عبد الكريم قاسم ورفاقه طه الشيخ احمد وفاضل عباس المهداوي وكنعان حداد، حيث تم
نقلهم إلى دار الإذاعة التي سيطر عليها الانقلابيين، وجرى إعدامهم هناك بعد أقل من
ساعة من اعتقالهم، وبذلك تلاشى الأمل في فشل الانقلاب. كان اليوم التالي بداية
الدوام في المدرسة بعد انتهاء العطلة الربيعية، وكنت في بادئ الأمر مترددا بالدوام
في المدرسة أو الاختفاء، لكني قررت أخيراً الدوام في اليوم الأول بشكل حذر ريثما ينجلي الموقف.
لكن جلاد الشعب الكردي الزعيم صديق
مصطفى، آمر اللواء العشرين وحاكم السليمانية العسكري قاد قطعانه وسيطر على
السليمانية، وأرسل برقية تأييد للانقلابيين،وشن حملة اعتقالات واسعة النطاق في
المدينة ضد العناصر الشيوعية ومناصريهم، وكدت أن أقع في المصيدة عندما قدمت ثلة من
العسكريين ورجال الأمن إلى المدرسة التي ادرس فيها، وحال مشاهدتي لهم أسرعت إلى
السياج الخلفي للمدرسة، واستطعت الإفلات من الاعتقال، وتم اعتقال أحد زملائي السيد
[ غانم إسحاق].
عدت إلى دار أحد جيراني، وطلبت
منهم الاتصال بزوجتي وإبلاغها لكي تطمئن عليَّ، ومكثت تلك الليلة المشؤومة عندهم،
حيث جرى في العاشرة ليلاً كبس داري وتفتيشه بحثاً عني بغية اعتقالي، وتكررت
المحاولة في الساعة الثانية ليلاً.
وعليه فقد قررت
الابتعاد عن الدار خوفاً من أن يكبس هو الآخر حيث انتقلت إلى دار أحدى صديقات
العائلة المرأة المسيحية الكبيرة التي كنا ندعوها [الخالة جوزة] إنسانة رائعة رحبت بي على الرغم من قلقها من
الانقلابيين كونها بنت عم الضابط الوطني العقيد [إبراهيم قسطو] الذي كان مطلوبا هو
الآخر، وبعد يومين رتب رفاق الحزب الأمر لي حيث جلبوا لي ملابس كردية وأخذوني إلى
مكان أمين.
كان ذلك البيت هو بيت الرفيق قادر
الذي كان يعمل سائق الباص للروضة حيث كان يأخذ ابنتيَّ نضال وهتاف كل يوم للروضة.
كانت عائلته رائعة وطيبة بكل معنى
الكلمة، أحاطوني بكل الرعاية والعناية كفرد من أفراد العائلة، رغم المخاطر التي
يمكن أن أسببها لهم لو اكتشف الانقلابيون مكاني. كان الدار يحتوي على غرفتين واحدة
كبيرة لكافة أفراد العائلة وأخرى صغيرة لا تتجاوز مساحتها 12 متراً مربعاً تزوج
فيها الرفيق قادر قبل عشرة أيام من وقوع الانقلاب، وقد انتقل هو وزوجته مع العائلة
واسكنني فيها أكثر من أسبوع ريثما يرتب الحزب
مكاناً أكثر أماناً. وبالفعل جرى نقلي إلى دار الرجل الطيب المقاول[ نوري]
ومكثت عندهم أسبوعا آخر، ثم انتقلت إلى دار الرفيق [نوري الخياط ]،ومن ثم جرى نقلي إلى أطراف
المدينة نظراً للمخاطر التي تصاعدت بسبب حملة التفتيش التي جرت وتوسعت من قبل جهاز
الأمن والعسكر حيث انتقلنا إلى دار امرأة كبيرة السن طيبة المعشر غير منتمية لأي
حزب سياسي تدعى [باجي محبوبة] .
كان مختفياً معي في تلك الدار كل
من الرئيس [لطيف] آمر المقاومة الشعبية في السليمانية،[ كاكا عثمان] صاحب ستديو
اتحاد الشعب للتصوير، و[محي الدين نوري] شقيق بهاء الدين نوري، وقد شملتنا السيدة
محبوبة برعايتها وعنايتها التي لا تُنسى، فلم تطلب منا إيجاراً، بل كانت تقدم لنا
حتى وجبات الطعام في اغلب الأوقات، وتشعل لنا الحمام دون أن تطالبنا بأي شئ، وكل ذلك كان بسبب كوننا وطنيين، ومكثنا عندها
ما يزيد على الشهر، وكنا في حالة نفسية أفضل من السابق بكثير حيث كنا نتحادث مع
بعضنا كي لا نشعر بالملل.
لكن قلقي الكبير كان على زوجتي
الحامل في شهرها الرابع بولدي ناهض، وطفلاتي نضال وحنان وإيمان، بالإضافة إلى إخوة
زوجتي الشهيدين يوسف محمد لطيف، ومثنى محمد لطيف الذين أخذتهما معنا إلى
السليمانية بعد محاولة العصابات البعثية والقومية قتلهما انتقاماً من والدهما الذي
كان عضواً في اللجنة المحلية للحزب الشيوعي، وعلى الرغم من تواصلي بها عبر احد
الرفاق، وصديق العائلة الرفيق [صبري يوسف] حيث كنا قد تخرجنا معاً من معهد
المعلمين وعملنا معاً في نقابة المعلمين بالموصل، وانتقلنا إلى السليمانية على أثر
موجة الاغتيالات، وعملنا في مدرسة واحدة، وقد نجا من الاعتقال لكونه غير مكشوف،
وكان يتصف بأسمى الخلق والنبل والطيب، كان أخاً صادقاً لي، تولى مسؤولية الحفاظ
على حياتي ورعى شؤون العائلة، حيث كان عضواً في قيادة الحزب في السليمانية، على
الرغم من استقالتي من الحزب قبل شهرين من وقوع الانقلاب المشؤوم.
كان أخي ورفيقي صبري يرتب لنا في
بعض الأحيان لقائي مع زوجتي التي كانت في اشد القلق على حياتي، وقد اضطرها
الانقلابيون نتيجة تكرر كبس الدار في محاولة لإلقاء القبض عليَّ إلى ترك الدار،
والبحث عن إيجار غرفة في مكان آمن للعيش معاً، وبالفعل استطاع رفيقي صبري أن
يستأجر لنا غرفة في دار أحد الرفاق غير المكشوفين، الرفيق [ رمزي] الذي كان يعمل
موظفاً في مصرف الرافدين بمبلغ رمزي زهيد، وزاد في كرمه أن العائلة كانت تقدم لنا
في اغلب الأحيان الطعام كذلك ، مما كان يخجلنا كثيراً.
كانت ظروفي المادية في غاية
الصعوبة عندما وقع الانقلاب، وهروبي من الوظيفة، حيث اصدر الانقلابيون قراراً في
اليوم الثاني من الانقلاب يقضي بفصل كل موظف أو عامل من وظيفته أو عمله إذا لم
يداوم خلال ثلاثة أيام، وهكذا صدر قرار فصلي من الوظيفة، ولم يعد لي أي مصدر للعيش
في الوقت الذي كنت قد بنيت لي داراً في الدورة ببغداد في الصيف الفائت، واستدنت
قرضاً من المصرف العقاري بمبلغ 1500 دينار، وقرض ثاني من بنك الإسكان التعاوني
بمبلغ 300 دينار، وقرض ثالث من مصرف الرهون الخاص بتسليف الموظفين بمبلغ 160
دينار، كي أكمل بناء الدار وقد أجرته لعائلة آشورية طيبة بمبلغ شهري قدره 14
دينار، كنت أدفع قسم منه للقروض وقسم آخر أساعد شقيقي عبد الهادي بسبب وضعه الصعب
بعد انتقاله إلى بغداد، ولا يبقى لي إلا القليل، وهكذا بات وضعي المعيشي صعب جداً
للغاية، فلم اعد قادراً على دفع الديون، وتدبير أمور معيشة العائلة.
ومما زاد في الطين بله أن والد
زوجتي كان قد حكم عليه المجلس العرفي العسكري في بغداد في عهد عبد الكريم قاسم
بالسجن 20 عاماً بتهم مزورة عن اشتراكه بأحداث الموصل بعد فشل انقلاب الشواف، في
حين قتل الانقلابيون ابنته الشهيدة [غنية] في اليوم الثاني للانقلاب.
وما كاد البعثيون ينجحون في
انقلابهم الفاشي حتى بادروا إلى إعادة محاكمة السجناء من جديد خلافاً للقانون، بعد
أن تعرضوا لعمليات تعذيب شنيعة، وحُكم عليهم بالإعدام، وجرى تنفيذ الإعدام بهم في
شوارع الموصل، وجرى تعليق جثثهم على أعمدة الكهرباء، ولكبر سن والد زوجتي،
واستشهاد ابنته تركه الانقلابيون في زنزانة الإعدام بالموصل مدة 9 سنوات، وكانوا
يتلاعبون بأعصابه كل يوم، ويبلغوه كذباً بأن يوم الغد تنفيذ الإعدام ، ولم يطلق
سراحه حتى تم عقد الجبهة مع البعثيين عام 1972، وما لبث أن توفي بالسكتة القلبية
بعد خروجه من السجن بفترة زمنية قصيرة، وهكذا فقد كان وضع عائلته صعباً جداً هي
الأخرى، وعاجزة عن تقديم المساعدة لنا إلا في الحدود الدنيا.
|
|
|
||
|
الفصل (9) |
|||