حامد الحمداني

 

احداث في ذاكرتي

 

           الفصل الثامن

 

 

24 ـ الهجرة إلى السليمانية بعد التعرض لمحاولة اغتيال.

25 ـ اشتعال الحرب في كردستان.

26 ـ الاستقالة من الحزب الشيوعي.

 

 

{24}

الهجرة إلى السليمانية

 بعد التعرض لمحاولة اغتيال

بعد التهديدات الجدية التي صدرت عن قوى الإرهاب البعثية والقومية، وتوصلي لقناعة أكيدة أن الأجهزة الأمنية تتعاون بشكل لا يدع أي مجال للشك، وبعد المقابلة التي تمت معي في مديرية أمن الموصل، والاستفزازات التي تعرضت لها من قبل مدير الأمن، وضابط الأمن فاضل الذي يعرفني جيداً منذ عام 1955، حيث قام  مع ثلة من الجهاز الأمني آنذاك بتحري داري ومدرستي، التي كنت مديراً لها، واستنطاق العديد من الطلاب عن نشاطي السياسي، ومن ثم اعتقالي وتسفيري إلى مديرية التحقيقات الجنائية[الأمن العامة] في بغداد بعد عودتي من مهرجان الشبيبة العالمي الخامس في وارشو عاصمة بولندا، بات عليَّ أن أفكر في الهجرة من مدينة الموصل مسقط رأسي حيث لم يعد لي خيار سوى المغادرة أو انتظار الاغتيال.

كنت في تلك الأيام، وفي ظل تلك الظروف البالغة الخطورة أتولى مسؤوليات حزبية لمناطق واسعة من مدينة الموصل تضم الجانب الأيسر لنهر دجلة الذي يخترق المدينة، بالإضافة إلى مسؤولية القطاع الرابع من الجانب الأيمن الذي يضم أربعة قطاعات، وباتت تنقلاتي ومتابعة مسؤولياتي الحزبية بالغة الصعوبة بعد أن أصبحت مكشوفاً لدى السلطات الأمنية، بالإضافة إلى العناصر البعثية والقومية، ولاسيما بعد المشكلة التي حدثت لي عندما كنت أراقب في احد مراكز الامتحانات الوزارية للدراسة الإعدادية، وكان من نصيبي مجموعة من أشرس الطلاب البعثيين، وعلى رأسهم الطالب [عصام عايد] رئيس ما سمي بالإتحاد الوطني للطلاب في الإعدادية الشرقية، ومن سكنة منطقتي حيث حاول الغش في الامتحان ومنعته من ذلك، لكنه أصر على الغش قائلا بوقاحة: [لا بد أن انجح في الرياضيات]، مما أدى ذلك إلى حدوث هرج ومرج في قاعة الامتحان من قبل الطلاب البعثيين زملاء عصام، وقد أدت المشادة التي حصلت معي إلى اتخاذ قرار من قبل مدير القاعة ومعاونه بطرده من القاعة، فما كان من بقية عصابته إلا ألقوا بأقلامهم معلنين استعدادهم للخروج من قاعة الامتحان إذا تم أخراج عصام عايد.

لكن مدير القاعة عالج الأمور بحكمة وروية قبل أن تحدث أمور خطيرة من قبل هذه العصابة المستهترة، حيث طلب من عصام أن يأتي هو ودفاتره وكتبه إلى غرفة الإدارة ليكمل الامتحان ومنحه كامل الحرية في الغش، وبعد انتهاء الامتحان جمعنا مدير القاعة في غرفة الإدارة، وأخرج الدفتر الامتحاني لعصام عايد، وكتب عليه كلمة [غش] بحروف كبيرة، ووقعنا على الدفتر الامتحاني، وبذلك اعتبر عصام راسباً في كل الدروس، وبات عليه أن يعيد السنة الدراسية من جديد.

 لكن المشكلة معي تصاعدت بشكل خطير حيث جرى تطويق داري من قبل تلك العصابة انتظاراً لخروجي، وقد عزموا على اغتيالي.

وتجاه هذه الحالة أرسلت إلى اللجنة المحلية للحزب طالبا السماح لي بمغادرة الموصل، لكن اللجنة لم توافق على طلبي طالبة مني تحدي القتلة مع الحذر!، وكان القرار يمثل في واقع الأمر استهانة بحياتي ومصير عائلتي وأطفالي، وعليه اتخذت قراري بالمغادرة بأسرع وقت ممكن على الرغم من قرار الحزب، وبالفعل اتصلت بأحد الأصدقاء لتدبير أمر سفري، حيث استطاع حجز مقعد لي على الطائرة المغادرة إلى بغداد، ونقلي بسيارته الخاصة إلى المطار في الغزلاني حيث غادرت الموصل ووصلت إلى بغداد بسلام، وكان في استقبالي في المطار شقيقي محمود الأستاذ في كلية الهندسة بجامعة بغداد.

وفي اليوم التالي بدأت بمراجعة وزارة التربية لتدبير أمر نقلي إلى السليمانية بكردستان، وقد سهل أمر نقلي صديق أخي على ما أذكر عبد الرزاق الجليلي الذي كان يشغل منصب المدير العام  للتعليم الثانوي في الوزارة، وصدر أمر نقلي في اليوم التالي في 22 تشرين الأول عام 1960إلى محافظة السليمانية، وأسرعت بالسفر إلى السليمانية، وحال وصولي توجهت إلى مديرية التربية وقابلت مدير التربية الأستاذ الفاضل[موسى صمد] الذي رحب بي، وأصدر قراراً بتنسيبي في مدرسة الجمهورية بمدينة السليمانية.

 سعدت جداً بقرار تنسيبي في مركز المدنية، وأصبح شغلي الشاغل أن استأجر داراً لكي أرسل بطلب عائلتي، وبمساعده الأخوان زملائي في المدرسة استطعت خلال يومين من استئجار دار لأحد المعلمين في محلة [ جوار باغ ] القريبة من المدرسة واتصلت هاتفياً بزوجتي طالباً منها نقل أثاثنا والتوجه إلى السليمانية، وبعد ثلاثة أيام التأم شمل العائلة من جديد.

لكن المفارقة التي حدثت معي بعد طلب نقلي حزبياً آلمتني كثيراً، فقد قرر الحزب تنزيل درجتى الحزبية إلى عضو لجنة تابعة بسبب مغادرتي الموصل غير عابئ بمصيري ومصير عائلتي، وقد تقبلت ذلك القرار على كل حال، ومارست عملي الحزبي بشكل اعتيادي.

ولأول مرة منذ انقلاب العقيد الشواف، وانطلاق حملة الاغتيال التي مارستها القوى البعثية والقومية والقوى الرجعية أحسست أن حياتي قد باتت في أمان، فقد كنت معرضاً للاغتيال بكل تأكيد، ونجوت مرتين من موت محقق وكنت  كلما خرجت من البيت أقول مع نفسي هذا الخروج ربما من دون عودة ولاسيما وأنني كنت معروفاً تماماً ليس فقط للأجهزة الأمنية فحسب، بل لكل تلك القوى التي تولت عمليات الاغتيال كشيوعي منظم، والشيوعيون بطبيعة الحال كانوا في مقدمة المستهدفين.

 قضيت السنة الأولى من وجودي في السليمانية براحة نفسية وسرور بالغ مع أبناء الشعب الكردي الطبيبين الذين لقيت منهم كل المحبة والاحترام، وقدموا لي كل ما طلبته من مساعدة، وتلك كانت شيمتهم احترام ومساعدة الغريب حيث جعلوني اشعر أنني واحد منهم منذ أمد طويل، وقد التقيت هناك بالعديد من المدرسين العرب، الذين سبقوني في الهجرة من الموصل ، ومن المدن الأخرى كذلك، وتوطدت علاقتي بهم إلى حد بعيد ولاسيما وأنهم كانوا أعضاء في الحزب، وكنا نعمل معاً في التنظيم.

 لكن فرحتي لم تدم ، فلم يكد يمضِ عام على وجودي هناك حتى اندلعت الحرب في كردستان، وتوتر الوضع في السليمانية، وعاد القلق من جديد بسبب المخاطر التي استجدت نتيجة تلك الحرب.

أحداث عائلية: شهد العام 1962 أحداث عائلية مفرحة ومحزنة في آن واحد، فقد ولدت ابنتنا الثالثة [ إيمان] في 23 آذار، وكان ذلك مبعث سرورنا جميعاً ، لكن الفرحة لم تدم طويلاً ، ففي الخامس من نيسان وقع لنا حادث مفجع، فقد تسممت نضال وهتاف بأكل نبات سام من الحديقة عندما كانتا تلعبان مع رفيقاتهما من جيراننا الكرد، وأصيبتا بإسهال واستفراغ شديدين، وتم نقلهما إلى المستشفى على عجل وهما بحالة يرثى لها، وقد بذل أصدقاءنا الأطباء جهوداً كبيرة لإنقاذ حياتهما، لكن الموت كان بالمرصاد لطفلتنا الحبيبة [هتاف] التي فازت قبل أسبوع بالجائزة الأولى في الصحة والجمال بالروضة، في حين بقيت نضال فاقدة الوعي في المستشفى 15 يوماً بين الموت والحياة.

لقد كان فقدان هتاف قد سبب لنا صدمة كبرى ما تزال ذكراها عالقة في أذهاننا رغم مرور 46 عاماً على وفاتها، فقد كانت طفلة رائعة بكل المقاييس وتعلق بها كل أصدقائنا وجيراننا، وقد هزهم وفاتها وأحزنهم اشد الحزن وأبكاهم كثيراً.

ولا بد أن أشير هنا إلى الموقف النبيل الذي وقفه الأخوة الأكراد في السليمانية الذي سأبقى أذكره ولا أنساه، فقد قاموا بكل مراسيم الجنازة والتشييع والدفن، وشاركت الجموع الغفيرة في الدفن وفي التعزية.

كما زار ابنتنا نضال في المستشفى أعداد غفيرة من الأخوة الأكراد والعرب خلال مكوثها في المستشفى باستمرار، وكان ذلك خير دليل على عمق الروابط التي جمعتنا بالأخوة الأكراد بحيث جعلتنا نشعر أننا نعيش بين أهلنا في الموصل.

 لم تنتهي مصائبنا عند هذا الحد، فبعد مضي شهرين من ذلك الحادث أصبتُ بآلام شديدة في البطن، ولم يشخص الطبيب سبب الألم معتقداً أنني أعاني من المغص الكلوي حتى انفجرت الزائدة الدودية في بطني مما استدعى نقلي إلى المستشفى بحالة خطيرة، حيث جرى على عجل إجراء عملية جراحية لاستئصالها.

لكن العملية لم تنجح في علاجي بسبب انفجار الزائدة وتلوث الجوف البطني على الرغم من تناول أقوى المضادات الحيوية لمدة شهرين دون جدوى، وأخيراً قرر الأطباء أجراء عملية ثانية لفتح بطني، وإجراء تنظيف وتعقيم الأحشاء، وكانت حياتي في خطر دائم، فقد حدثني الدكتور الصديق عبد الصمد نعمان عن تلك الخطورة قائلاً أن 5 من كل ألف ينجون من الموت في حالة انفجار الزائدة في الجوف البطني، وقال مخاطباً زوجتي أن حامد يستحق أن تذبحي له خروفين لا واحداً على سلامته، فحياته كانت معرضة لخطر حقيقي .

 

 

{25}

اشتعال الحرب في كردستان

 شهد عام 1961 تدهور الأوضاع السياسية في البلاد، وانقسام القوى الوطنية، وحدوث الخلافات العميقة بين قيادة عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مصطفى البارزاني، ولجوء الطرفين إلى الصراع المسلح، واستخدام السلطة للجيش في حسم ذلك الصراع.

بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والسلطة في بغداد بالتدهورعندما هاجمت صحيفة الحزب [ خاباد] أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية المفروضة منذ قيام الثورة، وإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد واحترام الحياة الحزبية، وحرية الصحافة.

كان رد عبد الكريم قاسم المتسرع أن أمر بغلق مقر الحزب في بغداد، وغلق صحيفة الحزب، ومطاردة قادته المتواجدون في بغداد، واعتقال البعض منهم في آذار1961، واستمرت العلاقة بين الطرفين بالتدهور حتى بلغت مداها في شهر تموز من ذلك العام .

وفي 20 تموز 961 ، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم تضمنت المطالب التالية:

1 ـ تطبيق المادة الثالثة من الدستور المؤقت والمتعلقة بحقوق الأكراد.

2 ـ سحب القوات العسكرية المرسلة إلى كردستان.

3ـ سحب المسؤولين عن شؤون الأمن والشرطة والإدارة، الذين كان لهم دور بارز في الحوادث التي وقعت في منطقة كردستان

4 ـ إعادة الموظفين الأكراد المبعدين إلى مدنهم وقراهم.

5ـ إطلاق الحريات الديمقراطية، وإلغاء الأحكام العرفية.

6 ـ إنهاء فترة الانتقال.

انتخاب مجلس تأسيسي، وسن دستور دائم للبلاد.

8 ـ تطهير جهاز الدولة من العناصر المعادية لثورة 14 تموز.

لكن عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة، واستمر في حشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران، حيث كانت قد اندلعت حركة تمرد قادها عدد من كبار الإقطاعيين الكرد بقيادة [رشيد لولان] و[عباس مامند] و [حسن أغا بوسكين] و[علي أغا المنكوري] و[ إسماعيل سوار أغا ] و[أنور بيك بيتواته] بدعم وإسناد مباشر من قبل نظام شاه إيران والسفارة الأمريكية في طهران، وقد أستهدف المتمردون إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية وعميلها الشاه زعزعة النظام  في العراق وإسقاطه.

أما الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة السيد مصطفى البارزاني فقد استهل صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان في 6 أيلول 1961، حيث توقفت كافة الأعمال، وأصاب المنطقة كافة شلل تام، وقام المسلحون البيشمركة باحتلال مناطق واسعة من كردستان حاملين السلاح بوجه السلطة.

كان على القيادة الكردية أن تقدر دوافع ذلك التمرد، والقائمين به، والمحرضين عليه ومموليه، وعدم تغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية وأذنابها سواء كانوا عرباً كما هي الحال مع حزب البعث وحلفائه القوميين، أو كانوا من الكرد، كما هو الحال مع تمرد رشيد لولان وعباس مامند.

كما أن عبد الكريم قاسم فضل هو الآخر اللجوء إلى استخدام القوة، ورفض الحوار مع القيادة الكردية حول مطالبها، وإيجاد الحلول الصائبة للقضية الكردية حسب ما نصت عليه المادة الثالثة من الدستور المؤقت.

 ظن الزعيم عبد الكريم قاسم أن اللجوء إلى السلاح سينهي الأزمة خلال أيام، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد، لكن حساباته كانت خاطئة وبعيدة جداً عن واقع الحال، وكانت تلك الحرب في كردستان أحد أهم العوامل التي أدت إلى اغتيال ثورة 14 تموز في انقلاب الثامن من شباط 1963. كان رد الزعيم عبد الكريم قاسم  بدفع المزيد من قطعات الجيش في 9 أيلول 961، لضرب الحركة الكردية مستخدمأً كافة الأسلحة والطائرات، حيث امتدت المعارك لتشمل كافة أرجاء كردستان.

ومن جانبه أصدر الحزب الشيوعي بياناً في 22 آب 1961 حول الوضع الراهن في كردستان مؤكداً على ضرورة النضال من أجل تسوية الوضع المتأزم في كردستان، وذلك بضرب نشاط عملاء الاستعمار وحلف السنتو في المناطق المتاخمة للحدود الإيرانية، والوقوف ضد الصدام بين القوات الحكومية المسلحة و البارزانيين، وسائر الوطنيين في كردستان، وبتحقيق الحقوق القومية العادلة للشعب الكردي.

كما طالب تقرير اللجنة المركزية للحزب في تشرين الثاني 1961 حكومة عبد الكريم قاسم بتحقيق المطالب التالية :

1ـ وقف الاضطهاد القومي بإلغاء الحملة العسكرية النظامية وغير النظامية على كردستان فوراً.

2 ـ حل المسالة الكردية بالطرق السلمية بإصدار بيان رسمي بالاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي ضمن الوحدة العراقية .

3 ـ إصدار عفو عام عن المشتركين في الحركة .

4ـ إطلاق سراح جميع المعتقلين وإرجاع المفصولين لأعمالهم

5 ـ دفع التعويضات للمتضررين.

 ولم تجدِ نفعاً كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال واللجوء إلى الحوار، وإيجاد حل سلمي للقضية الكردية.

 وهكذا اتخذ قراره بشن حملة واسعة شملت كافة أنحاء العراق تحت شعار[ السلم في كردستان ،والديمقراطية للعراق ]، وقد بذل رفاق الحزب الشيوعي وكنت واحداً منهم ، جهداً كبيراً في إظهار السعة الجماهيرية لتلك الحملة لدرجة أنها أغضبت حاكم السليمانية العسكري الجلاد صديق مصطفى الذي بادر إلى جمع رؤساء الدوائر على الفور، وقدم لهم صيغة برقية إلى الزعيم عبد الكريم قاسم تطالبه بقمع الحركة الكردية بشدة، وطلب من كل رئيس دائرة أن يسجل أسماء منتسبي الدائرة، ويوقع كل موظف أمام اسمه، والذي يرفض التوقيع يكتب أمام اسمه لا أوقع، ومنح رؤساء الدوائر ومنتسبيها مهلة أمدها حتى الساعة الثانية من ظهر اليوم التالي. كان واضحاً أن خطة الجلاد صديق مصطفى تقضي بالتنكيل بمن يرفض التوقيع على البرقية.

وعلى أثر ذلك الإجراء اللا قانوني تم عقد لقاء بين قيادتي الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني لتدارس الموقف الناجم عن تصرف صديق مصطفى، والإجراء المضاد الذي يمكن اتخاذه لتحدي سلطة هذا الجلاد.

وخرجت قيادة الحزبين بقرار يلزم أعضاء حزبيهما بتحدي القرار، وعدم التوقيع عليه محذرة أعضاء الحزبين بطرد كل من يوقع على البرقية، وطلبت كذلك بعدم الهروب من وجه السلطة وإلا واجه الطرد أيضا. وهكذا بعثت قيادة فرع الحزب في السليمانية بتبليغ مستعجل إلى كافة رفاق الحزب تضمنت ما يلي :

 

إلى كافة رفاق حزبنا الشيوعي :

إن دكتاتورية عبد الكريم قاسم سوف لا تتحطم إلا على أيدي الشيوعيين!

نمنعكم من التوقيع على البرقية، وكل من يوقع على البرقية يطرد من الحزب فوراً، وكل من لا يوقع ويهرب من وجه السلطة يطرد أيضاً.

وعندما تسلمت التبليغ شعرت بالغضب الشديد ليس على عدم التوقيع وتحدي السلطة، على الرغم من عدم قناعتي بالقرار، ولكن على الديباجة في تصدرت في أعلى التبليغ التي دلت على عدم نضوج قيادة الفرع، وضحالة تفكيرها بحيث جعلت من نفسها القوة التي ستحطم سلطة عبد الكريم قاسم !! فلماذا ؟ ولمصلحة من هذا القرار ؟ هل يصب هذا القرار في خدمة قضايا شعبنا ووطننا أن نحطم سلطة عبد الكريم قاسم، ونعرض ثورة 14 تموز وكل مكاسبها للضياع؟

لقد شعرت بالاشمئزاز من تلك الديباجة الخطيرة، وساورتني الشكوك حول نتائج هذه السياسة الحمقاء، ورد الفعل الذي سيتخذه الزعيم عبد الكريم قاسم تجاه الحزب الشيوعي.

في صباح اليوم التالي كان في مقدمة الموقعين على البرقية هم أصحاب الحركة المسلحة قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وتبعهم كافة رفاق حزبهم. ولما وجد الشيوعيون أن قادة ورفاق البارت قد وقعوا على البرقية، بدأوا بالتوقيع عليها كذلك، وعندما بلغت الساعة الثانية ظهراً، وانتهى الموعد المحدد للتوقيع، كان كل من بقي من الشيوعيين غير الموقعين 6 رفاق 4 منهم عرب، وكنت احدهم ، واثنان من الرفاق الأكراد.

أصبح وضعنا حرجاً جداً بعد انتهاء المهلة، وكنا ندرك أن الجلاد صديق مصطفى سيصب جام غضبه علينا، وعليه فقد بادرت إلى إرسال رسالة مستعجلة لقيادة الفرع، وطلبت منهم الموافقة على الاختفاء تجنباً لما لا يحمد عقباه، فماذا كان الجواب؟ هذا ما سأتناوله في الحلقة التالية.

 

 

{26}

الاستقالة من الحزب الشيوعي

جاء جواب قيادة الفرع ليشكل صدمة كبرى لي على هذه الاستهانة بأرواح رفاقهم، فقد جاء في تلك الرسالة العبارة التالية نصاً:

{موتوا كي نشيعكم}.

 هكذا بكل بساطة يقدمون أرواح رفاقهم فداء بالمجان، ولمصلحة منْ؟ متجاهلين انعكاسات موتنا على مستقبل عوائلنا وأطفالنا. أثارت الرسالة في نفسي الحزن والألم، والغضب الشديد، ودفعتني إلى اتخاذ قراري الحاسم والنهائي بالاستقالة من الحزب، وعدم التفكير في أي انتماء حزبي مستقبلاً، مع البقاء على علاقة طيبة مع سائر القوى الوطنية ولكن عن بعد، وأتحرر من القيود الحزبية، وامتلك القدرة على نقد الأخطاء، وادعم الخطوات الصائبة دون حدود أو قيود.

مكثت في البيت تلك الليلة في انتظار إجراءات الجلاد صديق مصطفى، ولم تكد الساعة تعلن العاشرة ليلاً حتى طُوقت قوات الانضباط العسكري داري والمنطقة المحيطة به من قبل مجموعة كبيرة كان على رأسها آمر الانضباط رشيد علوان المهداوي، وجرى تفتيش الدار، واعتقالي ونقلي إلى دائرة الانضباط العسكري مع بقية رفاقي.

كان هناك ثلة من قوات الانضباط في انتظارنا، وقد اصطفت على جانبي المدخل الضيق والطويل لدائرة الانضباط، وقد استعدوا لاستقبالنا بما يشبع رغبة الجلاد، حيث تلقينا من الضربات الموجعة من كل جندي بما أسقطنا أرضاً في نهاية الممر من شدة الألم حيث لم تبقَ بقعة من أجسامنا دون أن تصيبها الكدمات، واثبت الأوباش من الانضباط العسكري أنهم اشد وحشية من الأجهزة الأمنية.

 استمر بنا الحال أسبوعين في الاعتقال دون أي تهمة أو سند قانوني، كنا خلالها نقاسي من التعذيب الوحشي ما لا يوصف، حيث خرجنا بعدها منهكي القوى، وفي وضع صحي سيئ جداً، واستمرت معاناتنا لأمد طويل. استمرت الحرب بين السلطة وقوات البارزاني حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، ومن المثير للغضب والاستنكار أن قادة الحركة الكردية كانوا قد وضعوا أيديهم بأيدي انقلابيي شباط 963 ضد السلطة الوطنية بقيادة عبد الكريم قاسم، ظناً منهم أن بالامكان حصول الشعب الكردي على حقوقه القومية المشروعة على أيدي أولئك القوميين الفاشيين والمتعصبين.

لقد كان موقفهم هذا أقل ما يقال عنه أنه موقف ميكافللي لا مبدأي يبرر الوسيلة مهما كانت لتحقيق الهدف المنشود، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا الموقف كان يعبر عن جهل بطبيعة حزب البعث والقوى القومية المتعصبة المتحالفة معه، الذين لم يكّنوا يوماً المودة للشعب الكردي، ورفضوا حتى إشراك الحزب الديمقراطي في جبهة الاتحاد الوطني عام 1957. فلم تمض ِسوى أربعة أشهر على انقلاب 8 شباط، حتى بادر الانقلابيون في 10 حزيران 1963 إلى شن حملة عسكرية هوجاء على الشعب الكردي، لم يشهد لها مثيلاً من قبل، منزلين فيه أشد الويلات والمآسي، وألوف القتلى، وتهديم القرى، وتهجير الشعب الكردي، وسأتعرض للتطورات التالية  وما حل بالبلاد من ويلات على يد انقلابيي 8 شباط 1963.

 

 

 

 

 

 المقدمة

محتويات الكتاب

الفصل (4)

الفصل (3)

الفصل (2)

الفصل (1)

الفصل (8)

الفصل (7)

الفصل (6)

الفصل (5)

الفصل (12)

الفصل (11)

الفصل (10)

الفصل (9)

الفصل (16)

الفصل (15)

الفصل (14)

الفصل (13)