حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل السابع
22ـ أحداث كركوك في الذكرى الأولى لثورة 14 تموز.
23ـ البعثيون والقوميون يشنون حملة
اغتيالات وحشية.
{22}
أحداث كركوك
في الذكرى الأولى لثورة 14 تموز
قبل الولوج في تلك الأحداث التي وقعت
في كركوك، في غمرة الاحتفالات بالذكرى الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 958، لابد
أن نستعرض أحوال المدينة، والظروف التي كانت سائدة فيها، والصراعات والمشاكل التي
كانت تعاني منها، والتي كان لها الدور الأكبر في تلك الأحداث .
التركيب السكاني لمدينة كركوك في الأحداث:
إن مدينة كركوك تضم أربعة قوميات
هي التركمانية والكردية والعربية و الآشورية، وكانت العلاقات بين القوميتين
الكردية والتركمانية يسودها جوٌ من
التوتر والريبة منذُ زمن طويل يمتد إلى أيام الحكم العثماني، وكان هناك صراعٌ للسيطرة
على المدينة، ولما قامت ثورة 14 تموز 958 وقف الأكراد إلى جانب الثورة، وساندوها
بشكل حاسم، فيما وقف التركمان بعيدين عنها على أقل تقدير، وكان لاصطفاف الأكراد مع
جبهة الاتحاد الوطني ودفاعهم عن الثورة أثرٌ كبير في ازدياد حنق التركمان على
الأكراد.
كما أن الأكراد لم يشعروا يوماً
بالاطمئنان للتركمان الذين ظلوا يدينون بالولاء لتركيا، ولم ينسَ الأكراد ما فعلته
الدولة العثمانية بهم . لقد أستمر تنامي الكراهية لتركيا بسبب موقفها من حقوق
الشعب الكردي في جنوب تركيا الذي يشكل حوالي
15 مليون نسمة.
فقد وقعت أحداث
عديدة فيها، وكانت تلك الأحداث مؤشراً على عمق الهوة بين التركمان والأكراد، حيث
قام التركمان باغتيال عدد من الأكراد، أذكر من بينهم سيد ولي و محمد الشربتجي،
ومهاجمة احمد رضا بـ [حامض الكبريتيك ]. لكن اخطر تلك الأحداث كانت زرع قنبلة تحت
سيارة الزعيم الكردي [مصطفى البارزاني] لمحاولة اغتياله، ولحسن الحظ تم اكتشاف
القنبلة وتعطيلها قبل انفجارها، فقد كانت المحاولة ستؤدي لو قدر لها النجاح إلى مذبحة مفجعة.
احتفالات الذكرى الأولى للثورة،ووقوع الأحداث:
أقترب موعد
الذكرى الأولى لقيام ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، وجرت الاستعدادات اللازمة للاحتفال
بهذه المناسبة في مختلف أنحاء البلاد، وجرت اتصالات في كركوك مع الجانب التركماني
من أجل أن يكون الاحتفال بهذه الذكرى مشتركاً بين كل القوى السياسية وكل القوميات،
فثورة 14 تموزهي ثورة الشعب العراقي كله بمختلف فئاته وانتماءاته وقومياته، غير أن
التركمان المتعصبين رفضوا ذلك رفضاً قاطعاً، وأصروا على أن تكون احتفالاتهم
منفردة، وفشلت كل المحاولات للجمع بين الأطراف.
وعلى هذا الأساس
تقرر أن تأخذ مسيرة الاحتفال خط سيرٍ بعيدٍ عن منطقة تجمعم حرصاً على عدم
وقوع أي احتكاك بين الطرفين، وقد نظمت تلك
المسيرة من قبل الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني تحت عنوان[مسيرة
الجبهة الوطنية]،وتقرر أن تكون ساحة المدرسة الثانوية مكان تجمع المسيرة، ثم تنطلق
إلى الشارع الرئيسي في [ قورية ]، مروراً أمام الثكنة العسكرية، قرب الجسر، بالقرب
من القلعة القديمة، ثم إلى الجسر الثاني، حيث تتجه إلى شارع أطلس، ومن ثم تعود
المسيرة إلى المكان الذي انطلقت منه في ساحة الثانوية، وقد قررت قيادة المسيرة عدم
العبور إلى الصوب الصغير حيث منطقة تجمع التركمان تجنباً لأي احتكاك.
بدأت المسيرة بصورة نظامية، تعلوها
الشعارات المقررة سلفاً والتي تدعو إلى وحدة القوى الوطنية، من أجل دعم مسيرة
الثورة، وكان يتقدمها مجموعات كبيرة من الأطفال يحملون حمامات السلام، وهذا أكبر
دليل على أنه لم تكن في نية القائمين بالمسيرة، ولا في تفكيرهم الاحتكاك أو
التصادم مع القوميين التركمان، وكل ما قيل عن تصميم مسبق للمسيرة لمهاجمة التركمان
أمرٌ عارٍ عن الصحة اختلقته الرجعية، وعملاء شركات النفط من أجل الإساءة للشيوعيين
وحزبهم.
يلي مجموعة الأطفال في المسيرة
مجموعة النساء، من رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، ثم بقية المنظمات والنقابات
المهنية والعمالية، والجمعيات الفلاحية، والتحق بالمسيرة عدد كبير من الجنود،
وأفراد المقاومة الشعبية.
وما أن دخلت
المسيرة شارع أطلس ومرت قرب كازينو14 تموز حتى انهال عليها عناصرالقوميون التركمان
المتعصبون بالحجارة وقطع الطابوق من سطح الكازينو، ثم ما لبثوا أن انهالوا عليهم
بالرصاص من كل جانب.
حلت الفوضى بالمسيرة،
بعد أن أخذ المشاركون يتزاحمون ويندفعون للخروج من الشارع الضيق، ودهس عدد منهم
تحت الأقدام واستطاع بعض المشاركين في المسيرة شق طريقهم نحو مصدر النيران
والحجارة، فيما راحت الجموع تزحف فوق بعضها البعض في جو من الفزع والفوضى، وكان
منظر الأطفال والأقدام تدوسهم مؤلم جداً، كما سقط العديد من النساء بين الأرجل.
لم يكن في تلك
اللحظة من الممكن السيطرة على جموح وغضب الجماهير الشعبية بينما الرصاص والحجارة
ما زالت تنهمر عليهم من القلعة القديمة، وقد أستمر إطلاق الرصاص منها ثلاثة أيام
متتالية، ولم يسكت إلا بعد أن قام الجيش والمقاومة الشعبية بتمشيط القلعة، وقد جرت
مشاركة المقاومة الشعبية بطلب رسمي من قيادة الفرقة الثانية بموجب توجيهات وصلتها
من بغداد، وكان حصيلة تلك الأحداث مقتل [ 32 ] فرداً من التركمان، وتم اعتقال عدد
آخر منهم وضعوا رهن التحقيق.
نتائج أحداث كركوك ،وانعكاساتها:
إن ما حدث في
كركوك لم يكن إلا عدواناً أثيماً، دبرته القوى الرجعية المعادية لثورة 14 تموز
ومسيرتها، ولم يكن عملاء شركات النفط بعيدين عن تلك الأحداث، ومحرضين عليها.
لقد جرى تضخيم تلك الأحداث، وفبركة
وقائع لم تقع إطلاقاً وظهرت شائعاتهم التي كانت تقول أنه كانت هناك مجزرة أُعد لها مسبقاً، وذهب ضحيتها المئات بل
الألوف، ملصقين أشنع التهم بالحزب الشيوعي من أجل استعداء السلطة عليه، وجرى تصوير
جثث عدد من القتلى من جهات مختلفة، لتضخيم عدد القتلى لكي يصوروا ما حدث وكأنه
مجزرة كبرى قام بها الشيوعيون ضد التركمان، ولاحظوا هنا أن التركيز قد جرى على
الشيوعيين وحدهم دون القوى الأخرى، في حين كان العداء المستحكم بين الأكراد
والتركمان، وفي حين كان الحزب دائم الحرص على تمتين عرى الاخوة بين سائر مكونات
الشعب، وكانت بيانات الحزب المنشورة في صحيفته [ اتحاد الشعب ] خير دليل على ذلك ،
فقد ورد في الصحيفة في عددها الصادر في 27 آذار 959 ما يلي :
{ إننا ننبه أولئك الرجعيين الشوفينيين الذين يوغرون
صدور التركمان ويثيرون المخاوف بين الكردي والعربي والتركماني ويزرعون في عين
الوقت الفتن ويبثون الشكوك والأكاذيب بين الجماهير الكردية ضد إخواننا التركمان،
إننا ندعو المواطنين الكرام إلى التزام جانب الحذر واليقظة، والتمسك بعرى الاخوة
والاتحاد بين مختلف القوميات} .
وفي شهادة مدير
شرطة محافظة كركوك أمام المجلس العرفي العسكري حول الأحداث حيث تحدث قائلاً :
{إن ما جرى
بكركوك كان بسبب العداء المستحكم بين التركمان والأكراد، وبالنظر إلى الاستفزازات
التي قام بها التركمان، والتي سبقت المسيرة، وفي أثنائها، اتخذت التدابير المقتضية
من قبلنا، وفي حوالي الساعة السابعة عندما وصلت المسيرة إلى الجسر القديم وهي في
طريقها إلى القلعة، اقتربت منها مظاهرة للتركمان، وكان أهلها يركبون سيارات تابعة
للجيش، فتدخلت الشرطة، وحجزت بين الطرفين، وتقدمت المسيرة حتى وصلت إلى مقهى 14
تموز، وهي مقهى يرتادها التركمان، وعلى حين غرة انهالت الأحجار فوق رؤوس المشاركين
في المسيرة، وصار هرج ومرج، ثم تطور ذلك إلى استخدام السلاح، ودوى صوت إطلاق
الرصاص على المسيرة.
أخذ الجنود
يطلقون الرصاص لإسكات مصدر تلك النيران والحجارة، وُقتل نتيجة ذلك 20 فرداً من
التركمان، وجرى سحل بعضهم، وهو أمرٌ مرفوض ومدان طبعاً، وكان من بينهم عطا خير
الله وعثمان الجايجي صاحب المقهى، واثنان من أبناء مختار محلة الخاصة فؤاد عثمان،
وبلغ عدد الجرحى من الطرفين 130 فرداً، وقد جرى خلال تلك الأحداث مهاجمة 70 مقهى
ومحل تجاري عائدة للتركمان، وجرى نهبها أو إحراقها، وكان للأكراد دور كبير في تلك
الأحداث}.
قاسم يهاجم الشيوعيين ويتوعد بمعاقبة المسؤولين:
بدأت التقارير
والصور والعرائض من قبل التركمان تنهال على عبد الكريم قاسم، وتتهم الشيوعيين
بتدبير مجزرة في كركوك ضدهم، وصدّق قاسم تلك التقارير والصور، قبل أن يجري أي
تحقيق، ربما لم يدرك ألاعيب الرجعية وعملاء شركات النفط التي غذت تلك الأحداث
وضخمتها من أجل تمزيق وحدة القوى الوطنية، وبالتالي إضعاف السلطة وعزلها عن أشد
المدافعين عنها.
وربما أراد قاسم نفسه بالذات تضخيم
تلك الأحداث، واتخاذها مبرراً لإضعاف الحزب الشيوعي وتحجيمه، بعد أن تنامت قوته،
وتوسع تأثيره على مجرى الأحداث في البلاد،
فلقد سارع قاسم إلى عقد مؤتمر صحفي تحدث فيه عن الأحداث قائلاً : { إن الفوضويون
يتوجهون إلى المنازل التي أُشروا عليها سابقاً في خرائطهم ، فأخرجوا أصحابها،
وفتكوا بهم }.
وقد تبين فيما
بعد أن دائرة الكهرباء هي التي قامت بوضع إشارات على الدور لأسباب فنية وإدارية
تتعلق بعملها.
وفي 2 آب 959
ذكر قاسم أن عدد القتلى كان ( 79 ) فرداً، ثم عاد في 2 كانون الثاني وأكد أن عدد القتلى لا يتجاوز(32) فرداً، وقد تأكد للمجلس العرفي العسكري أن عدد
القتلى كان 32 فرداً منهم (29 ) تركمانياً و( 3 ) أكراد، وجرح ( 130 ) فرداً بينهم
(6) أكراد.
أستمر قاسم في
مهاجمة الحزب الشيوعي، وكانت خطاباته عنيفة جداً، وتصريحاته لا تخلو من التهديد
والوعيد، وكان رد فعله عنيفاً أثناء خطابه في كنيسة مار يوسف، وفي مؤتمره الصحفي،
وفي حديثه مع وفد اتحاد نقابات العمال في 4 آب 959 . ففي خطابه في كنيسة مار يوسف
قال قاسم:
{إن ما حدث أخيراً في مدينة كركوك، فأني اشجبه تماماً،
وباستطاعتنا أيها الاخوة أن نسحق كل من يتصدى لأبناء الشعب بأعمال فوضوية، نتيجة
للحزازات والأحقاد والتعصب الأعمى. أنني سأحاسب حساباً عسيراً أولئك الذين اعتدوا
على حرية الشعب في كركوك بصورة خاصة، ثم أضاف قاسم قائلاً أولئك الذين يّدعون بالحرية، ويدّعون
بالديمقراطية لا يعتدون على أبناء الشعب اعتداءً وحشياً. إن أحداث كركوك لطخة سوداء في تاريخنا، ولطخة سوداء في تاريخ
ثورتنا. هل فعل جنكيز خان أو هولاكو هذا من قبل ؟
هل هذه هي مدنية القرن العشرين؟
لقد ذهب ضحية هذه الحوادث 79 قتيلاً ، يضاف إليهم 46 شخصاً دُفنوا أحياء!،
وقد تم إنقاذ البعض منهم} .
لكن قاسم ما لبث
أن تراجع قليلاً عن كلامه قائلاً :
{إننا لا نلقي اللوم والمسؤولية على مبدأ أو حزب معين،
الأفراد هم المسؤولون عن ذلك، وسنحاسبهم كأفراد ولا نريد اضطهاد المنظمات}.
لقد كان قاسم
في تلك الأيام على غير عادته، قد فقد توازنه، وانساق بشكل عاطفي أنساه ما أعتاد
عليه من حكمة وحذر، وصبر وأناة، فكانت خطاباته تلقي الحطب على الحريق، وتبين أن ما
ورد حول دفن الأحياء لا أساس له من الصحة، ولم يثبت خلال المحاكمات التي جرت أمام
المجلس العرفي العسكري للمتهمين شيئاً من هذا القبيل.
وتبين فيما بعد
أن قاسم أراد استغلال تلك الأحداث كذريعة لتحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه وضربه، بعد
أن تنامى نفوذه في صفوف الجماهير، وقد أرعبته مسيرة الأول من أيار 959 ، والتي رفع
خلالها الحزب الشيوعي شعار إشراكه في السلطة: {عاش الزعيم عبد الكريمٍ، الحزب
الشيوعي بالحكم مطلب عظيم }.
هكذا إذاً وجد قاسم أن استخدام
أحداث الموصل وكركوك خير ذريعة لتوجيه ضربته للحزب، وكان من بين الإجراءات الأخرى
التي اتخذها ضد الحزب إبعاد كافة الشيوعيين وأصدقائه من إدارة المراكز الوظيفية،
وكان نصيبي أن أبعدني من إدارة مدرسة الفلاح بالموصل مع العديد من مدراء المدارس
الأخرى، وأعاد كل العناصر الرجعية المعادية للثورة بدلاً عنا، علماً أنني كنت
مديراً لعدة مدارس منذ عام 1953. كما أقدم قاسم على إبعاد إعداد كبيرة من الضابط
من المحسوبين على الحزب عن
الجيش، وأصدر
قراراً بحل المقاومة الشعبية.
كما أصدر قرارات أخرى بحل قيادات
النقابات، والجمعيات الفلاحية، وسلم قيادتها بيد العناصر الرجعية. وبعد كل هذا
الذي جرى لابد لكل منصف وحيادي أن يسأل:
1 ـ مْن بدأ الاعتداء على المسيرة ؟ ومن أطلق النار وقذف
الحجارة ؟
2ـ منْ زور
الصور وصوّر الأحداث كأنها مجزرة كبرى قالت عنها إذاعة [صوت العرب ] بأن عدد
القتلى بلغ [ 3500 فرداً ؟
3 ـ هل خُدع
قاسم بالتقارير التي نُقلت له عن تلك الأحداث ؟ وهل كان من الصعب عليه الوصول
للحقيقة ؟
4ـ هل كان قاسم
يعرف الحقيقة لكنه أراد استخدام تلك الأحداث لتوجيه ضربته للحزب الشيوعي ؟
5ـ هل كان
بمقدور الحزب الشيوعي خلال تلك الأحداث السيطرة على الجماهير الغاضبة ومنع
القتولات التي حصلت، وما رافقها من سحل للجثث؟
إن الإجابة على هذه
الأسئلة تلقي الضوء على تلك الأحداث التي كانت تمثل بداية الانتكاسة لثورة الرابع
عشر من تموز، واستمرت في تراجعها حتى وقوع انقلاب الثامن شباط الفاشي عام963.
لقد قام قاسم
بتشكيل لجنتين تحقيقيتين، وأرسل الأولى إلى الموصل، والثانية إلى كركوك، وزودها
مسبقا بأسماء ابرز الشيوعيين المعروفين في المدينتين المذكورتين مع مذكرات بإلقاء
القبض عليهم، حيث جرى اعتقالهم، وطافت سيارات عسكرية مجهزة بمكبرات الصوت داعية
الناس إلى التقدم للشهادة ضد المعتقلين، المتهمين بأحداث الموصل وكركوك، وأُحيل
المعتقلون إلى المجالس العرفية العسكرية لتحكم عليهم بأحكام قاسية وطويلة، وسيق
المحكومون إلى سجن نقرة السلمان السيئ الصيت الذي أنشأه نوري السعيد في وسط
الصحراء بعيداً عن أهلهم وذويهم.
وحينما وقع
انقلاب 8 شباط عام 1963، وجد الانقلابيون الصيد في القفص حيث أسرعوا إلى إعادة
محاكمتهم من جديد خلافاً للقانون، بعد أن استخدموا معهم أبشع أنواع التعذيب الجسدي
والنفسي، وأصدروا بحق العديد منهم أحكام
الموت، ونفذوها في شوارع الموصل وكركوك.
رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات قاسم
جاء رد فعل الحزب الشيوعي على
الهجوم الذي شنه قاسم عليه في مقال افتتاحي لصحيفة الحزب [ اتحاد الشعب] وجاء فيه:
{ قيل عنا بأننا نؤمن بالعنف ضمن إطار الحركة الوطنية،
وبعلاقاتنا مع القوي الوطنية الأخرى.إن هذا محض دس وافتراء يقصد به التشهير ليس
إلا، وكنا قد أكدنا في مقال افتتاحي معروف نُشر منذُ زمن بعيد، بأن الأسلوب هو
المحك، ولكن يبدو الآن أن هناك نية مقصودة لُيقرن هذا الموقف الصحيح الثابت
باندفاع بعض البسطاء، وغير الحزبيين من جماهير الشعب. نحن ندين بصورة مطلقة كل
أشكال الاعتداء على الناس الأبرياء، وأي عمل من أعمال التعذيب حتى بحق الخونة. إن
إدانتنا لهذه الممارسات هي إدانة مبدأية }. وفي الثالث من آب 959 نشر الحزب موجز التقرير الموسع لاجتماع اللجنة
المركزية للحزب الذي أكد على إدانة كل شكل
من أشكال الاعتداء، والعنف ضد الخصوم السياسيين، وكل أعمال القتل أو السحل أو
النهب والحرق التي حدثت في كركوك، مؤكداً على أهمية الحلف بين الحزب والسلطة،
وكافة القوى الوطنية من أجل دفع مسيرة الثورة إلى أمام لتحقيق أماني الشعب، مؤكداً
السير بخطى ثابتة مع قيادة الثورة، وحماية مكتسباتها التي هي ثمرة تضحيات كبيرة
عبرسنوات النضال الطويلة.
لقد أتسم موقف الحزب الشيوعي، بعد
أحداث كركوك بالتراجع والانكماش، ولم يتخذ موقف الدفاع عن نفسه ضد الهجمة الشرسة
التي شنتها القوى الرجعية ضده، وساعدها جهاز السلطة الموروث عن العهد الملكي، وكان
لموقف قاسم من الحزب الأثر الحاسم في دعم تلك الهجمة من أجل تقليص دور الحزب وتحجيمه ، وتوجيه الضربات
المتتالية له.
هذه هي حقيقة ما جرى في كركوك، ولا
بد لي في النهاية أن أقول أن كل أعمال الاعتداء، والتمثيل بالجثث، وأعمال النهب
والسلب والحرق هي عمليات مدانة بصرف النظر من أي جهة صدرت وتحت أي مبرر، فهي بكل
تأكيد أعمال مرفوضة تتعارض ومبادئ حقوق الإنسان، وينبغي إدانتها.
إن الفيصل في مثل هذه الأحداث هي
السلطة القضائية التي تمتلك الحق في إجراء التحقيق والمحاكمة، ومعاقبة المدانين
بموجب القانون، وليس من حق أحد أن يجعل من نفسه فوق القانون، حيث تسقط هيبة
الدولة، وتسود شريعة الغاب، وحيث يفتقد المواطنون الآمان.
{23}
البعثيون والقوميون
يشنون حملة اغتيالات وحشية
لم تكد تفشل محاولة الشواف
الانقلابية ، وتسيطر قوات الجيش الوطنية وجماهير الشعب على المدينة، حتى توارت
القوى الرجعية خوفاً ورعباً، وخلال أيام قلائل عاد الهدوء والنظام إلى المدينة، وشعر أبناء الموصل لأول مرة
بالثورة تدخل مدينتهم بصورة حقيقية، فلم
يكن قد حدث حتى وقوع محاولة الشواف الانقلابية أي تغيير جوهري على أوضاع الموصل،
وبقيت العوائل الرجعية المرتبطة مصالحها بالنظام السابق، تحكم الموصل من خلال
الأجهزة الإدارية، وهي وإن كانت قد ركنت إلى الانكفاء بعد الثورة، لكنها عاودت
نشاطها ضدها مستغلة الجهاز الإداري الذي
لم يطرأ عليه أي تغير، والذي كانت تحتل فيه جميع المراكز الحساسة، وبشكل خاص جهاز الأمن الذي أنشأه ورعاه النظام الملكي.
وعلى أثر حدوث التصدع في جبهة الاتحاد الوطني، وإبعاد عبد السلام عارف عن
مسؤولياته في قيادة الثورة ،عاودت تلك القوى نشاطها التآمري مرتدية رداء القومية
العربية، وتحت راية الرئيس عبد الناصر، التي
كانت حتى الأمس القريب من أشد أعدائه، ووضعت نفسها تحت تصرف العقيد الشواف
الطامح إلى السلطة، والمتآمر على الثورة وقيادتها، غير أن انكفاء الرجعية بعد فشل
حركة الشواف لم يدم طويلاً بسبب سياسة عبد الكريم قاسم عندما قلب ظهر المجن لتلك
القوى التي حمت الثورة ودافعت عنها وقدمت التضحيات الجسام من أجل صيانتها والحفاظ
على مكتسباتها.
لقد بادر عبد الكريم قاسم إلى
إلغاء المقاومة الشعبية، حرس الثورة الأمين، وأجرى تغييرات واسعة في أجهزة الدولة،
أبعد بموجبها كل العناصر الوطنية الصادقة والمخلصة للثورة، وأعاد جميع الذين
أُبعدوا إثر فشل حركة الشواف الانقلابية، إلى مراكزهم السابقة، وهكذا عاودت
الرجعية المتمثلة بعوائل الاقطاعيين [كشمولة] و[العاني] و[المفتي] و[العمري]
وغيرها من العوائل الأخرى، نشاطها المحموم، مستغلة مواقف عبد الكريم قاسم من
الشيوعيين الذين كان لهم الدور الأساسي في إخماد تمرد الشواف.
بادرت تلك العوائل تتلمس أفضل
السبل للتخلص من العناصر الشيوعية والديمقراطية المؤيدة للثورة، ووجدت ضالتها في
عمليات الاغتيال البشعة التي ذهب ضحيتها المئات من أبناء الموصل البررة، وأجبرت
تلك الحملة الفاشية والإجرامية عشرات الألوف من العوائل على الهجرة الاضطرارية من
المدينة إلى مدينة بغداد وبعض المدن الأخرى مضحية بأعمالها، ووظائفها من أجل
النجاة من تلك الحملة المجرمة. لقد جرى كل ذلك تحت سمع وبصر السلطة ورضاها، سواء
كان ذلك على مستوى السلطة في الموصل، أم السلطة العليا المتمثلة بعبد الكريم قاسم
نفسه، حيث لم تتخذ السلطة أي إجراء، ولم تجرِ أي تحقيق ضد عصابات القتلة ومموليهم،
والمحرضين على تلك الاغتيالات، بل قيل آنذاك أن قاسم نفسه قد أعطى لهم الضوء
الأخضر لتنفيذ الاغتيالات، وإن كل الدلائل تشير إلى موافقة السلطة العليا
ومباركتها لتلك الحملة. فلا يعقل أن تكون السلطة مهما كانت ضعيفة عاجزة عن إيقاف
تلك الحملة الشريرة، وإلقاء القبض على كافة منفذيها ومموليها المعروفين لدى كل
أبناء الموصل، وسوف أورد فيما بعد قائمة بأسماء أولئك القتلة الذين بقوا مطلقي
السراح يتجولون بأسلحتهم دون خوف من عقاب، متربصين بالأبرياء ليسددوا رصاصاتهم
الجبانة إليهم في وضح النهار.
إما أجهزة الأمن فكانت تكتفي
بإلقاء القبض على جثث الضحايا، وحتى الذين لم يفارقوا الحياة وأصيبوا بجراح فكانوا
يلاقون نفس المصير في المستشفى، حيث لم ينج أي جريح منهم أُودع المستشفى الذي كان
يديره آنذاك الدكتور[عبد الوهاب حديد].
ولابد لنا أن نلقي نظرة على أوضاع
السلطة في الموصل في تلك الفترة التي امتدت منذُ
حركة العقيد الشواف، وحتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، لنتعرف على أولئك الذين
كان لهم الدور البارز في تلك الأحداث الإجرامية المفجعة.
هؤلاء كانوا يحكمون الموصل؟
1- مدير الشرطة ـ إسماعيل عباوي
من مواليد الموصل، ومن عائلة رجعية
معروفة، انتمى إلى الجيش العراقي كضابط
وكان مرافقا لبكر صدقي، رئيس أركان الجيش، الذي قام بانقلاب عسكري عام 1936
ضد حكومة [ ياسين الهاشمي ] . قام إسماعيل عباوي باغتيال [ جعفر العسكري ] وزير
الدفاع في حكومة الهاشمي. كما أشترك في محاولة اغتيال [ضياء يونس] سكرتير مجلس
النواب، ومحاولة اغتيال السيد [مولود مخلص ] الذي شغل لمرات عديدة منصب وزير
الدفاع، وكان رئيساً لمجلس النواب عندما وقع انقلاب الفريق[ بكر صدقي]. أُخرج
إسماعيل عباوي من الجيش بعد اغتيال بكر صدقي، وأعتقل عام 1939بتهمة تدبير مؤامرة
لقتل عدد من السياسيين وحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالإعدام، وجرى بعد ذلك
تخفيض العقوبة إلى السجن المؤبد، وأُطلق سراحه عند قيام حركة رشيد عالي الكيلاني
عام 1941. وخرج من السجن ليجعل من نفسه بطلاً قومياً. وقبل أحداث حركة الشواف
بأيام أعاده عبد الكريم قاسم إلى الجيش من جديد برتبة مقدم، وعينه مديراً لشرطة
الموصل، لكنه لم يستطع استلام مهام منصبه إلا بعد فشل الانقلاب، وبقي مديراً
للشرطة فيها، ليشرف على تنفيذ المذبحة الكبرى فيها خلال ثلاث سنوات متوالية دون أن
يلقي القبض على واحد من القتلة، بل أكتفي بالقبض على جثث الضحايا،وسُجلت كل جرائم
الاغتيالات التي باسم مجهول!!.
2- متصرف اللواء:عبد اللطيف الدراجي
متصرف الموصل العقيد الركن عبد
اللطيف الدراجي من مواليد 1923، ومن الضباط
الذين شاركوا في تنفيذ الثورة، في الرابع عشر من تموز 958، حيث كان آمر الفوج الأول، في اللواء العشرين،
وزميل عبد السلام عارف الذي كان آمر الفوج الثالث
في نفس اللواء.عين الدراجي آمراً للواء العشرين بعد نجاح الثورة، وبسبب
علاقته الحميمة بعبد السلام عارف جرى نقله إلى آمريه الكلية العسكرية إثر إعفاء عبد
السلام عارف من مناصبه كإجراء احترازي من قبل عبد الكريم قاسم، ثم جرى بعد ذلك
اتهامه بالاشتراك في المحاولة الانقلابية التي كان من المقرر تنفيذها في 4 تشرين
الأول 1958 بالاشتراك مع عبد السلام عارف، وجرى اعتقاله لفترة وجيزة، ثم أُحيل على
التقاعد، وعُين متصرفاً للواء الكوت، ثم نقل بعد ذلك إلى لواء الموصل فيما بعد.
ولاشك أن الدراجي أخذ يكن العداء لعبد الكريم قاسم بعد إعفائه من منصبه العسكري،
وعمل جهده على إضعاف وعزل عبد الكريم قاسم
عن الشعب، وذلك عن طريق حملة اغتيالات الشيوعيين وأصدقائهم ، وتبين فيما بعد أنه
كان من المشاركين في انقلاب 8 شباط 1963
ضد عبد الكريم قاسم ، وقد عينه عبد السلام عارف بعد انقلابه على البعثتين وزيراً
للداخلية. لعب الدراجي دورا كبيراً في
حملة الاغتيالات المجرمة في الموصل، شأنه شان رفيقه إسماعيل عباوي، ولم يبدر منه
أي إجراء لوقفها، والقبض على المجرمين وإحالتهم إلى القضاء على الرغم من أن أسماء
أولئك المجرمين كانت تتردد على كل لسان .
3- مدير الأمن: حسين العاني
حسين العاني كما هو معروف من عائلة
رجعية إقطاعية عريقة، كان لها باع كبير في العهد الملكي، كما كان لها دور كبير في
دعم محاولة الشواف الانقلابية، وتم اعتقال العديد من أفراد تلك العائلة، مما جعل
حقدها على الشيوعيين كبيراً، ورغبتها في الانتقام أكبر وكان وجود حسين العاني على
رأس جهاز الأمن الذي رباه النظام الملكي وأسياده الإمبرياليون على العداء للشيوعية
خير عون لعصابات الاغتيالات تلك في تنفيذ جرائمها، والتستر عليها وحمايتها.
كان جهاز الأمن يفتش في الطرقات كل
شخص معروف بميوله اليسارية بحثًا عن السلاح لحماية أنفسهم من غدر القتلة، في حين
ترك القتلة المجرمين يحملون أسلحتهم علناً دون خوف أو وازع، ولم يحاول هذا الجهاز
القبض على أي من القتلة على الرغم من شيوع أسمائهم وتداولها بين الناس جميعاً.
ولابد أن أُشير هنا لحادث جرى لي شخصياً، لكي أعطي الدليل، وبكل أمانة وصدق، على
دور ذلك الجهاز في جرائم الاغتيالات، فقد وصلتني رسالة موقعة من قبل [شباب الطليعة
العربية لمحلتي الدواسة والنبي شيت] وكانت الرسالة مليئة بالكلمات البذيئة، التي
أخجل من ذكرها، وتهديد بالقتل القريب، حيث جاء في الرسالة: . {لقد جاء دورك، وقد
حفرنا لك قبراً، وسوف لن يمر وقت طويل إلا ونكون قد دفناك فيه}.¨
أخذت الرسالة مع عريضة شكوى وتوجهت
إلى متصرف اللواء، ومدير الشرطة، ومدير الأمن، وكنت أنتظر أن يجري جهاز الأمن
تحقيقاً مع مرسلي الرسالة، لكن الجهاز الأمني أرسل بطلبي دون أصحاب الرسالة،
وتوجهت إلى مديرية الأمن، ودخلت على المدير الذي بادرني السوأل قائلاً: