حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل السابع
22ـ أحداث كركوك في الذكرى الأولى لثورة 14 تموز.
23ـ البعثيون والقوميون يشنون حملة
اغتيالات وحشية.
{22}
أحداث كركوك
في الذكرى الأولى لثورة 14 تموز
قبل الولوج في تلك الأحداث التي وقعت
في كركوك، في غمرة الاحتفالات بالذكرى الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 958، لابد
أن نستعرض أحوال المدينة، والظروف التي كانت سائدة فيها، والصراعات والمشاكل التي
كانت تعاني منها، والتي كان لها الدور الأكبر في تلك الأحداث .
التركيب السكاني لمدينة كركوك في الأحداث:
إن مدينة كركوك تضم أربعة قوميات
هي التركمانية والكردية والعربية و الآشورية، وكانت العلاقات بين القوميتين
الكردية والتركمانية يسودها جوٌ من
التوتر والريبة منذُ زمن طويل يمتد إلى أيام الحكم العثماني، وكان هناك صراعٌ للسيطرة
على المدينة، ولما قامت ثورة 14 تموز 958 وقف الأكراد إلى جانب الثورة، وساندوها
بشكل حاسم، فيما وقف التركمان بعيدين عنها على أقل تقدير، وكان لاصطفاف الأكراد مع
جبهة الاتحاد الوطني ودفاعهم عن الثورة أثرٌ كبير في ازدياد حنق التركمان على
الأكراد.
كما أن الأكراد لم يشعروا يوماً
بالاطمئنان للتركمان الذين ظلوا يدينون بالولاء لتركيا، ولم ينسَ الأكراد ما فعلته
الدولة العثمانية بهم . لقد أستمر تنامي الكراهية لتركيا بسبب موقفها من حقوق
الشعب الكردي في جنوب تركيا الذي يشكل حوالي
15 مليون نسمة.
فقد وقعت أحداث
عديدة فيها، وكانت تلك الأحداث مؤشراً على عمق الهوة بين التركمان والأكراد، حيث
قام التركمان باغتيال عدد من الأكراد، أذكر من بينهم سيد ولي و محمد الشربتجي،
ومهاجمة احمد رضا بـ [حامض الكبريتيك ]. لكن اخطر تلك الأحداث كانت زرع قنبلة تحت
سيارة الزعيم الكردي [مصطفى البارزاني] لمحاولة اغتياله، ولحسن الحظ تم اكتشاف
القنبلة وتعطيلها قبل انفجارها، فقد كانت المحاولة ستؤدي لو قدر لها النجاح إلى مذبحة مفجعة.
احتفالات الذكرى الأولى للثورة،ووقوع الأحداث:
أقترب موعد
الذكرى الأولى لقيام ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، وجرت الاستعدادات اللازمة للاحتفال
بهذه المناسبة في مختلف أنحاء البلاد، وجرت اتصالات في كركوك مع الجانب التركماني
من أجل أن يكون الاحتفال بهذه الذكرى مشتركاً بين كل القوى السياسية وكل القوميات،
فثورة 14 تموزهي ثورة الشعب العراقي كله بمختلف فئاته وانتماءاته وقومياته، غير أن
التركمان المتعصبين رفضوا ذلك رفضاً قاطعاً، وأصروا على أن تكون احتفالاتهم
منفردة، وفشلت كل المحاولات للجمع بين الأطراف.
وعلى هذا الأساس
تقرر أن تأخذ مسيرة الاحتفال خط سيرٍ بعيدٍ عن منطقة تجمعم حرصاً على عدم
وقوع أي احتكاك بين الطرفين، وقد نظمت تلك
المسيرة من قبل الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني تحت عنوان[مسيرة
الجبهة الوطنية]،وتقرر أن تكون ساحة المدرسة الثانوية مكان تجمع المسيرة، ثم تنطلق
إلى الشارع الرئيسي في [ قورية ]، مروراً أمام الثكنة العسكرية، قرب الجسر، بالقرب
من القلعة القديمة، ثم إلى الجسر الثاني، حيث تتجه إلى شارع أطلس، ومن ثم تعود
المسيرة إلى المكان الذي انطلقت منه في ساحة الثانوية، وقد قررت قيادة المسيرة عدم
العبور إلى الصوب الصغير حيث منطقة تجمع التركمان تجنباً لأي احتكاك.
بدأت المسيرة بصورة نظامية، تعلوها
الشعارات المقررة سلفاً والتي تدعو إلى وحدة القوى الوطنية، من أجل دعم مسيرة
الثورة، وكان يتقدمها مجموعات كبيرة من الأطفال يحملون حمامات السلام، وهذا أكبر
دليل على أنه لم تكن في نية القائمين بالمسيرة، ولا في تفكيرهم الاحتكاك أو
التصادم مع القوميين التركمان، وكل ما قيل عن تصميم مسبق للمسيرة لمهاجمة التركمان
أمرٌ عارٍ عن الصحة اختلقته الرجعية، وعملاء شركات النفط من أجل الإساءة للشيوعيين
وحزبهم.
يلي مجموعة الأطفال في المسيرة
مجموعة النساء، من رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، ثم بقية المنظمات والنقابات
المهنية والعمالية، والجمعيات الفلاحية، والتحق بالمسيرة عدد كبير من الجنود،
وأفراد المقاومة الشعبية.
وما أن دخلت
المسيرة شارع أطلس ومرت قرب كازينو14 تموز حتى انهال عليها عناصرالقوميون التركمان
المتعصبون بالحجارة وقطع الطابوق من سطح الكازينو، ثم ما لبثوا أن انهالوا عليهم
بالرصاص من كل جانب.
حلت الفوضى بالمسيرة،
بعد أن أخذ المشاركون يتزاحمون ويندفعون للخروج من الشارع الضيق، ودهس عدد منهم
تحت الأقدام واستطاع بعض المشاركين في المسيرة شق طريقهم نحو مصدر النيران
والحجارة، فيما راحت الجموع تزحف فوق بعضها البعض في جو من الفزع والفوضى، وكان
منظر الأطفال والأقدام تدوسهم مؤلم جداً، كما سقط العديد من النساء بين الأرجل.
لم يكن في تلك
اللحظة من الممكن السيطرة على جموح وغضب الجماهير الشعبية بينما الرصاص والحجارة
ما زالت تنهمر عليهم من القلعة القديمة، وقد أستمر إطلاق الرصاص منها ثلاثة أيام
متتالية، ولم يسكت إلا بعد أن قام الجيش والمقاومة الشعبية بتمشيط القلعة، وقد جرت
مشاركة المقاومة الشعبية بطلب رسمي من قيادة الفرقة الثانية بموجب توجيهات وصلتها
من بغداد، وكان حصيلة تلك الأحداث مقتل [ 32 ] فرداً من التركمان، وتم اعتقال عدد
آخر منهم وضعوا رهن التحقيق.
نتائج أحداث كركوك ،وانعكاساتها:
إن ما حدث في
كركوك لم يكن إلا عدواناً أثيماً، دبرته القوى الرجعية المعادية لثورة 14 تموز
ومسيرتها، ولم يكن عملاء شركات النفط بعيدين عن تلك الأحداث، ومحرضين عليها.
لقد جرى تضخيم تلك الأحداث، وفبركة
وقائع لم تقع إطلاقاً وظهرت شائعاتهم التي كانت تقول أنه كانت هناك مجزرة أُعد لها مسبقاً، وذهب ضحيتها المئات بل
الألوف، ملصقين أشنع التهم بالحزب الشيوعي من أجل استعداء السلطة عليه، وجرى تصوير
جثث عدد من القتلى من جهات مختلفة، لتضخيم عدد القتلى لكي يصوروا ما حدث وكأنه
مجزرة كبرى قام بها الشيوعيون ضد التركمان، ولاحظوا هنا أن التركيز قد جرى على
الشيوعيين وحدهم دون القوى الأخرى، في حين كان العداء المستحكم بين الأكراد
والتركمان، وفي حين كان الحزب دائم الحرص على تمتين عرى الاخوة بين سائر مكونات
الشعب، وكانت بيانات الحزب المنشورة في صحيفته [ اتحاد الشعب ] خير دليل على ذلك ،
فقد ورد في الصحيفة في عددها الصادر في 27 آذار 959 ما يلي :
{ إننا ننبه أولئك الرجعيين الشوفينيين الذين يوغرون
صدور التركمان ويثيرون المخاوف بين الكردي والعربي والتركماني ويزرعون في عين
الوقت الفتن ويبثون الشكوك والأكاذيب بين الجماهير الكردية ضد إخواننا التركمان،
إننا ندعو المواطنين الكرام إلى التزام جانب الحذر واليقظة، والتمسك بعرى الاخوة
والاتحاد بين مختلف القوميات} .
وفي شهادة مدير
شرطة محافظة كركوك أمام المجلس العرفي العسكري حول الأحداث حيث تحدث قائلاً :
{إن ما جرى
بكركوك كان بسبب العداء المستحكم بين التركمان والأكراد، وبالنظر إلى الاستفزازات
التي قام بها التركمان، والتي سبقت المسيرة، وفي أثنائها، اتخذت التدابير المقتضية
من قبلنا، وفي حوالي الساعة السابعة عندما وصلت المسيرة إلى الجسر القديم وهي في
طريقها إلى القلعة، اقتربت منها مظاهرة للتركمان، وكان أهلها يركبون سيارات تابعة
للجيش، فتدخلت الشرطة، وحجزت بين الطرفين، وتقدمت المسيرة حتى وصلت إلى مقهى 14
تموز، وهي مقهى يرتادها التركمان، وعلى حين غرة انهالت الأحجار فوق رؤوس المشاركين
في المسيرة، وصار هرج ومرج، ثم تطور ذلك إلى استخدام السلاح، ودوى صوت إطلاق
الرصاص على المسيرة.
أخذ الجنود
يطلقون الرصاص لإسكات مصدر تلك النيران والحجارة، وُقتل نتيجة ذلك 20 فرداً من
التركمان، وجرى سحل بعضهم، وهو أمرٌ مرفوض ومدان طبعاً، وكان من بينهم عطا خير
الله وعثمان الجايجي صاحب المقهى، واثنان من أبناء مختار محلة الخاصة فؤاد عثمان،
وبلغ عدد الجرحى من الطرفين 130 فرداً، وقد جرى خلال تلك الأحداث مهاجمة 70 مقهى
ومحل تجاري عائدة للتركمان، وجرى نهبها أو إحراقها، وكان للأكراد دور كبير في تلك
الأحداث}.
قاسم يهاجم الشيوعيين ويتوعد بمعاقبة المسؤولين:
بدأت التقارير
والصور والعرائض من قبل التركمان تنهال على عبد الكريم قاسم، وتتهم الشيوعيين
بتدبير مجزرة في كركوك ضدهم، وصدّق قاسم تلك التقارير والصور، قبل أن يجري أي
تحقيق، ربما لم يدرك ألاعيب الرجعية وعملاء شركات النفط التي غذت تلك الأحداث
وضخمتها من أجل تمزيق وحدة القوى الوطنية، وبالتالي إضعاف السلطة وعزلها عن أشد
المدافعين عنها.
وربما أراد قاسم نفسه بالذات تضخيم
تلك الأحداث، واتخاذها مبرراً لإضعاف الحزب الشيوعي وتحجيمه، بعد أن تنامت قوته،
وتوسع تأثيره على مجرى الأحداث في البلاد،
فلقد سارع قاسم إلى عقد مؤتمر صحفي تحدث فيه عن الأحداث قائلاً : { إن الفوضويون
يتوجهون إلى المنازل التي أُشروا عليها سابقاً في خرائطهم ، فأخرجوا أصحابها،
وفتكوا بهم }.
وقد تبين فيما
بعد أن دائرة الكهرباء هي التي قامت بوضع إشارات على الدور لأسباب فنية وإدارية
تتعلق بعملها.
وفي 2 آب 959
ذكر قاسم أن عدد القتلى كان ( 79 ) فرداً، ثم عاد في 2 كانون الثاني وأكد أن عدد القتلى لا يتجاوز(32) فرداً، وقد تأكد للمجلس العرفي العسكري أن عدد
القتلى كان 32 فرداً منهم (29 ) تركمانياً و( 3 ) أكراد، وجرح ( 130 ) فرداً بينهم
(6) أكراد.
أستمر قاسم في
مهاجمة الحزب الشيوعي، وكانت خطاباته عنيفة جداً، وتصريحاته لا تخلو من التهديد
والوعيد، وكان رد فعله عنيفاً أثناء خطابه في كنيسة مار يوسف، وفي مؤتمره الصحفي،
وفي حديثه مع وفد اتحاد نقابات العمال في 4 آب 959 . ففي خطابه في كنيسة مار يوسف
قال قاسم:
{إن ما حدث أخيراً في مدينة كركوك، فأني اشجبه تماماً،
وباستطاعتنا أيها الاخوة أن نسحق كل من يتصدى لأبناء الشعب بأعمال فوضوية، نتيجة
للحزازات والأحقاد والتعصب الأعمى. أنني سأحاسب حساباً عسيراً أولئك الذين اعتدوا
على حرية الشعب في كركوك بصورة خاصة، ثم أضاف قاسم قائلاً أولئك الذين يّدعون بالحرية، ويدّعون
بالديمقراطية لا يعتدون على أبناء الشعب اعتداءً وحشياً. إن أحداث كركوك لطخة سوداء في تاريخنا، ولطخة سوداء في تاريخ
ثورتنا. هل فعل جنكيز خان أو هولاكو هذا من قبل ؟
هل هذه هي مدنية القرن العشرين؟
لقد ذهب ضحية هذه الحوادث 79 قتيلاً ، يضاف إليهم 46 شخصاً دُفنوا أحياء!،
وقد تم إنقاذ البعض منهم} .
لكن قاسم ما لبث
أن تراجع قليلاً عن كلامه قائلاً :
{إننا لا نلقي اللوم والمسؤولية على مبدأ أو حزب معين،
الأفراد هم المسؤولون عن ذلك، وسنحاسبهم كأفراد ولا نريد اضطهاد المنظمات}.
لقد كان قاسم
في تلك الأيام على غير عادته، قد فقد توازنه، وانساق بشكل عاطفي أنساه ما أعتاد
عليه من حكمة وحذر، وصبر وأناة، فكانت خطاباته تلقي الحطب على الحريق، وتبين أن ما
ورد حول دفن الأحياء لا أساس له من الصحة، ولم يثبت خلال المحاكمات التي جرت أمام
المجلس العرفي العسكري للمتهمين شيئاً من هذا القبيل.
وتبين فيما بعد
أن قاسم أراد استغلال تلك الأحداث كذريعة لتحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه وضربه، بعد
أن تنامى نفوذه في صفوف الجماهير، وقد أرعبته مسيرة الأول من أيار 959 ، والتي رفع
خلالها الحزب الشيوعي شعار إشراكه في السلطة: {عاش الزعيم عبد الكريمٍ، الحزب
الشيوعي بالحكم مطلب عظيم }.
هكذا إذاً وجد قاسم أن استخدام
أحداث الموصل وكركوك خير ذريعة لتوجيه ضربته للحزب، وكان من بين الإجراءات الأخرى
التي اتخذها ضد الحزب إبعاد كافة الشيوعيين وأصدقائه من إدارة المراكز الوظيفية،
وكان نصيبي أن أبعدني من إدارة مدرسة الفلاح بالموصل مع العديد من مدراء المدارس
الأخرى، وأعاد كل العناصر الرجعية المعادية للثورة بدلاً عنا، علماً أنني كنت
مديراً لعدة مدارس منذ عام 1953. كما أقدم قاسم على إبعاد إعداد كبيرة من الضابط
من المحسوبين على الحزب عن
الجيش، وأصدر
قراراً بحل المقاومة الشعبية.
كما أصدر قرارات أخرى بحل قيادات
النقابات، والجمعيات الفلاحية، وسلم قيادتها بيد العناصر الرجعية. وبعد كل هذا
الذي جرى لابد لكل منصف وحيادي أن يسأل:
1 ـ مْن بدأ الاعتداء على المسيرة ؟ ومن أطلق النار وقذف
الحجارة ؟
2ـ منْ زور
الصور وصوّر الأحداث كأنها مجزرة كبرى قالت عنها إذاعة [صوت العرب ] بأن عدد
القتلى بلغ [ 3500 فرداً ؟
3 ـ هل خُدع
قاسم بالتقارير التي نُقلت له عن تلك الأحداث ؟ وهل كان من الصعب عليه الوصول
للحقيقة ؟
4ـ هل كان قاسم
يعرف الحقيقة لكنه أراد استخدام تلك الأحداث لتوجيه ضربته للحزب الشيوعي ؟
5ـ هل كان
بمقدور الحزب الشيوعي خلال تلك الأحداث السيطرة على الجماهير الغاضبة ومنع
القتولات التي حصلت، وما رافقها من سحل للجثث؟
إن الإجابة على هذه
الأسئلة تلقي الضوء على تلك الأحداث التي كانت تمثل بداية الانتكاسة لثورة الرابع
عشر من تموز، واستمرت في تراجعها حتى وقوع انقلاب الثامن شباط الفاشي عام963.
لقد قام قاسم
بتشكيل لجنتين تحقيقيتين، وأرسل الأولى إلى الموصل، والثانية إلى كركوك، وزودها
مسبقا بأسماء ابرز الشيوعيين المعروفين في المدينتين المذكورتين مع مذكرات بإلقاء
القبض عليهم، حيث جرى اعتقالهم، وطافت سيارات عسكرية مجهزة بمكبرات الصوت داعية
الناس إلى التقدم للشهادة ضد المعتقلين، المتهمين بأحداث الموصل وكركوك، وأُحيل
المعتقلون إلى المجالس العرفية العسكرية لتحكم عليهم بأحكام قاسية وطويلة، وسيق
المحكومون إلى سجن نقرة السلمان السيئ الصيت الذي أنشأه نوري السعيد في وسط
الصحراء بعيداً عن أهلهم وذويهم.
وحينما وقع
انقلاب 8 شباط عام 1963، وجد الانقلابيون الصيد في القفص حيث أسرعوا إلى إعادة
محاكمتهم من جديد خلافاً للقانون، بعد أن استخدموا معهم أبشع أنواع التعذيب الجسدي
والنفسي، وأصدروا بحق العديد منهم أحكام
الموت، ونفذوها في شوارع الموصل وكركوك.
رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات قاسم
جاء رد فعل الحزب الشيوعي على
الهجوم الذي شنه قاسم عليه في مقال افتتاحي لصحيفة الحزب [ اتحاد الشعب] وجاء فيه:
{ قيل عنا بأننا نؤمن بالعنف ضمن إطار الحركة الوطنية،
وبعلاقاتنا مع القوي الوطنية الأخرى.إن هذا محض دس وافتراء يقصد به التشهير ليس
إلا، وكنا قد أكدنا في مقال افتتاحي معروف نُشر منذُ زمن بعيد، بأن الأسلوب هو
المحك، ولكن يبدو الآن أن هناك نية مقصودة لُيقرن هذا الموقف الصحيح الثابت
باندفاع بعض البسطاء، وغير الحزبيين من جماهير الشعب. نحن ندين بصورة مطلقة كل
أشكال الاعتداء على الناس الأبرياء، وأي عمل من أعمال التعذيب حتى بحق الخونة. إن
إدانتنا لهذه الممارسات هي إدانة مبدأية }. وفي الثالث من آب 959 نشر الحزب موجز التقرير الموسع لاجتماع اللجنة
المركزية للحزب الذي أكد على إدانة كل شكل
من أشكال الاعتداء، والعنف ضد الخصوم السياسيين، وكل أعمال القتل أو السحل أو
النهب والحرق التي حدثت في كركوك، مؤكداً على أهمية الحلف بين الحزب والسلطة،
وكافة القوى الوطنية من أجل دفع مسيرة الثورة إلى أمام لتحقيق أماني الشعب، مؤكداً
السير بخطى ثابتة مع قيادة الثورة، وحماية مكتسباتها التي هي ثمرة تضحيات كبيرة
عبرسنوات النضال الطويلة.
لقد أتسم موقف الحزب الشيوعي، بعد
أحداث كركوك بالتراجع والانكماش، ولم يتخذ موقف الدفاع عن نفسه ضد الهجمة الشرسة
التي شنتها القوى الرجعية ضده، وساعدها جهاز السلطة الموروث عن العهد الملكي، وكان
لموقف قاسم من الحزب الأثر الحاسم في دعم تلك الهجمة من أجل تقليص دور الحزب وتحجيمه ، وتوجيه الضربات
المتتالية له.
هذه هي حقيقة ما جرى في كركوك، ولا
بد لي في النهاية أن أقول أن كل أعمال الاعتداء، والتمثيل بالجثث، وأعمال النهب
والسلب والحرق هي عمليات مدانة بصرف النظر من أي جهة صدرت وتحت أي مبرر، فهي بكل
تأكيد أعمال مرفوضة تتعارض ومبادئ حقوق الإنسان، وينبغي إدانتها.
إن الفيصل في مثل هذه الأحداث هي
السلطة القضائية التي تمتلك الحق في إجراء التحقيق والمحاكمة، ومعاقبة المدانين
بموجب القانون، وليس من حق أحد أن يجعل من نفسه فوق القانون، حيث تسقط هيبة
الدولة، وتسود شريعة الغاب، وحيث يفتقد المواطنون الآمان.
{23}
البعثيون والقوميون
يشنون حملة اغتيالات وحشية
لم تكد تفشل محاولة الشواف
الانقلابية ، وتسيطر قوات الجيش الوطنية وجماهير الشعب على المدينة، حتى توارت
القوى الرجعية خوفاً ورعباً، وخلال أيام قلائل عاد الهدوء والنظام إلى المدينة، وشعر أبناء الموصل لأول مرة
بالثورة تدخل مدينتهم بصورة حقيقية، فلم
يكن قد حدث حتى وقوع محاولة الشواف الانقلابية أي تغيير جوهري على أوضاع الموصل،
وبقيت العوائل الرجعية المرتبطة مصالحها بالنظام السابق، تحكم الموصل من خلال
الأجهزة الإدارية، وهي وإن كانت قد ركنت إلى الانكفاء بعد الثورة، لكنها عاودت
نشاطها ضدها مستغلة الجهاز الإداري الذي
لم يطرأ عليه أي تغير، والذي كانت تحتل فيه جميع المراكز الحساسة، وبشكل خاص جهاز الأمن الذي أنشأه ورعاه النظام الملكي.
وعلى أثر حدوث التصدع في جبهة الاتحاد الوطني، وإبعاد عبد السلام عارف عن
مسؤولياته في قيادة الثورة ،عاودت تلك القوى نشاطها التآمري مرتدية رداء القومية
العربية، وتحت راية الرئيس عبد الناصر، التي
كانت حتى الأمس القريب من أشد أعدائه، ووضعت نفسها تحت تصرف العقيد الشواف
الطامح إلى السلطة، والمتآمر على الثورة وقيادتها، غير أن انكفاء الرجعية بعد فشل
حركة الشواف لم يدم طويلاً بسبب سياسة عبد الكريم قاسم عندما قلب ظهر المجن لتلك
القوى التي حمت الثورة ودافعت عنها وقدمت التضحيات الجسام من أجل صيانتها والحفاظ
على مكتسباتها.
لقد بادر عبد الكريم قاسم إلى
إلغاء المقاومة الشعبية، حرس الثورة الأمين، وأجرى تغييرات واسعة في أجهزة الدولة،
أبعد بموجبها كل العناصر الوطنية الصادقة والمخلصة للثورة، وأعاد جميع الذين
أُبعدوا إثر فشل حركة الشواف الانقلابية، إلى مراكزهم السابقة، وهكذا عاودت
الرجعية المتمثلة بعوائل الاقطاعيين [كشمولة] و[العاني] و[المفتي] و[العمري]
وغيرها من العوائل الأخرى، نشاطها المحموم، مستغلة مواقف عبد الكريم قاسم من
الشيوعيين الذين كان لهم الدور الأساسي في إخماد تمرد الشواف.
بادرت تلك العوائل تتلمس أفضل
السبل للتخلص من العناصر الشيوعية والديمقراطية المؤيدة للثورة، ووجدت ضالتها في
عمليات الاغتيال البشعة التي ذهب ضحيتها المئات من أبناء الموصل البررة، وأجبرت
تلك الحملة الفاشية والإجرامية عشرات الألوف من العوائل على الهجرة الاضطرارية من
المدينة إلى مدينة بغداد وبعض المدن الأخرى مضحية بأعمالها، ووظائفها من أجل
النجاة من تلك الحملة المجرمة. لقد جرى كل ذلك تحت سمع وبصر السلطة ورضاها، سواء
كان ذلك على مستوى السلطة في الموصل، أم السلطة العليا المتمثلة بعبد الكريم قاسم
نفسه، حيث لم تتخذ السلطة أي إجراء، ولم تجرِ أي تحقيق ضد عصابات القتلة ومموليهم،
والمحرضين على تلك الاغتيالات، بل قيل آنذاك أن قاسم نفسه قد أعطى لهم الضوء
الأخضر لتنفيذ الاغتيالات، وإن كل الدلائل تشير إلى موافقة السلطة العليا
ومباركتها لتلك الحملة. فلا يعقل أن تكون السلطة مهما كانت ضعيفة عاجزة عن إيقاف
تلك الحملة الشريرة، وإلقاء القبض على كافة منفذيها ومموليها المعروفين لدى كل
أبناء الموصل، وسوف أورد فيما بعد قائمة بأسماء أولئك القتلة الذين بقوا مطلقي
السراح يتجولون بأسلحتهم دون خوف من عقاب، متربصين بالأبرياء ليسددوا رصاصاتهم
الجبانة إليهم في وضح النهار.
إما أجهزة الأمن فكانت تكتفي
بإلقاء القبض على جثث الضحايا، وحتى الذين لم يفارقوا الحياة وأصيبوا بجراح فكانوا
يلاقون نفس المصير في المستشفى، حيث لم ينج أي جريح منهم أُودع المستشفى الذي كان
يديره آنذاك الدكتور[عبد الوهاب حديد].
ولابد لنا أن نلقي نظرة على أوضاع
السلطة في الموصل في تلك الفترة التي امتدت منذُ
حركة العقيد الشواف، وحتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، لنتعرف على أولئك الذين
كان لهم الدور البارز في تلك الأحداث الإجرامية المفجعة.
هؤلاء كانوا يحكمون الموصل؟
1- مدير الشرطة ـ إسماعيل عباوي
من مواليد الموصل، ومن عائلة رجعية
معروفة، انتمى إلى الجيش العراقي كضابط
وكان مرافقا لبكر صدقي، رئيس أركان الجيش، الذي قام بانقلاب عسكري عام 1936
ضد حكومة [ ياسين الهاشمي ] . قام إسماعيل عباوي باغتيال [ جعفر العسكري ] وزير
الدفاع في حكومة الهاشمي. كما أشترك في محاولة اغتيال [ضياء يونس] سكرتير مجلس
النواب، ومحاولة اغتيال السيد [مولود مخلص ] الذي شغل لمرات عديدة منصب وزير
الدفاع، وكان رئيساً لمجلس النواب عندما وقع انقلاب الفريق[ بكر صدقي]. أُخرج
إسماعيل عباوي من الجيش بعد اغتيال بكر صدقي، وأعتقل عام 1939بتهمة تدبير مؤامرة
لقتل عدد من السياسيين وحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالإعدام، وجرى بعد ذلك
تخفيض العقوبة إلى السجن المؤبد، وأُطلق سراحه عند قيام حركة رشيد عالي الكيلاني
عام 1941. وخرج من السجن ليجعل من نفسه بطلاً قومياً. وقبل أحداث حركة الشواف
بأيام أعاده عبد الكريم قاسم إلى الجيش من جديد برتبة مقدم، وعينه مديراً لشرطة
الموصل، لكنه لم يستطع استلام مهام منصبه إلا بعد فشل الانقلاب، وبقي مديراً
للشرطة فيها، ليشرف على تنفيذ المذبحة الكبرى فيها خلال ثلاث سنوات متوالية دون أن
يلقي القبض على واحد من القتلة، بل أكتفي بالقبض على جثث الضحايا،وسُجلت كل جرائم
الاغتيالات التي باسم مجهول!!.
2- متصرف اللواء:عبد اللطيف الدراجي
متصرف الموصل العقيد الركن عبد
اللطيف الدراجي من مواليد 1923، ومن الضباط
الذين شاركوا في تنفيذ الثورة، في الرابع عشر من تموز 958، حيث كان آمر الفوج الأول، في اللواء العشرين،
وزميل عبد السلام عارف الذي كان آمر الفوج الثالث
في نفس اللواء.عين الدراجي آمراً للواء العشرين بعد نجاح الثورة، وبسبب
علاقته الحميمة بعبد السلام عارف جرى نقله إلى آمريه الكلية العسكرية إثر إعفاء عبد
السلام عارف من مناصبه كإجراء احترازي من قبل عبد الكريم قاسم، ثم جرى بعد ذلك
اتهامه بالاشتراك في المحاولة الانقلابية التي كان من المقرر تنفيذها في 4 تشرين
الأول 1958 بالاشتراك مع عبد السلام عارف، وجرى اعتقاله لفترة وجيزة، ثم أُحيل على
التقاعد، وعُين متصرفاً للواء الكوت، ثم نقل بعد ذلك إلى لواء الموصل فيما بعد.
ولاشك أن الدراجي أخذ يكن العداء لعبد الكريم قاسم بعد إعفائه من منصبه العسكري،
وعمل جهده على إضعاف وعزل عبد الكريم قاسم
عن الشعب، وذلك عن طريق حملة اغتيالات الشيوعيين وأصدقائهم ، وتبين فيما بعد أنه
كان من المشاركين في انقلاب 8 شباط 1963
ضد عبد الكريم قاسم ، وقد عينه عبد السلام عارف بعد انقلابه على البعثتين وزيراً
للداخلية. لعب الدراجي دورا كبيراً في
حملة الاغتيالات المجرمة في الموصل، شأنه شان رفيقه إسماعيل عباوي، ولم يبدر منه
أي إجراء لوقفها، والقبض على المجرمين وإحالتهم إلى القضاء على الرغم من أن أسماء
أولئك المجرمين كانت تتردد على كل لسان .
3- مدير الأمن: حسين العاني
حسين العاني كما هو معروف من عائلة
رجعية إقطاعية عريقة، كان لها باع كبير في العهد الملكي، كما كان لها دور كبير في
دعم محاولة الشواف الانقلابية، وتم اعتقال العديد من أفراد تلك العائلة، مما جعل
حقدها على الشيوعيين كبيراً، ورغبتها في الانتقام أكبر وكان وجود حسين العاني على
رأس جهاز الأمن الذي رباه النظام الملكي وأسياده الإمبرياليون على العداء للشيوعية
خير عون لعصابات الاغتيالات تلك في تنفيذ جرائمها، والتستر عليها وحمايتها.
كان جهاز الأمن يفتش في الطرقات كل
شخص معروف بميوله اليسارية بحثًا عن السلاح لحماية أنفسهم من غدر القتلة، في حين
ترك القتلة المجرمين يحملون أسلحتهم علناً دون خوف أو وازع، ولم يحاول هذا الجهاز
القبض على أي من القتلة على الرغم من شيوع أسمائهم وتداولها بين الناس جميعاً.
ولابد أن أُشير هنا لحادث جرى لي شخصياً، لكي أعطي الدليل، وبكل أمانة وصدق، على
دور ذلك الجهاز في جرائم الاغتيالات، فقد وصلتني رسالة موقعة من قبل [شباب الطليعة
العربية لمحلتي الدواسة والنبي شيت] وكانت الرسالة مليئة بالكلمات البذيئة، التي
أخجل من ذكرها، وتهديد بالقتل القريب، حيث جاء في الرسالة: . {لقد جاء دورك، وقد
حفرنا لك قبراً، وسوف لن يمر وقت طويل إلا ونكون قد دفناك فيه}.¨
أخذت الرسالة مع عريضة شكوى وتوجهت
إلى متصرف اللواء، ومدير الشرطة، ومدير الأمن، وكنت أنتظر أن يجري جهاز الأمن
تحقيقاً مع مرسلي الرسالة، لكن الجهاز الأمني أرسل بطلبي دون أصحاب الرسالة،
وتوجهت إلى مديرية الأمن، ودخلت على المدير الذي بادرني السوأل قائلاً:
لماذا أرسل لك هؤلاء رسالة تهديد
بالقتل؟
قلت: لماذا لا تسأل الذين أرسلوا
الرسالة؟
قال: يبدو أنك شيوعي، أليس كذلك؟
قلت: وهل تبيحون قتل الشيوعيين في
الشوارع، كما يجري الآن؟
قال: إذاً أنت شيوعي؟ وفي تلك
اللحظة التفت إليّ ضابط آخر كان جالساً في غرفته يدعى فاضل قائلاً:
لماذا تركضون وراء الروس هؤلاء
الذين يفتقدون لقمة الخبز وبناتهم عاهرات؟ ثم بدأت الاستفزازات تنهال عليّ من
قبلهما، وعندها أدركت أن لا فائدة من طلب الحماية من جهاز يحمي القتلة، ويدعمهم
بكل الوسائل، وقررت الانسحاب من التحقيق وسحب الدعوى والعودة إلى البيت، وأنا مدرك
كل الإدراك أن حياتي في خطر أكيد ، ولم تمضِ سوى أيام حتى جرى تطويق بيتي من قبل
تلك العصابة بغية قتلي، واضطررت إلى المكوث في البيت بضعة أيام حتى سنحت إلى
الفرصة بمساعدة أحد الجيران، الذي تكفل بشراء بطاقة طائرة لي واستطاع نقلي إلي
المطار سراً بسيارته، حيث غادرت الموصل إلى بغداد.هذا مثال أنقله للقارئ عن موقف
جهاز الأمن والشرطة ومتصرف اللواء من تلك الاغتيالات بكل أمانة وصدق.
وهذا مثال ثاني جرى لأحد أقرب
أصدقائي الشهيد [فيصل الجبوري] مدير
ثانوية الكفاح بالموصل، الذي أُطلق عليه
النار من قبل أحد أفراد عصابة التنفيذ المدعو [عايد طه عنتورة] في 10 أيار 1960،
ولم يفارق الحياة، وتم نقله إلى المستشفى، وكان يصيح: [قتلني عايد طه عنتورة] ولم
يُتخذ أي إجراء ضد الجاني إطلاقاً، أما فيصل الجبوري فقد فارق الحياة في المستشفى
في اليوم التالي.
وهذا مثال ثالث حيث أطلق الرصاص
على [حميد القصاب] في محله الكائن بمحلة المكاوي، وشاهد الشهيد بأم عينه الجاني
وهو يطلق عليه الرصاص، وأخذ يصيح بأعلى صوته، وهو يصعد سيارة الإسعاف برجليه دون
مساعدة: قتلني [محمد سعيد السراج ]، وتم نقله إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة في
اليوم التالي، أما الجاني فلم يُستدعى للتحقيق، ولم تُتخذ أية إجراءات قانونية
ضده.
وهذا مثال رابع جرى لأحد أصدقائي
الشهيد[ أحمد مال الله] لذي أُطلق عليه الرصاص وأُصيب بجروح بليغة، لكن أهله نقلوه
على الفور إلى بغداد، حيث عُولج هناك في إحدى المستشفيات وتماثل للشفاء، لكن يد
الغدر لاحقته بعد مدة و جيزة، واغتالته في أحد شوارع بغداد.
والمثال الخامس كان الشهيد المدرس [
زهير رشيد الدباغ ]، وهو أبن خالي، فقد دخل عليه أحد تلاميذ المدرسة المدعو[عادل
ذنون الجواري] في الصف وهو يدرس التلاميذ ليطلق عليه وابلاً من الرصاص من رشاشة
كان يحملها أمام 45 طالباً دون أن يمسه أذى، أو يجري معه أي تحقيق، أما زهير فقد
أستشهد في الحال.
ليست هذه سوى أمثلة قليلة من مئات
غيرها جرت للمواطنين الأبرياء الذين ذهبت دماؤهم هدراً على يد تلك العصابات
المجرمة، ولم يفتح فيها جميعاً أي تحقيق، وهذا ما يؤكد مسؤولية السلطة عنها.
4- آمر موقع
الموصل ـ العقيد حسن عبود:
العقيد حسن
عبود، أمر اللواء الخامس، وأمر موقع الموصل، والضابط الذي قاد القوات العسكرية
لقمع تمرد الشواف، وكانت له مواقف مشهودة في حبه لوطنه، ودفاعه عن ثورة 14 تموز،
ولكن مع قرار الزعيم عبد الكريم قاسم تقليم أظافر الشيوعيين، وتحجيم حزبهم،
وبالنظر للعلاقة التي تربطه بالشيوعيين، فقد أقدم قاسم على تجريده من كافة
صلاحياته الإجرائية، فيما يخص حماية الأمن والنظام، وأناط ذلك كله بجهاز الأمن
السعيدي وشرطته التي يقودها إسماعيل عباوي، وبإشراف متصرف اللواء العقيد عبد
اللطيف الدراجي.
كما أصدر قاسم أمراً بنقل كل الضباط الذين
أظهروا تعاطفاً مع الشيوعيين، والذين كان لهم الدور الأكبر في قمع انقلاب الشواف
إلى وحدات عسكرية غير فعّالة، وفق منهج مخطط تم إعداده في مديرية الاستخبارات
العسكرية، ومديرية الإدارة في وزارة الدفاع، وبإشراف قاسم نفسه. وهكذا أفرغ قاسم
قوات الجيش في الموصل من كل العناصر الوطنية المخلصة، وجمد عملياً سلطات العقيد
حسن عبود، ثم أنتهي حسن عبود إلى
الاعتقال، وأخيراً إلى التقاعد.
من المسؤول عن حملة الاغتيالات
بعد كل الذي جرى
الحديث عنه حول أوضاع الموصل، وطبيعة السلطة فيها، ومواقف السلطة العليا، أستطيع
القول أن تلك الاغتيالات لم تجرِ بمعزل عن إرادة السلطة العليا، و مباركتها،
وتقديم كل العون للقائمين على تنظيمها. لقد كان على رأس تلك العصابة يخطط ويمول
لعمليات الاغتيالات عدد من العوائل الرجعية والإقطاعية المعروفة، والتي يمكن
إجمالها فيما يلي :
1ــ عائلة كشمولة 2ــ
عائلة الأغوات
3ـ عائلة
كرموش 4 ــ عائلة حديد .
5 ــ عائلة
العاني 6 ــ عائلة الأرمني .
7 ــ عائلة
المفتي 8 ــ عائلة الإرحيم
كانت اجتماعات تلك العوائل تجري في
منطقة حاوي الكنيسة بالقرب من ضواحي الموصل، حيث تمتلك عائلة العاني داراً هناك،
بعيداً عن أعين الناس، وكانت تُعد هناك قوائم بأسماء المرشحين للقتل، وتحدد
العناصر المنفذة للاغتيالات، كما كانت التبرعات تجبى من العناصر الرجعية الغنية
التي تضررت مصالحها بقيام ثورة 14 تموز.
ولم تجدِ كل الاحتجاجات وكل
المقابلات لقاسم، وكل المقالات التي نشرتها الصحف مطالبة بوقفها ومعاقبة القائمين
بها والمحرضين عليها والمخططين لها ذهبت أدراج الرياح، واستمر مسلسل القتل حتى
وقوع انقلاب الثامن من شباط عام 1963.
إن أسماء منفذي الاغتيالات ليست
بخافية على أبناء الموصل، فأصابع الاتهام تشير وتؤكد على شخصية القتلة واحداً
واحدا، فقد بلغ بهم الأمر حد التفاخر أمام الناس، والحديث عن ضحاياهم دون خوف من
عقاب، ولماذا الخوف ما دامت السلطة هي التي تساندهم وتمدهم بالعون، لينفذوا مخططاً
واسعاً أعد له سلفاً يرمي إلي ضرب الحزب الشيوعي، وتجريده من جماهيره ومؤيديه .
لقد أزداد عدد
المنفذين يوماَ بعد يوم، وتحول الاغتيال ليشمل ليس فقط الشيوعيين وأصدقائهم بل لقد
تعداه إلى أناس ليس لهم علاقة بالسياسة، وكان دافعهم في ذلك العمل الإجرامي
التنافس على الأعمال التجارية، أو المحلات أو المعامل أو الوظائف، وتصاعدت جرائم
الاغتيالات حتى أصبح أجور قتل الإنسان يساوي
50 دينار،وهذه أسماء بعض أولئك القتلة التي كان الموصليون يتداولونها على
ألسنتهم كل يوم :
1 ـ زغلول
كشمولة 2 ـ شوكت نوري الأرمني
3 ـ يعقوب
كوشان 4 ـ محمد سعيد السراج
6ـ صبار الدليمي6 ـ طارق عبد كرموش
7 ـ نجم
فتحي 8 ـ موفق محمود .
9 ـ فهد
الشكرة 10 ـ هادي أبن
الطويلة .
11 ـ عادل ذنون
الجواري 12 ـ حازم بري .
13 ـ عارف
السماك 14 ـ أحمد جني .
15 ـ نجم البارودي 16 ـ طارق قباني .
17 ـ طارق
نانيك 18 ـ محمود ، أبن
البطل .
19 ـ قاسم ، أبن العربية 20 ـ عدنان صحراوية
21 ـ طارق شهاب
البني 22 ـ فوزي شهاب البني .
23 ـ جبل العاني
. 24 ـ فاضل مسير .
25 ـ موفق ، أبن
عم فاضل 26 ـ مجيد مجهول أسم أبيه
27 ـ جنة مجهول
اسم أبيه 28 ـ نيازي ذنون .
هذه القائمة بالطبع لا تشمل كل
المنفذين للاغتيالات، فهناك العديد من الأسماء التي بقيت طي الكتمان، لان أصحابها
أرادوا ذلك، لكن الأسماء المذكورة كانت معروفة تماماً لدى أبناء الموصل، حيث كان
أصحابها يتباهون بجرائمهم بصورة علنية دون
خوف من رادع أو عقاب!!.
لقد اغتيل
المئات من أبناء الموصل البررة، ولم يلقى القبض على أي من أولئك القتلة، ولو شاءت
السلطة كشف تلك الجرائم لكانت توصلت إلى جميع الخيوط التي تقودها إليهم، وكل
المخططين والممولين لتلك الجرائم. لقد ذهبت دماء الضحايا هدراً حتى يومنا هذا، ولم
يُفتح فيها أي تحقيق وطواها النسيان، لكنها ستبقى تسأل عن مَنْ سفكها، ومن ساعد
وشجع وخطط ومول تلك الحملة المجرمة بحق المواطنين الأبرياء.
ولابد أن يأتي اليوم الذي تُكشف
فيه الحقيقة، وخاصة فيما يتعلق بموقف السلطة العليا في بغداد وجهازها الأمني و
الإداري في الموصل،ودور كل واحد منهم في تلك الاغتيالات، لكن الذي أستطيع قوله بكل
تأكيد هو أنه لا يمكن تبرئة السلطة العليا من مسؤوليتها في تلك الأحداث وعلى رأسها
عبد الكريم قاسم بالذات، فالسلطة مهما تكن ضعيفة وعاجزة، وهي ليست كذلك بكل تأكيد،
قادرة على إيقاف تلك الجرائم واعتقال
المسؤولين عنها، وإنزال العقاب الصارم بهم إن هي شاءت.
ليست متوفرة
عندي وأنا أعيش في الغربة بعيداً عن وطني، قائمة كاملة بأسماء ضحايا الاغتيالات
تلك، لكنني ما زلت أحتفظ بأسماء العديد من أولئك الضحايا والتي من بينهم الشهداء
التالية أسماؤهم.
1 ـ كامل
قزانجي ـ محامي وسياسي بارز.
2 ـ غنية محمد لطيف ـ طالبة مدرسة .
3 ـ العقيد عبد الله الشاوي ـ أمر
فوج الهندسة .
4 ـ فيصل
الجبوري ـ مدير متوسطة الكفاح .
5 ـ زهير رشيد
الدباغ ـ مدرس .
6 ـ شاكر
محمود ـ معلم .
7 ـ قوزي قزازي
ـ تاجر .
8 ـ حازم قوزي
قزازي ـ تاجر ( قتل مع أبيه ) .
9 ـ نافع برايا
و عائلته ـ قتلت العائلة بواسطة قنبلة موقوتة ، وضعت بسيارتهم
10 ـ ياسين
شخيتم ـ قصاب ، ونصير سلم .
11 ـ عبد الإله
ياسين شخيتم ـ طالب إعدادي ( قتل مع
أبيه).
12 ـ متي يعقوب
ـ صاحب محل تجاري .
13 ـ إبراهيم
محمد سلطان ـ تاجر أغنام .
14 ـ حميد فتحي الحاج أحمد ـ قصاب .
15 ـ كمال
القصاب ـ قصاب .
16 ـ موسى السلق
ـ محاسب بلدية الموصل .
17 ـ سالم محمود
ـ معلم .
18 ـ متي يعقوب
يوسف ـ موظف .
19 ـ فيصل محمد
توفيق ـ مدرس .
20 ـ عبد الله
ليون ـ محامي .
21 ـ زكر عبد
النور ـ صيدلي .
22 ـ أحمد ميرخان
ـ ( نقل إلى المستشفى جريحاً ، واغتيل هناك في اليوم التالي في المستشفى ) .
23 ـ عثمان
جهور ـ كاسب ، كردي .
24 ـ محمد
زاخولي ـ كاسب ، كردي .
25 ـ سركيس
الأرمني ـ صاحب كراج .
26 ـ يقضان
إبراهيم وصفي ـ مهندس .
27 ـ حنا
داؤد ـ سائق سيارة .
28 ـ عصمت عبد الله ـ موظف .
29 ـ هاني متي يعقوب ـ سائق المطرانية .
30 ـ زكي عزيز
توتونجي ـ توتونجي [ بائع تبغ]
31 ـ بدري عزيز
توتونجي ـ توتونجي .
32 ـ نجاح طالب
جامعي قتله المجرم جبل العاني ،أحد أفراد العصابة.
33 ـ أركان مناع
الحنكاوي ـ كاسب .
34 ـ طارق نجم
حاوة ـ عامل .
35 ـ طارق محمد
ـ طالب إعدادي .
36 ـ طارق
إبراهيم الدباغ ـ تاجر مواد صحية .
37 ـ سالم محمد
ـ كاسب .
38 ـ حمزة
الرحو ـ قصاب .
39 ـ وعد الله ـ
أبن أخت عمر محمد الياس ــ طالب
40 ـ شريف
البقال ـ صاحب محل تجاري .
41 ـ طه الخضارجي
ـ بائع فواكه ، وخضراوات .
42 ـ هاشم الحلة
ـ طالب .
43 ـ حاتم الحلة
ــ طالب .
44 ـ ذنون نجيب
العمر ـ تاجر .
45 ـ محمد أبو
ذنون ـ قصاب .
46 ـ عبيد الججو
ـ تاجر .
47 ـ خليل الججو
ـ تاجر .
48 ـ زكي نجم
المعمار ـ معلم .
49 ـ أحمد نجم
الدين ـ موظف .
50 ـ أحمد
البامرني ـ تاجر .
51 ـ أحمد مال
الله ـ موظف .
52 ـ سعد الله
البامرني ـ موظف .
53 ـ وديع عودة
ـ تاجر .
54 ـ طارق يحيى
. ق ـ طالب إعدادي .
55 ـ ثامر عثمان
ـ ضابط في الجيش .
56 ـ جورج ـ سائق .
57 ـ أحمد حسن ـ
موظف في البلدية .
58 ـ باسل عمر ألياس ـ طالب .
59 ـ شاكر محمد
.
60 ـ فريد
السحار .
هذا بعض ما
أتذكره من أسماء أولئك الشهداء ، ضحايا تلك المجزرة التي عاشتها مدينة الموصل خلال
ثلاث سنوات، وهي بالتأكيد لا تمثل سوى جانب قليل من الضحايا من أبناء الموصل
البررة. ولم يكتفِ انقلابيوا شباط بتلك الاغتيالات التي ذهب ضحيتها المئات من
الوطنيين الشرفاء بل صبوا جام غضبهم على السجناء الذين اعتقلهم عبد الكريم قاسم،
وأحالهم على المجالس العرفية التي حكمت عليهم بأحكام ثقيلة، حيث سارعوا إلى إعادة
محاكمتهم بصورة صورية والحكم عليهم بالإعدام، وتم نقلهم إلى الموصل حيث جرى تنفيذ
أحكام الموت بحقهم في شوارع الموصل، وهذه أسماء الشهداء:
1ـ شاكر
محمود اللهيبي 2 ـ ساطع
إسماعيل
2ـ يحيى
مراد 4 ـ هاني
مجيد
5 ـ بطرس شنكو 6 ـ سالم داود
7 ـ إبراهيم
الأسود 8 ـ ميخائيل
ججو
9 ـ كوركيس
داود 10ـ عزيز أبو
بكر
11 ـ حنا قديشة 12 ـ إبراهيم داود
13 ـ غازي خليل 14 ـ طارق الجماس
15 ـ متي
اسطيفان 16 ـ أحمد علي سلطان
17 ـ خضر شمو 18 ـ عمر بابكر
19 ـ ميكائيل
حسن 20ـ إسماعيل
محمد
21 ـ يوسف
إبراهيم 22 ـ محمد شيت
صالح
23 ـ رمضان أحمد 24 ـ عز الدين رفيق
25ـ سيدو يوسف الحامد 26 ـ عصمت بيرزوني
27 ـ صالح أحمد 28 ـ جاسم محمد أحمد
29 ـ أنور درويش 30 ـ شمعون ملك
31ـ عبد محمود يونس 32 ـ خيري نشات
33 ـ طاهر العباسي 34 ـ عبد الرحمن زازيتي
35 ـ عيسى ملا صالح
نتائج الحملة الرجعية والاغتيالات:
بعد كل الذي جرى
في الموصل على أيدي تلك الزمرة المجرمة، نستطيع أن نوجز نتائج حملة الاغتيالات
والحملة الرجعية بالتالي:
1ـ إلحاق الأذى
والأضرار الجسيمة بالعوائل الوطنية، وإجبارها على الهجرة من المدينة، وقد هجر
المدينة بالفعل عشرات ألوف العوائل إلى بغداد والمدن الأخرى طلباً للأمان، تاركين
مساكنهم ومصالحهم ، ووظائفهم ودراسات أبنائهم، بعد أن أدركوا أنه ليس في نية
السلطة إيقاف حملة الاغتيالات واعتقال منفذيها .
2 ـ شل و تدمير
الحركة الاقتصادية في المدينة نتيجة
الهجرة الجماعية وعمليات القتل الوحشية
التي كانت تجري أمام الناس وفي وضح النهار، وانهيار الأوضاع المعيشية لأبناء
الموصل، وخاصة العوائل المهاجرة.
3ـ تجريد عبد
الكريم قاسم من كل دعم شعبي، وعزله عن الجماهير الواسعة التي كانت تمثل سند الثورة
الحقيقي.
لقد كانت
الرجعية ومن ورائها الإمبريالية وشركات النفط ترمي إلى هدف بعيد، هدف يتمثل في
إسقاط الثورة، وتصفية قائدها عبد الكريم قاسم نفسه، و كل منجزاتها التي دفع الشعب
العراقي من أجلها أغلى التضحيات.
لقد كفرت جماهير
الشعب بالثورة، وتمنت عدم حدوثها، وأخذت تترحم على نوري السعيد، و العهد الملكي
السابق، وانكفأت بعيداً عن السياسة، وتخلت عن تأييد قاسم وحكومته، وفقدت كل ثقة
بها، وهذا ما كانت تهدف إليه الرجعية في الأساس لغرض إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم
فيما بعد.
لم يدر في خلد
قاسم أن رأسه كان في مقدمة المطلوبين، وأن الثورة ومنجزاتها هدفاً أساسياً لها،
وما تلك الاغتيالات إلا وسيلة لإضعاف قاسم نفسه وعزله عن الشعب تمهيداً لإنزال
الضربة القاضية به، وبالثورة ومنجزاتها، حيث تم لهم ما أرادوا وخططوا هم وأسيادهم
الإمبرياليين في انقلاب 8 شباط 1963.وتعود بي الذاكرة إلي المقال الذي كتبه الشهيد
[عبد الجبار وهبي ـ أبو سعيد ] في صحيفة الحزب الشيوعي، اتحاد الشعب في حقل كلمة اليوم بعنوان [سارق الأكفان] وكان
المقال موجه بالتأكيد لعبد الكريم قاسم بالذات، أراد فيه أن ينبهه إلى ما آلت إليه
الأوضاع في البلاد، والاستياء الشديد لدى غالبية الشعب العراقي، وأهالي الموصل
بوجه خاص.كان ملخص المقال أن أحد السرّاق كان يترصد المقابر، وينبش القبور ويأخذ
الكفن ليبيعه، ويترك الجثة في العراء. أخذ الناس يلعنون السارق على فعله، واستمرت
اللعنات عليه حتى بعد وفاته، مما حزّّ في نفس ولده الذي فكر في طريقة يجعل بها
الناس يكفون عن لعنة أبيه. عاد الولد إلى فعلة أبيه، لكنه لم يكتفي بنبش القبور
وسرقة الأكفان، وإنما أخذ يمثل بالجثة، وينثر أشلائها.
أحدثت فعلة
الولد صدمة كبيرة لدى جميع الناس جعلتهم
يترحمون على سارق الأكفان السابق، الذي كان يكتفي بسرقة الكفن، دون تقطيع الجثة
ونثر أشلائها، وهكذا خلّص الولد أبيه من اللعنات.
أراد الشهيد أبو سعيد أن يقول لعبد
الكريم قاسم أن الشعب قد صار يترحم على عهد نوري السعيد ويكفر بالثورة، ويتمنى عدم
حدوثها، نتيجة لما آلت إليه أوضاع البلاد من تدهور ومآسي لم يسبق لها مثيل.
موقف الحزب الشيوعي من حملة الاغتيالات:
لم يكن موقف الحزب الشيوعي من
الاغتيالات في مستوى الأحداث، حيث اتخذ منها موقفا سلبياً لا يتناسب وخطورتها،
مكتفياً ببعض المقالات التي كانت تنشرها صحيفة الحزب اتحاد الشعب، وبعض البيانات
التي كانت تطالب السلطة العمل على وقفها !!، دون أن تدرك قيادة الحزب أن للسلطة
اليد الطولى فيها، بهدف تجريد الحزب من جماهيره وإضعافه تمهيداً لإنزال الضربة
القاضية به بعد أن أرعبتها مسيرة الأول من أيار عام 1959التي لم يسبق لها مثيل في
ضخامتها وكانت جموع المتظاهرين جميعاً
تهتف مطالبة بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم:[عاش الزعيم عبد الكريمِ، حزب الشيوعي
بالحكم مطلب عظيمِ ].
وفي واقع الأمر فإن تلك المسيرة، وذلك الشعار
أعطى عكس النتائج التي توخاها الحزب منهما، وجعل عبد الكريم قاسم يرتجف رعباً
وهلعاً من قوة الحزب وجماهيريته، وصارت لديه القناعة الأكيدة بأن الحزب الشيوعي
سوف يقفز إلي السلطة ويبعده عنها.
ولعبت
البرجوازية الوطنية المتمثلة بكتلة وزير المالية [محمد حديد ] نائب رئيس الحزب
الوطني الديمقراطي دوراً كبيراً في إثارة شكوك عبد الكريم قاسم بنوايا الشيوعيين،
كما ساهمت الحملة الإمبريالية الهستيرية التي كانت تصوّر أن الشيوعيين قد أصبحوا
قاب قوسين أو أدنى لاستلام السلطة في العراق.
ما كان للحزب
الشيوعي أن يلجأ إلى الشارع ليستعرض قوته أمام عبد الكريم قاسم ليرعبه ليس إلا، من
أجل المشاركة في السلطة، رغم أحقيته بذلك، في حين أنه كان بإمكانه استلام السلطة
بكل سهولة ويسر لو هو شاء، ولم تكن هناك قوة في ذلك الوقت قادرة على الوقوف بوجهه.
لكن الحزب
الشيوعي ليس فقط استفز قاسم، بل لقد استفز البرجوازية الوطنية، واستفز الإمبريالية
ثم عاد وانكمش، وبدأ بالتراجع يوماً بعد يوم، مما أعطى الفرصة لقاسم وللبرجوازية
المتمثلة بالجناح اليميني للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة [محمد حديد] ورفاقه
للهجوم المعاكس ضد الحزب من أجل تقليم أظافره، تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له.
كان على قيادة الحزب أن تسلك
طريقاً آخر، لا يستفز عبد الكريم قاسم، عن طريق اللقاءات والحوار والمذكرات التي
لا تثير أية حساسية، وأن تسعى للمطالبة بإجراء انتخاب المجلس التشريعي، وسن دستور
دائم للبلاد، وانتقال السلطة بطريقة دستورية إلى من يضع الشعب ثقته فيه، أو تشكيل
حكومة إئتلاف وطني تضم مختلف الأحزاب الوطنية، وليكن عبد الكريم قاسم رئيساَ
للجمهورية إذا أختاره الشعب.
لقد أتخذ عبد
الكريم قاسم موقفه من الحزب الشيوعي القاضي بتحجيمه وعزله عن جماهيره تمهيداً
لتوجيه الضربات المتتالية له، والتخلص من نفوذه. أما قيادة الحزب فكانت بعد كل
الذي جرى ويجري ما تزال عند حسن ظنها بقاسم، آملة أن يعود عن الطريق الذي أتخذه ضد
الحزب، لكن قاسم شن حملته الشرسة ضد الحزب
لتجريده من جماهيريته، وإبعاده عن قيادة جميع المنظمات الجماهيرية،والجمعيات
والنقابات، واتحادي العمال والفلاحين، وانتهى إلى حجب إجازة الحزب، وصنع له بديلا
ًمسخاً لا جماهيرية له، لدرجة أنه فشل في إيجاد عدد كافٍ لهيأته المؤسسة لثلاث مرات متتالية، في الوقت الذي جمع
الحزب 360 ألف توقيع من رفاقه
ومؤيديه.
لقد أصبحت قيادة
الحزب في وادٍ، وقاعدته ومناصريه في وادٍ آخر حين وجدت قواعد الحزب أن لا أمل في
موقف السلطة، واستمرار تمادي العصابات الإجرامية، وتنامي أعداد حوادث القتل يوما
بعد يوم في كافة أنحاء العراق بصورة عامة، وفي الموصل بوجه خاص، حتى وصل الرقم
اليومي لعدد الضحايا إلى أكثر من خمسة عشر شهيداً.
لقد ألحت قواعد
الحزب، بعد أن أدركت أن لا أمل في السلطة بالرد على تلك الاغتيالات ليس حباً
بالعمل الإرهابي ورغبة فيه، وإنما لوقف الإرهاب، وكان بإمكان الحزب لو قرر الرد
آنذاك لأنزل الضربة القاضية بالمجرمين ومموليهم، وكل الذين يقفون وراءهم.
إلا أن الحزب
رفض رفضاً قاطعاً هذا المطالب، ومتهماً المنادين به بالفوضويين!، وبمرض الطفولة
اليساري!، وغيرها من التهم التي ثبت بطلانها فيما بعد، والتي كلفت الحزب والشعب
ثمناً باهظاً.
إن من حق كل
إنسان أن يحمي نفسه، ويدافع عنها إذا ما وجد أن السلطة لا تقدم له الحماية في أسوأ
الأحوال، إذا لم تكن السلطة شريكاً في الجريمة. لكن الحزب كان يخشى أن يؤدي اللجوء
للدفاع عن النفس إلى غضب عبد الكريم قاسم، وخاصة أن أحداث كركوك كانت ماتزال ماثلة
أمامه، وموقفه منهم، واتهامهم بالفوضوية.
لكن الحقيقة أن
مواقف قاسم تلك في الدفاع عن الضحايا في كركوك كانت ستاراً وذريعة لضرب الحزب
وتحجيمه. لقد كان على قيادة الحزب أن تدرس بإمعان مسيرة الأحداث، وتتوقع كل شيء،
وكان عليها أن لا تستفز عبد الكريم قاسم، ثم تتخذ التراجع طريقاً لها، وتتلقى
الضربات المتتالية بعد ذلك، في حين كان الحزب في أوج قوته وكان بإمكانه أن يقف
بحزم ضد كل ما يخطط له، ويعمل على وقف تلك المخططات، وأخذ زمام المبادرة، والتصدي
لمحاولة تصفيته.
|
|
|
||
|
الفصل (7) |
|||