حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل السادس
20ـ انشقاق القوى القومية والبعثية بقيادة عبد السلام.
21ـ انقلاب العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل.
{20}
انشقاق القوى القومية والبعثية
بقيادة عبد السلام
لم تكد تمر سوى أيام قليلة من عمر الثورة
التي باركها الشعب بكل قواه السياسية الوطنية حتى ظهرت بوادر الانشقاق في صفوف
الحركة الوطنية، فقد كانت خطب عبد السلام عارف وهو يطوف المدن العراقي الواحدة بعد
الأخرى، ويقوم بزيارة قطعات الجيش المتواجدة فيها تتناقض كلياً مع توجهات الثورة
وأهدافها الآنية في الاهتمام بإجراء التغييرات الضرورية في كافة المجالات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية بما يخدم حاضر ومستقبل العراق، وتحقيق العيش الكريم
للشعب.
لقد سببت تلك الخطابات اللا مسؤولة
بلبلة كبرى في صفوف أبناء الشعب والقوات المسلحة من جهة، وإحراج الحكومة أمام مختلف دول العالم من جهة أخرى، حتى وصل
الأمر بوزير الخارجية عبد الجبار الجومرد
أن أبدى انزعاجه مراراً وتكراراً مما يرد في خطابات عبد السلام عارف.
لقد تبنت القوى القومية والبعثية
عبد السلام عارف ودعمته تحت شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، من
دون مراعاة لاختلاف الظروف الاقتصادية والسياسية بين البلدين، ومن دون مراعاة
التركيب القومي للمجتمع العراقي، رافضين إتاحة الفرصة لإحداث التغييرات اللازمة في
الهياكل السياسة والاقتصادية، والاجتماعية في الوطن.
بدأت تلك القوى منذُ الأيام الأولى
للثورة تسيّر التظاهرات المطالبة بالوحدة الفورية دون أن تستخلص التجربة من وحدة
سوريا مع مصر التي جرت بصورة مستعجلة، وأدت إلى ظهور تناقضات واسعة وعميقة بين
البلدين، والتي قادت إلى الانفصال فيما بعد.
لقد اتهمت تلك القوى بقية القوى
السياسية الوطنية بالشعوبية، والقطرية وغيرها من الاتهامات المشينة لأنها أرادت
التريث في الأقدام على خطوة خطيرة كهذه بالنسبة لمصير الشعب والوطن، وإيجاد أفضل
الوسائل والسبل الكفيلة بإقامة أوسع الروابط مع الجمهورية العربية المتحدة في كافة
المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وصولاً إلى الوحدة فيما بعد، على أن
تكون قائمة على أُسس ديمقراطية حقه، ويقرر الشعب نفسه عبر انتخابات برلمانية حرة
ونزيهة.
إن الوحدة العربية أملٌ كبيرٌ
وعزيزٌ على كل عربي محب لأمته، غير انه كان من الضروري الأعداد لها بمنتهى التبصر
والحكمة وعدم التسرع لتجنب الأخطاء التي وقعت فيها الوحدة السورية المصرية.
لكن عبد السلام عارف والسائرين
وراءهُ، ومحاولات التدخل من جانب السفارة المصرية لفرض الوحدة، أدت إلى تعمق
الانشقاق في صفوف الحركة الوطنية.
ولم يكتفِ عبد السلام عارف بخطبه الجوفاء
تلك، بل سارع إلى إصدار صحيفة [صوت الجماهير] الناطقة باسمه، وترأس تحريرها
الدكتور الدكتور[سعدون حمادي] أحد قياديي حزب البعث مخالفاً بذلك قانون الصحافة،
ومتجاوزاً كونه الشخص الثاني في حكومة الثورة، وقد أستخدم تلك الصحيفة لإشاعة
مفاهيم غير متفق عليها فيما يخص قيام الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية
المتحدة، ولعبت تلك الصحيفة دوراً خطيراً في شق الصف الوطني منذُ الأيام الأولى
للثورة.
لقد حذر الزعيم عبد الكريم قاسم
رفيقه في الثورة عبد السلام عارف من مخاطر تلك التصرفات وأثارها السلبية على مصير
الثورة والشعب، وأضطر عبد السلام عارف تحت ضغط عبد الكريم قاسم إلى التنازل عن
ملكية الصحيفة تلك، لكنه سلمها لحزب البعث لكي تستمر على سياستها الهادفة إلى شق
وحدة الشعب وقواه السياسية الوطنية المنضوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني، وخيمة
ثورة 14 تموز المجيدة.
وبعد عشرة أيام من قيام الثورة زار
العراق مؤسس حزب البعث [ميشيل عفلق]، والتقى برفاقه في حزب البعث العراقي مشدداً
عليهم ضرورة العمل الجدي من أجل تحقيق الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية
المتحدة.
وفي 19 تموز سافر وفد عراقي برئاسة
عبد السلام عارف وعضوية عدد من الوزراء إلى
دمشق، والتقى الوفد بالرئيس [جمال عبد الناصر]،وجرت مباحثات بين الطرفين انتهت
بالتوقيع على اتفاقية للتعاون تضمنت خمس
نقاط هي :
1ـ التأكيد على الروابط بين البلدين، وعلى المواثيق
والعهود كميثاق الجامعة العربية، وميثاق الدفاع العربي المشترك.
2ـ التأكيد على تنسيق المواقف بين البلدين فيما يخص
الموقف الدولي، وتصميم الطرفين على التعاون والتنسيق ضد أي عدوان محتمل.
3ـ التعاون بين الطرفين في مجال العلاقات الدولية،
والالتزام بميثاق الأمم المتحدة ودعم السلم العالمي.
4ـ التشاور والتعاون بين البلدين في كل ما يخص الشؤون المشتركة.
وخلال تواجد الوفد العراقي في دمشق
أجتمع عبد السلام عارف مع الرئيس عبد الناصر بصورة منفردة ، حيث دار بين الجانبين
نقاش حول ضرورة إقامة الوحدة الفورية بين البلدين، وعاد الوفد إلى العراق، وعاد
عبد السلام عارف يصعّد من حملته الرامية إلى الوحدة الفورية، ومُحدثاً شرخاً
كبيراً في صفوف الثورة، والحركة الوطنية للشعب العراقي.
واستغلت الإمبريالية وعملائها من
قوىالإقطاعيين والرجعيين الذين تضررت مصالحهم من قيام ثورة 14 تموز وإنجازاتها حيث
وجدت ضالتها المنشودة في تمزيق وحدة الشعب وقواه السياسية، وبدأت تصب الزيت على
النار مستغلة الشعارات التي رفعتها تلك القوى لا حباً بالوحدة ولا رغبة فيها، وهي
التي سعت دوماً إلى تمزيق الصف العربي، بل لتمزيق وحدة الشعب العراقي وقواه
الوطنية المنضوية تحت راية الثورة، لكي يسهل عليها تمرير مؤامراتها الهادفة إلى
إسقاطها، وتصفية كل منجزاتها .
كان على الطرف الآخر من المعادلة،
وأعني به كل القوى الديمقراطية والشيوعية التصدي لذلك الشعار غير المدروس، والذي
رُفع في غير أوانه، حيث بادرت تلك القوى إلى رفع شعار[الاتحاد الفدرالي] مع
الجمهورية العربية المتحدة، مع السعي لرفع تلك العلاقة إلى مستوى الوحدة الكاملة
عندما تتوفر الشروط الموضوعية لها في المستقبل، وفي ظل جو من الحرية والديمقراطية.
وبدأ الصراع يتصاعد في الشارع
العراقي، مظاهرات بعثية وقومية تهتف بالوحدة الفورية، وأخرى شيوعية وديمقراطية
تهتف بالديمقراطية والاتحاد الفيدرالي، وأخذ الصراع يتنامى في الشارع العراقي
ويزداد تعمقاً يوماً بعد يوم، ويتحول شيئا فشيئاً نحو العداء السياسي والخصومة
الدموية بين البعثيين والقوميين من جهة، وبين الشيوعيين والديمقراطيين من جهة
أخرى، وجرت احتكاكات بين المتظاهرين من كلا الجانبين، وتوسعت تلك الاحتكاكات لتصبح
حالة من الصدام الشرس بين الطرفين حلفاء الأمس، وللحقيقة والتاريخ أقول أن
الشيوعيين والديمقراطيين كانوا قد بذلوا أقصى الجهود من أجل إعادة اللحمة لجبهة
الاتحاد الوطني، والسير معاً لتحقيق آمال وأحلام الشعب العراقي الذي قاسى عقوداً
من الزمن من ذلك النظام القمعي الذي أمتهن حقوق الشعب وحرياته، والذي بدد ثروات
البلاد في أمور لا تخدم مصالح الشعب المنهك، مما أبقاه في تخلف وجهل، وفقر مدقع.
كان الشعب العراقي يخوض خلال تلك
الحقبة نضالاً متواصلاً من أجل حريته، وامتلاك ناصية أمره، لكن كل تلك الجهود التي
بذلت في هذا السبيل ذهبت أدراج الرياح، فقد كان الطرف المنشق قد عقد العزم على
السير حتى النهاية في هذا الطريق.
وهكذا تنافر القطبان اللذان كانا
بالأمس القريب يعملان يداً بيد من أجل
انتصار الثورة ونجاحها، وتحقيق الأهداف التي ناضل شعبنا من أجلها.
ومما زاد في الطين بله دخول
الجمهورية العربية المتحدة حلبة الصراع واضعةً كل ثقلها السياسي إلي جانب تلك
القوى ضاربةً عرض الحائط بأهم ركن من أركان حركة التحرر العربي، ولم يكن الرئيس
عبد الناصر يدري آنذاك أن أولئك الذين رفعوا تلك الشعارات لم يكونوا جادين في
أقوالهم، بل أرادوا أن يكون التصاقهم به سلماً يصعدون بواسطته إلى قمة السلطة
واغتصابها لا غير. لقد أثبتت الأحداث بعد اغتيال ثورة 14 تموز، على أيدي نفس تلك
الرموز في انقلاب 8 شباط الأسود عام 1963عدم صدقيتهم وإيمانهم بالوحدة، فما أن
تسلم البعثيون السلطة أثر نجاح انقلابهم المشؤوم حتى تنكروا لكل شعاراتهم،
واستطابوا السلطة واضعين تلك الشعارات على الرف.
كذلك فعل عبد السلام عارف الذي
أطاح بحكم البعث في انقلاب 18 تشرين الأول من نفس العام وأستحوذ على السلطة بصورة
كاملة، فقد تنكر لكل أقواله وشعاراته حول الوحدة وحبه لعبد الناصر، تلك هي الحقيقة
التي لا مراء فيها، فقد كانوا غير وحدويين إطلاقاً، وإنما استخدموا رصيد الرئيس
عبد الناصر السياسي والوطني من أجل وثوبهم على السلطة.
هكذا إذاً تعمقت
الخلافات بين القوى السياسية، وأشتد التنافر بين القطبين الذين قادا ثورة الرابع
عشر من تموز، عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف، وحدث شرخ كبير بين تلك القوى
التي سعت قبل الثورة لأحداث التغيير المنشود، أمل الشعب، الذي ناضل وضحى من أجله
خلال عدة عقود، ولم تفد جميع المحاولات لرأب الصدع والرجوع عن الخطأ.
لقد وقفت القوى الديمقراطية
والشيوعية بكل ثقلها إلى جانب الزعيم عبد الكريم قاسم من أجل الحفاظ على الثورة
ومكاسبها وفي خضم ذلك الصراع تم رفع شعار[الزعيم الأوحد]، ذلك الشعار الذي ترتبت
عليه أضرار كبيرة على مجمل الحركة الوطنية، وعلى مستقبل العراق السياسي فيما بعد،
حيث شجع عبد الكريم قاسم الذي استهواه ذلك الشعار على التوجه نحو الحكم الفردي،
بعيداً عن أمال الشعب في قيام حكم ديمقراطي سليم، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة
للمجلس التأسيسي، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق الحريات العامة، حرية التنظيم
الحزبي والنقابي، وحرية تأسيس المنظمات المدنية الجماهيرية والمهنية، وتداول
السلطة بشكل ديمقراطي سليم .
لكن الحزب
الشيوعي انجر هو وجماهيره وراء ذلك الشعار من أجل تغليب كفة عبد الكريم قاسم،
والحيلولة دون اغتيال الثورة وآمال الشعب
التي عقدها عليها، وكان لذلك الموقف جانبه السلبي الخطير على مجمل مسيرة الثورة،
حيث أخذ عبد الكريم قاسم يتحول شيئًا فشيئاً نحو الحكم الفردي، والاستئثار
بالسلطة، وتحجيم بل وضرب تلك القوى التي كان لها الدور الفاعل والرئيسي في رجحان
كفته في ذلك الصراع مع القوى البعثية والقومية، وإتباعه لسياسة التوازن بين القوى
المدافعة عن الثورة والمتآمرة عليها،وإطلاق يد الجهاز القمعي الذي أنشأه النظام
السابق ضد الشيوعيين والديمقراطيين مما أدى إلى انعزاله عن الشعب وقواه الوطنية
الديمقراطية، وسهل الأمر للإمبرياليين تنفيذ ونجاح مؤامراتهم الدنيئة يوم الثامن
من شباط عام1963، واغتيال ثورة 14 تموز، والآمال التي عقدها الشعب عليها في تحقيق
الحرية والديمقراطية والعيش الكريم.
عبد السلام عارف يحاول اغتيال
الزعيم عبد الكريم قاسم:
أستمر عبد
السلام عارف بإثارة الانشقاق في صفوف الحركة الوطنية وتعميقه، ومهاجماً القوى
السياسية الرافضة لشعار الوحدة الفورية، وكانت خطاباته السياسية في أنحاء البلاد
قد أثارت قلق الزعيم عبد الكريم قاسم وسائر القوى الديمقراطية، فلم تكن تلك
الخطابات تنم عن نضوج سياسي، ولا إدراك للمسؤولية، معرضاً الثورة لخطر جسيم .
ورغم كل النصائح التي وجهها له عبد
الكريم قاسم وزملاؤه في اللجنة العليا للضباط الأحرار، ومجلس الوزراء من مغبة
الاستمرار على هذا النهج، وما يسببه من أضرار على مجمل الحركة الوطنية، ومستقبل
العراق وشعبه.
لكن عبد السلام
عارف كان قد عقد العزم على المضي في طريقه الخاطئ، ضارباً عرض الحائط بكل تلك
النصائح، ودافعاً البلاد إلى حافة الحرب الأهلية وتعريض الثورة للضياع.
ولما لم يجد عبد الكريم قاسم
سبيلاً آخر لوقفه عن نهجه، ومحاولته إثارة الجيش من خلال خطاباته المتواصلة بين
القطعات العسكرية، اتخذ قراره إبعاده عن الجيش، وإعفاءه من منصب نائب القائد العام
للقوات المسلحة.
ففي 28 آب 1958 صدر مرسوم جمهوري
وأُذيع من دار الإذاعة والتلفزيون يقضي بإعفاء عبد السلام عارف من منصب نائب
القائد العام للقوات المسلحة، مع بقائه بمنصبه الثاني كوزير للداخلية، وكان
المرسوم قد أصبح ضرورياً من أجل منع انقسام الجيش وتهديد الثورة، ومصالح
الشعب والوطن والحد من اتصالاته بقطعات
الجيش.
لقد حاول عبد الكريم قاسم بذل أقصى
جهده لإعادته إلى خط الثورة اعترافاً منه بدوره في قيادة وتنفيذ الثورة، والحفاظ
على العلاقة الوطنية الحميمة التي جمعته به.
غير أن عبد السلام أزداد اندفاعاً
وتهوراً، وأزداد دعم القوى البعثية والقومية له في مواقفه من خلال المظاهرات التي
قاموا بها، والتي قابلتها القوى الديمقراطية بمظاهرات كبرى مضادة رافعين شعار
الاتحاد الفدرالي، ودعما لموقف عبد الكريم قاسم الذي خرج ذلك اليوم ثلاث مرات
متتالية ألقى خلالها خطابات سياسية أمام المتظاهرين المؤيدين له والذين قُدّر
عددهم بمئات الألوف، وقد بدا الوضع معقداً بصورة خطيرة، ينذر بوقوع أحداث جسيمة
فكان لابد والحالة هذه من اتخاذ قرارات أخرى
حاسمة للحفاظ على السلم الأهلي في البلاد.
وهكذا صدر مرسوم جمهوري جديد، أذيع
مساء يوم 30 أيلول 1958 يقضي بإعفاء عبد السلام عارف من منصب وزير الداخلية،
وتعينه سفيراً في ألمانيا الغربية آنذاك.
كما أجرى تعديلاً وزارياً شمل إعفاء وزير الأعمار فؤاد الركابي، أمين سر حزب
البعث، وتعينه وزيراً بلا وزارة، كما أعفى وزير المعارف الدكتور جابر عمر من
منصبه، وأُنيطت الوزارتان المعارف والاعمار بالسيدان محمد حديد، وهديب الحاج حمود،
إضافة إلى منصبيهما، وهما من الحزب الوطني الديمقراطي، كما عُين الزعيم الركن[أحمد
محمد يحيى] وزيراً للداخلية. لكن عبد السلام عارف رفض الرضوخ لقرار الإعفاء وقبول تعينه سفيراً، وأعتكف في بيته بالإعظمية
رافضاً السفر.
وفي 2 تشرين الأول زاره في بيته
الزعيم الركن ناجي طالب، والزعيم فؤاد عارف، والدكتور جابر عمر، حيث أبدوا عدم
رضاهم لما حصل، ووعدوه بالعمل على إعادته، وقد شكر لهم عارف موقفهم مؤكداً لهم أن
الحاجة تدعو إلى أكثر من ثورة.
وفي صباح اليوم التالي وصل إلى عبد
الكريم قاسم تقرير عن ذلك اللقاء، فما كان منه إلا أن أمر بإعادة الفوج الثالث من
اللواء العشرين الذي كان يقوده عبد السلام عارف إلى مقره السابق في جلولاء.
كما أصدر قراراً بنقل العقيد الركن
عبد اللطيف الدراجي، الذي كان قد عُيّن آمراً للواء العشرين بعد نجاح الثورة، إلى
آمرية الكلية العسكرية، كأجراء احترازي من حدوث ما لا يحمد عقباه .
عبد السلام يحاول اغتيال عبد الكريم قاسم :
في 11 تشرين
الأول تم عقد اجتماع بمقر عبد الكريم قاسم
بوزارة الدفاع حضره كافة قادة الفرق العسكرية، ورئيس أركان الجيش[أحمد صالح
العبدي] و[عبد الكريم الجدة ] آمر الانضباط العسكري، والعقيد [وصفي طاهر] المرافق
الأقدم لقاسم، والزعيم الركن[ناجي طالب]
وزير الشؤون الاجتماعية والزعيم [فؤاد عارف]، وكان إشراك الثلاثة الأخيرين بسبب
الصداقة التي تربطهم بعارف.
وجئ بعارف إلى
هناك، حيث جرى نقاش طويل دام أكثر من خمس ساعات دون جدوى، غادر بعدها الجميع، ما
عدا عبد السلام عارف، و فوأد عارف، وصفي طاهر، وبينما كان عبد الكريم قاسم يتناول
بعض الأوراق من فوق المنضدة، فاجأه عبد السلام عارف بإخراج المسدس من جيبه محاولاً
اغتياله، وبحركة خاطفة مسك عبد الكريم قاسم ذراع عبد السلام عارف، مبعداً المسدس
وصارخاً به:
ماذا تفعل ؟ أتريد قتلي؟
وبنفس اللحظة هجم الزعيم فؤاد عارف
نحو عبد السلام عارف وانتزع منه المسدس، وأفرغ منه الرصاص.
وفي تلك اللحظة دخل العقيد وصفي
طاهر، المرافق الأقدم لعبد الكريم قاسم، وأمسك بعارف الذي بدا عليه الانهيار
والخور، فقد أصبح في موقف لا يحسد عليه، وادعى أنه كان ينوي الانتحار، وقد رد عليه عبد الكريم قاسم قائلا:{إذا كنت
تنوي الانتحار فلماذا لم تنتحر في بيتك ؟}.
ومع كل ما حدث، وبعد أن هدأ
الموقف، ألتفت قاسم إلى عارف قائلاً له: {سوف أعفو عنك، لكن عليك بالسفر إلى بون
من أجل مصلحة البلاد، لقد شقيت الشعب إلى نصفين، وأنا أُريد إبعادك عن رجال السوء،
وسوف تعود حتماً بعد أن يهدأ الوضع، ويعود الوضع لحالته الطبيعية}.
لكن عارف ظل معانداً رغم كل
النصائح. وفي ساعة متأخرة من الليل أنفرد قاسم بعارف، وأبلغه بأن عليه أن يرحل
غداً، وهذا قرارٌ لا رجعة فيه، وأن مستلزمات السفر قد هُيأت له، ووعده بالعودة بعد
أن تهدأ الأمور.
وأخيراً رضخ عارف، وقرر السفر يوم
12 تشرين الأول، وغادر بغداد بصحبة السفير العراقي السابق في بون السيد[علي حيدر
سليمان]، وجرت له مراسيم توديع شارك فيها قاسم نفسه، وعدد من كبار الضباط،
واتخُذتْ الإجراءات الأمنية المشددة في بغداد، وتقدمت سيارة عارف حتى باب الطائرة،
وتعانق الاثنان قبل أن يصعد عارف إلى الطائرة، برفقة السفير[علي حيدر سليمان]
متوجهاً إلى بروكسل، حيث زارا معرضها الدولي، ثم غادراها إلى روما، ومنها إلى
فييّنا، وقد قدمت السفارات العراقية في تلك البلدان كل ما يلزم لاستقباله.
لم تكن لعبد السلام عارف أية رغبة
في تسلم مهام منصبه كسفير في ألمانيا الغربية آنذاك، ورفض الدروس التي كُلف السفير
علي حيدر سليمان إعطاءها له حول العمل الدبلوماسي قائلا له بالحرف الواحد:
{ لا تتعب نفسك، فأنا لست سفيراً، ولن أكون كذلك }.
وفي 30 تشرين الأول، أبرق عارف
لعبد الكريم قاسم يطلب منه العودة إلى بغداد، وقام بشراء بطاقة السفر بنفسه، وقد
أبلغه عبد الكريم قاسم برفض الطلب، ودعاه إلى عدم الإقدام على هذه الخطوة رحمة
بالعراق وشعبه وثورته. إلا أن عارف كان قد صمم على العودة حيث غادر النمسا ليلة 3
/4 تشرين الثاني متوجهاً إلى بغداد.
أبرقت السفارة العراقية في فينّا
إلى وزارة الخارجية تبلغها بعودته، وبالفعل وصل عبد السلام عارف يوم 4 تشرين
الثاني، وأستأجر سيارة أجرة من المطار، وتوجه إلى داره محاطاً برجال الأمن.
وعلى أثر ذلك استدعاه عبد الكريم
قاسم بمقره في وزارة الدفاع، وحدثت أثناء المقابلة مشادة كلامية بينهما، بحضور
الزعيم [عبد الكريم الجدة ] آمر الانضباط العسكري، ومع ذلك عاد عبد الكريم قاسم،
وخيّره بأي سفارة يختارها محاولاً إقناعه، لكن جميع المحاولات ذهبت أدراج الرياح،
وعند ذلك أضطر عبد الكريم قاسم إلى الطلب من آمر الانضباط العسكري عبد الكريم
الجدة اعتقاله، ونقله إلى آمرية الانضباط العسكري.
وفي الساعة العاشرة من مساء ذلك
اليوم 4 تشرين الثاني أعلنت محطتا الإذاعة والتلفزيون بياناً من القائد العام
للقوات المسلحة هذا نصه:
عاد العقيد المتقاعد
[عبد السلام عارف ] سفير العراق في بون إلى بغداد دون أمرٍ أو إجازة، وبناءاً على
مقتضيات المصلحة العامة، وبسبب من محاولاته المتكررة للإخلال بالأمن والراحة
العامة، فقد تمّ اعتقاله في هذا اليوم، وسيحال إلى المحاكمة بتهمة التآمر على
سلامة الوطن.
وفي ذلك اليوم انتشر خبر بوجود
مؤامرة كان من المقرر تنفيذها يوم 5 تشرين الثاني يشترك فيها صالح مهدي عماش،
وأحمد حسن البكر، وعدد من الضباط الموالين لعبد السلام عارف، تهدف إلى تصفية عبد
الكريم قاسم، والعقيد وصفي طاهر، وقد جرى اعتقالهم فعلاً.
لكن عبد الكريم
قاسم أطلق سراحهم فيما بعد، وكان عبد السلام عارف قد أنكر وجود مثل تلك المؤامرة
في محاكمته أمام محكمة الشعب، غير أن توقيت عودته في ذلك اليوم 4 تشرين الثاني أثار الكثير من الشكوك حول تلك
المحاولة.
وجهت إلى عبد السلام عارف خلال
محاكمته تهمة تنظيم وترأس جماعة من الضباط الناقمين، والذين كانوا على رأس عدد من
الوحدات العسكرية، من أجل تدبير انقلاب عسكري ليلة 4/5 تشرين الثاني 1958، وهي
تهمة تنطبق والمادة 80 من قانون العقوبات
البغدادي، وعقوبتها الإعدام.
كما وجهت له المحكمة تهمة محاولة
اغتيال عبد الكريم قاسم في مقره بوزارة الدفاع، وقد نفى عارف عنه التهمتين مدعياً
أنه من أخلص الناس لعبد الكريم قاسم، وأنه لا يمكن أن يفكر بالأقدام على مثل تلك
الخطوة.
جرت محاكمته حسب الأصول القانونية،
وأُستدعي للشهادة عدد من كبار الضباط كان من بينهم الزعيم فؤاد عارف الذي كان
شاهداً على محاولة الاغتيال.
وفي 5 شباط أصدرت المحكمة قرارها
بتجريم عبد السلام عارف، والحكم عليه بموجب التهمة الثانية بالإعدام، بعد أن برأته
من التهمة الأولى لعدم ثبوت الأدلة، كما أوصت المحكمة الزعيم عبد الكريم قاسم
بوصفه القائد العام للقوات المسلحة بتخفيف العقوبة، بموجب الصلاحية المخولة له،
كما نص عليه قانون تشكيل المحكمة.
ومع كل ذلك فأن حكم الإعدام لم
ينفذ بعارف، ولكنه مكث في السجن حتى 11 حزيران 1962، حيث أطلق عبد الكريم قاسم
سراحه من السجن، بعد وقوع الانفصال بين سوريا ومصر.
كما أعاد له كافة حقوقه التقاعدية
وأكرمه، وأرسله إلى مكة لأداء فريضة الحج ظناً منه أن سياسة التسامح والعفو عن من حاول مراراً الغدر به
وبالثورة قد تعيده إلى رشده وصفائه، لكن التاريخ أثبت عكس ذلك تماماً، حيث أستمر
عارف بالتآمر على الثورة وقيادتها حتى تسنى له اغتيال الثورة، وقائدها عبد الكريم
قاسم يوم الثامن من شباط عام 1963
بالتعاون مع حزب البعث، حيث وقع عبد الكريم قاسم أسيراً بيد عبد السلام عارف
وشركائه البعثيين والقوميين، وناله من حقدهم ما ناله من الإهانات وتم إعدامه على
أيديهم، ولم يفد تذكير عبد الكريم قاسم لرفيقه عبد السلام عارف بأنه كان قد عفا
عنه، وأنقذه من حكم الإعدام.
وفي ذلك العام
1959، في الخامس من تشرين الثاني ولدت ابنتنا الثانية هتاف، وكانت طفلة رائعة
أحبها كل من شاهدها وكانت سعادتنا بمولدها كبيرة جداً.
مؤامرة رشيد عالي الكيلاني
رشيد عالي الكيلاني، رئيس وزراء
سابق، ووزير مخضرم في العهد الملكي، حيث شغل العديد من المناصب الوزارية، ولعب
دوراً كبيراً في إتحريك العشائر لإسقاط العديد من الوزارات، والإتيان بغيرها،
مستغلاً العشائرية والطائفية المقيتة.
قاد في عام 1941
انقلاباً ضد حكومة [ياسين الهاشمي] بمعاونة قادة الجيش كل من العقداء الأربعة
[صلاح الدين الصباغ ] و[ كامل شبيب ] و[محمود سلمان] و[فهمي سعيد] وشكل وزارة
برئاسته، وعلى اثر ذلك هرب الوصي عبد الإله إلى القاعدة البريطانية في الشعيبة،
لكن القوات البريطانية احتلت بغداد وأعادت الوصي عبد الإله إلى العرش من جديد،
وهرب الكيلاني إلى خارج العراق، حيث تمكن من الوصول إلى المانيا، وبقي فيها إلى ما
قبل سقوط برلين حيث هرب إلى سويسرا ومنها إلى السعودية، وأخيراً أستقر به المقام
في مصر. وعندما قامت ثورة 14 تموز عام 1958، أصدرت حكومة الثورة قراراً بالعفو
عنه، حيث كان قد حكم عليه بالإعدام، واعتبرت حركة أيار 1941 حركة وطنية، وأُعيد
الاعتبار لقادتها، وعليه فقد عاد رشيد
عالي الكيلاني إلى العراق في الأول من أيلول 1958، بعد غياب دام 17 سنة مكرماً
معززاً كأحد أبطال حركة مايس 941، وقبل عودته قابل الرئيس عبد الناصر، وصرح بعد
المقابلة أنه يشعر بوجوب إقامة الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة.
قام عبد السلام
عارف بزيارته في بيته، كما أستقبله عبد الكريم قاسم في مقره بوزارة الدفاع مرحباً
به بوصفه قائداً لحركة أيار 941.
لكن الكيلاني
سرعان ما عاد إلى عادته القديمة ليشبع رغباته وشهوته للحكم ولم يمضِ على عودته سوي
أيام قلائل حتى أصبح داره ملتقى لأصدقائه وأعوانه من الإقطاعيين والعديد من
القوميين، وكان في مقدمة أولئك أبن أخيه[مبدر الكيلاني] والمحامي [عبد الرحيم
الراوي] و[عبد الرضا سكر]، كما كان على علاقة وثيقة بسفارة الجمهورية العربية
المتحدة.
فُوجئ الشعب العراقي في 8 كانون
الثاني 1959 بإذاعة بيان من دار الإذاعة
صادر من القائد العام للقوات المسلحة [عبد الكريم قاسم ] جاء فيه : {أيها الشعب
العراقي العظيم:بعون الله القدير، وبيقظة الشعب، تمّ اكتشاف مؤامرة خطيرة كان
مقرراً لها أن تنفذ ليلة 8/9 لتعرض وحدة ومصير جمهوريتنا إلى الخطر وتشيع الفوضى
والاضطراب في البلاد، وتهدد الأمن الداخلي، هذه المؤامرة هي من تدبير بعض العناصر
الفاسدة أُعدت بمساعدة الأجنبي من خارج
البلاد، وإن الأدلة والأموال والأسلحة التي كانت ستستخدم لتنفيذ هذه المؤامرة قد
تم وضع اليد عليها، كما أن الضالعين والمدبرين لها قد أُحيلوا إلى المحكمة
العسكرية العليا الخاصة[محكمة الشعب] لمحاكمتهم بتهمة الخيانة والتآمر على الوطن.
إننا ندعو الشعب إلى مزيد من اليقظة والحذر من أجل المحافظة على النظام العام،
وإحباط الأعمال الدنيئة للعناصر المخربة في جمهوريتنا الخالدة }.
كما قام تلفزيون بغداد بعرض جانب
من الأسلحة والأموال التي تم ضبطها مع المتآمرين، لكنه لم يوضح البيان بادئ الأمر
طبيعة المؤامرة، ولا أسماء القائمين بها ، ولا الدولة التي كانت وراءها، غير أن
الراديو ذكر في اليوم التالي أن الرجعية التي تضررت مصالحها سبب قانون الإصلاح
الزراعي، والشعارات القومية المزيفة، كانت وراء تلك المؤامرة، وبعد أسابيع من صدور
البيان، تبين أن رشيد عالي الكيلاني كان على رأس تلك المؤامرة التي ضمت زمرة من
الإقطاعيين وعدد من الضباط المحسوبين على الجناح القومي، وكان من بين تلك الزمرة
أبن أخيه [مبدر الكيلاني] والمحامي [عبد الرحيم الراوي] و[عبد الرضا سكر] بالإضافة
إلى عدد من شيوخ العشائر، وعدد من الضباط، كان بينهم مدير الشرطة العام العقيد
[طاهر يحيى] وآمر الكلية العسكرية العقيد [عبد اللطيف الدراجي] ورئيس جهاز
الاستخبارات العسكرية، وا العقيد [رفعت الحاج سري]، ولزعيم الركن [عبد العزيز
العقيلي] قائد الفرقة الأولى في
الديوانية، والعقيد الركن[عبد الغني الراوي] أمر الفوج الثالث من اللواء الخامس
عشر بالبصرة وغيرهم من الضباط.