حامد الحمداني

 

احداث في ذاكرتي

 

الفصل السادس

 

 

20ـ انشقاق القوى القومية والبعثية بقيادة عبد السلام.

21ـ انقلاب العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل.

 

 

{20}

انشقاق القوى القومية والبعثية

بقيادة عبد السلام

لم تكد تمر سوى أيام قليلة من عمر الثورة التي باركها الشعب بكل قواه السياسية الوطنية حتى ظهرت بوادر الانشقاق في صفوف الحركة الوطنية، فقد كانت خطب عبد السلام عارف وهو يطوف المدن العراقي الواحدة بعد الأخرى، ويقوم بزيارة قطعات الجيش المتواجدة فيها تتناقض كلياً مع توجهات الثورة وأهدافها الآنية في الاهتمام بإجراء التغييرات الضرورية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يخدم حاضر ومستقبل العراق، وتحقيق العيش الكريم للشعب.

لقد سببت تلك الخطابات اللا مسؤولة بلبلة كبرى في صفوف أبناء الشعب والقوات المسلحة من جهة، وإحراج الحكومة  أمام مختلف دول العالم من جهة أخرى، حتى وصل الأمر بوزير الخارجية عبد الجبار الجومرد  أن أبدى انزعاجه مراراً وتكراراً مما يرد في خطابات عبد السلام عارف.

 

لقد تبنت القوى القومية والبعثية عبد السلام عارف ودعمته تحت شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، من دون مراعاة لاختلاف الظروف الاقتصادية والسياسية بين البلدين، ومن دون مراعاة التركيب القومي للمجتمع العراقي، رافضين إتاحة الفرصة لإحداث التغييرات اللازمة في الهياكل السياسة والاقتصادية، والاجتماعية في الوطن.

بدأت تلك القوى منذُ الأيام الأولى للثورة تسيّر التظاهرات المطالبة بالوحدة الفورية دون أن تستخلص التجربة من وحدة سوريا مع مصر التي جرت بصورة مستعجلة، وأدت إلى ظهور تناقضات واسعة وعميقة بين البلدين، والتي قادت إلى الانفصال فيما بعد.

لقد اتهمت تلك القوى بقية القوى السياسية الوطنية بالشعوبية، والقطرية وغيرها من الاتهامات المشينة لأنها أرادت التريث في الأقدام على خطوة خطيرة كهذه بالنسبة لمصير الشعب والوطن، وإيجاد أفضل الوسائل والسبل الكفيلة بإقامة أوسع الروابط مع الجمهورية العربية المتحدة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وصولاً إلى الوحدة فيما بعد، على أن تكون قائمة على أُسس ديمقراطية حقه، ويقرر الشعب نفسه عبر انتخابات برلمانية حرة ونزيهة.

إن الوحدة العربية أملٌ كبيرٌ وعزيزٌ على كل عربي محب لأمته، غير انه كان من الضروري الأعداد لها بمنتهى التبصر والحكمة وعدم التسرع لتجنب الأخطاء التي وقعت فيها الوحدة السورية المصرية.

لكن عبد السلام عارف والسائرين وراءهُ، ومحاولات التدخل من جانب السفارة المصرية لفرض الوحدة، أدت إلى تعمق الانشقاق في صفوف الحركة الوطنية.

ولم يكتفِ عبد السلام عارف بخطبه الجوفاء تلك، بل سارع إلى إصدار صحيفة [صوت الجماهير] الناطقة باسمه، وترأس تحريرها الدكتور الدكتور[سعدون حمادي] أحد قياديي حزب البعث مخالفاً بذلك قانون الصحافة، ومتجاوزاً كونه الشخص الثاني في حكومة الثورة، وقد أستخدم تلك الصحيفة لإشاعة مفاهيم غير متفق عليها فيما يخص قيام الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، ولعبت تلك الصحيفة دوراً خطيراً في شق الصف الوطني منذُ الأيام الأولى للثورة.

لقد حذر الزعيم عبد الكريم قاسم رفيقه في الثورة عبد السلام عارف من مخاطر تلك التصرفات وأثارها السلبية على مصير الثورة والشعب، وأضطر عبد السلام عارف تحت ضغط عبد الكريم قاسم إلى التنازل عن ملكية الصحيفة تلك، لكنه سلمها لحزب البعث لكي تستمر على سياستها الهادفة إلى شق وحدة الشعب وقواه السياسية الوطنية المنضوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني، وخيمة ثورة 14 تموز المجيدة.

وبعد عشرة أيام من قيام الثورة زار العراق مؤسس حزب البعث [ميشيل عفلق]، والتقى برفاقه في حزب البعث العراقي مشدداً عليهم ضرورة العمل الجدي من أجل تحقيق الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة.

وفي 19 تموز سافر وفد عراقي برئاسة عبد السلام عارف  وعضوية عدد من الوزراء إلى دمشق، والتقى الوفد بالرئيس [جمال عبد الناصر]،وجرت مباحثات بين الطرفين انتهت بالتوقيع على اتفاقية للتعاون تضمنت  خمس نقاط هي :

1ـ التأكيد على الروابط بين البلدين، وعلى المواثيق والعهود كميثاق الجامعة العربية، وميثاق الدفاع العربي المشترك.

2ـ التأكيد على تنسيق المواقف بين البلدين فيما يخص الموقف الدولي، وتصميم الطرفين على التعاون والتنسيق ضد أي عدوان محتمل.

3ـ التعاون بين الطرفين في مجال العلاقات الدولية، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة ودعم السلم العالمي.

4ـ التشاور والتعاون بين البلدين في كل ما يخص الشؤون المشتركة.

وخلال تواجد الوفد العراقي في دمشق أجتمع عبد السلام عارف مع الرئيس عبد الناصر بصورة منفردة ، حيث دار بين الجانبين نقاش حول ضرورة إقامة الوحدة الفورية بين البلدين، وعاد الوفد إلى العراق، وعاد عبد السلام عارف يصعّد من حملته الرامية إلى الوحدة الفورية، ومُحدثاً شرخاً كبيراً في صفوف الثورة، والحركة الوطنية للشعب العراقي.

واستغلت الإمبريالية وعملائها من قوىالإقطاعيين والرجعيين الذين تضررت مصالحهم من قيام ثورة 14 تموز وإنجازاتها حيث وجدت ضالتها المنشودة في تمزيق وحدة الشعب وقواه السياسية، وبدأت تصب الزيت على النار مستغلة الشعارات التي رفعتها تلك القوى لا حباً بالوحدة ولا رغبة فيها، وهي التي سعت دوماً إلى تمزيق الصف العربي، بل لتمزيق وحدة الشعب العراقي وقواه الوطنية المنضوية تحت راية الثورة، لكي يسهل عليها تمرير مؤامراتها الهادفة إلى إسقاطها، وتصفية كل منجزاتها .

كان على الطرف الآخر من المعادلة، وأعني به كل القوى الديمقراطية والشيوعية التصدي لذلك الشعار غير المدروس، والذي رُفع في غير أوانه، حيث بادرت تلك القوى إلى رفع شعار[الاتحاد الفدرالي] مع الجمهورية العربية المتحدة، مع السعي لرفع تلك العلاقة إلى مستوى الوحدة الكاملة عندما تتوفر الشروط الموضوعية لها في المستقبل، وفي ظل جو من الحرية والديمقراطية.

وبدأ الصراع يتصاعد في الشارع العراقي، مظاهرات بعثية وقومية تهتف بالوحدة الفورية، وأخرى شيوعية وديمقراطية تهتف بالديمقراطية والاتحاد الفيدرالي، وأخذ الصراع يتنامى في الشارع العراقي ويزداد تعمقاً يوماً بعد يوم، ويتحول شيئا فشيئاً نحو العداء السياسي والخصومة الدموية بين البعثيين والقوميين من جهة، وبين الشيوعيين والديمقراطيين من جهة أخرى، وجرت احتكاكات بين المتظاهرين من كلا الجانبين، وتوسعت تلك الاحتكاكات لتصبح حالة من الصدام الشرس بين الطرفين حلفاء الأمس، وللحقيقة والتاريخ أقول أن الشيوعيين والديمقراطيين كانوا قد بذلوا أقصى الجهود من أجل إعادة اللحمة لجبهة الاتحاد الوطني، والسير معاً لتحقيق آمال وأحلام الشعب العراقي الذي قاسى عقوداً من الزمن من ذلك النظام القمعي الذي أمتهن حقوق الشعب وحرياته، والذي بدد ثروات البلاد في أمور لا تخدم مصالح الشعب المنهك، مما أبقاه في تخلف وجهل، وفقر مدقع.

كان الشعب العراقي يخوض خلال تلك الحقبة نضالاً متواصلاً من أجل حريته، وامتلاك ناصية أمره، لكن كل تلك الجهود التي بذلت في هذا السبيل ذهبت أدراج الرياح، فقد كان الطرف المنشق قد عقد العزم على السير حتى النهاية في هذا الطريق.

وهكذا تنافر القطبان اللذان كانا بالأمس القريب يعملان يداً بيد  من أجل انتصار الثورة ونجاحها، وتحقيق الأهداف التي ناضل شعبنا من أجلها.

ومما زاد في الطين بله دخول الجمهورية العربية المتحدة حلبة الصراع واضعةً كل ثقلها السياسي إلي جانب تلك القوى ضاربةً عرض الحائط بأهم ركن من أركان حركة التحرر العربي، ولم يكن الرئيس عبد الناصر يدري آنذاك أن أولئك الذين رفعوا تلك الشعارات لم يكونوا جادين في أقوالهم، بل أرادوا أن يكون التصاقهم به سلماً يصعدون بواسطته إلى قمة السلطة واغتصابها لا غير. لقد أثبتت الأحداث بعد اغتيال ثورة 14 تموز، على أيدي نفس تلك الرموز في انقلاب 8 شباط الأسود عام 1963عدم صدقيتهم وإيمانهم بالوحدة، فما أن تسلم البعثيون السلطة أثر نجاح انقلابهم المشؤوم حتى تنكروا لكل شعاراتهم، واستطابوا السلطة واضعين تلك الشعارات على الرف.

كذلك فعل عبد السلام عارف الذي أطاح بحكم البعث في انقلاب 18 تشرين الأول من نفس العام وأستحوذ على السلطة بصورة كاملة، فقد تنكر لكل أقواله وشعاراته حول الوحدة وحبه لعبد الناصر، تلك هي الحقيقة التي لا مراء فيها، فقد كانوا غير وحدويين إطلاقاً، وإنما استخدموا رصيد الرئيس عبد الناصر السياسي والوطني من أجل وثوبهم على السلطة.

 هكذا إذاً تعمقت الخلافات بين القوى السياسية، وأشتد التنافر بين القطبين الذين قادا ثورة الرابع عشر من تموز، عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف، وحدث شرخ كبير بين تلك القوى التي سعت قبل الثورة لأحداث التغيير المنشود، أمل الشعب، الذي ناضل وضحى من أجله خلال عدة عقود، ولم تفد جميع المحاولات لرأب الصدع  والرجوع عن الخطأ.

لقد وقفت القوى الديمقراطية والشيوعية بكل ثقلها إلى جانب الزعيم عبد الكريم قاسم من أجل الحفاظ على الثورة ومكاسبها وفي خضم ذلك الصراع تم رفع شعار[الزعيم الأوحد]، ذلك الشعار الذي ترتبت عليه أضرار كبيرة على مجمل الحركة الوطنية، وعلى مستقبل العراق السياسي فيما بعد، حيث شجع عبد الكريم قاسم الذي استهواه ذلك الشعار على التوجه نحو الحكم الفردي، بعيداً عن أمال الشعب في قيام حكم ديمقراطي سليم، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة للمجلس التأسيسي، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق الحريات العامة، حرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية تأسيس المنظمات المدنية الجماهيرية والمهنية، وتداول السلطة بشكل ديمقراطي سليم .

 لكن الحزب الشيوعي انجر هو وجماهيره وراء ذلك الشعار من أجل تغليب كفة عبد الكريم قاسم، والحيلولة دون اغتيال  الثورة وآمال الشعب التي عقدها عليها، وكان لذلك الموقف جانبه السلبي الخطير على مجمل مسيرة الثورة، حيث أخذ عبد الكريم قاسم يتحول شيئًا فشيئاً نحو الحكم الفردي، والاستئثار بالسلطة، وتحجيم بل وضرب تلك القوى التي كان لها الدور الفاعل والرئيسي في رجحان كفته في ذلك الصراع مع القوى البعثية والقومية، وإتباعه لسياسة التوازن بين القوى المدافعة عن الثورة والمتآمرة عليها،وإطلاق يد الجهاز القمعي الذي أنشأه النظام السابق ضد الشيوعيين والديمقراطيين مما أدى إلى انعزاله عن الشعب وقواه الوطنية الديمقراطية، وسهل الأمر للإمبرياليين تنفيذ ونجاح مؤامراتهم الدنيئة يوم الثامن من شباط عام1963، واغتيال ثورة 14 تموز، والآمال التي عقدها الشعب عليها في تحقيق الحرية والديمقراطية والعيش الكريم.

عبد السلام عارف يحاول اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم:

 أستمر عبد السلام عارف بإثارة الانشقاق في صفوف الحركة الوطنية وتعميقه، ومهاجماً القوى السياسية الرافضة لشعار الوحدة الفورية، وكانت خطاباته السياسية في أنحاء البلاد قد أثارت قلق الزعيم عبد الكريم قاسم وسائر القوى الديمقراطية، فلم تكن تلك الخطابات تنم عن نضوج سياسي، ولا إدراك للمسؤولية، معرضاً الثورة لخطر جسيم .

ورغم كل النصائح التي وجهها له عبد الكريم قاسم وزملاؤه في اللجنة العليا للضباط الأحرار، ومجلس الوزراء من مغبة الاستمرار على هذا النهج، وما يسببه من أضرار على مجمل الحركة الوطنية، ومستقبل العراق وشعبه.

 لكن عبد السلام عارف كان قد عقد العزم على المضي في طريقه الخاطئ، ضارباً عرض الحائط بكل تلك النصائح، ودافعاً البلاد إلى حافة الحرب الأهلية وتعريض الثورة للضياع.

ولما لم يجد عبد الكريم قاسم سبيلاً آخر لوقفه عن نهجه، ومحاولته إثارة الجيش من خلال خطاباته المتواصلة بين القطعات العسكرية، اتخذ قراره إبعاده عن الجيش، وإعفاءه من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة.

ففي 28 آب 1958 صدر مرسوم جمهوري وأُذيع من دار الإذاعة والتلفزيون يقضي بإعفاء عبد السلام عارف من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة، مع بقائه بمنصبه الثاني كوزير للداخلية، وكان المرسوم قد أصبح ضرورياً من أجل منع انقسام الجيش وتهديد الثورة، ومصالح الشعب  والوطن والحد من اتصالاته بقطعات الجيش.

لقد حاول عبد الكريم قاسم بذل أقصى جهده لإعادته إلى خط الثورة اعترافاً منه بدوره في قيادة وتنفيذ الثورة، والحفاظ على العلاقة الوطنية الحميمة التي جمعته به.

غير أن عبد السلام أزداد اندفاعاً وتهوراً، وأزداد دعم القوى البعثية والقومية له في مواقفه من خلال المظاهرات التي قاموا بها، والتي قابلتها القوى الديمقراطية بمظاهرات كبرى مضادة رافعين شعار الاتحاد الفدرالي، ودعما لموقف عبد الكريم قاسم الذي خرج ذلك اليوم ثلاث مرات متتالية ألقى خلالها خطابات سياسية أمام المتظاهرين المؤيدين له والذين قُدّر عددهم بمئات الألوف، وقد بدا الوضع معقداً بصورة خطيرة، ينذر بوقوع أحداث جسيمة فكان لابد والحالة هذه من اتخاذ قرارات أخرى  حاسمة للحفاظ على السلم الأهلي في البلاد.

وهكذا صدر مرسوم جمهوري جديد، أذيع مساء يوم 30 أيلول 1958 يقضي بإعفاء عبد السلام عارف من منصب وزير الداخلية، وتعينه سفيراً في ألمانيا الغربية  آنذاك.

 كما أجرى تعديلاً وزارياً شمل إعفاء وزير الأعمار فؤاد الركابي، أمين سر حزب البعث، وتعينه وزيراً بلا وزارة، كما أعفى وزير المعارف الدكتور جابر عمر من منصبه، وأُنيطت الوزارتان المعارف والاعمار بالسيدان محمد حديد، وهديب الحاج حمود، إضافة إلى منصبيهما، وهما من الحزب الوطني الديمقراطي، كما عُين الزعيم الركن[أحمد محمد يحيى] وزيراً للداخلية. لكن عبد السلام عارف رفض الرضوخ لقرار الإعفاء  وقبول تعينه سفيراً، وأعتكف في بيته بالإعظمية رافضاً السفر.

وفي 2 تشرين الأول زاره في بيته الزعيم الركن ناجي طالب، والزعيم فؤاد عارف، والدكتور جابر عمر، حيث أبدوا عدم رضاهم لما حصل، ووعدوه بالعمل على إعادته، وقد شكر لهم عارف موقفهم مؤكداً لهم أن الحاجة تدعو إلى أكثر من ثورة.

وفي صباح اليوم التالي وصل إلى عبد الكريم قاسم تقرير عن ذلك اللقاء، فما كان منه إلا أن أمر بإعادة الفوج الثالث من اللواء العشرين الذي كان يقوده عبد السلام عارف إلى مقره السابق في جلولاء.

كما أصدر قراراً بنقل العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي، الذي كان قد عُيّن آمراً للواء العشرين بعد نجاح الثورة، إلى آمرية الكلية العسكرية، كأجراء احترازي من حدوث ما لا يحمد عقباه .

 

عبد السلام يحاول اغتيال عبد الكريم قاسم :

 في 11 تشرين الأول تم عقد اجتماع بمقر عبد الكريم قاسم  بوزارة الدفاع حضره كافة قادة الفرق العسكرية، ورئيس أركان الجيش[أحمد صالح العبدي] و[عبد الكريم الجدة ] آمر الانضباط العسكري، والعقيد [وصفي طاهر] المرافق الأقدم  لقاسم، والزعيم الركن[ناجي طالب] وزير الشؤون الاجتماعية والزعيم [فؤاد عارف]، وكان إشراك الثلاثة الأخيرين بسبب الصداقة التي تربطهم بعارف.

 وجئ بعارف إلى هناك، حيث جرى نقاش طويل دام أكثر من خمس ساعات دون جدوى، غادر بعدها الجميع، ما عدا عبد السلام عارف، و فوأد عارف، وصفي طاهر، وبينما كان عبد الكريم قاسم يتناول بعض الأوراق من فوق المنضدة، فاجأه عبد السلام عارف بإخراج المسدس من جيبه محاولاً اغتياله، وبحركة خاطفة مسك عبد الكريم قاسم ذراع عبد السلام عارف، مبعداً المسدس وصارخاً به:

ماذا تفعل ؟ أتريد قتلي؟

وبنفس اللحظة هجم الزعيم فؤاد عارف نحو عبد السلام عارف وانتزع منه المسدس، وأفرغ منه الرصاص. 

وفي تلك اللحظة دخل العقيد وصفي طاهر، المرافق الأقدم لعبد الكريم قاسم، وأمسك بعارف الذي بدا عليه الانهيار والخور، فقد أصبح في موقف لا يحسد عليه، وادعى أنه كان ينوي الانتحار،  وقد رد عليه عبد الكريم قاسم قائلا:{إذا كنت تنوي الانتحار فلماذا لم تنتحر في بيتك ؟}.

ومع كل ما حدث، وبعد أن هدأ الموقف، ألتفت قاسم إلى عارف قائلاً له‍: {سوف أعفو عنك، لكن عليك بالسفر إلى بون من أجل مصلحة البلاد، لقد شقيت الشعب إلى نصفين، وأنا أُريد إبعادك عن رجال السوء، وسوف تعود حتماً بعد أن يهدأ الوضع، ويعود الوضع لحالته الطبيعية}.

لكن عارف ظل معانداً رغم كل النصائح. وفي ساعة متأخرة من الليل أنفرد قاسم بعارف، وأبلغه بأن عليه أن يرحل غداً، وهذا قرارٌ لا رجعة فيه، وأن مستلزمات السفر قد هُيأت له، ووعده بالعودة بعد أن تهدأ الأمور.

وأخيراً رضخ عارف، وقرر السفر يوم 12 تشرين الأول، وغادر بغداد بصحبة السفير العراقي السابق في بون السيد[علي حيدر سليمان]، وجرت له مراسيم توديع شارك فيها قاسم نفسه، وعدد من كبار الضباط، واتخُذتْ الإجراءات الأمنية المشددة في بغداد، وتقدمت سيارة عارف حتى باب الطائرة، وتعانق الاثنان قبل أن يصعد عارف إلى الطائرة، برفقة السفير[علي حيدر سليمان] متوجهاً إلى بروكسل، حيث زارا معرضها الدولي، ثم غادراها إلى روما، ومنها إلى فييّنا، وقد قدمت السفارات العراقية في تلك البلدان كل ما يلزم لاستقباله.

لم تكن لعبد السلام عارف أية رغبة في تسلم مهام منصبه كسفير في ألمانيا الغربية آنذاك، ورفض الدروس التي كُلف السفير علي حيدر سليمان إعطاءها له حول العمل الدبلوماسي قائلا له بالحرف الواحد:

{ لا تتعب نفسك، فأنا لست سفيراً، ولن أكون كذلك }.

وفي 30 تشرين الأول، أبرق عارف لعبد الكريم قاسم يطلب منه العودة إلى بغداد، وقام بشراء بطاقة السفر بنفسه، وقد أبلغه عبد الكريم قاسم برفض الطلب، ودعاه إلى عدم الإقدام على هذه الخطوة رحمة بالعراق وشعبه وثورته. إلا أن عارف كان قد صمم على العودة حيث غادر النمسا ليلة 3 /4 تشرين الثاني متوجهاً إلى بغداد.

أبرقت السفارة العراقية في فينّا إلى وزارة الخارجية تبلغها بعودته، وبالفعل وصل عبد السلام عارف يوم 4 تشرين الثاني، وأستأجر سيارة أجرة من المطار، وتوجه إلى داره محاطاً برجال الأمن.

وعلى أثر ذلك استدعاه عبد الكريم قاسم بمقره في وزارة الدفاع، وحدثت أثناء المقابلة مشادة كلامية بينهما، بحضور الزعيم [عبد الكريم الجدة ] آمر الانضباط العسكري، ومع ذلك عاد عبد الكريم قاسم، وخيّره بأي سفارة يختارها محاولاً إقناعه، لكن جميع المحاولات ذهبت أدراج الرياح، وعند ذلك أضطر عبد الكريم قاسم إلى الطلب من آمر الانضباط العسكري عبد الكريم الجدة اعتقاله، ونقله إلى آمرية الانضباط العسكري.

وفي الساعة العاشرة من مساء ذلك اليوم 4 تشرين الثاني أعلنت محطتا الإذاعة والتلفزيون بياناً من القائد العام للقوات المسلحة هذا نصه:

 عاد العقيد المتقاعد [عبد السلام عارف ] سفير العراق في بون إلى بغداد دون أمرٍ أو إجازة، وبناءاً على مقتضيات المصلحة العامة، وبسبب من محاولاته المتكررة للإخلال بالأمن والراحة العامة، فقد تمّ اعتقاله في هذا اليوم، وسيحال إلى المحاكمة بتهمة التآمر على سلامة الوطن. 

وفي ذلك اليوم انتشر خبر بوجود مؤامرة كان من المقرر تنفيذها يوم 5 تشرين الثاني يشترك فيها صالح مهدي عماش، وأحمد حسن البكر، وعدد من الضباط الموالين لعبد السلام عارف، تهدف إلى تصفية عبد الكريم قاسم، والعقيد وصفي طاهر، وقد جرى اعتقالهم فعلاً.

 لكن عبد الكريم قاسم أطلق سراحهم فيما بعد، وكان عبد السلام عارف قد أنكر وجود مثل تلك المؤامرة في محاكمته أمام محكمة الشعب، غير أن توقيت عودته في ذلك اليوم  4 تشرين الثاني أثار الكثير من الشكوك حول تلك المحاولة.

وجهت إلى عبد السلام عارف خلال محاكمته تهمة تنظيم وترأس جماعة من الضباط الناقمين، والذين كانوا على رأس عدد من الوحدات العسكرية، من أجل تدبير انقلاب عسكري ليلة 4/5 تشرين الثاني 1958، وهي تهمة تنطبق والمادة 80 من قانون العقوبات  البغدادي، وعقوبتها الإعدام.

كما وجهت له المحكمة تهمة محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في مقره بوزارة الدفاع، وقد نفى عارف عنه التهمتين مدعياً أنه من أخلص الناس لعبد الكريم قاسم، وأنه لا يمكن أن يفكر بالأقدام على مثل تلك الخطوة.

جرت محاكمته حسب الأصول القانونية، وأُستدعي للشهادة عدد من كبار الضباط كان من بينهم الزعيم فؤاد عارف الذي كان شاهداً على محاولة الاغتيال.

وفي 5 شباط أصدرت المحكمة قرارها بتجريم عبد السلام عارف، والحكم عليه بموجب التهمة الثانية بالإعدام، بعد أن برأته من التهمة الأولى لعدم ثبوت الأدلة، كما أوصت المحكمة الزعيم عبد الكريم قاسم بوصفه القائد العام للقوات المسلحة بتخفيف العقوبة، بموجب الصلاحية المخولة له، كما نص عليه قانون تشكيل المحكمة.

ومع كل ذلك فأن حكم الإعدام لم ينفذ بعارف، ولكنه مكث في السجن حتى 11 حزيران 1962، حيث أطلق عبد الكريم قاسم سراحه من السجن، بعد وقوع الانفصال بين سوريا ومصر.

كما أعاد له كافة حقوقه التقاعدية وأكرمه، وأرسله إلى مكة لأداء فريضة الحج ظناً منه أن سياسة  التسامح والعفو عن من حاول مراراً الغدر به وبالثورة قد تعيده إلى رشده وصفائه، لكن التاريخ أثبت عكس ذلك تماماً، حيث أستمر عارف بالتآمر على الثورة وقيادتها حتى تسنى له اغتيال الثورة، وقائدها عبد الكريم قاسم  يوم الثامن من شباط عام 1963 بالتعاون مع حزب البعث، حيث وقع عبد الكريم قاسم أسيراً بيد عبد السلام عارف وشركائه البعثيين والقوميين، وناله من حقدهم ما ناله من الإهانات وتم إعدامه على أيديهم، ولم يفد تذكير عبد الكريم قاسم لرفيقه عبد السلام عارف بأنه كان قد عفا عنه، وأنقذه من حكم الإعدام.

 وفي ذلك العام 1959، في الخامس من تشرين الثاني ولدت ابنتنا الثانية هتاف، وكانت طفلة رائعة أحبها كل من شاهدها وكانت سعادتنا بمولدها كبيرة جداً.

 

 مؤامرة رشيد عالي الكيلاني 

رشيد عالي الكيلاني، رئيس وزراء سابق، ووزير مخضرم في العهد الملكي، حيث شغل العديد من المناصب الوزارية، ولعب دوراً كبيراً في إتحريك العشائر لإسقاط العديد من الوزارات، والإتيان بغيرها، مستغلاً العشائرية والطائفية المقيتة.

 قاد في عام 1941 انقلاباً ضد حكومة [ياسين الهاشمي] بمعاونة قادة الجيش كل من العقداء الأربعة [صلاح الدين الصباغ ] و[ كامل شبيب ] و[محمود سلمان] و[فهمي سعيد] وشكل وزارة برئاسته، وعلى اثر ذلك هرب الوصي عبد الإله إلى القاعدة البريطانية في الشعيبة، لكن القوات البريطانية احتلت بغداد وأعادت الوصي عبد الإله إلى العرش من جديد، وهرب الكيلاني إلى خارج العراق، حيث تمكن من الوصول إلى المانيا، وبقي فيها إلى ما قبل سقوط برلين حيث هرب إلى سويسرا ومنها إلى السعودية، وأخيراً أستقر به المقام في مصر. وعندما قامت ثورة 14 تموز عام 1958، أصدرت حكومة الثورة قراراً بالعفو عنه، حيث كان قد حكم عليه بالإعدام، واعتبرت حركة أيار 1941 حركة وطنية، وأُعيد الاعتبار  لقادتها، وعليه فقد عاد رشيد عالي الكيلاني إلى العراق في الأول من أيلول 1958، بعد غياب دام 17 سنة مكرماً معززاً كأحد أبطال حركة مايس 941، وقبل عودته قابل الرئيس عبد الناصر، وصرح بعد المقابلة أنه يشعر بوجوب إقامة الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة.

 قام عبد السلام عارف بزيارته في بيته، كما أستقبله عبد الكريم قاسم في مقره بوزارة الدفاع مرحباً به بوصفه قائداً لحركة أيار 941.

 لكن الكيلاني سرعان ما عاد إلى عادته القديمة ليشبع رغباته وشهوته للحكم ولم يمضِ على عودته سوي أيام قلائل حتى أصبح داره ملتقى لأصدقائه وأعوانه من الإقطاعيين والعديد من القوميين، وكان في مقدمة أولئك أبن أخيه[مبدر الكيلاني] والمحامي [عبد الرحيم الراوي] و[عبد الرضا سكر]، كما كان على علاقة وثيقة بسفارة الجمهورية العربية المتحدة.

فُوجئ الشعب العراقي في 8 كانون الثاني  1959 بإذاعة بيان من دار الإذاعة صادر من القائد العام للقوات المسلحة [عبد الكريم قاسم ] جاء فيه : {أيها الشعب العراقي العظيم:بعون الله القدير، وبيقظة الشعب، تمّ اكتشاف مؤامرة خطيرة كان مقرراً لها أن تنفذ ليلة 8/9 لتعرض وحدة ومصير جمهوريتنا إلى الخطر وتشيع الفوضى والاضطراب في البلاد، وتهدد الأمن الداخلي، هذه المؤامرة هي من تدبير بعض العناصر الفاسدة  أُعدت بمساعدة الأجنبي من خارج البلاد، وإن الأدلة والأموال والأسلحة التي كانت ستستخدم لتنفيذ هذه المؤامرة قد تم وضع اليد عليها، كما أن الضالعين والمدبرين لها قد أُحيلوا إلى المحكمة العسكرية العليا الخاصة[محكمة الشعب] لمحاكمتهم بتهمة الخيانة والتآمر على الوطن. إننا ندعو الشعب إلى مزيد من اليقظة والحذر من أجل المحافظة على النظام العام، وإحباط الأعمال الدنيئة للعناصر المخربة في جمهوريتنا الخالدة }.

كما قام تلفزيون بغداد بعرض جانب من الأسلحة والأموال التي تم ضبطها مع المتآمرين، لكنه لم يوضح البيان بادئ الأمر طبيعة المؤامرة، ولا أسماء القائمين بها ، ولا الدولة التي كانت وراءها، غير أن الراديو ذكر في اليوم التالي أن الرجعية التي تضررت مصالحها سبب قانون الإصلاح الزراعي، والشعارات القومية المزيفة، كانت وراء تلك المؤامرة، وبعد أسابيع من صدور البيان، تبين أن رشيد عالي الكيلاني كان على رأس تلك المؤامرة التي ضمت زمرة من الإقطاعيين وعدد من الضباط المحسوبين على الجناح القومي، وكان من بين تلك الزمرة أبن أخيه [مبدر الكيلاني] والمحامي [عبد الرحيم الراوي] و[عبد الرضا سكر] بالإضافة إلى عدد من شيوخ العشائر، وعدد من الضباط، كان بينهم مدير الشرطة العام العقيد [طاهر يحيى] وآمر الكلية العسكرية العقيد [عبد اللطيف الدراجي] ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، وا العقيد [رفعت الحاج سري]، ولزعيم الركن [عبد العزيز العقيلي]  قائد الفرقة الأولى في الديوانية، والعقيد الركن[عبد الغني الراوي] أمر الفوج الثالث من اللواء الخامس عشر بالبصرة وغيرهم من الضباط.

 كما تبين للمحكمة أن رشيد عالي الكيلاني كان على اتصال وثيق بسفارة الجمهورية العربية المتحدة، وبشكل خاص مع رجال المخابرات والملحقين العسكريين [عبد المجيد فريد] و[طلعت مرعي ] و[ محمد كبول]. كان من المقرر أن تقوم الحركة الانقلابية بتدبير الفوضى والاضطراب، وذلك عن طريق قطع خطوط الهاتف، وإخراج القطارات عن سكتها، واعتراض البريد، ووضع العوارض في الطرقات، وركز الكيلاني على جهود حركته في مناطق العشائر، في جنوب العراق والفرات الأوسط، وعندما يتم لهم إثارة القلاقل والاضطرابات والبلبلة يتقدمون بطلب استقالة عبد الكريم قاسم مدعين أنه قد أوصل البلاد إلى الخراب والانقسام ، وإذا رفض الاستقالة يتحرك الضباط المشاركون في المحاولة لإسقاطه بالقوة، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة الكيلاني، ويعلن نفسه حاكماً عسكرياً عاماً، وقائماً بمهام رئيس الجمهورية.

كما كان مقرراً تأليف مجلس لقيادة الثورة مؤلفاً من 15 عضواً، وتقرر أيضاً فور نجاح المؤامرة تأليف وزارة جديدة، وإعلان انضمام العراق للجمهورية العربية المتحدة، كما خطط المتآمرون لإلغاء قانون الإصلاح الزراعي، والقيام بحملة لإبادة الشيوعيين وأنصارهم .

لقد هيأ الانقلابيون الأسلحة المهربة من العربية المتحدة[ القطر السوري] لكي توزع على مناصريهم حال بدء الحركة، كما أُعدت الطائرات العسكرية في سوريا لإسقاط التجهيزات العسكرية في أي منطقة من العراق يكون المتآمرون بحاجة إليها. كما تلقى الكيلاني مبالغ نقدية من السفارة المصرية لتوزيعها على شيوخ العشائر، عن طريق المصرف الوطني للتجارة والصناعة. 

عيّنَ المتآمرون ليلة 8/9 من كانون الأول 958 للشروع بالمؤامرة، لكن المخابرات العراقية استطاعت كشف المؤامرة قبل وقوعها، حيث تمكنت من الوصول إلى عبد الرحيم الراوي، ومبدر الكيلاني، واستطاعت نيل ثقتهما ، وتمكنت من الوصول إلى كثير من أسرارها، وتسجيل أحاديث المتآمرين بكل تفاصيل المؤامرة.

مَثلُ كل من رشيد عالي الكيلاني و مبدر الكيلاني وعبد الرحيم الراوي أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة حيث جرت محاكمتهم ليلة 9/10 كانون الأول، وصدر الحكم على مبدر الكيلاني، وعبد الرحيم الراوي بالإعدام، ولم يثبت الاتهام ضد رشيد عالي الكيلاني، وتمت تبرئته من تهمة الاشتراك في المؤامرة. غير أن المحكمة استدعته مرة أخرى يوم 15 كانون الأول بتهمة جديدة هي تحريض دولة أجنبية على القيام بأعمال عدوانية ضد العراق، بعد أن تقدم كل من[مبدر الكيلاني] و[عبد الرحيم الراوي] برسالة إلى رئيس المحكمة طالبين الحضور إلى المحكمة لتقديم إفادة جديدة عن دور[رشيد عالي الكيلاني] في المؤامرة، وقد استجابت المحكمة إلى طلبهما واستدعتهما للتحقيق من جديد، حيث تحدثا أمام الهيئة التحقيقية بالتفصيل عن دوررشيد عالي الكيلاني بالمؤامرة، وهكذا أصبح الاثنان شاهدا إثبات في قضية جديدة.

كما استقدمت المحكمة شهوداً آخرين كان من بينهم[عبد الرضا سكر]. وفي 17 كانون الأول صدر الحكم ضد رشيد عالي الكيلاني بالإعدام شنقاً حتى الموت.

لكن عبد الكريم قاسم لم يتخذ أي أجراء فعّال ضد الضباط المشاركين في المؤامرة، بل أكتفي باحتجازهم لفترة قصيرة ثم أفرج عنهم، وعين عدد منهم في مناصب مدنية، وشارك هؤلاء فيما بعد في اغتيال الثورة، وعبد الكريم قاسم نفسه، فقد كان لهم دور رئيسي في انقلاب 8 شباط 1963 وكان تصرف قاسم هذا يمثل أحد أخطائه الكبرى في مهادنته وتسامحه مع المتآمرين والعفو عنهم لكي يكرروا أفعالهم من جديد التآمر على الثورة وعليه هو بالذات.  

حرص قاسم على أن تجري المحاكمة في بادئ الأمر بصورة سرية، نظراً لعلاقة الجمهورية العربية المتحدة بها، لكي لا يجعل المحاكمة سبباً في زيادة التوتر بين البلدين، ولم ينبس عبد الكريم قاسم بكلمة واحدة بحق الرئيس عبد الناصر طوال مدة حكمه.

غير أن المحكمة ارتأت بعد افتضاح أمر[الكيلاني] واعترافات مبدر الكيلاني وعبد الرحيم الراوي أن تُجرى بصورة علنية، حيث افتضح دور العربية المتحدة في تلك المؤامرة.

 وعلى اثر ذلك تعرضت محكمة الشعب إلى حملة شعواء من العربية المتحدة، والعناصر القومية والقوى الرجعية وعملاء الإمبريالية، وشركات النفط، وشيوخ الإقطاع الذين تضررت مصالحهم من جراء قانون الإصلاح الزراعي، وجردوا من سلطانهم على ملايين الفلاحين، وفقدوا مراكزهم السياسية في البلاد.

 لكن مهما قيل عن [محكمة الشعب] ورئيسها الشهيد العقيد [فاضل عباس المهداوي ] فأن تلك المحكمة كانت تمثل ضمير الشعب العراقي، فقد كانت تعقد جلساتها بصورة علنية، وتنقل للعالم على الهواء مباشرة عن طريق الإذاعة والتلفزيون، وتوكل المحامين للمتهمين، وتمنحهم حرية الدفاع عن أنفسهم واستدعاء شهود الدفاع.

 إن على الذين أدانوا و يدينوا محكمة الشعب ورئيسها الشهيد فاضل عباس المهداوي أن يحدثونا عن محاكم العهد الملكي، ومجالسه العرفية، ومحاكم انقلابيي 8 شباط 963 الفاشيين، وعن المحاكم الصدامية الذائعة الصيت، وجرائمها البشعة بحق الإنسانية التي أكدتها محاكمة المجرم عواد البندر رئيس ما كان  يسمى بمحكمة الثورة، والذي كان يصدر أحكام الإعدام بالجملة، ووصل به الأمر بمحاكمة العديد من المواطنين الذين كانوا قد استشهدوا في أقبية المخابرات تحت التعذيب الوحشي، والحكم بالإعدام على أطفال لم يتجاوزا الرابعة عشرة من العمر، وتنفيذ تلك الأحكام دون وازع من قانون ولا أخلاق ولا ضمير، فقد كانوا أولئك الحكام أدوات طيعة بيد الدكتاتور الأرعن صدام حسين الذي كان هو بالذات من يصدر الأحكام بالموت على المواطنين قبل أن تجري محاكمتهم الشكلية، ومن دون أن يكون لهم حق الدفاع الشخصي، ولا توكيل محامين للدفاع عنهم.

 

 

{21}

انقلاب العقيد عبد الوهاب الشواف

في الموصل:

 كان الانقسام في صفوف القوى الوطنية في أوائل عام 1959 قد بلغ مداه حيث رفضت القوى القومية والبعثية أي دعوة للتعاون والتلاحم من أجل مصلحة الشعب والوطن. فقد جرت في تلك الأيام انتخابات النقابات المهنية والمنظمات الجماهيرية، وبذل الحزب الشيوعي جهوداً كبيرة من أجل لمّ الشمل والخروج بقائمة موحدة في الانتخابات.

 لكن القوى القومية والبعثية رفضتا ذلك رفضاً قاطعاً، وأصرتا على خوض الانتخابات بصورة منفردة قاطعة الطريق على أي تقارب وتعاون.  جرت الانتخابات بروح ديمقراطية عالية، بإشراف ممثلين عن القائمة[الديمقراطية]التي ضمت الشيوعيين والديمقراطيين والبارتيين والقائمة[الجمهورية]التي ضمت البعثيين والقوميين، وقد لفوا حولهم كافة العناصر الإقطاعية والرجعية المناهضة للثورة أساساً تلك القوى التي وجدت فرصتها في ذلك الانقسام للظهور بمظهر القومية والوحدوية الزائفة، في حين كانت  لعهد قريب من أشد أعداء الوحدة وعبد الناصر، ولا تزال تلك الأحداث في ذاكرتي عندما فازت القائمة الديمقراطية [المهنية] لنقابة  للمعلمين، وكنت أحد مرشحيها، بفارق كبير، وأعترف ممثلي القائمة الجمهورية بتوقيعهم على محاضر الانتخابات بعد فرز الأصوات بان الانتخابات قد جرت في جو ديمقراطي لا تشوبه شائبة، وكانت نقابة المعلمين تمثل قطاعاً كبيراً من المثقفين، وقد تجاوز عدد أعضائها ما يربو على خمسة وخمسون ألف معلم ومدرس وأستاذ جامعي آنذاك.

كانت الانتخابات تلك خير مقياس لتوزيع القوى، حيث كان لها دور فاعل في الحياة السياسية للبلاد. وجرت بعد ذلك انتخابات الطلاب التي أظهرت الاستقطاب بين الأحزاب والقوى السياسية على غرار ما جرى في انتخابات نقابة المعلمين، وفازت القائمة الديمقراطية المسماة بـ[اتحاد الطلبة] فوزاً ساحقاً، وتبع ذلك انتخابات نقابة المهندسين والأطباء، ثم العمال والجمعيات الفلاحية، وفشلت تلك القوى الرافضة للتعاون بتحقيق الحصول على أي انتصار فيها. 

 لقد تعمق الاستقطاب في صفوف الحركة الوطنية، وأخذ التباعد يتسع يوماً بعد يوم، وأخذ الجانب الخاسر في التنافس الحر منحى آخر يستند إلى العنف في تحقيق ما عجز عن تحقيقه عن طريق التنافس الديمقراطي الحر، وبدأت عقولهم تفكر في استخدام القوة، والعنف لتغيير الأوضاع لصالحهم .

 وجد العقيد الشواف ـ آمر موقع الموصل ـ فرصته الذهبية في ركوب الموجة، فقد كان يشعر بأنه قد أصابه الغبن الكبير عند ما عُيين آمراً للواء الخامس بموقع الموصل، وكان يطمح في الحصول على منصب وزاري، أو منصب الحاكم العسكري العام عند قيام الثورة حتى لكأنما قامت الثورة لتوزيع المناصب على القائمين بها، وليس من أجل خدمة القضية الوطنية.

 كنت في تلك الأيام مديراً لإحدى مدارس الموصل[مسقط رأسي]، وكنت وأحس والمس ذلك الصراع يتطور ويتعمق، والانقسام يبلغ مداه ويتحول إلى عداء واعتداء، وتحول ذلك الجانب الخاسر في الانتخابات إلى عصابات تنتشر هنا وهناك تتحين الفرص للاعتداء على العناصر الديمقراطية والشيوعية بوجه خاص، وكانت توجيهات الحزب الشيوعي لرفاقه آنذاك  تقضي بعدم الانجرار وراء استفزازاتهم العدوانية، وتجنب الصدام معهم، وكان أمله في إعادة الصواب إلى رشد تلك القوى والعودة إلى التلاحم والتعاون من أجل مصلحة الشعب والوطن وديمومة الثورة ونضوجها وتعمقها، من أجل تحقيق أحلام الشعب العراقي الذي ضحى من أجلها سنين طويلة.

كان يدرك معنى الانقسام في صفوف الحركة الوطنية، والمخاطر التي تسببها، وفعل كل ما يمكن من أجل إعادة اللحمة للقوى الوطنية.

 إلا أن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح، وراحت تلك القوى تعد العدة تهيئ لمحاولة انقلابية في مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وكانت تحركاتهم وإعدادهم لذلك الانقلاب بادية للعيان، فيما كان الجانب الثاني من الاصطفاف ـ الشيوعيون والديمقراطيون، والبارتيون ـ يراقبون الأوضاع بدقة، مدركين أن الخطر لا يعني قاسم وحده، أو الثورة وحدها، وإنما يعني أيضاً تعرض كل القوى المساندة للثورة للتصفية، إذا ما تحقق النصر لمحاولتهم الانقلابية.

كان العقيد عبد الوهاب الشواف وعدد من الضباط القوميين والبعثيين ينشطون بهذا الاتجاه، وينسقون مع القوى الرجعية للإعداد لانقلابهم المشؤوم  بدعم مكشوف من نظام عبد الناصر.

وأنتهزنا نحن أعضاء المؤتمر الأول لنقابة المعلمين بالموصل  وجودنا في بغداد لحضور المؤتمر المنعقد في أواسط شباط  1959الفرصة، وطلبنا مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم لأمرٍ يخص الثورة والجمهورية وأمنها.

 وافق عبد الكريم قاسم على استقبالنا  في مقره بوزارة الدفاع، وحضرنا في الوقت المحدد، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى حضر الزعيم عبد الكريم قاسم دخل القاعة وسط التصفيق والهتاف باسم الثورة وقيادتها، وبدأ الزعيم الحديث موجهاً كلامه للوفد مرحباً به وقائلاً:

{ إنني واحداً منكم، أنتم مربي الأجيال، نعم  لقد كنت معلماً  في إحدى قرى الشامية بعد تخرجي من الإعدادية، وقبل أن أدخل الكلية العسكرية، وأنا فخورٌ بذلك}.

وتحدث الزعيم طويلاً عن دور المعلم في المجتمع، وبعد نهاية حديثه طلب من رئيس الوفد الشهيد[يحيى الشيخ عبد الواحد] الذي كان  يعرف بـ [ يحيى ق] وكان أكبرنا سناً بالحديث.

 بدأ الشهيد [ يحيى ق] الذي كان منذُ العهد الملكي مشهود له بالوطنية والمواقف الجريئة ضد حكم الطاغية نوري السعيد، بالحديث عن أوضاع الموصل المتدهورة، والنشاط التآمري الذي يجري في الموصل، موضحاً للزعيم أن العراق في خطر، وإن الثورة في خطر كذلك، إذا لم تسارع حكومة الثورة في معالجة الأمور بأسرع وقت ممكن من أجل نزع الفتيل قبل حدوث الانفجار، ومشيراً إلى العناصر التي تقود ذلك النشاط، وعلى رأسها العقيد الشواف، وزمرة من الضباط القوميين، والبعثيين المتعاونين معه، هذا بالإضافة إلى القوى الرجعية والإقطاعية وعلى رأسها شيخ مشايخ شمر الإقطاعي [أحمد عجيل الياور].

 وتحدث يحيى عن السلاح الذي كان المتآمرون ينقلونه عبر الحدود مع سوريا، وكذلك عملية تسليح قبائل شمر التي تدين بالولاء لرئيسها أحمد عجيل الياور أكبر إقطاعيي المنطقة الشمالية قاطبة، والنائب السعيدي المزمن في العهد الملكي، والحاقد على الثورة، وعلى قانون الإصلاح الزراعي الذي جرده من سلطانه،  كما تحدث يحيى عن نشاط عملاء شركات النفط في [عين زالة] في الموصل في هذا الاتجاه.

إلا أن رد الزعيم عبد الكريم قاسم جاء مخيباً للآمال، حيث أجاب الوفد بعباراته المشهورة التي كان يرددها دائماً في معظم خطاباته:

{الصبر و التسامح والكتمان والمباغتة}.

وقد رد عليه الأستاذ يحيى قائلاً:

يا سيادة الزعيم:

 هناك حكمة تقول الوقاية خيرٌ من العلاج، وإن انتظار حدوث الكارثة ومعالجتها بعد ذلك أمرٌ خطيرٌ جداً، وربما تكون لهذه المؤامرة امتدادات في مختلف أنحاء العراق، وربما تؤيدها غيرها من القطعات العسكرية في مناطق أخرى، وربما تنجح تلك المحاولات في اغتيال الثورة، وفي أحسن الأحوال حتى لو قامت المحاولة وفشلت، فلا أحد يستطيع إن يقدر نتائجها وأضرارها، لذلك فأن منع وقوعها أفضل بكثير من انتظار وقوعها والقضاء عليها.

وجاء رد فعل عبد الكريم قاسم علىغير المتوقع إطلاقاً، فقد غضب  من حديث الأستاذ يحيى وأجاب بانفعال قائلاً:{إننا ندرك الأمور إدراكاً جيداً، وإن العقيد الشواف رجل وطني مخلص وهو أحد أعضاء حركة الضباط الأحرار، فلا تهولوا الأمور وتضخمونها، نحن أقوياء واثقون من أنفسنا}. وعاد الأستاذ يحيى مخاطباً الزعيم قاسم قائلا :

سيادة الزعيم: إننا لا نطلب من سيادتكم سوى طلب بسيط، فنحن لا نطلب أن تعاقب أحداً أو تسجن أحداً، وكل ما نطلبه ببساطة نقل زمرة الضباط المذكورة، وتفريقها في مناطق أخرى منعاً لوقوع الواقعة.

 لكن الزعيم قاسم رفض ذلك رفضاً قاطعاً، وأجاب بحدة:

{هذه الأمور تتعلق بنا وحدنا، ولا نسمح لأحد بالتدخل فيها}.

وهكذا فقد بدا جو اللقاء مكفهراً، مما حدا بالمرافق الأقدم للزعيم  الشهيد [وصفي طاهر] إلى التدخل لتحسين الجو قائلاً:

{ إننا لا نهاب الشواف، ونحن قادرون على جلبه إلى هنا هاتفياً في أية لحظة} .

 وأخيراً بدا عبد الكريم قاسم يغير اتجاه الحديث، عارضاً منجزات الثورة وطموحاتها المستقبلية، وقبل نهاية اللقاء نهض وتناول مجموعة من صوره الموقعة من قبله، وأخذ يوزعها على أعضاء الوفد، وبذلك أنتهي اللقاء وغادرنا وزارة الدفاع والكل يضرب أخماساً بأسداس، كما يقول المثل، ويسأل بعضه بعضا: هل ستقع الواقعة ؟ بل متى ستقع بالتأكيد؟ وماذا ستكون النتائج ؟

عاد الوفد إلى الموصل والقلق بادٍ على وجوه الجميع، فقد كان الجو مكفهراً وينذر بالخطر الجسيم، وكل التوقعات كانت تشير إلى قرب وقوع الانقلاب.

وفي تلك الظروف البالغة الخطورة، قرر الحزب الشيوعي، وحركة أنصار السلام التي يقودها الحزب بنشاط  كبير تحدي المتآمرين، وتوجيه تحذير إليهم بأن مدينة الموصل سوف لن تكون مسرحاً لاغتيال الثورة ومنجزاتها، وأن الشعب العراقي سوف يقف بالمرصاد لأي تحرك ضدها، معلناً عن تنظيم مهرجان لأنصار السلام في الموصل في أوائل آذار 959 ، واستعدت القوى الديمقراطية والشيوعية والبارتية لذلك اليوم الموعود، وتقاطرت الوفود من أنحاء القطر للمشاركة في ذلك المهرجان.

كانت المسيرة من الضخامة وحسن التنظيم ما أقلق قوى الظلام وأثار غضبها، فنصبت لها الكمائن بالطريق لتصب جام غضبها على المسيرة، وأمطرتها بوابل من الرصاص والحجارة فجرح من جرح، وأدى ذلك إلى وقوع صدامات عنيفة بين المهاجمين والجماهير الغفيرة المشاركة في تلك المسيرة، مما أدى إلى وقوع أعداد كبيرة من الجرحى.

أكفهر الجو، ونزلت قوات كبيرة من الجيش والشرطة لإيقاف الصدام، وانتهى ذلك اليوم، وعادت الوفود إلى مدنها، وخيم الوجوم على الموصل وأبنائها، وتصاعد القلق كثيراً، فقد بدا واضحاً أن الوضع قد ينفجر في أية لحظة.

وبالفعل لم يكد يمضِ سوى يومين حتى نفذ المتآمرون فعلتهم ، بادئين ليلة 7/8  آذار باعتقال كل القادة والنشطاء في الأحزاب والمنظمات الديمقراطية، وخاصة منتسبي الحزب الشيوعي، وقد جرى الاعتقال بأسلوب الاحتيال، حيث طلب الشواف اللقاء معهم في مقره لدراسة الأوضاع السياسية المتدهورة  وسبل معالجتها، ولبى البعض ذلك النداء، ووقع في الفخ الذي نصبه الشواف لهم، واختفى الآخرون لشكهم بنواياه، وكان ما كان، حيث تم اعتقال الجميع ونقلهم بالشاحنات العسكرية  حيث أودعوا في الثكنة الحجرية.

 وفي الصباح كان المتآمرون قد هيئوا إذاعة منصوبة على شاحنة طويلة تحمل حاوية كبيرة جهزتها الجمهورية العربية المتحدة ونقلت عبر الحدود السورية، وبادر الشواف إلى إعلان بيانه الأول معلناً قيام الانقلاب، ومطالباً عبد الكريم قاسم بالاستقالة، وقد ارتأيت تضمين البيان الذي أذيع صبيحة ذلك اليوم 8 آذار 1959لكي يطلع القارئ على أهداف الانقلابيين.

 

نص بيان العقيد عبد الوهاب الشواف الانقلابي :

 أيها المواطنون :

 عندما أعلن جيشكم الباسل ثورته الجبارة في صبيحة 14 تموز الخالد عندها حطم الاستعمار وعملائه، وقضى على النظام الملكي، وأقام بمؤازرتكم وتأييدكم النظام الجمهوري الخالد، عندما فعل جيشكم ذلك كله لم يدر بخلده ، ولا بخلدكم ، أن يحل طاغية مجنون محل طاغية مستبد، وتزول طبقة استغلالية بشعة، ليحل محلها فئة غوغائية تعيث بالبلاد والنظام والقانون فساداً، ويُستبدل مسؤولون وطنيون بآخرين يعتنقون مذهباً سياسياً لا يمت لهذه البلاد العربية الإسلامية العراقية بمصلحة. أجل لم يدر بخلد جيشكم الباسل ولا بخلدكم أنتم أيها المواطنون الأباة ، وقد انصرم على قيام ثورتكم الخالدة ثمانية أشهر، ولم تكن بلادكم الوفيرة الخيرات إلا مسرحاً للفوضى والبطالة، فيتحطم اقتصادها الوطني، وتتعطل مشاريعها العمرانية، وتنتزع الثقة من النفوس، ويختفي النقد من الأسواق، وتعيث بالبلاد مقابل ذلك فئة ضالة باغية لا دين لها ولا ضمير، تخلق لها صنماً به لوثة في عقله وتعبده، ولا تخشى الله وتنادي به رباً للعالمين، وتُسخر موارد الدولة لتخلق منه زعيماً أوحداً، ومنقذاً أعظم .

هذا الزعيم الذي خان ثورة 14 تموز وعاث بمبادئها وأهدافها، ونكث بالعهد، وغدر بإخوانه الضباط الأحرار ونكل بهم، وأبعد أعضاء مجلس الثورة الأشاوس ليحل محلهم زمرة انتهازية رعناء، وقادته شهواته العارمة إلى تصدر الزعامة، وأعتمد على فئة تدين بعقيدة سياسية معينة لا تملك من رصيد التأييد الشعبي غير التضليل والهتافات الغوغائية والتظاهر وغير الزبد الذي يذهب جفاء، وركب رأسه وأعلنها دكتاتورية غوغائية، فنحى زعماء الثورة عن المسؤولية، وأطلق للإذاعة والصحف عنان الفوضى، حيث تخاصم جميع الدول، وتشنها حرباً عدوانية على الجمهورية العربية المتحدة، التي جازفت بكيانها من أجل نجاح الثورة، ودعم كيانها وكيان الجمهورية، وأستهتر بدستور جمهوريتنا المؤقت، وسلب مجلس السيادة المؤقت كل مسؤولياته الدستورية، وأحتكرها لنفسه، وأعلنها حرباً شعواء على الجهات الوطنية والعناصر القومية المخلصة فزج في المعتقلات آلافاً من المواطنين الأبرياء بما لم يسبق له مثيل حتى مع الطاغية [نوري السعيد ] ولا المجرم [عبد الإله] ولم يجرأ على فعلته الإجرامية أحد، وأنحرف منفذاً أوامر الجهات الغوغائية عن أغلى وأثمن ما يعتز به العراقيون عرباً وأكراداً، ألا وهو السير بسفينة البلاد إلى التضامن مع سائر البلاد العربية المتحررة، وأعلنها حرباً شعواء على الأمة العربية لدرجة أن صار الهتاف بسقوط القومية العربية شعاراً له ولزمرته الباغية الفاجرة، وسلك في سياسته الخارجية مسلكاً وعراً، فلم يتقيد بمبادئ الثورة التي ترى من سياسة الحياد الإيجابي شعاراً لا يمكن الانحراف عنه.

 لهذه الأسباب كلها أيها المواطنون الأباة في شتى أنحاء جمهوريتنا الخالدة، عزمنا باسم العلي القدير، بعد اتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن[ ناظم الطبقجلي] قائد الفرقة الثانية، ومع كافة الضباط الأحرار في جيشكم الباسل، وبعد مشاوراتنا مع سائر العناصر السياسية المخلصة، عزمنا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ جمهوريتنا على تحرير وطننا الحبيب من الاستعباد والاستبداد، وتخليصه من الفوضى، معلنين لكافة المواطنين عرباً وأكراداً وسائر القوميات العراقية الأخرى التي يتألف من مجموعها شعبنا العراقي الأبي الكريم إننا المحافظون على العهد، متمسكون بأهداف ثورة الرابع عشر من تموز الخالدة، مراعون مبادئ دستور جمهوريتنا الفتية نصاً وروحاً، عاملون على حسن تنفيذ وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وتطبيق سياسة اقتصادية اشتراكية ديمقراطية تعاونية، ونطالب بحزم وإصرار تنحي الطاغية المجنون وزمرته الانتهازية الرعناء عن الحكم فوراً، والقضاء على السياسة الغوغائية التي أخذت تمارسها فئة ضالة من شعبنا، لكي يسود النظام وحكم القانون في أرجاء وطننا الحبيب، ونعلن في هذه اللحظة التاريخية للعالم أجمع، أن سياستنا الخارجية منبثقة من مصالح شعبنا وأمتنا، وإننا إذ نتبنى سياسة الحياد الإيجابي الدقيق إزاء الدول الأخرى  نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا، نعلن باسم الشعب العراقي أننا سنحافظ على التزاماتنا الدولية بوصفنا عضواً في الأمم المتحدة، ونعتز بصداقة البلاد التي أدت لنا ولأمتنا العربية أجل العون في محنتها الماضية، ومن تلك البلاد الاتحاد السوفيتي وسائر البلدان الاشتراكية، وإلى جانب هذا، نعلن بإصرار تمسكنا باتفاقاتنا النفطية مع الشركات الأجنبية مراعين في ذلك مصالح اقتصادنا، وحقوقنا الشرعية، وسنضمن بحزم سير أعمال الشركات النفطية بكل حرية. ويسرنا أن نفتح صفحة جديدة من الصداقة القائمة على أساس الند للند مع كل دولة، ونود أن نوضح بجلاء أن أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية من أي دولة كانت، في هذه الفترة التي تسبق قيام مجلس السيادة بمسئوليته الدستورية، ليؤلف وزارة شرعية في العاصمة بغداد، بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، فأن هذا التدخل يعتبر

 ماساً باستقلال وسيادة جمهوريتنا، ويؤدي ذلك إلى أوخم العواقب.

إننا، إلى أن يستجيب عبد الكريم قاسم، فينصاع للحق، ويتنحى عن الحكم فوراً، وإلى أن يمارس مجلس السيادة سلطاته، ليؤلف وزارة بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، فقد أخذنا على عاتقنا بعد الاتكال على الله، مسؤولية إدارة البلاد، طالبين من إخواننا المواطنين الكرام شد أزرنا وعوننا، بالإخلاد إلى الهدوء والسكينة، دون أن يلزمونا إلى اتخاذ تدابير من شأنها الأضرار بالممتلكات، أو إلى سفك الدماء، وليكن كافة أبناء الشعب مطمئنين إلى إننا سنكون عند حسن ظنهم بتولي المطالبة بتحقيق أمانيهم . ونحذر في الوقت ذاته العناصر الهدامة من أننا سنأخذهم بالشدة إن عرضوا حياة المواطنين وحياة الأجانب وممتلكاتهم للخطر، وليعلم الجميع أن حركتنا الوطنية تستوي عندها جميع الفئات والهيئات، وأنها تحفظ لهم حقوقهم في الحرية إن لم يتجاوزا حدود القانون المرسوم ، والله ولي التوفيق.

 

                            العقيد الركن عبد الوهاب الشواف

                                         قائد الثورة

                                       8 آذار 1959

 

وبنظرة فاحصة لبيان العقيد الشواف، يتبين لنا أن الشواف لم يكن سوى رجل متعطش للسلطة والتزعم ، فلقد تجاوز قائده ورفيقه الزعيم [ ناظم الطبقجلي ] قائد الفرقة الثانية ، التي كان اللواء الذي يقوده العقيد الشواف تابعاً له، متخذاً له صفة قائد الثورة، مما دفع الزعيم الركن الطبقجلي إلى عدم التحرك والمشاركة في الانقلاب، على الرغم مما ورد في البيان حول الاتفاق معه لتنفيذ الانقلاب.

كما أن الحركة كانت قد اعتمدت على الدعم الخارجي من قبل الجمهورية العربية المتحدة، فقد أرسلت للانقلابيين محطة إذاعة متنقلة منصوبة فوق شاحنة كبيرة، مع كمية كبيرة من الأسلحة بالإضافة إلى الدعم الإعلامي الكبير عبر محطتي إذاعة دمشق وصوت العرب من القاهرة، وكان من المنتظر تقديم الدعم الميداني للحركة لو قدر لها الصمود فترة أطول، ولكن سرعة قمع الحركة حال دون ذلك.

حاول العقيد الشواف مغازلة شركات النفط، ومحاولة كسب ودها من أجل دعم انقلابه مطمئناً إياها بأنه سيلتزم بحزم بالاتفاقيات المعقودة معها، ويضمن مصالحها.

 لم يكن العقيد الشواف صادقاً بمواصلة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي  وهو الذي لف حوله العناصر الرجعية والإقطاعية التي كان على رأسها شيخ مشايخ شمر [احمد عجيل الياور] الإقطاعي الكبير، حيث جرى تسليح القبائل الموالية له وزجها في الحركة، كما ركز العقيد الشواف في بيانه حملته الشعواء على الشيوعيين متهماً إياهم بنفس التهم التي كان نوري السعيد  يستخدمها ضدهم في العهد الملكي في محاولة لكسب ود الغرب ودعمهم لحركته، واستخدم العقيد الشواف شتى النعوت والكلمات البذيئة بحق عبد الكريم قاسم والتي تعبر عن الضحالة وعدم النضوج، ونال استهجان غالبية الشعب العراقي، الذي يكن الولاء لقيادته.

 لقد تبين بوضوح أن حركة العقيد الشواف لم تكن سوى حركة لمجموعة من الضباط المغامرين التواقين إلى السلطة، ولا يستندون إلى أي قاعدة شعبية ولا عسكرية، فقد وقف فوج الهندسة التابع للواء القائم بالحركة  بكافة ضباطه وجنوده ضد الحركة الانقلابية منذُ اللحظة الأولى، وقاومه بقوة السلاح، أما الجنود وضباط الصف الذين كانوا بإمرة الانقلابيين، والذين انساقوا تحت وطأة الخوف من قادتهم، فسرعان ما انتفضوا على ضباطهم المتآمرين، وانضموا إلى جانب السلطة ومقاومة الانقلاب . وخلال المعارك التي دارت بين الانقلابيين، والقوى المساندة للسلطة، سقط من بين الانقلابيين (47) فرداً، وذلك حسبما ورد في تقرير الطب العدلي، وأكده المقدم الركن [يوسف كشمولة] أحد المشاركين في الحركة الانقلابية خلال الاحتفال الذي أقيم في ملعب الموصل إحياءً لذكرى ذلك الانقلاب ، بعد وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 63 ، وإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم، كما أن المجلس العرفي العسكري الذي أقامه انقلابيوا 8 شباط قد أكد العدد المذكور.

في ذلك الحين كانت إذاعة صوت العرب من القاهرة  تذيع أخباراً مذهلة عما سمته بالمجازر التي وقعت في الموصل، وادعت أن عدد القتلى من البعثيين والقوميين قد جاوز( 20) ألفاً ، في محاولة منها لإثارة القوى القومية والبعثية للانتفاض على حكومة الثورة وإسقاطها.

لقد سُخرت هذه الإذاعة في تلك الأيام للهجوم على حكومة الثورة، وعلى القوى الديمقراطية والشيوعية، مستخدمة أبذأ الكلمات والعبارات التي لا تليق بدولة كان لها من الاحترام والحب لدى الشعب العراقي إبان العهد الملكي ما يفوق الوصف، وخاصة عندما خاضت مصر بقيادة عبد الناصر معركة السويس عام 1956 ضد العدوان الثلاثي  البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي، ويتلهف لسماع إذاعة  [صوت العرب] .

لقد تكشف للأمة العربية وللعالم أجمع زيف وكذب تلك الإذاعة عما كانت تبثه من الأخبار المفبركة عن المجازر المزعومة في الموصل، وأساليب التحريض الرخيصة ضد ثورة 14 تموز وقيادتها، ليس حباً بالعراق وشعبه، ولا حرصاً على مصالحه، وإنما حباً في السيطرة على العراق وضمه قسراً للجمهورية العربية المتحدة، دون أخذ رأي الشعب العراقي في مثل هذا الأمر الخطير والهام الذي يتعلق بمصيره ومستقبله، وكان من المؤسف أن ينبري الرئيس عبد الناصر في خطاباته آنذاك ، يومي 11، و13 آذار لمهاجمة عبد الكريم قاسم ، واصفاً إياه بالشعوبي تارة، وقاسم العراق تارة أخرى، ومركزاً حملته على الشيوعيين، متهماً إياهم بالعمالة لموسكو، وبخيانة الأمة العربية، كما صورت أجهزة إعلامه الأحداث التي جرت خلال وبعد القضاء على تمرد الشواف بأنها أحداث رهيبة. 

لقد كان ذلك الموقف من الرئيس عبد الناصر من الأخطاء الكبرى في سياسته تجاه العراق وثورته، فقد كان الأحرى به أن يمد يده لعبد الكريم  قاسم من أجل دعم ونهوض حركة التحرر العربي، ومكافحة النفوذ الإمبريالي في أنحاء العالم العربي، والعمل على إيجاد أفضل الوسائل والسبل للتعاون والتضامن مع العراق، واتخاذ الكثير من الخطوات التي تعزز التعاون والتكامل في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية وغيرها من المجالات الأخرى وصولاً إلى إقامة أفضل أشكال الارتباط بين البلدين عندما  تتوفر الشروط الموضوعية الضرورية لنجاحها وديمومتها.

 إن الوحدة العربية  كانت أمل الملايين من أبناء شعبنا العربي، لكنها ينبغي أن تقام على أسس صحيحة ومتينة، وبأسلوب ديمقراطي بعيداً عن الضم، وأساليب العنف.

 لم تصمد حركة العقيد الشواف الانقلابية سوى أقل من 48 ساعة، فقد كان رد الفعل لحكومة الثورة، والحزب الشيوعي، والحزب الديمقراطي الكردستاني وسائر الجماهير الشعبية المساندة للثورة سريعاً وقوياً وحازماً، حيث جرى التصدي للانقلابيين، وقام فوج الهندسة التابع للواء المنفذ للانقلاب ، بالإضافة إلى جانب كبير من الجنود وضباط الصف ، وآلاف المسلحين العرب والأكراد الذين نزلوا إلى الشوارع للتصدي للانقلابيين، وإفشال خططهم للإطاحة بالثورة وحكومتها، وقامت طائرات من سلاح الجو العراقي بقصف مقر قيادة الشواف الذي أصيب بجروح خلال القصف، ونقل إلى المستشفى الميداني في معسكر الغزلاني حيث قتل هناك على يد النائب ضابط المضمد[يونس جميل]،وبمقتله تلاشت مقاومة الانقلابيين. وهكذا فشل تمرد الشواف، وتمت السيطرة على المدينة خلال أقل من 48 ساعة، وتم اعتقال عدد من الضباط المتآمرين، فيما هرب البعض الآخر إلى سوريا، وذهب ضحية ذلك الانقلاب حوالي (135) فرداً من الجنود الذين ساهموا في قمع الانقلاب.

 

الأحداث التي رافقت قمع المحاولة الانقلابية: 

لا أحد يستطيع أن ينكر وقوع أحداث وتصرفات مؤلمة ما كان لها أن تحدث، قامت بها عناصر معينة أساءت إساءة كبرى للحزب الشيوعي، فقد جرى قتل وسحل عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية، وجرى نهب وحرق بيوتهم، وكان ذلك عمل لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال، وهو بعيد كل البعد عن الروح الإنسانية.لقد وقف الحزب الشيوعي موقف المتفرج على ما جري، دون أن يحاول إيقاف تلك الأعمال والسيطرة على الغوغاء. كما أقترف الحزب خطاً أكبر عندما نصّبَ عدد من كوادر الحزب أنفسهم حكاماً، وقاموا بمحاكمة عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية، حيث حكموا على 17 منهم بالإعدام، ونفذ الحكم في منطقة الدملماجة.

 ولاشك أن ذلك العمل أمرٌ مرفوضٌ، ولا يمكن قبوله إطلاقاً، ولقد كان الأجدى بأولئك القادة أن يعتقلوا هؤلاء المتهمين بالتآمر، وتسليمهم للسلطة الشرعية لتحيلهم بدورها إلى المحاكم المختصة لمحاكمتهم، والحكم على كل من تثبت مشاركته في المحاولة الانقلابية، فليس من حق أحد أن يمارس السلطة القضائية، ويصدر وينفذ الحكم دون تخويل.

لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه الذي جرى تحذيره كما ورد سابقاً، من حدوث ما لا يحمد عقباه، ولكنه صمّ أُذنيه عن سماع التحذير، ورفض اتخاذ أي إجراء لمنع وقوع الكارثة، في حين كان بإمكانه أن يفعل ذلك . والأنكى من كل ذلك فأن قاسم نفسه، اتخذ فيما بعد من تلك الأحداث ذريعة ليصفي نفوذ الحزب الشيوعي في العراق، موجهاً الاتهامات لهم، ولاصقاً بهم الجرائم، بعد أن كان قد أستقبل وفداً من قيادة الموصل للحزب بعد قمع انقلاب الشواف مباشرةً، وخاطبهم قائلا: {بارك الله فيكم، و كثّرَ الله من أمثالكم من المخلصين لهذا البلد}!!.

غير أنه لم يمضِ سوى بضعة أشهر على ذلك اللقاء حتى بادر قاسم إلى اعتقال كافة الشيوعيين النشطين، وأودعهم سجن بغداد، ثم أحالهم إلى المجالس العرفية التي أصدرت بحقهم أحكاماً قاسية وصلت حتى الإعدام، وأبقاهم رهائن في السجن لكي يأتي انقلابيوا 8 شباط 1963 وينقذوا فيهم حملة إعدامات بشعة ويعلقون جثثهم على أعمدة الكهرباء في شوارع الموصل وكركوك بعد أن مارسوا التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم. كان لموقف قاسم الجديد خير مشجع لنشاط الزمر الرجعية والعناصر التي شاركت في محاولة الشواف الانقلابية، والتي تكّن أشد العداء له ولثورة الرابع عشر من تموز، ولم يدرك قاسم أن عمله هذا إنما يعني انتحاره ونحر الشعب العراقي، ونحر الثورة كذلك. لقد اتخذت تلك القوى من موقفه الجديد ذريعة لهم لشن حملة واسعة من الاغتيالات استمرت أكثر من ثلاث سنوات، وذهب ضحيتها مئات الوطنيين الأبرياء، مما سأتناوله فيما بعد. وللحقيقة والتاريخ أقول أن الحزب الشيوعي لم يكن يستحق من قاسم هذا الجزاء رغم كل ممارساته الخاطئة، فقد كان الحزب وفياً لقيادته سانده وحماه، وحمى الثورة في أشد الأيام صعوبة وخطورة، ولم يفكر يوماً في خيانته، أو محاولة سلب السلطة منه آنذاك، في حين أن فرصاً كثيرة كانت لدى الحزب للسيطرة على الحكم بكل سهولة ويسر لو شاء ذلك. لقد كانت مواقف قاسم تلك من الحزب الشيوعي أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اغتيال الثورة، واغتياله هو بالذات.لقد جرد نفسه من كل سند يحميه، وأخذ منه الغرور مكانه، معتقداً أن تلك القوى المعادية لمسيرة الثورة ستعود إلى رشدها وتغير موقفها من السلطة.

 لكن الواقع كان يشير إلى تنامي الخطر الرجعي والنشاط التآمري على المستويين المحلي والدولي، من أجل إسقاط الثورة، وهذا ما تم فعلاً على يد تلك الزمرة الانقلابية يوم 8 شباط 1963.

 لقد حكم الإمبرياليون بالموت على عبد الكريم قاسم منذُ اللحظة التي قاد فيها ثورة 14 تموز ضد النظام الملكي المرتبط بهم، وقد حاولوا اغتيال الثورة في أيامها الأولى بالتدخل العسكري المباشر عندما نزلت القوات البريطانية في الأردن و الأمريكية في لبنان، وعندما حشدت تركيا قواتها على طول الحدود العراقية.

 لكن موقف الاتحاد السوفيتي الحاسم لدعم الثورة، وتهديدهم للإمبرياليين من مغبة العدوان على العراق حال دون ذلك، وأضطر الإمبرياليون إلى تغير خططهم في إسقاط الثورة بأسلوب التآمر.

 وعندما أقدم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 961، واستطاع انتزاع 99,5 % من المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة بلغ استفزاز الثورة لهم أقصى درجاته، وجعلهم يركزون جهدهم بشكل محموم  لإسقاط الثورة.

 لقد كان على قاسم أن يقدر طبيعة الصراع مع الإمبريالية، وأن يأخذ الدروس من مصير الدكتور مصدق، رئيس وزراء إيران الذي أمم النفط الإيراني، لكنه لم يتخذ الإجراءات الاحترازية من دسائس الإمبرياليين ومؤامراتهم، ووقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه مصدق فكان الانقلاب الذي دبرته الإمبريالية الأمريكية، والذي انتهي بكارثة كبرى على الشعب الإيراني .

وانتهى قاسم إلى الموت في التاسع من شباط 1963، وحلت الكارثة الكبرى بالشعب العراقي، حيث جرّت تلك الأحداث المآسي والويلات على شعبنا منذُ ذلك التاريخ ، وبوجه خاص الحروب الإجرامية التي شنها صدام حسين، والتي كان هو السبب في نشوبها والتي استمرت منذ عام 1980 وحتى سقوط نظامه على أيدي القوات الأمريكية وحلفائها في التاسع من نيسان 2003.

 

 

 

 

المقدمة 

محتويات الكتاب

الفصل (4)

الفصل (3)

الفصل (2)

الفصل (1)

الفصل (8)

الفصل (7)

الفصل (6)

الفصل (5)

الفصل (12)

الفصل (11)

الفصل (10)

الفصل (9)

الفصل (16)

الفصل (15)

الفصل (14)

الفصل (13)