حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل الخامس
16ـ نشوء حركة الضباط الأحرار.
17ـ التنسيق بين حركة الضباط وجبهة الاتحاد الوطني.
18 ـ ثورة 14 تموز 1958 .
19ـ رد الفعل العربي والدولي على ثورة 14 تموز.
{16}
نشوء حركة الضباط الأحرار
كان لتمادي السلطة الحاكمة في
العراق في سياستها المعادية لمصالح الشعب والوطن، وانتهاكها للحقوق والحريات
العامة، وقمع الصحافة، وتزوير الانتخابات، واتخاذ الأحكام العرفية وسيلة لقمع
الاحتجاجات الشعبية على تلك السياسة اللاوطنية، والخنوع التام للسيطرة الإمبريالية،
وتآمر الحكام العرب، ومن بينهم حكام العراق على القضية الفلسطينية، من أهم العوامل
التي شجعت الضباط الوطنيين على التفكير في تنظيم الخلايا الثورية في صفوف الجيش،
والعمل على إسقاط النظام الملكي المرتبط كلياً بالمصالح الإمبريالية.
وجاء وقوع الاعتداء الثلاثي على
مصر عام 1956، والموقف الخياني لحكومة نوري السعيد من مصر وقيادتها، وتحديها
لمشاعر الشعب العراقي والأمة العربية، ووقوفها بجانب الإمبريالية، جعل السخط
يتنامى على تلك السلطة، وتجددت المحاولات لتشكيل منظمات متعددة للضباط الأحرار،
كان أبرزها التنظيمات الأربعة التالية:
1ـ تنظيم الزعيم
الركن عبد الكريم قاسم.
2 ـ تنظيم العقيد الركن محي الدين عبد الحميد.
3 ـ تنظيم العقيد رفعت الحاج سري.
4 ـ تنظيم الحزب الشيوعي.
وفي كانون الثاني 1956 جرى لقاء في
منزل الرائد الطيار المتقاعد محمد السبع
حضره قادة المجموعات الثلاث الأولى، وبعد مناقشات مستفيضة حول أهداف
التنظيمات وتوجهاتها ، تم الاتفاق على دمج هذه التنظيمات تحت اسم {اللجنة العليا
لحركة الضباط الأحرار}، وجرى انتخاب الزعيم الركن عبد الكريم قاسم رئيسا للجنة.
وبعد ذلك جرى انتخاب أعضاء اللجنة
العليا برئاسة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، وجرى انتخاب محي الدين عبد الحميد
وناجي طالب نائبين للرئيس، وانتخب رجب عبد المجيد سكرتيراً. وتم الاتفاق على منع
الكتابة بأي شكل من الأشكال حرصاً على سلامة التنظيم، ولم يتم وضع ميثاق مكتوب يتضمن أسس العمل.
كما اتخذ قراراً
بعدم جواز ضم أي ضابط جديد دون موافقة جميع أعضاء اللجنة العليا، وأن يكون التنظيم
على شكل خلايا لا يتجاوز عدد كل خلية عن خمسة أعضاء ولا يقل عن ثلاثة، وجرى
الاتفاق على عدم إصدار أي نشرة باسم اللجنة حرصاً على سلامة التنظيم من الانكشاف
أمام السلطة.
كما جرى الاتفاق على أن الاتصال
بالأحزاب السياسية الوطنية يجري من قبل عدد قليل من أعضاء اللجنة، مع عدم الارتباط
بأي حزب سياسي، وتم الاتفاق كذلك على الاستفادة من حركة أي وحدة عسكرية تمّر في
بغداد لتنفيذ الثورة.
بلغ عدد الضباط المنتمين للحركة
203 ضابط من مختلف الرتب والوحدات العسكرية، من رتبة ملازم وحتى رتبة لواء،
بالإضافة إلى عدد كبير من الضباط الذين تربطهم علاقات وثيقة بأعضاء التنظيم،
والذين آثروا عدم الانضمام للتنظيم، لكنهم ابدوا استعدادهم لمساندة أي تحرك في
حينه. ومن الملاحظ أن أغلبية أعضاء التنظيم من الضباط تنتمي إلى الطبقة الوسطى
والبرجوازية الصغيرة، ما عدى الزعيم عبد الكريم قاسم الذي ينحدر من أسرة فقيرة، و
خالد مكي الهاشمي الذي ينتمي إلى أسرة برجوازية.
أما ما يخص التنظيم الشيوعي، فقد
بقي خارج اللجنة العليا ولكنه كان على اتصال وثيق بالزعيم عبد الكريم قاسم، واتفق
مع اللجنة العليا على أن يقوم بدعم فوري لتحرك اللجنة العليا، وتنفيذ كل الواجبات
التي يتطلبها نجاح الثورة دون تحفظ.
لقد كان حُسن
التنظيم وسريته عاملان حاسمان في نجاح الثورة التي فاجأت ليس فقط أجهزة النظام
الأمنية فحسب، بل وأجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية على حد سواء، ولم يعرف
أحد عنها إلا عند إذاعة البيان الأول من دار الإذاعة في بغداد في الساعة السادسة
والنصف من صبيحة الرابع عشر من تموز عام
1958.
{17}
التنسيق بين اللجنة العليا لحركة لضباط
وجبهة الاتحاد الوطني
بعد أن تمّ تشكيل اللجنة العليا
لحركة الضباط الأحرار وانتخاب قيادتها، رأت القيادة ضرورة إجراء الاتصال باللجنة
العليا لجبهة الاتحاد الوطني التي ضمت الأحزاب السياسية الوطنية المعارضة من أجل
تنسيق العمل معها في أي تحرك لقلب نظام الحكم الملكي، حيث الإسناد الشعبي لأي حركة
ثورية يلعب حتماً دوراً حاسماً في النجاح.
كما أن الحزب
الشيوعي كان له تنظيم واسع في الجيش، كما أسلفنا، يقوده العقيد حسين الجبوري،
وبأشراف عضو اللجنة المركزية للحزب عطشان الأزيرجاوي، وكان هذا التنظيم قد أبدى
كامل استعداده لإسناد أي تحرك لحركة الضباط الأحرار.
كما كان لحزب البعث العربي
الاشتراكي تنظيم آخر يضم عدداً محدوداً من صغار الضباط، وعلى ذلك فقد بادرت اللجنة
العليا للضباط الأحرار من خلال أمين السرالعقيد[رجب عبد المجيد] بالاتصال بزعيم
حزب الاستقلال [ محمد مهدي كبة] وأمين سرحزب البعث [ فوأد الركابي]، فيما
بادر[الزعيم عبد الكريم قاسم] بالاتصال بالحزب الشيوعي عن طريق صديقه [رشيد مُطلك]
حيث تم الاتصال بالمكتب السياسي للحزب الشيوعي. كما بادر[عبد الكريم قاسم] للاتصال
بالسيد [كامل الجادرجي]
زعيم الحزب الوطني الديمقراطي الذي
كان يتمتع بمنزلة كبيرة كقائد وطني، ومتأثراً بأفكار الأهالي، صحيفة الحزب، وجرى
التنسيق بين اللجنتين استعداد لليوم الموعود، كما جرى أيفاد[ حسين جميل ] إلى
القاهرة للالتقاء بالرئيس عبد الناصر، والتباحث معه حول ما يمكن أن يقدمه من دعم
وإسناد للثورة، وقد وعده عبد الناصر بتقديم كل دعم ممكن.
كما تحدث الرئيس
عبد الناصر مع السفير السوفيتي حول ما يمكن أن يقدمه الاتحاد السوفيتي من دعم لأي
تحرك في العراق، وجاء الرد السوفيتي بالإيجاب مبدياً استعداده لمنع أي اعتداء على
العراق في حالة قيام الثورة.
وفي اجتماع
اللجنة العليا قبيل الثورة، قدم الزعيم ناجي طالب اقتراحا يقضي بإعلان الوحدة الفورية
مع الجمهورية العربية المتحدة فور وقوع أي عدوان أو تدخل ضد الثورة، وتمّ قبول
الاقتراح.
وهكذا أصبحت الحركة الثورية ناضجة،
وقد اكتملت كل مقوماتها وبات قادتها ينتظرون بتلهف لليوم المناسب لانطلاقها بفارغ
الصبر.
{18}
ثورة 14 تموز1958
على إثر قيام الوحدة بين سوريا
ومصر عام 1958، قررت حكومة نوري السعيد، بإيعاز من سادة حلف بغداد، إرسال قوات
عراقية إضافية إلى الأردن، حيثُ سبق وأن أرسلت رتل الهادي من قبل، بغية التهيئة
والأعداد للعدوان على سوريا وفك الوحدة، ومن ثم التقدم نحو لبنان لتقديم الدعم
والإسناد لرئيس الجمهورية اللبنانية [كميل شمعون ]، ولقمع الثورة التي أشتعل
لهيبها آنذاك.
وقع الخيار على
إرسال اللواء التاسع عشر الذي يقوده الزعيم الركن [عبد الكريم قاسم ]،واللواء
العشرين الذي يقوده الزعيم الركن [حقي محمد علي] وهو لا يرتبط بأي علاقة بالضباط
الأحرار.
كان اللواء العشرين يضم ثلاثة
أفواج، يقود الفوج الأول فيه العقيد[عبد اللطيف الدراجي]، فيما يقود الفوج الثالث
العقيد الركن[عبد السلام عارف] أما الفوج الثاني فكان بقيادة العقيد الركن [يسين
محمد رؤوف] وهو من غير المنتمين لحركة الضباط الأحرار.
تقرر أن تتحرك القوات العسكرية
ليلة13/ 14 تموز 958. وهكذا جاءت الفرصة المناسبة للثورة، ولاسيما وأن عبد الإله
ونوري السعيد، اللذان كانا قد غادرا العراق قد عادا إلى بغداد في 12تموز، وكان من
المقرر سفرهما مع الملك فيصل الثاني صباح ذلك اليوم المقرر للثورة إلى تركيا لحضور
اجتماع قمة حلف بغداد. وعليه عقدت القيادة العليا لحركة الضباط الأحرار اجتماعاً
لدراسة التحرك، وتم ّالاتفاق على أن يقوم اللواء العشرين بتنفيذ الثورة أثناء
مروره في بغداد، في طريقه إلى الأردن، فيما يقوم اللواء التاسع عشر بحماية مؤخرة
اللواء العشرين من جهة والتوجه نحو بعقوبة للسيطرة على مقر قيادة الفرقة الثالثة
واعتقال قائدها اللواء الركن[غازي الدغستاني] معاون رئيس أركان الجيش، وأحد كبّار
الضباط المعتمدين للنظام الملكي، والذي كانت فرقته تشكل الخطر الأكبر على الثورة.
هكذا إذاً حلت الفرصة التاريخية التي طال انتظارها، وجرى على عجل التخطيط والتهيئة
لمستلزمات السيطرة على بغداد وبقية المدن الأخرى، وتعبئة القوى الثورية المنضوية
تحت لواء اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار، وجرى الاتصال برتل الهادي في الأردن
يوم 13تموز قبل يوم واحد من قيام االثورة
حيث قام الملازم الأول[محمد حسن شلال] بإبلاغ الرتل المذكور.
وهكذا جرى توزيع المهام وتهيأ
الجميع للاستماع إلى دار الإذاعة، كما جرى الاتصال بقيادة اللجنة العليا لجبهة
الاتحاد الوطني، وتمّ إبلاغهم بموعد الثورة من أجل التهيؤ لإسنادها من قبل جماهير
الشعب حال انطلاقها، وبالفعل أصدر الحزب الشيوعي العراقي بياناً داخليا وزعه بصورة
محدودة على الكوادر العليا للحزب في 12تموز 58 يشير إلى قرب وقوع أحداث هامة،
ويعطي التوجيهات التالية:
توجيه عام:
نظراً للظروف
السياسية المتأزمة، الداخلية والعربية، ووجود احتمالات تطورها بين آونة وأخرى،
وبغية ضمان وحدة النشاط السياسي لمنظماتنا الحزبية في الظروف الطارئة، والمعقدة
نرى من الضروري في الوقت الحاضر أن تكون شعاراتنا الأساسية: الخروج من ميثاق
بغداد، وإلغاء الاتفاقية مع بريطانيا، والوقوف ضد مبدأ ايزنهاور، وإطلاق الحريات
الديمقراطية لجماهير الشعب، حرية التنظيم الحزبي والنقابي وحرية النشر والاجتماع،
وإعلان العفو العام عن المحكومين السياسيين وإطلاق سراحهم، وإلغاء المراسيم
والقوانين غير الدستورية التي تستهدف
الحركة الوطنية، واتخاذ التدابير الفعالة لحماية ثروتنا الوطنية واقتصادنا، والعمل
على حل المشاكل المعيشية لجماهير الشعب، وقيام حكومة تنتهج سياسة وطنية عربية
مستقلة، تدعم نضال الشعب اللبناني، وسائر الشعوب العربية، وتخدم السلم وتحول
{الاتحاد العربي} إلى اتحاد حقيقي بين
الأردن والعراق ليضمن مصالح شعبنا، ويخدم النضال ضد الاستعمار والصهيونية، ومن أجل
الوحدة العربية، وإقامة اتحاد فيدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة ونرى التأكيد
على ما يلي:
1 ـ ضرورة تجنب
إبراز شعارات مبهمة، أو متطرفة، أو تلك التي تمجد هذا الزعيم أو ذاك من قادة
الحركة الوطنية على حساب طمس شعاراتنا الأساسية، والتقليل من شأن نضال الجماهير
الشعبية، والجبهة الوطنية.
2 ـ ضرورة إبداء
اليقظة السياسية العالية تجاه مختلف المناورات والمؤامرات وتجاه نشاط عملاء
الاستعمار، والعمل بحزم وبأمانة تامة لسياسة الحزب واعتبار أن واجبنا الأساسي في
كل الظروف هو تعبئة أوسع الجماهير الشعبية، ولفها حول الشعارات الصائبة في اللحظة
المعينة وحول الشعارات الكبرى لحركتنا الوطنية الديمقراطية.
الحزب الشيوعي
العراقي 13 تموز 1958
كان إذاعة البيان الأول عبر دار
الإذاعة بمثابة ساعة الصفر لتحرك قوى الثورة، وقيام الضباط الأحرار في رتل الهادي
بالأردن بالسيطرة على الرتل، وإعلان ارتباط الرتل بقيادة الثورة، وتلقي الأوامر
منها، وفعلا تمّ إعداد كل شيء.
كما جرى تحديد
الأهداف التالية التي ينبغي التوجه إليها والسيطرة عليها على جانبي الكرخ والرصافة
وهي:
1ـ دار الإذاعة التي تتسم بأهمية خاصة، حيث ينبغي إذاعة
البيان الأول للثورة الذي يمثل ساعة الصفر لبقية القوى المشاركة في الثورة، ولدفع
جماهير الشعب للنزول إلى الشوارع لدعم الثورة وإسنادها.
2ـ السيطرة على قصر الرحاب، قرب جسر الخر، حيث كان الملك
فيصل، وولي العهد عبد الإله متواجدين فيه.
3ـ السيطرة على مديرية الشرطة السيارة،الجهاز القمعي
الذي جرى إعداده لقمع أي تحرك شعبي ضد الحكومة.
4 ـ السيطرة على
معسكرات الجيش، الوشاش، وأبو غريب، والرشيد، لضمان شل حركة أي مقاومة للثورة،
وشبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية، ومطار بغداد الدولي، وزارتي الدفاع
والداخلية، ومديرية الشرطة العامة، ومديرية التحقيقات الجنائية [مديرية الأمن
العامة] والبنك المركزي ومن ثم بقية الوزارات الأخرى السيطرة على قصر نوري السعيد
واعتقاله.
ساعة الصفر:
كان موعد الحركة للقوات العسكرية
قد حُدد الساعة الثالثة فجراً، وفي الوقت المحدد قبيل تحرك القوات استطاع [عبد
السلام عارف] و[عبد اللطيف الدراجي] التحفظ على آمر اللواء العشرين الزعيم
الركن[احمد حقي] وإرساله إلى الفلوجة أمام الرتل المتقدم دون أن يفقه سبب ذلك ،
واعتقال آمر الفوج الثاني العقيد الركن [ياسين عبد الرؤوف] بعد أن فاتحه عبد
السلام عارف للانضمام إلى قوى الثورة حيث رفض للتعاون، وبذلك تمّ لعبد السلام عارف
التحرك نحو بغداد بعد أن وزع العتاد الذي كان قد خزنه بصورة سرية استعداداً لهذا
اليوم.
وفي الوقت نفسه تحرك اللواء التاسع
عشر بقيادة الزعيم الركن[عبد الكريم قاسم] نحو مقر الفرقة الثالثة في بعقوبة
للسيطرة عليها واعتقال قائدها اللواء الركن غازي الداغستاني الذي يعتمد عليه
النظام الملكي، وقد قام بتنفيذ هذا الواجب الرئيس قاسم
الجنابي آمر سرية
هندسة اللواء. كما جرى إبلاغ
رفاقهم في حركة الضباط الأحرار في الديوانية، حيث مقر قيادة الفرقة الأولى، بضرورة
اعتقال قائد الفرقة الزعيم الركن [عمر علي ] وآمر
لواء المشاة الأول في المسيب الزعيم الركن [وفيق عارف] شقيق رئيس أركان الجيش، ومساعديه من الضباط.
كان الهدف الأول لعبد السلام عارف
السيطرة على دار الإذاعة، و إذاعة البيان الأول للثورة، وتوجه إليها وبصحبته قوة
تتألف من دبابتين، فيما سبقه إليها النقيب [خزعل السعدي] وبإمرته ثمان دبابات
أخرى، وتمّ لقوى الثورة السيطرة على دار الإذاعة بكل يسرٍ وسهولة، وأسرع عبد السلام
عارف بإذاعة البيان الأول في تمام الساعة السادسة والنصف من صباح يوم 14 تموز
1958.
بيان من القائد العام للقوات المسلحة :
بسم الله الرحمن الرحيم :
أيها الشعب العراقي الكريم :
بعد الاتكال على الله، مؤازرة
المخلصين من أبناء الشعب والقوات المسلحة،أقدمنا على تحرير الوطن العزيز من سيطرة
الطغمة الفاسدة التي نصّبها الاستعمار لحكم الشعب، والتلاعب بقدراته لمصلحتهم، وفي
سبيل المنافع الشخصية.
أيها الأخوان:
إن الجيش هو
منكم واليكم، قد قام بما تريدون، وأزال الطبقة الباغية التي استهترت بحقوق الشعب،
فما عليكم إلا أن تؤازروه، وأعلموا أن الظفر لا يتم إلا بترصينه والمحافظة عليه من
مؤامرة الاستعمار وأذنابه. وعليه فأننا نوجه إليكم نداءنا للقيام بإخبار السلطات
عن كل مفسد ومسيء وخائن لاستئصاله، ونطلب منكم أن تكونوا يداً واحدة للقضاء على
هؤلاء والتخلص من شرهم.
أيها المواطنون: إننا في الوقت
الذي نكبر فيكم الروح الوطنية الوثابة والأعمال المجيدة، دعوكم إلى الخلود للهدوء
والسكينة، التمسك بالنظام والاتحاد والتعاون، والعمل المثمر في سبيل مصلحة الوطن.
أيها الشعب: لقد أقسمنا أن نبذل
كلّ عزيز علينا في سبيلكم، كونوا على ثقة واطمئنان بأننا سنواصل العمل من أجلكم،
أن الحكم يجب أن يعهد إلى حكومة تنبثق من الشعب، تعمل بوحي منه، هذا لا يتم إلا
بتأليف جمهورية شعبية تتمسك بالوحدة العراقية الكاملة، ترتبط برباط الأخوة مع
الدول العربية والإسلامية، وتعمل بمبادئ الأمم المتحدة، وتلتزم بالعهود والمواثيق
وفق مصلحة الوطن،وقرارات مؤتمر باندونك، وعليه فأن الحكومة الوطنية تسمى منذُ
ألان{ الجمهورية العراقية}، وتلبية لرغبة الشعب قد عهدنا رئاستها بصورة وقتية إلى
مجلس سيادة يتمتع بسلطة رئيس الجمهورية ريثما يتم استفتاء الشعب لانتخاب الرئيس،
فالله نسأل أن يوفقنا قي أعمالنا لخدمة
وطننا العزيز إنه سميع مجيب.
بغداد في السادس والعشرين من شهر
ذي الحجة 137هجرية والموافق لليوم الرابع
عشر من تموز 1958.
الزعيم الركن
عبد الكريم قاسم
القائد
العام للقوات المسلحة
مهاجمة قصر الرحاب ومقتل العائلة المالكة
كان إذاعة البيان الأول للثورة بصوت
عبد السلام عارف إيذانا بحلول ساعة الصفر، وتحرك القوات العسكرية الثورية بقيادة
الضباط الأحرار للسيطرة على جميع المرافق العامة، وكافة الأهداف المحددة حيث واصلت
تقدمها، وسيطرتها على وزارة الدفاع، ومديرية الشرطة السيارة، ومعسكر الوشاش، ومطار
بغداد الدولي، والاتصالات السلكية واللاسلكية، فيما تقدمت قوة أخرى إلى قصر
الرحاب.
كان على رأس تلك
القوة النقيب [منذر سليم] ومعه
أمراء الفصائل كل من الملازم عبد
الجواد حميد، والملازم عبد الكريم
رفعت، وكان لدى كل جندي عشرون طلقة
بندقية، وعندما اقتربت القوة من الباب الخارجي شعر حرس
القصر بتواجدهم وحركتهم المريبة، حيث جرى تبادل الكلام
والصياح بين الطرفين، وقد أطلق على أثرها الجنود بعض الاطلاقات بأمر من آمر السرية.
وعلى أثر ذلك
انسحب الحرس إلى
داخل القصر، وتقدمت السرية ودخلت حديقة
القصر، وأخذ الجنود وضع
الانبطاح مستفيدين من وجود
شجيرات وسواقي الحديقة، ومن
ثم بدأ إطلاق النار بكثافة حتى
أوشك العتاد على النفاذ لدى الجنود، وبذلك أصبح موقف السرية حرج للغاية، وفي تلك الأثناء
وصلت مدرعة عسكرية بقيادة الملازم الأول عبد
الرزاق غصيبة، ومعه الملازم جبار خضر الحيدر، وكلاهما ومن منتسبي الحزب الشيوعي، حيث قدما لدعم
موقف القوة المهاجمة بعد أن
احتلا معسكر الوشاش.
وبعد أن أخبرهما
آمر السرية بالموقف،
وبالحاجة الماسة للعتاد، أسرعا على
الفور بالذهاب إلى مدرسة الأسلحة
في معسكر الوشاش مقابل
القصر، وكان فيها آنذاك
كل من الملازم الأول [عبد الستار العبوسي ] و[الملازم
الأول عبد الله الحديثي] حيث قام العبوسي
بفتح مشجب المدرسة وأخذ
كمية من العتاد، وعاد معهماالملازم [مصطفى عبد
الله] وهو من
ضباط الدورة التدريبية، حيث وصلوا
جميعا إلى إلى قصر الرحاب.
وجرى توزيع العتاد على الجنود، واستمر تبادل إطلاق النار
بين الطرفين في محاولة لدفع
الحرس للتسليم دون قيد أو
أو شرط.
كان المفاوض من قِبل القوة المهاجمة آمر السرية
النقيب[ منذر سليم] ومن
الجانب المقابل كان
المفاوض مرافق الملك فيصل الثاني
النقيب [يونس ثابت] والذي كان
بنفس الوقت ضابط الخفر في تلك الليلة.
كما كان
متواجداً في القصر الرئيس
[محمود صالح] الذي أجرى اتصالا بمقدم الخفر
لتلك الليلة [ طه البامرني] حيث كان متواجداً في مقر
لواء الحرس في
ثكنة قصر الزهور[ قصر الملك فيصل الثاني] طالبا منه
التصدي للقوات المهاجمة، إلا أنه لم يستجب
لطلبه لتحريك القطعات ضدها.
وفي تلك اللحظة
تقدم الملازم الأول عبد الستار العبوسي بعجلته المحملة بمدفع ضد الدبابات، وأطلق طلقة
واحدة أصابت عمود شرفة القصر، ثم تلى ذلك أطلاق
الطلقة الثانية أصابت
جدار القصر الأيسر، وعلى أثرها ظهرت
راية بيضاء علامة
بالاستسلام، وعندها خرج الملك فيصل الثاني، وولي العهد عبد الإله، والملكة
نفيسة، أم عبد الإله، والأميرة عابدية، شقيقة عبد الإله، والأميرة هيام زوجة عبد
الإله وابنة أمير ربيعة بلاسم الياسين، وبمعييتهم الخادمة رازقية، والطباخ التركي،
حاملين الرايات البيضاء ومعلنين الاستسلام، وكان يتقدمهم مرافق الملك فيصل النقيب
[ثابت يونس] رافعاً المنديل الأبيض، وعند
اقترابهم من الثوار، وعلى
بعد عشرون متراً أو
أقل، نهض الجنود وهم بوضع التهيؤ للرمي لغرض استلام الخارجين.
وفي لحظة
مفاجئة سحب النقيب
يونس ثابت مسدسه،
وأطلق عدة عيارات منه أصاب
بها الملازم مصطفى
عبد الله، وعدد آخر من الجنود،
كما فتح بعض الجنود النار من
فوق شرفة القصر في الطابق
الثاني، وعلى الأثر بادر النقيب [عبد الستار السبع] ورفاقه الثوار إلى
إطلاق النار على أفراد العائلة المالكة وأرداهم قتلى في الحال، باستثناء الأميرة
هيام زوجة عبد الإله التي أُصيبت بجروح، لكنها استطاعت أن تزحف إلى داخل القصر ثم
جرى نقلها للمستشفى فيما بعد
وهكذا كانت نهاية العائلة المالكة
في العراق.
وهنا يتبادر إلى الذهن الأسئلة
التالية حول حقيقة الموقف:
1ـ هل كان مقرراً قتل الملك وعبد الإله وبقية الآسرة
المالكة ؟
2ـ هل تلقى المهاجمون أمراً من قيادة الثورة بقتل
العائلة المالكة أم تصرفوا بذاتهم؟
3ـ لماذا لم يدافع لواء الحرس الملكي عن القصر؟
فيما يخص السؤالان الأول والثاني
أدعى عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف في لقاءات متعددة معهما بأنهما لم يأمرا
بقتل الملك وولي عهده عبد الإله والعائلة المالكة، وكان هدف الثورة إلقاء القبض
على الملك وعبد الإله، وتقديم الثاني للمحاكمة، حتى أن عبد الكريم قاسم كان يحتفظ
بتقرير قدمه له النقيب عبد الستار السبع يؤكد فيه أنه هو المسؤول عن قتل العائلة
المالكة، وأنه لم يتلقَ أمراً من أحد.
وهنا يتبادر للذهن السوأل التالي:
إذا كان من المقرر اعتقال الملك
وعبد الإله وعدم قتلهما فلماذا لم يلتزم المهاجمون بالأمر؟ لماذا لم يحاسبوا على
عملهم هذا؟ ولماذا طويت القضية، ولم يتعرض لها أحد فيما بعد ؟
أغلب الظن أن التخلص من العائلة
المالكة كان قد تقرر سلفاً بغية منع أي محاولة لإجهاض الثورة، سواء كان ذلك من قبل
القطعات العسكرية الموالية للملك، أو من عدوان خارجي يدبره حلف بغداد، مما قد يؤدي
إلى مواجهة دموية لا أحد يعرف مداها، فكان قرار قتل العائلة المالكة دفعاً لما قد
يحدث ما هو أعظم بكثير، سواء كان ذلك من وقوع حرب أهلية، أو رداً لعدوان خارجي .
أما ما يخص
السوأل الثالث فأغلب الظن أن العقيد الركن طه البامرني، وهو كردي الأصل، إما أنه
كان مع الثورة، أو أنه تعاطف معها في اللحظة الحاسمة، والا لكان قد قام بعمل
الكثير للدفاع عن القصر وعن العائلة المالكة، حيث كان لواء الحرس الملكي مجهزاً
تجهيزاً جيدا،ً ومدرباً تدريباً عالياً، ويمتلك كميات كبيرة من العتاد، في حين أن
قوى الثورة كانت لا تمتلك سوى كمية قليلة جداً من العتاد.
لكن العقيد طه البامرني آثر الوقوف مع الشعب وثورته، ولم يحاول المقاومة، بل
سارع إلى الاستسلام لقوى الثورة.
أخذت جثث أفراد
العائلة المالكة في سيارة ـ بك آب ـ عسكرية إلى الطب العدلي في باب المعظم، وفي الطريق
أوقفت الجموع الهائجة السيارة، وأنزلت جثة عبد الإله من السيارة، وجرى التمثيل
بها، وتعليقها على أحد الأعمدة الكهربائية، وكان هذا العمل يمثل أكبرأساء للثورة،
وما كان ينبغي السماح لتلك العناصر القيام بهذا العمل الذي لم يجلب أي فائدة
للثورة، بل أساء إليها كثيراً، رغم كل ما أقترفه عبد الإله من جرائم بحق الشعب
والوطن.
أما نوري
السعيد، أخطر رجالات العهد الملكي، والحاكم الفعلي للعراق، والمعتمد الأول للسفارة
البريطانية في بغداد، والذي كان يشغل منصب رئيس وزراء الاتحاد الهاشمي فقد أسرع
للهرب من قصره حال سماعه إطلاق النار، وقبل أن تصل إليه قوات الثورة، حيث أستخدم
زورقاً صغيراً عبر به متنكراً نهر دجلة إلى جانب الرصافة في كرادة مريم حيث قصد
دار الدكتور[ صالح مهدي البصام ]، وانتقل بعد ذلك بسيارته إلى دار صديقه
المدعو[الحاج محمود الاستربادي] ومنه أنتقل مرة أخرى إلى دار شقيق الوزير ضياء
جعفر، المدعو[هاشم جعفر]، وكان يرتدي ملابس نسائية وعباءة خوفاً من الجماهير
المتحمسة لإلقاء القبض عليه.
لكن نوري السعيد
شكّ بابن هاشم جعفر الذي خرج من الدار، خوفاً من إبلاغ السلطة الجديدة عن مكان
وجوده، فغادر الدار متوجها إلى قصر الإقطاعي الكبير[محمد العريبي] في منطقة
البتاويين، وبرفقته زوجة الاستربادي وخادمه.
وفي الطريق
اكتشفته جماهير الشعب، فراح يطلق النار في الهواء من مسدسه، لعله يستطيع التخلص
منهم، لكنه فشل في ذلك، وأضطر إلى أن يطلق آخر رصاصة على رأسه، مفضلاً الانتحار على
الوقوع بأيدي الشعب، وقد مثلت الجماهير بجثته ، وكان ذلك العمل يتسم بالوحشيةً،ولا
يمكن تبريره بأي حال من الأحوال.
اندفعت قوات الثورة، بعد إذاعة
البيان الأول لأحكام السيطرة على بقية القطعات العسكرية والمرافق العامة في شتى
أنحاء القطر، فقامت قوة عسكرية بالسيطرة على قاعدة الحبانية، البريطانية وأجهزة
الرادار فيها دون أية مقاومة، وتمّ نزع سلاح القوات البريطانية المتواجدة في تلك
القاعدة، وتولى مسؤولياتها الزعيم الركن [محي الدين عبد الحميد]أحد أعضاء اللجنة
العليا لحركة للضباط الأحرار، وكان لهذه العملية أهمية كبرى لحماية الثورة، ومنع
القوات البريطانية من تقديم أي دعم عسكري للنظام الملكي.
وفي مدينة الموصل، ثاني مدن
العراق، سيطر الزعيم الركن [ناظم الطبقجلي] آمر اللواء الخامس على المدينة دون
إراقة الدماء، ونزلت الجماهير الشعبية بإعداد غفيرة إلى شوارع المدينة وهي تهتف
للثورة، وتعلن عن استعداها لحمايتها من أي عدوان .
لقد كان لي شرف
المساهمة مع رفاقي وأبناء شعبنا في تلك المظاهرات التي أرعبت القوى الرجعية، وشلت
إرادتها في التصدي للثورة، ولعب الحزب الشيوعي دوراً قياديا في تلك المظاهرات.
وفي كركوك حاول
قائد الفرقة الثانية الزعيم الركن[عبد الوهاب شاكر] التصدي للثورة، وأصدر الأمر
لقواته بالزحف على بغداد، لكن الضباط الأحرار في الفرقة كانوا أسرع منه، واستطاعوا
السيطرة على مقر الفرقة واعتقاله، وتمّ تعين الزعيم الركن [ناظم الطبقجلي] قائداً
للفرقة المذكورة، وبذلك زال أخطر تهديد للثورة من قيادة الفرقتين الأولى والثانية،
فيما كان عبد الكريم قاسم قد سبقهم في السيطرة على الفرقة الثالثة في بعقوبة،
واعتقال قائدها الفريق الركن غازي الدغستاني. وفي الديوانية حيث مقر الفرقة
الأولى، حاول اللواء الركن [عمر علي] قائد الفرقة التصدي للثورة، والزحف إلى بغداد
، فقد أصدر أوامره إلى اللواء الأول في المسيب الذي يقوده الزعيم الركن[ وفيق
عارف] شقيق رئيس أركان الجيش، وإلى آمر حامية البصرة [الزعيم الركن ناجي طالب]
للتحرك نحو بغداد. لكن الضباط الأحرار بقيادة العقيد [فاضل عباس المهداوي] كانوا
أسرع منه، حيث تمكنوا من اعتقال آمره[وفيق عارف] والسيطرة على اللواء المذكور،
فيما كان آمر حامية البصرة أحد أعضاء اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار[الزعيم
الركن ناجي طالب] قد سيطر على البصرة، مما أُسقطَ في يد عمر علي .
كما أن الجماهير الفلاحية التي هبت
لمساندة الثورة، والتي أحاطت بمقر الفرقة كان لها أثرها البالغ في إفشال خطط [عمر
علي] للزحف على بغداد، وإخماد الثورة.
وفي الأردن حاول الزعيم الركن
[هادي علي رضا ] قائد رتل الهادي، والملحق العسكري في الأردن العقيد صالح مهدي
السامرائي، وبدعم من السلطات الأردنية السيطرة على الرتل، والتوجه به نحو بغداد
لإجهاض الثورة، لكن الضباط الأحرار استطاعوا أخذ زمام المبادرة للسيطرة على الرتل
رافضين تلقي الأوامر منه، وأعلنوا تأييدهم للثورة، واستلام الأوامر من قيادتها في
بغداد.
ومساء يوم الثورة تلقى الضباط
الأحرار في الرتل أمراً من القائد العام للقوات المسلحة الزعيم الركن [عبد الكريم
قاسم ] بالعودة إلى قاعدة [H3] داخل الحدود العراقية، واتخاذ الحيطة والحذر خلال
الانسحاب، وقد أتمّ الضباط الأحرار في الرتل الانسحاب بسلام إلى داخل الحدود
العراقية.
{19}
رد الفعل العربي والدولي على الثورة
أصيبت القوى الإمبريالية ودول
ميثاق بغداد بصدمة كبرى لم يكن يتوقعونها من قبل، وبهذه السرعة التي استطاعت قوى
الثورة حسم المعركة مع النظام الملكي، تلك الصدمة التي أفقدتهم توازنهم، وجعلتهم
يقدمون على إنزال قواتهم العسكرية في الأردن ولبنان، حيث أنزلت بريطانيا قواتها في
الأردن، فيما أنزلت الولايات المتحدة قواتها في لبنان، وقامت الحكومة التركية بحشد
قواتها على الحدود العراقية في محاولة الاعتداء على العراق، وإجهاض الثورة بعد أن
فشلت القيادات الموالية للنظام الملكي في إجهاضها.
وفي الوقت نفسه أصدر حلف بغداد
بياناً أستنكر فيه أحداث الثورة واصفاً إياها بأنها تأثير هدام قادم من الخارج،
وأن قادة الانقلاب يستلهمون أفكارهم من دول أجنبية!!.
كما أصدرت الحكومة التركية بياناً
حول الثورة جاء فيه:{إن المغامرين السياسيين في العراق يرتئون من وراء هذا
الانقلاب القضاء على حلف بغداد الذي يعتبر مصدر السلام في الشرق الأوسط، وإن
اختيار يوم اجتماع مجلس الحلف لتنفيذ الانقلاب هو خير دليل على ذلك} .
وفي الوقت نفسه قابل الملحق
العسكري الإسرائيلي في أنقرة [ألياي ميشيل] رئيس أركان الجيش التركي يوم 15 تموز،
وأجرى معه محادثات مستفيضة حول الوضع الجديد في العراق وابلغه أن الولايات المتحدة
وبريطانيا ستتكفلان بحماية نظام الحكم في الأردن ولبنان، وإن إسرائيل ستفصم الوحدة
بين سوريا ومصر، وأن على تركيا أن تتعاون مع إيران لإعادة النظام الملكي إلى
العراق.
وفي 18 تموز صرح
وزير خارجية تركيا، في مؤتمره الصحفي بأنقرة قائلاً:{ إن رئيس الاتحاد الهاشمي هو
الملك حسين، وأن الحكومة الشرعية الآن هي حكومة الأردن} .
أما الملك حسين فقد طلب من
الولايات المتحدة وبريطانيا العمل على إعادة العراق إلى وضعه السابق، ومعلناً أنه
الملك الشرعي للبلاد.
هكذا إذاً كانت حمى التآمر للاعتداء
على العراق، وإجهاض الثورة تجري على قدم وساق من قبل الإمبرياليين وأذنابهم الذين
أرعبتهم أحداث الثورة.
لكن رد الفعل من
جانب المعسكر الاشتراكي، وفي المقدمة
الاتحاد السوفيتي كان سريعاً وجاداً في تحذير الإمبرياليين وحلف بغداد من
مغبة الأقدام على أي خطوة في اتجاه الاعتداء على العراق.
كما وقف الشعب العربي في مشرقة
ومغربه بجانب الشعب العراقي، وأعلن عبد الناصر على الفور اعتراف حكومته بالجمهورية
العراقية الوليدة، وحذر من أن أي اعتداء يقع عليها سوف يعتبر اعتداء على الجمهورية
العربية المتحدة، وأنها ستقف إلى جانب العراق، وتدافع عنه بكل ما تملك من وسائل،
واضعاً كل إمكانيات الجمهورية العربية المتحدة على أُهبة الاستعداد للدفاع عن ثورة
العراق جيشاً وشعبا. كما غادر الرئيس عبد الناصر بلغراد، حيث كان يقوم بزيارة
رسمية ليوغوسلافيا حال سماعه نبأ قيام الثورة إلى موسكو، واجتمع على الفور بالرئيس
السوفيتي [نيكيتا خرشوف] طالباً منه الوقوف إلى جانب الثورة في العراق، ومنع
الإمبرياليين الأمريكيين والبريطانيين وحلفائهم في حلف بغداد من محاولة الاعتداء
على العراق، وإجهاض الثورة الوليدة، وقد طمأنه الرئيس خرشوف إلى أن الاتحاد
السوفيتي سيقف إلى جانب العراق، وسارع إلى الاعتراف بالحكومة التي شكلتها الثورة،
بعد يوم واحد من قيامها.
كما أصدر بياناً
في 16 تموز، وأتبعه ببيان ثانٍ في 18 منه، هاجم فيه إنزال الولايات المتحدة
وبريطانيا قواتهما في لبنان والأردن، وحذر هاتين الدولتين من مغبة التدخل والاعتداء
على الجمهورية العراقية الوليدة. كما أرسل الرئيس السوفيتي [نكيتا خرشوف] في 19
تموز مذكرات إلي حكومات الولايات المتحدة
وبريطانيا وفرنسا أكد فيها أن التدخل الإمبريالي المسلح في لبنان والأردن، والذي
يشكل تهديداً خطيراً على العراق، وعلى السلم والأمن الدوليين وقد يؤديان إلى نتائج
غير متوقعة، وفي منتهى الخطورة، ويخلق سلسلة من ردود الفعل قد يكون من المتعذر
وقفها، وطالبت المذكرات بسحب القوات الأمريكية والبريطانية من لبنان والأردن، وعقد
مؤتمر لبحث وتسوية المشاكل في الشرق الأوسط.
كما أتبع الاتحاد السوفيتي مذكراته
هذه بتحذير جديد شديد اللهجة في 20 تموز 1958، حذر فيه حكومات الدول الغربية من
مغبة الأقدام على أية محاولة للتدخل في العراق، كما نبه حكومات ألمانيا الغربية ـ
نذاك ـ وإيطاليا وإسرائيل من مغبة السماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها لنقل
قواتها إلى المنطقة.
كما وجهت صحيفة البرافدا، الناطقة بلسان الحزب الشيوعي السوفيتي، تحذيراً آخر
للولايات المتحدة من مغبة المضي في مسعاها للعدوان على العراق قائلة:{أن المتطوعين
السوفيت سيكونون على أُهبة الاستعداد للتوجه إلى الشرق الأوسط إذا لم تتوقف عن
محاولاتها للتدخل والعدوان على العراق }.
كما وجه الاتحاد السوفيتي تحذيرا
شديداً إلى تركيا في 18 تموز 958 من مغبة العدوان على العراق حيث راحت تركيا تحشد
قواتها على الحدود العراقية، وأقرن الاتحاد السوفيتي أقواله وتحذيراته بالأفعال،
فحشد قواته العسكرية على طول الحدود مع تركيا، وأجرى مناورات عسكرية واسعة، وحمّل
الحكومة التركية مسؤولية أي اعتداء تقوم به ضد العراق وهكذا أُسقط في يد
الإمبرياليين وأخذوا يحسبون للتحذيرات السوفيتية ألف حساب، واضطروا في نهاية
المطاف لتبديل خططهم في العدوان المباشر على العراق بالقوة العسكرية، والعمل على
قلب النظام الجديد من الداخل كما سنرى فيما بعد. وهكذا صمدت الجمهورية العراقية
الوليدة، وأخذت ترسخ أقدامها يوماً بعد يوم، وتوالت اعترافات دول المعسكر
الاشتراكي، ودول عدم الانحياز، وبقية الدول العربية، كما سارع مجلس السيادة بإرسال
برقية للرئيس عبد الناصر، أعرب فيها عن شكر الجمهورية العراقية وتقديرها. كما
اعلنت الحكومة العراقية الجديدة عن اعتراف العراق بالجمهورية العربية المتحدة.
وكان الحكام السابقون في النظام
الملكي قد رفضوا الاعتراف بها، وأخذوا يتحينون الفرصة لفصم عرى الوحدة بين سوريا
ومصر، وإقامة عرش لعبد الإله على سوريا.
وفي نهاية المطاف اضطرت الدول
الغربية إلي الاعتراف بالجمهورية العراقية كأمر واقع، حرصاً على مصالحها النفطية،
لكنها بقيت تتحين الفرص للإطاحة بالثورة.
الخروج من حلف بغداد :
كان على رأس المهمات لحكومة الثورة
في الحقل الخارجي الخروج من حلف بغداد ، وتحرير العراق من التبعية السياسية
والعسكرية للإمبريالية،التي تهيمن على الحلف، والتي سخرت ثروات البلاد لكل ما يحقق
أهدافها في المنطقة.
لم تستطع حكومة الثورة الإقدام على
هذه الخطوة عند قيامها، بسبب الوضع الحساس الذي كانت تمر به الثورة، والتكالب
الإمبريالي الهادف إلى إجهاضها، لكن عضوية العراق في واقع الأمر كانت قد انتهت
منذُ اليوم الأول لقيام الثورة، ولم يشترك العراق في أي اجتماع لذلك الحلف.
وفي 24 آذار 1959 قررت حكومة
الثورة الخروج من الحلف بصورة رسمية، وقام وزير الخارجية [هاشم جواد ] في ذلك
اليوم بإبلاغ سفراء بريطانيا وتركيا وإيران والباكستان بقرار العراق الانسحاب من
الحلف، وتحرير العراق من أي قيد أو معاهدة تمس سيادته واستقلاله، وأن هذا القرار
يعبر عن رغبة الشعب العراقي في التخلص من كل أشكال الهيمنة الإمبريالية. وبذلك
أصبح حلف بغداد بدون بغداد، واضطر الإمبرياليين إلى تغيير أسمه ومقره وأصبح يدعى
بـ[منظمة المعاهدة المركزية]، وتخلص العراق لأول مرة من الهيمنة البريطانية، منذُ
احتلاله إبان الحرب العالمية الأولى، وتمتع بحقوقه الكاملة كدولة مستقلة ذات
سيادة.
الخروج من منطقة الإسترليني وتحرير العملة العراقية:
كان ضرورياً أن تُتابع حكومة
الثورة تحرير العراق السياسي، بتحرير اقتصاده من الهيمنة البريطانية، والقيود التي
فرضتها على العراق بارتباطه بمنطقة الإسترليني، حيث كان الدينار العراقي يتأثر
بصورة مباشرة بتقلبات الجنيه الإسترليني، وخاصة عند ما كانت بريطانيا تقرر تخفيض
عملتها، حسبما تقتضيه ظروفها الاقتصادية،أو نتيجة عوامل اقتصادية خارجة عن
إرادتها.
فقد سبب ارتباط العراق بالإسترليني
تضخماً هائلا في العملة العراقية إبان الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى التردي
الخطير في الأوضاع المعيشية للشعب العراقي.
كما أدى هذا الارتباط بالإسترليني
إلى عرقلة الإنتاج، وخفض أرباح التصدير والتأثير على الأسعار، وأدى ذلك إلى الحد
من دخول رؤوس الأموال، وإلى الانكماش النقدي، و الأضرار بحركة الإنتاج.
وهكذا فقد كان ارتباط العملة
العراقية بالإسترليني يصب في خدمة الاقتصاد البريطاني يشكل عام، وكان لابدَّ
لحكومة الثورة أن تُقدِّم على تحرير العملة العراقية، وفك ارتباطها بالإسترليني.
وهكذا دعت حكومة الثورة الجانب البريطاني إلى إجراء مباحثات بين الطرفين في 31
أيار 959، وامتدت المباحثات حتى 4 حزيران، حيث أعلن عبد الكريم قاسم في خطابه
بمؤتمر المهندسين في 4 حزيران 959 عن انسحاب العراق من منطقة الإسترليني، وبذلك
أصبح العراق حراً في استعمال أرصدته الأجنبية بما يلائم مصلحة البلاد، وتنويع
أرصدته من العملات الأجنبية القوية كالدولار، وقد أكتسب الدينار العراقي قوة
جديدة، حيث أصبح غطاؤه مكوناً من أقوى العملات الدولية ومن الذهب بعد أن كان يعتمد
على الإسترليني فقط. ثم أّتبع العراق خطوته هذه بإقامة العلاقات السياسية
والاقتصادية مع دول المعسكر الاشتراكي، مما عزز استقلال البلاد الاقتصادي،
وبالتالي استقلاله السياسي.
معركة النفط وصدور قانون رقم 80
لسنة 961:
كان على حكومة الثورة، بعد أن حررت
العملة العراقية من هيمنة بريطانيا، أن تُتبع ذلك باستخلاص حقوق العراق بثروته
النفطية،من شركات النفط الاحتكارية،حيث استطاعت بريطانيا بعد احتلالها للعراق خلال
الحرب العالمية الأولى الحصول على امتيازاستخراج النفط بالتعاون مع شركات فرنسية
وهولندية، وشملت مناطق الامتياز العراق كله من أقصاه إلى أقصاه، فقد تم مسح
الأراضي العراقية من قبل الشركات، وظهر أن العراق يملك احتياطات نفطية هائلة في
مختلف المناطق. إلا أن الشركات الاحتكارية لم تسع إلى استثمار النفط، وزيادة
الإنتاج، واكتفت بمناطق [كركوك] و[عين زاله] في الموصل، هذا بالإضافة إلى الشروط
المجحفة بحق العراق لذلك الامتياز الذي فرضته بريطانيا على العراق، مستخدمةً قضية
ولاية الموصل، ومحاولة الحكومة التركية
للاستحواذ عليها كوسيلة ضغط على الحكومة العراقية، ومخيرة إياها إما امتياز النفط
بالشروط التي تريدها، وإما أن تذهب ولاية الموصل إلى تركيا، والتي تشمل محافظات
الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية، وهكذا اضطرت الحكومة العراقية للرضوخ لمطالب
الإمبرياليين.
ولما قامت ثورة
الرابع عشر من تموز 958 كان عليها أن تضع نصب أعينها انتزاع حقوق العراق من تلك
الشركات الاحتكارية، وأن تعمل الحكومة على رفع معدلات الإنتاج، واستثمار
الاحتياطات النفطية بغية تأمين الأموال اللازمة للنهوض باقتصاديات البلاد،وإقامة
مختلف المشاريع الصناعية والزراعية والعمرانية والنهوض بالخدمات الأساسية للشعب
وشق الطرق، وبناء السدود، واستصلاح الأراضي الزراعية وكثير غيرها من المشاريع
الطموحة التي كان العراق بأمس الحاجة إليها لكثرة ما يعانيه من تخلف في كافة
المجالات.
وعلى ذلك فقد
سعت حكومة الثورة، بعد أن رسخت الثورة أقدامها، إلى دعوة الشركات النفطية لإجراء
مفاوضات من أجل تعديل الاتفاقيات النفطية، واستخلاص حقوق الشعب العراقي في ثروته،
والعمل على إشراك العراق برأسمال الشركات المستثمِرة وإشراكه في مجالس إدارتها.
كان عبد الكريم قاسم قد نوه في
أوائل أيام الثورة عن نيته في إجراء المفاوضات مع شركات النفط لاستخلاص حقوق
العراق في إحدى خطبه أمام حشدٍ كبيرٍ من جماهير الشعب حيث قال :
{إن حكومة
الثورة سوف تفي بتعهداتها، ولكنها سوف تعمل من أجل المحافظة على مصلحة البلاد
الوطنية العليا، وآمل بأن شركات النفط سوف تتجاوب مع رغبة الحكومة في الاستمرار
باستثمار مصادر ثروتها النفطية لفائدة الاقتصاد الوطني }.
لقد أراد عبد
الكريم قاسم إفهام شركات النفط أن العراق لن يرضَ أن تتحكم فيه شركات النفط كما
تشاء، وأن مصلحة الوطن فوق كل المصالح. هكذا إذاً دعت حكومة الثورة، بعد تم تثبيت
أركان النظام الثوري الجديد، إلى إجراء المفاوضات حول المسائل التالية :
1ـ توسيع الاستثمار ليشمل كافة المناطق التي استحوذت
عليها شركات النفط بموجب الامتيازات المعقودة مع العراق وخاصة تلك المناطق التي
ثبت وجود احتياطات نفطية هائلة فيها مثل حقل الرميلة.
2 ـ طلب العراق
زيادة حصته من واردات النفط ، حيث أن معظم تلك الواردات تذهب إلى جيوب الشركات
الاحتكارية ولم يكن يصيب العراق منها إلا القليل.
3 ـ طلب العراق
المساهمة في رأسمال الشركات المنتجة للنفط لكي يرفع من حصته من الإنتاج، ولكي يكون
له أعضاء في مجالس إدارتها.
4 ـ طلب العراق إجراء تصحيح أسس حسابات النفقات والأسعار، ورفع الغبن الذي
أصاب العراق جراء تلاعب شركات النفط بها.
5 ـ طلب العراق أن تكون مصافي النفط في العراق خاضعة
للدولة وملكاً لها، ورفع يد شركات النفط عنها.
كانت هذه هي أهم
المطالب التي قدمها العراق لشركات النفط عند بدء المفاوضات معها في أوائل شهر آب
958. لكن الشركات النفطية لم تبدِ أي مرونة، أو تجاوب تجاه مطالب العراق، وخاصة
حول الطلب الأول، وأصرت على مواقفها في جميع مراحل المفاوضات التي دامت أكثر من
سنتين، وكل ما حصل عليه العراق في مفاوضاته تلك لا يعدُ أن يكون في المسائل
الثانوية، مما دفع بقيادة الثورة إلى توجيه إنذار للشركات النفطية بسحب المناطق
غير المستثمَرة، والتي يشكل مجموعها حوالي ,599% من مناطق الامتياز إذا لم تقم
الشركات بالاستثمار فيها.
أما شركات النفط فقد تحدت حكومة الثورة فيما إذا كانت قادرة على
الأقدام على مثل هذه الخطوة على الرغم من أن الوفد العراقي المفاوض ابلغ الشركات
النفطية عن عزم الحكومة العراقية الأكيد على استرجاع كافة حقوقه، وسحب المناطق غير
المستثمرة واستثمارها وطنياً، فقد كان جواب رئيس الوفد المفاوض لشركات النفط ينم
عن التحدي قائلا للوفد العراقي جواباً على الإنذار[سوف نرى]!!، وكان يبدو واضحاً
من هذا الكلام أن شركات النفط سوف تمنع ذلك بكل الوسائل والسبل، وفي المقدمة من
ذلك إسقاط النظام الثوري في العراق. لقد كانت شركات النفط تبغي الضغط على حكومة
الثورة، لعرقلة كل مشاريعها الطموحة لتطوير البلاد في كافة المجالات متذرعة ببنود
المعاهدة المفروضة على العراق فرضاً. وفي سبيل تنفيذ خططها المعادية لعراق الثورة
بدأت تكيل التهديدات لعبد الكريم قاسم وحكومته، وعملت كل ما في وسعها لبث الشقاق
والصراع بين أطراف جبهة الاتحاد الوطني ودفعها للتناحر فيما بينها من أجل تهيئة
الظروف لتوجيه الضربة القاضية للنظام الثوري في العراق، ولم تقدم سوى تنازلات
ثانوية فقط كان من بينها التنازل عن مصفى الدورة في بغداد، ومصفى الوند في خانقين،
والتنازل عن امتياز شركة خانقين وإلغاء وكالة التوزيع لشركة نفط خانقين، واستلام
العراق شؤون التوزيع، وتعريب المصافي المذكورة، والاستغناء عن خدمات الأجانب فيها،
وإنشاء جهاز لتوزيع الغاز السائل على المستهلكين.
لم تجد قيادة الثورة بُداً من
تنفيذ تهديداتها لشركات النفط لاسترجاع حقوق العراق في ثروته بعد تلك المفاوضات
العقيمة التي دامت مدة طويلة، دون التوصل إلى نتائج حاسمة تلبي مطالب العراق، حيث
أعلن عبد الكريم قاسم في 21 كانون الأول 1961
قانون رقم 80 لسنة 1961، والذي تم بموجبه استعادة 99,5 % من مناطق الامتياز
من شركات النفط، وجاء القانون المذكور ضربة قاصمة لتلك الشركات أفقدتها صوابها وجعلتها تصمم على اغتيال ثورة
14تموز وقائدها عبد الكريم قاسم بأسرع وقت ممكن.
|
|
|
||
|
الفصل (5) |
|||