حامد الحمداني

 

احداث في ذاكرتي

 

الفصل الرابع

 

 

12 ـ اقتراني بكريمة الشيوعي البارز محمد عبد اللطيف.

13 ـ إضراب في الموصل وصدور مرسوم الطوارئ.

14 ـ العدوان الثلاثي على مصر، وانتفاضة عام 1956 .

15 ـ انبثاق جبهة الاتحاد الوطني .

 

 

{12}

اقتراني بكريمة الشيوعي البارز محمد عبد اللطيف

في  21 أيلول 1955 تم عقد قراني على رفيقة عمري رقية كريمة محمد عبد اللطيف، أحد أقدم الشيوعيين في الموصل، ومن عائلة نبيلة عرفت بمواقفها الوطنية المشهود لها ضد الاستعمار وأعوانه، وقد تعرض والدها بسبب مواقفه الوطنية تلك، ونشاطه في صفوف الحزب الشيوعي للسجن والمحاكمة مرارا وتكراراً، وفي أحيان أخرى للإبعاد مع العديد من الشيوعيين البارزين كان من بينهم الشهداء توفيق منير وكامل قزانجي وجلال الأوقاتي، وكنت قبل خطبتي لكريمته على صلة وثيقة به، مما فضلني على العديد منْ مَن طلب يدها، وكان ذلك مصدر سعادة كبرى لي أن اتناسب مع هذه العائلة الكريمة.

وقد جرت الخطبة بشكل رسمي، وتبعها عقد القران في 21 أيلول 1955، وبدأنا نعد العدة لتهيئة متطلبات الزواج والأثاث البيتي وسائر الحاجات المنزلية الضرورية، وكان والدي يلح علينا بإتمام الزواج بأسرع وقت ممكن، وكان كل أمله أن يشهد زواجنا، حيث كان قد أصيب بمرض السرطان الرئوي، وكان يخشى الرحيل قبل زواجنا.

وشهد يوم 16 حزيران 1956 زواجنا، وبدء مشوار حياتنا الجديدة بكل ما فيها من معاني الإخلاص والوفاء والمحبة والاحترام المتبادل، وها نحن وقد أمضينا من مشوار حياتنا الجميلة الذي جاوز النصف قرن، تغمرنا سعادة حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، على الرغم من الظروف الصعبة التي مررت بها من سجن واختفاء وفصل من الوظيفة عندما وقع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، مما سأتناوله بالتفصيل فيما بعد.

 لقد وقفت زوجتي إلى جانبي في كل الظروف الصعبة التي مررنا بها، وتحملت عبئاً ثقيلاً في الأيام التي تلت انقلاب 8 شباط المشؤوم، وكذلك في أيام الفصل والاختفاء وأيام السجن، حيث تحملت مسؤولية العائلة، وصبرت على تلك الأيام السوداء التي سأتحدث عنها فيما بعد، وهي تستحق كل الاحترام والمحبة والوفاء على ما قامت به خلال تلك المحنة.

 

وفاة والدي:

 في 2 آب 1956 توفي والدي شريف سليمان عن 63 عاماً  بعد إصابته بمرض السرطان الرئوي بعد أربعين يوماً على زواجنا، وكان فقدانه خسارة كبرى للعائلة جميعاً، ولكافة من عرفه من أبناء محلتنا بالنظر لما عُرف عنه من خلق عالي واستقامة وتديّن صادق لا تشوبه شائبة، بالإضافة للشعور الوطني الفياض.

 كان رجلاً متدينا بصدق، لا يعرف معنى التعصب لدين أو طائفة، محباً لكل الناس بصرف النظر عن الدين أو الطائفة أو القومية، حيث كانت له علاقات احترام ومودة مع الكثير من الأشخاص، مسلمين ومسيحيين، عرباً وأكراداً وتركمان شيعة وسنة.

كان رجلاً مسالماً محباً للخير، ولم أشهده يوماً تخاصم مع أحد، وقد اكسبته أخلاقه محبة كل من عرفه.

 شيع إلى مثواه الأخير من قبل كافة أبناء المحلة، وكل من عرفه عن قرب وتعامل معه. لقد كانت وفاته خسارة لي ولزوجتي لا تعوض، فقد كان عطوفاً وحريصاً علينا، وكان يعامل زوجتي كواحدة من بناته تماماً، ولذلك فقد كان يغضب أخواتي، ويستثير غيرتهم في بعض الأحيان، لدرجة أنهما كانا يناصبانها العداء أحيانا، وقد لاقينا الكثير من المصاعب عندما كنا نعيش معاً، ولم نشعر بالراحة والسكينة ألا بعد أن انتقلنا إلى السليمانية وشعرنا بالاستقلال والحرية لأول مرة.

 

 

{13}

إضراب في الموصل

والحكومة تصدر مرسوم الطوارئ

في غمرة الظروف البالغة التعقيد التي كانت تجتازها البلاد، بسبب السياسة الرعناء التي كانت تتبعها حكومة نوري السعيد، والوضع المعيشي الصعب للغالبية العظمى للشعب، أقدم رئيس الوزراء السعيد على رفع رسوم الذبح إلى الضعف [من 30 إلى 60 فلساً] لرأس الغنم الواحد، مما دفع القصابين في الموصل إلى إعلان الإضراب عن الذبح، في الأول من شهر أيلول1956، احتجاجاً على ذلك القرار، حيث أغلقت الحوانيت أبوابها، واختفت اللحوم من الأسواق.

 لكن ذلك الإضراب لم يقتصر على القصابين بل امتد ليشمل الخبازين والخياطين، والصاغة وغيرهم من المهنيين، مما أقلق الحكومة ودفعها إلى إصدار مرسوم الطوارئ رقم 1 لسنة 1956، والذي خول الحكومة صلاحية اعتقال الناس، وإحالتهم إلى المحاكم.

 باشرت حكومة نوري السعيد ملاحقة المضربين والعديد من السياسيين المعارضين لطريقة حكمه بحجة دعمهم للإضراب، واعتقالهم حيث تجاوز عدد المعتقلين بموجب ذلك المرسوم أكثر من 200 شخص، و تم إبعادهم إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي في البادية الجنوبية، وقد كان من بين المعتقلين والد زوجتي والعديد من القصابين الشخصيات الوطنية والمحامين وتجار الأغنام، حيث اتهمتهم الحكومة بكونهم من حملة  ما كانت تدعوه حكومة السعيد بـ [المبادئ الهدامة]!!.

لكن الإضراب استمر أكثر من أسبوع قبل أن تتمكن الحكومة من قمع المضربين بالقوة، وبتطبيق مرسوم الطوارئ المذكور الذي جاء أشد وطأة من مرسوم الإدارة العرفية السيئ الصيت.

 

 

{14}

العدوان الثلاثي على مصرعام 1956

وانتفاضة الشعب العراقي

 بعد أن أتم قادة ثورة 23 يوليو في مصر تحقيق جلاء القوات البريطانية من مصر عام 1954 بدأوا بتركيز جهودهم لتحرير قناة السويس من السيطرة البريطانية والفرنسية، تلك القناة التي شُقت بجهود مئات الآلاف من أبناء الشعب المصري الذي سكب أطناناً من العرق، وفقد عشرات الألوف حياتهم من أجل إتمامها.

كان الرئيس عبد الناصر ينتظر الفرصة المناسبة ليحقق هذا الأمل للشعب المصري في تحرير القناة، وكانت في تلك الأيام من عام 1956 تدور مباحثات بين مصر وصندوق النقد الدولي  بالإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حول طلب مصر لتمويل مشروع السد العالي على نهر النيل العظيم، حيث كان هذا المشروع يتسم بأهمية كبرى بالنسبة للشعب المصري، بالإضافة إلى كون السد ينقذ البلاد من طوفان هذا النهرالعظيم الذي سبب للشعب المصري الويلات والمآسي في فصل الفيضان، بدلاً من أن يكون مصدر خير ورفاه له.

حاولت الدول الإمبريالية الضغط على الحكومة المصرية من أجل تمرير مشروع[الدفاع عن الشرق الأوسط]، ومحاولة ربط مصر بالمخططات الإمبريالية لكن الرئيس عبد الناصر قاوم كل تلك الضغوط، ووقف موقفاً حازماً ضد حلف بغداد، ودفع الإمبرياليون إسرائيل للتحرش بالبلدان العربية المجاورة للضغط عليها، وأغدقوا عليها شتى أنواع الأسلحة، في حين حرموا البلاد العربية من الحصول على الأسلحة التي تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، مما حمل الرئيس عبد الناصرعلى عقد صفقات لشراء الأسلحة من المعسكر الاشتراكي.

أثار توجه عبد الناصر للدول الاشتراكية غضب الدول الإمبريالية فأقدمت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا على سحب عرضهما لتقديم القروض لتمويل السد العالي، في 25 تموز 1956، بعد أن كانت هاتان الدولتان قد أعلنتا في 18 كانون الأول 1955 عن عزمهما على تقديم تلك القروض. أما البنك الدولي، الذي تسيطر عليه تلك الدول، فقد أخذ يضع الشروط تلو الشروط التعجيزية الهادفة للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، ثم أعلن بعد ذلك في 24 تموز 1956 سحب موافقته لتمويل السد، بعد قيام مصر بشراء الأسلحة من الدول الاشتراكية على أثر قيام المظليين الإسرائيليين بإنزال عسكري في قطاع غزة الخاضع للسيطرة المصرية آنذاك، وسفكهم  دماء المئات من أبناء الشعب الفلسطيني.

وعلى أثر إعلان البنك الدولي وبريطانيا والولايات المتحدة سحب عروضهم لتمويل السد العالي، وفي غمرة الاحتفالات بالذكرى الرابعة لثورة 23 يوليو، جاء رد الرئيس عبد الناصر فورياً وحازماً، حيث أعلن في 26 تموز 1956 باسم الشعب المصري عن [ تأميم قناة السويس ] وعودتها للسيادة المصرية معلناً أن مصر تضمن حرية الملاحة في القناة للجميع، وإنها سوف تستخدم موارد القناة لتمويل بناء السد العالي، كما أعلن عن استعداد مصر لتعويض حملة الأسهم في القناة بموجب سعرها عند الإغلاق يوم تأميم القناة. ومن جانب آخر أعلن الاتحاد السوفيتي عن استعداده لبناء السد على أن تدفع مصر تكاليف بنائه بأقساط مريحة من عائدات قناة السويس وما يوفره السد، مما أفقد الإمبريالية صوابها، فسارعت بريطانيا وفرنسا إلى تقديم احتجاج شديد اللهجة للحكومة المصرية، معتبران أن إقدام عبد الناصر على تأميم القناة ينطوي على أبعاد خطيرة النتائج. كما جرى تجميد الأرصدة المصرية في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.

 سارع رئيس الوزارة البريطانية [أنطوني إيدن] إلى لقاء رئيس وزراء فرنسا [دي موليه] لبحث الإجراءات المشتركة التي يمكن اتخاذها ضد مصر، ودعت الدولتان إلى عقد مؤتمر في لندن يضم 24 دولة، في 16 آب 1956، لبحث موضوع التأميم، وتأسيس إدارة دولية للقناة، وكان من بين الدول المدعوة لحضور المؤتمر مصر والاتحاد السوفيتي، غير أن مصر رفضت حضور المؤتمر، فيما أعلن الاتحاد السوفيتي رفضه لأي قرار بغياب مصر.

أما الولايات المتحدة، التي كانت تتوق لإزاحة النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط والحلول محلهما، فقد أعلنت عن رفضها استخدام القوة ضد مصر، وتقدمت باقتراح تضمن البنود التالية :

1 ـ الاستمرار في إدارة أعمال القناة بصفة كونها طريقاً مائياً حراً مع احترام سيادة مصر.

2 ـ أن تكون خدمة القناة مستقلة عن أي عمل سياسي .

3 ـ أن يُضمن لمصر دخل معقول من واردات القناة .

4 ـ أن يُعطى تعويض عادل لحملة أسهم القناة .

لقي الاقتراح الأمريكي قبول 18 دولة، وانتهت محاولات بريطانيا وفرنسا لإعادة السيطرة على القناة إلى الفشل، وأنهى المؤتمر أعماله في 23 آب 1956 بعد أن قرر إرسال محاضر جلساته  للحكومة المصرية.

كما قرر المؤتمر إرسال وفد خماسي برئاسة رئيس وزراء استراليا، المستر[منزيس ] إلى القاهرة لإقناع عبد الناصر بالمقترحات.

لم يستطع الوفد تحقيق أي شيء من زيارته لمصر، لكن بريطانيا حاولت في المؤتمر الثاني الذي عقد في لندن في 19 أيلول أن تؤسس جمعية المنتفعين بالقناة والتي ضمت 15 دولة، غير أن مصر رفضت الاعتراف بهذه الجمعية، وانتهت هذه المحاولة إلى الفشل أيضاً.

عند ذلك قررت بريطانيا وفرنسا بالتعاون مع إسرائيل اللجوء إلى القوة العسكرية لإخضاع مصر، وتم على عجل وضع الخطة اللازمة لذلك، وتتلخص تلك الخطة بمبادرة إسرائيل بمهاجمة سيناء والزحف بقواتها نحو القناة، ليكون ذلك ذريعة لبريطانيا وفرنسا بحجة خطورة إغلاق قناة السويس، والطلب من الحكومتان المصرية والإسرائيلية الانسحاب إلى مسافة 16 كم عن القناة، تمهيداً لإنزال قواتهما حول القناة، وإذا ما رفضت مصر ذلك خلال 12 ساعة فإن القوات البريطانية والفرنسية سوف يتم إنزالها في كل من بور سعيد والسويس. لكن عبد الناصر رفض الإنذار البريطاني الفرنسي، وأعلن أن مصر ستقاوم أي اعتداء يقع على أراضيها.

وهكذا بدأت إسرائيل هجومها على سيناء، وتمكنت قواتها في 31 تشرين الأول من التقدم بسرعة صوب القناة، حيث كان عبد الناصر قد سحب معظم قواته من أمام الجبهة الإسرائيلية، معتقداً أن الهجوم سيقع على القناة مباشرة من قبل القوات البريطانية والفرنسية، ولم يتوقع أن تشترك إسرائيل في الهجوم، وتكون البادئة فيه.

وعلى أثر ذلك بدأت الطائرات البريطانية والفرنسية غاراتها الوحشية على مدينتي [بور سعيد] و[السويس ]، وجرى قصف باخرة مصرية كانت محملة بالأسمنت داخل القناة فغرقت فيها، وبذلك أغلقت القناة أمام الملاحة الدولية. أحدث الهجوم البريطاني الفرنسي رد فعل واسع وعنيف من قبل الشعوب العربية، وشعوب العالم اجمع، وحتى من قبل مجلس العموم البريطاني نفسه، حيث هوجمت حكومة [إيدن] على تصرفها، وطالب الكثير من النواب وقف القتال فوراً، وسحب القوات البريطانية والفرنسية، كما طالبت الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار فوراً.

 لكن القوات البريطانية استمرت في هجومها متجاهلة الأمم المتحدة والرأي العام العالمي، مما دفع بالاتحاد السوفيتي إلى تقديم طلب إلى الولايات المتحدة القيام بإجراء مشترك لوقف الحرب.

لكن الولايات المتحدة رفضت الطلب السوفيتي، مما دفعه للعمل بصورة منفردة، حيث وجه الإنذار التالي إلى كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل في الخامس من تشرين الثاني 1956، على أثر الإنزال العسكري البريطاني الفرنسي في بور سعيد، وهذا نصه :

{ إن الحكومة السوفيتية ترى من الضروري لفت أنظاركم إلى الحرب التي تشنها الآن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، هذه الحرب التي يترتب عليها أخطر النتائج على السلم العالمي،  وإننا نتساءل ماذا كان سيحدث لو أن بريطانيا وجدت نفسها معرضة لهجوم دول أكثر منها قوة، دول تملك كل أنواع الأسلحة المدمرة الحديثة، هنالك الآن دول ليست بحاجة إلى إرسال أساطيل بحرية أو قوات جوية إلى السواحل البريطانية،ولكن بمقدورها استعمال وسائل أخرى كالصواريخ، فلقد عزمنا عزماً أكيداً على سحق المعتدين، وإعادة الأمن والسلام إلى الشرق الأوسط عن طريق استعمال القوة، ونحن نأمل في هذه اللحظة العصيبة أن تظهروا الحكمة اللازمة، وتستخلصوا منها النتائج المناسبة}.

وهكذا وقع هذا الإنذار موقع الصاعقة على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل، حيث أصبحت لديهم القناعة أن الاتحاد السوفيتي يعني ما يقول، ولذلك فقد رفضت الولايات المتحدة دعم العدوان، وتجاهلت كل النداءات التي صدرت من بريطانيا وفرنسا والداعية إلى وقوفها إلى جانب المعتدين.وفي الوقت نفسه خرجت الجماهير الغفيرة في المشرق العربي ومغربه تعلن غضبها واستنكارها للجريمة، وتعلن وقوفها ضد العدوان، ومطالبة حكوماتها بالوقوف إلى جانب مصر في محنتها، وجرى نسف محطات ضخ النفط عبر الأنابيب من كركوك نحو بانياس وطرابلس، مما أدى إلى توقف تدفق النفط نحو الغرب، بالإضافة إلى إغلاق قناة السويس، مما أوقع الغرب في ورطة كبرى، حيث لم يعد بالإمكان نقل النفط من منطقة الخليج إلا عبر رأس الرجاء الصالح، مما يستغرق وقتاً أطول، وتكاليف أكثر.

وهكذا باء العدوان الثلاثي بالفشل الذريع، واضطر المعتدون إلى إيقاف الهجوم، وسحب قواتهم من الأراضي المصرية في 16 تشرين الثاني 1956، وبذلك انتهى العدوان تاركاً آثاراً بارزة على حركة التحرر العربي حيث أعطته زخماً هائلاً، وآمالاً عريضةً في مقارعة الإمبريالية،وتحرير البلدان العربية من نفوذها واستغلالها البشع.

 

موقف حكومة نوري السعيد من العدوان

كان موقف الشعب العراقي، وموقف حكومة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر على طرفي نقيض، فقد اتسم موقف الحكومة السعيدية بالتشفي من مصر وقائدها عبد الناصر بشكل علني وصريح، وراحت الإذاعة العراقية تحاول صرف أنظار الشعب عن العدوان الذي أطلقت عليه صفة [التطورات والملابسات السياسية ]!!.

 كما راحت الإذاعة تبث الأغاني الممجوجة التي كان التشفي ينبعث منها، مما أثار سخط واستنكار الشعب منها ومن الحكومة المتواطئة مع الإمبريالية، والتي سخرت مطاراتها للطائرات البريطانية ومستشفياتها لجرحى المعتدين، وضخت النفط إلى ميناء حيفا في إسرائيل لتجهيز طائرات وجيوش المعتدين بالوقود، وقد وصف السيد[ناجي شوكت]أحد رؤساء الوزارات السابقين في مذكراته موقف الحكومة السعيدية من العدوان بما يلي :

{ كانت إذاعة بغداد تذيع تسجيلات خليعة، وإن نسيتُ فلا أنسى مدى عمري ذلك المذيع الوقح الذي كانت علامات الشماتة والاستهزاء بكل القيم الإنسانية تنطلق بصوته المسعور في الوقت الذي كان الشعب العراقي برمته يغلي كالبركان، ويطلب مساعدة مصر في محنتها ووجوب مساندتها بالأرواح والأموال}.

أما نوري السعيد، الذي كان في لندن حينما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، قد اجتمع مع رئيس الوزراء البريطاني [أنطوني إيدن] حاثاً إ إياه على ضرب مصر، وإسقاط نظام عبد الناصر، وقد برهنت الحوادث على أن نوري السعيد كان على علم مسبق بقرار الهجوم على مصر.

عاد السعيد إلى بغداد مسرعاً، ليقوم بدوره المرسوم في دعم العدوان، ولإحكام سيطرة الحكومة على الغليان الشعبي الذي اجتاح العراق من أقصاه إلى أقصاه. فما كاد العدوان الثلاثي يبدأ على مصر الشقيقة حتى سارع عبد الإله إلى عقد اجتماع لمجلس الوزراء في البلاط  لبحث الوضع في مصر، واعتقدت السلطة الحاكمة في بغداد أن نظام عبد الناصر بات على وشك الزوال، وكان المجتمعون يتطلعون إلى الأخبار ساعة بعد ساعة، منتظرين استسلام مصر، وقد أتخذ مجلس الوزراء قراراً بإعلان الأحكام العرفية في الأول من تشرين الثاني، وتشكيل أربعة محاكم عسكرية في محاولة منه لمنع الشعب من التحرك ضد النظام العميل للإمبريالية بسبب مواقفه الخيانية من العدوان على الشقيقة مصر، ومن سائرالقضايا العربية.

 كما أجرى نوري السعيد اتصالاً مع الحكومة الأردنية، حيث تقرر على أثرها إرسال قوات عراقية إلى الأردن، في 14، و15 تشرين الثاني، وكان واضحاً أن الغرض من إرسال القوات  لتهديد سوريا التي وقفت إلى جانب مصر، وقطعت مرور النفط عبر أراضيها، وقامت بنسف المضخات.

و لم يكن قصد نوري السعيد حكومة إسرائيل كما ادعى ، حيث كان قد أجرى اتصالات سريعة مع حكومتي واشنطن ولندن لإفهام إسرائيل بأن العراق ليست له نية بالتحرش أو الاعتداء على حدودها، وقد سُرت الولايات المتحدة وبريطانيا لهذه المبادرة، كما ُسرت إسرائيل واطمأنت من الجانب العراقي.

وفي الوقت الذي كان الجيش المصري يتصدى للمعتدين بكل قوة وبسالة، كان نوري السعيد يضخ النفط إلى إسرائيل عبر أنبوب حيفا، كما كانت الطائرات البريطانية المعتدية تقلع من قاعدتي الشعيبة والحبانية، لتضرب أهدافها في بور سعيد و السويس.

 وفي الوقت الذي قطعت سوريا والسعودية علاقاتهما مع بريطانيا وفرنسا احتجاجاً على العدوان الغاشم على مصر فإن نوري السعيد رفض أن يفعل ذلك، مدعياً أن القرار سيكون كارثة على العراق. وهكذا فقد استفز النظام العراقي مشاعر الشعب العراقي، وداس على كل القيم العربية ليثبت ولائه وخنوعه التام للإمبريالية، مما دفع الشعب العراقي للانتفاضة ضد النظام رغم كل الاحتياطات التي اتخذها نوري السعيد، وفي المقدمة منها إعلان الأحكام العرفية، وتشكيل المحاكم العسكرية لإخافة المواطنين ومنعهم من التحرك. ومن جانبه أبرق السيد[كامل الجادرجي] زعيم الحزب الوطني الديمقراطي حيث كان موجوداً في مصر لمتابعة تنفيذ قرارات المؤتمر الشعبي العربي حينما وقع العدوان، إلى رئيسي مجلسي الأعيان والنواب، في 14 تشرين الثاني البرقية التالية:

{إن لجنة الاتصال للمؤتمر الشعبي العربي المنعقد بالقاهرة تستنهض ضمائركم لتبادروا بإنزال العقوبة بحق المتآمرين الذين ارتكبوا الجناية العظمى بالسماح للبترول العربي في العراق أن يتدفق إلى حيفا، لتستخدمه إسرائيل والإنكليز والفرنسيين للقضاء على الأمة العربية.

 إن التاريخ سيسجل موقفكم، وإن الأمة العربية بأجمعها تنتظر ما سوف تتخذونه ضد هذه المؤامرة الاستعمارية المنكرة، وعلى المتآمرين من أعوان الاستعمار، وفقكم الله لما فيه رضاه، ومصلحة الأمة العربية }.

وقد استُخدمت تلك البرقية دليل إدانة ضد الأستاذ الجادرجي فيما بعد، وقد رد رئيس مجلس الأعيان على البرقية ببرقية جوابية يستنكر فيها ما جاء في برقية الجادرجي، ويدافع عن حكومة نوري السعيد.

 

اندلاع انتفاضة الشعب العراقي[1956]

وجاء رد الفعل من أساتذة الجامعة على موقف حكومة السعيد، فقد قدم 61 أستاذاً جامعياً مذكرة مسهبة إلى الملك استنكروا فيها سياسة حكومة نوري السعيد المعادية لمصالح الشعب والأمة العربية، والسياسة القمعية التي مارسها ضد الطلاب والأساتذة، وضد جماهير الشعب، وانتهاكه لحرمة المدارس والكليات، وطالبوا باحترام الحرم الجامعي، وضمان حرية الفكر، وإطلاق سراح الطلاب المعتقلين، وإجراء تحقيق عادل في تجاوزات الحكومة  وغيرها من المطالب الأخرى.

 كما قدم 35 شخصية سياسية ودينية ووطنية مذكرة مسهبة إلى الملك، في 20 تشرين الثاني شرحوا فيها تأمر وخيانة نوري السعيد، وطعنه للأمة العربية في الصميم، ودعت الملك إلى معالجة الأمر قبل فوات الأوان. كما قدم نقيب المحامين [ سعد عمر] مذكرة احتجاج أخرى في 29 تشرين الثاني إلى رئيس الوزراء بسبب قيام الحكومة باعتقال العديد من المحامين، واستنكر تلك الإجراءات غير القانونية، وطالب بإطلاق سراح المعتقلين على الفور.

لكنّ النظام أصرّ على السير في ركاب الإمبريالية، وتحدي مشاعر الشعب التي انفجرت بركاناً انتشرت حممه في طول البلاد وعرضها، فاندفعت الجماهير الغاضبة غير هيابة من حكومة العمالة وجهازها القمعي ومجالسها العرفية ومراسيمها الموغلة في العدوان على الدستور وحقوق وحرية المواطنين  المواطنين، وعمت المظاهرات جميع المدن العراقية، ووقعت الاشتباكات العنيفة بين الجماهير وقوات الحكومة القمعية.

ففي بغداد أندفع أساتذة وطلاب الكليات والمعاهد العالية، والمدارس الذين هزهم العدوان الثلاثي الغاشم على الشقيقة مصر، والموقف الخياني لحكومة نوري السعيد من العدوان،  يومي 3 و 4 تشرين الثاني في مظاهرات عارمة متحدين الأحكام العرفية وقوات قمع السلطة، حيث وقع صدام عنيف بين الطرفين أسفر عن استشهاد طالبين وفتاة صغيرة، ووقوع عدد كبير من الجرحى، وتم اعتقال أعداد أخرى من الطلبة.

لكن المظاهرات الطلابية استمرت دون توقف حتى بلغت أوجها يوم 21 تشرين الثاني 1956، حيث أعلن طلاب المدارس والكليات الإضراب العام عن الدراسة، وخرجوا في مظاهرة ضخمة اصطدمت مع قوات القمع السعيدية، وقد أبدا الطلاب بسالة منقطعة النظير في تصديهم لقوات الشرطة وأوقعوا فيها [58 إصابة] كان من بيهم مدير الشرطة، و3 ضباط شرطة، ومفوضين، و54 شرطياً، كما وقعت إصابات كثيرة في صفوف المتظاهرين من الطلاب والأهالي.

وعلى أثـر ذلك أعلنت الحكومة إغلاق كافة الكليات والمعاهد العالية، والمدارس الثانوية والمتوسطة، واعتقلت [378 طالباً] من الإعدادية المركزية وثانـوية الكرخ، وتم طـرد 37 طالباً من مدارسهم. وفي الوقت نفسه، أصدر وزير المعارف [ خليل كنه ] أمراً وزارياً بإلغاء تسجيل كافة طلاب المدارس، وإعادة تسجيلهم من جديد بعد حصولهم على كتاب موافقة من مديرية التحقيقات الجنائية[ مديريةالأمن العامة] ومنع قبول أي طالب في الكليات والمعاهد والمدارس، من دون أن يحصلوا على موافقة الجهات الأمنية. لكن تلك القرارات لم تثنِ الطلاب عن التظاهر بل على العكس من ذلك أدى تصدي قوات الأمن لهم إلى انتشار المظاهرات في معظم المدن العراقية، واشتباك المتظاهرين مع قوات القمع السعيدية حيث وقعت معارك دامية بين الشعب وقوات الحكومة القمعية. ففي مدينة الموصل خاضت القوى الوطنية والجماهير الشعبية مدعومة بطلاب المدارس معركة حامية مع قوات الشرطة والأجهزة القمعية، وهي تهتف بسقوط الإمبريالية وأذنابها، وعلى رأسهم نوري السعيد وعبد الإله، وكانت المظاهرة من السعة مما حال دون تمكن الشرطة من تفريقها، واستعانت الحكومة بقوات الشرطة السيارة الشرسة المجهزة بأسلحة حديثة، والمدربة خصيصاً لقمع المظاهرات،والتي تتصف بالوحشية والقسوة في تعاملها مع المتظاهرين، حيث وقعت معركة حامية بين الطرفين.

 وكان لي شرف المساهمة في تلك الانتفاضة جنبا إلى جنب مع رفاق الحزب، كما ساهمت إلى جانبي زوجتي التي كانت حامل في شهرها الرابع بولدنا البكر، وقد استطعنا الإفلات من قبضة الأجهزة الأمنية التي لاحقتنا، إلا أن زوجتي  أصيبت بنزيف حاد جراء تلك المشاركة أدى إلى إسقاط الجنين.

 كان أشد تلك المعارك ضد السلطة الحاكمة، المعركة التي خاضتها جماهير مدينة [الحي] التي استفزتها مواقف حكومة السعيد الخيانية، والجرائم التي اقترفتها قوات الحكومة القمعية في النجف الأشرف، فانتفضت هذه المدينة الباسلة التي كان سكانها يشكون من ظلم الإقطاع واستغلالهم البشع، وتفجرت تلك التراكمات ثورة عارمة ضد الطغيان السعيدي، وقامت المظاهرات الصاخبة التي تصدت لها قوات الشرطة القمعية.

لكن جماهير الحي استطاعت هزم تلك القوات في 18 تشرين الثاني، بعد معارك دامية سقط خلالها العديد من الشهداء و الجرحى .

وفي اليوم التالي جاءت السلطة بحوالي 1500 فرد من قوات الشرطة السيارة إلى المدينة، حيث دارت معارك عنيفة بين الطرفين، وقامت قوات الشرطة بانتهاك حرمة البيوت بأسلوب وحشي، حيث أخذت تقلع أبواب البيوت بالقوة وتجري التحري فيها وتلقي القبض على كل من تشك باشتراكه في المظاهرات.

  دفع سلوك الحكومة سكان المدينة إلى إعلان الإضراب العام، حيث أغلقت جميع المدارس والمحلات أبوابها، احتجاجاً على أساليب البطش السعيدية، وسيق العديد من أبناء الحي الى المجالس العرفية التي أخذت تصدر الأحكام الجائرة بحقهم، وكان من جملة تلك الاحكام، حكم الإعدام الصادر بحق الشهيدين[علي الشيخ حمود] و[مهدي الدباس]،فيما حُكم على الكثيرين بمدد مختلفة تراوحت بين السجن المؤبد، والسجن لبضعة سنوات.

 حاول لفيف من السياسيين إنقاذ حياة الشهيدين حمود والدباس، فقد قابل السيد [حكمت سليمان] أحد رؤساء الوزارات السابقين، و[ الشيخ محمد رضا الشبيبي ] من الوزراء السابقين، الملك فيصل الثاني، والتمساه عدم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقهما، ووعدهما الملك خيراً، لكن الذي جرى أن الشهيد مهدي الدباس تعرض في سجنه بعد الحكم عليه بالإعدام لتعذيب وحشي شديد على أيدي الأجهزة الأمنية، وتوفي على أثرها تحت التعذيب، وقامت الحكومة على الأثر بنقل الشهيد الدباس مع الشهيد علي الشيخ حمود إلى الساحة العامة في الحي، حيث تم نصب مشنقتين لهما، على الرغم من أن الدباس كان قد فارق الحياة داخل السجن، ومع ذلك علق جسده على حبل المشنقة لتوهم السلطة المجرمة أبناء الحي بأنه قد تم تنفيذ حكم الإعدام به وبرفيقه، لكي لا تنكشف الجريمة، ولابد لي أن أشيد هنا بالموقف البطولي للشهيدين، فلقد قضى الدباس تحت التعذيب دون أن تنتزع منه السلطات الأمنية أي أسرار تتعلق بنشاط الحزب الشيوعي، بينما وقف الشهيد علي الشيخ حسين شامخاً فوق مشنقته وهو يهتف بحياة الشعب العراقي والحزب الشيوعي ويلعن المستعمرين وأذنابهم.

 ورغم كل ما فعلته السلطة الحاكمة، وبالرغم من كل إجراءاتها القمعية فإن ذلك لم يجدها نفعاً، بل على العكس أنتشر لهيب الانتفاضة في  مدن الكوفة، والديوانية، والشامية، والحلة، وكربلاء، والناصرية، والنجف، والبصرة، والعمارة، والكوت، وأربيل وكركوك، والسليمانية.

ورغم أن السلطة الحاكمة زجت بقوات الشرطة، وقوات الجيش للحيلولة دون قيام المظاهرات، ورغم زجها بالآلاف المواطنين رهن الاعتقال، وتقديمهم إلى المجالس العرفية، وإصدار أحكام السجن الجائرة بحقهم، إلا أن المظاهرات والاحتجاجات تصاعدت ضد نوري السعيد والسلطة الحاكمة، وكانت أشد المعارك قد وقعت في مدينة النجف، مدينة البطولات الوطنية، فقد التهبت الأوضاع فيها عندما انطلقت تظاهرة طلابية من مدرستي [ الخورنق ] و[ السدير] حيث تصدت لها قوات الشرطة المدججة بالسلاح، والمزودة بالسيارات المسلحة بالرشاشات، وبدأت بإطلاق النار على المتظاهرين، حيث أصيب [ 42 طالباً ] بجراح، وكانت جراح 11 منهم خطيرة، واستشهد الطالب [عبد الحسين] حفيد العلامة المعروف [سيد فهمي الحمامي ]،كما استشهد طالب آخر من مدرسة السدير، وأخر من الأهالي، مما أدى إلى حالة من الهياج بين المواطنين الذين أعلنوا الإضراب العام، حيث أغلقت الحوانيت والمحال التجارية والمطاعم والمخابز والصيدليات كافة احتجاجاً على الأعمال الوحشية للسلطة، كما أضرب رجال الدين عن أداء واجباتهم الدينية، فلم يخرجوا لصلاة الجماعة.

 وإزاء تطور الأحداث وتصاعد موجة المظاهرات أقدمت الحكومة على سحب شرطة المدينة، واستبدلتهم بإعداد غفيرة من الشرطة جاءت بهم من مناطق أخرى، من أطراف الموصل خوفا من تهاون شرطة النجف في قمع المتظاهرين، ومع ذلك فلم تستطع السلطة السيطرة على المدينة، مما دفع بالحكومة إلى إنزال قوات الجيش إلى الشوارع، واحتلال المدينة.

 لكن الإضراب استمر أسبوعاً كاملاً وسط تحدي الشعب لقوات القمع، وواصلت التظاهر والتصدي لتلك القوات التي سارعت إلى إطلاق النار على المتظاهرين الذين لجئوا إلى مرقد الأمام علي عليه السلام، ولاحقتهم قوى الأمن مواصلة إطلاق الرصاص عليهم مما أدى إلى استشهاد أثنين من المتظاهرين هما الشهيدين [عبد الأمير ناصر] و[أموري علي]  ووقوع العديد من الجرحى.