حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل الثالث
8 ـ نشاطي في منظمة انصار السلام42
9 ـ تشكيل الجبهة الوطنية لخوض
الانتخابات
10ـ تكليفي بتمثيل العراق بمؤتمر السلام في هلسنكي
11ـ المشاركة في مهرجان الشبيبة الديمقراطية في وارشو
{8}
نشاطي في منظمة أنصار السلام
كانت الحرب الباردة بين المعسكرين
الشرقي والغربي قد بلغت ذروتها في بداية الخمسينات، وخصوصاً بعد الأزمة السياسية
التي حدثت بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة والاتحاد السوفيتي
والمعسكر الاشتراكي من جهة أخرى، حيث أقدم الاتحاد السوفيتي على حصار برلين، مما
هدد بنشوب حرب ذرية بين المعسكرين، مما دعا القوى الخيرة في العالم أجمع للنضال من
أجل السلام، وكبح مساعي مشعلي الحرب نظراً لما يتهدد البشرية من أخطار جسيمة لا
أحد يستطيع تحديد مداها، وربما تقضي على مجمل الحضارة البشرية على كوكبنا.
وهكذا فقد بادرت القوى السياسية،
والعديد من الشخصيات المؤمنة بضرورة الحفاظ على السلام بين شعوب العالم، ودعم
الجهود الرامية إلى قيام علاقات سلمية بين المعسكرين على أساس التعاون والمصالح
المشتركة بين الشعوب والدول، لتأسيس حركات ومنظمات تدعو إلى صيانة السلام في
العالم أجمع، وكبح جماح الذين يدفعونه إلى حافة حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر، وتشكلت
في الثاني من أيلول عام 1952 منظمة عالمية للسلم والتعاون بين الشعوب تضم شخصيات
بارزة مشهود لها بدورها النضالي في هذا السبيل كي تقود الحركة العالمية، وتنسق
الجهود بين مختلف منظمات السلام في
العالم مما جعل المنظمة العالمية هذه تأخذ
دوراً كبيراً ورائداً لتوطيد السلام بين المعسكرين، وعلى النطاق الدولي. كان الحزب
الشيوعي العراقي سباقاً في المبادرة إلى المساهمة بمنظمة أنصار السلام ، والتي ضمت
نخبة رائدة من رفاقه وأصدقائه من العناصر الديمقراطية المعروفة على النطاق الوطني،
وكان في مقدمة تلك النخبة كل من الشهيد المحامي توفيق منير والشهيد الدكتور محمد
الجلبي، والدكتورة الفقيدة نزيهة الدليمي والدكتور طلعت الشيباني والدكتور فاروق
برتو،ورجل الدين المعروف الشيخ عبد الكريم الماشطة، والفنان يوسف العاني والعديد
من الشخصيات الوطنية التي لا تسعفني الذاكرة في سرد أسمائهم، والذين مثلوا كافة
محافظات القطر، وكان لي شرف المشاركة في تلك المبادرة ممثلاً لمحافظة الموصل مع
عدد من رفاقي أعضاء الوفد، وكان في مقدمتهم المناضل الشيوعي المعروف إسماعيل رشيد
النجار.
بادرت تلك الشخصيات الإعداد
للمؤتمر التأسيسي بادئين حملة واسعة ومنظمة شملت كافة أرجاء العراق للنضال من أجل
السلام، وتشكيل المنظمات في كل محافظة، واختيار الوفود الذي ستشارك في المؤتمر،
والذي جرى عقده في صيف عام 1954.
بدأ أعضاء
الوفود بالوصول تباعاً إلى بغداد استعداداً لافتتاح المؤتمر، ومن حسن الصدف أن
التقي مع الشيخ الجليل[عبد الكريم الماشطة] الذي نزل في نفس الفندق الذي كان وفدنا
قد نزل فيه، وكانت أيام رائعة قضيناها مع ذلك الرجل الكبير ورفاقه، وكنا نتبادل
معهم خلالها هموم ومشاكل شعبنا، ومواقف السلطة الحاكمة، واضطهادها للحريات، وقمع
أي تحرك شعبي من اجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن أجل السلام في العالم أجمع،
فقد كانت السلطة آنذاك تهيئ الظروف لعقد ميثاق حلف بغداد، وربط العراق بالمشاريع
الإمبريالية، وزجه في الحرب الباردة بين المعسكرين.
حان موعد افتتاح الجلسة الأولى
للمؤتمر الذي جرى عقده بصورة سرية في حديقة دار الشهيد الدكتور محمد الجلبي،
وبادرت الوفود بالحضور أفراداً وجماعات، حتى إذا ما حانت ساعة بدء الجلسة نهض
الشهيد توفيق منير ليلقي كلمة الافتتاح مرحباً في البداية بأعضاء الوفود كافة،
ومستعرضاً الأوضاع العالمية والصراع بين المعسكرين، والأخطار التي كانت تهدد مستقبل البشرية، مما تطلب ذلك الدعوة لعقد
المؤتمر، وتأسيس حركة السلام العراقية لكي تناضل جنباً إلى جنب مع سائر المنظمات
الأخرى في مختلف بلدان العالم من أجل أقرار السلام، وكبح نشاط تجار الحروب.
وبعد انتهاء الأستاذ توفيق منير من
إلقاء كلمته بادر إلى مصافحة أعضاء الوفود فرداً فرداً، وأخذ يعلق شعار حركة
السلام [حمامة السلام] على صدورهم وسط تصفيق الحاضرين.
ثم تتالت كلمات
الوفود لسائر المحافظات القطر في جو رائع من الجدية والتصميم على خوض النضال من
أجل السلام مهما كانت المعوقات والصعوبات.
وفي النهاية جرى تشكيل اللجان التي تولت دراسة
المهام الملقاة على عاتق المنظمة وسبل تحقيقها، والمقترحات التي أبداها المؤتمرون،
وكان من نصيبي المشاركة في لجنة العلاقات الخارجية، وتوزعت اللجان على عدة دور للأخوة
المشاركين في بغداد لكي تدرس وتقرر ما ترتأيه من أساليب العمل في اليوم التالي،
وتقدم ملخصاً لقراراتها من أجل إقرارها في اليوم الثالث للمؤتمر.
كان نصيبي كما أسلفت في لجنة
العلاقات الخارجية التي بادرت في اليوم الثاني للمؤتمر للاجتماع في دار الدكتور [
طلعت الشيباني ]،وكان من ضمن اللجنة الأستاذ الفنان يوسف العاني وشخص آخر لا
تسعفني الذاكرة بتذكر اسمه، حيث قضينا ذلك اليوم في دراسة المقترحات، وإقرار ما
رأته اللجنة صائباً ويخدم قضية السلام.
وفي اليوم الثالث التأم شمل
المؤتمرين من جديد، وجرى قراءة ومناقشة مقررات اللجان والتصويت عليها وإقرارها، ثم
جرى بعد ذلك انتخاب الهيئة القيادية لحركة السلام برئاسة المحامي القدير والشيوعي
البارز الشهيد[ توفيق منير]، وبذلك انتهت أعمال المؤتمر، وأعلن الرئيس أن حفلة
عشاء على شرف المؤتمرين هذا المساء في دار والد الدكتور فاروق برتو، الأستاذ
القانوني الكبير[عبد الجليل برتو] عضو محكمة تمييز العراق، وكانت حفلة رائعة بعد
عناء وتعب الأيام الثلاثة التي جرى فيها العمل المركز والجهد المتواصل للخروج
بالقرارات الصائبة، وتهيئة الظروف للعمل بجد ونشاط في مختلف المدن العراقية من اجل
تطبيق ما اتفق عليه المؤتمرون.
وفي اليوم التالي بادرت الوفود
للعودة إلى مدنهم والجميع ممتلئون همة وعزماً على النضال بكل ما يستطيعون لتنفيذ
مقررات المؤتمر بكل أمانة واندفاع.
وفي اليوم الرابع ظهرت الصحف وعلى
صفحتها الأولى البيان الختامي للمؤتمر ومقرراته، والتي فاجأت السلطة الحاكمة
بعقده، وبدأت تعد العدة لمجابهة المنظمة، وقمعها والحد من نشاطها بأقصى ما تستطيع
إلى ذلك سبيلاً.
فقد بادر نوري السعيد الذي تولى
السلطة عام 1955 إلى تعديل قانون العقوبات فيما يخص النشاط السياسي للأحزاب والذي
كان قد منع الحزب الشيوعي من مزاولة نشاطه العلني، حيث أضاف فقرة جديدة للمادة 89
المتعلقة بذلك المنع.ونصت الإضافة على ما يلي:
{سواء كان ذلك بصورة مباشرة او بواسطة هيئات او منظمات
تهدف إلى خدمة أغراض المذهب المذكور تحت ستار أي اسم كان، كأنصار السلام ،
والشبيبة الديمقراطية ، وما شاكل ذلك}.
وبذلك أصبح نص المادة كما يلي:
{كل من حبذ أو روج أياً من المذاهب الاشتراكية أو
البلشفيةـ الشيوعية ـ والفوضوية والإباحية ، وما يماثلها، سواء كان ذلك بصورة
مباشرة، او بواسطة هيئات، او منظمات، تهدف إلى خدمة أغراض المذهب المذكور تحت ستار
أي اسم كان، كأنصار السلام، والشبيبة الديمقراطية، وما شاكل ذلك، والتي ترمي إلى
تغيير نظام الحكم، والمبادئ والأوضاع السياسية للهيئة الاجتماعية المضمونة
بالقانون الأساسي، جرماً يستحق عقوبة الحبس لمدة سبع سنوات، وبالسجن المؤبد، أو
الإعدام إذا كان التحبيذ بين القوات المسلحة}.
وواضح أن عبارة [وما شاكل ذلك] هي
عبارة مطاطية غير محددة استخدمتها السلطة الحاكمة لقمع أي تحرك جماهيري ضد سياسات
الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم، ومنع المطالبة بالحقوق والحريات الديمقراطية.
بادر نوري
السعيد إلى شن حملة شعواء ضد الحزب الشيوعي، وضد المنظمات الشعبية، وفي المقدمة
منها حركة السلام، حيث أقدم على نزع الجنسية العراقية عن الشهداء توفيق منير وكامل
قزانجي و عزيز شريف والدكتور صفاء الحافظ والشاعر الكبير الأستاذ كاظم السماوي
وجرى تسفيرهم إلى تركيا.
بقي المناضلون
في المنفى حتى قيام ثورة 14 تموز 1958، حيث جرى إعادة الجنسية لهم وعادوا إلى
العراق، وجرى لهم استقبالاً رسمياً وشعبياً كبيراً شاركت فيه شخصيات وطنية كبيرة
من مختلف الأحزاب السياسية، وجموع غفيرة من الجماهير الشعبية.
وقد جرت حفلة تكريم وعشاء للمناضل
الكبير الشهيد كامل قزانجي في الموصل من قبل والد زوجتي المناضل المعروف محمد عبد
اللطيف الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة وقديمة مع الشهيد قزانجي أيام كانا معتقلين، وكان
معهما الشهيد المناضل المحامي توفيق منير عام 1948 على اثر وثبة كانون الثاني
المجيدة، وتم إبعادهم فيما بعد إلى عين تمر حيث عاشوا معاً في بيت واحد طيلة فترة
الأبعاد.
كانت الحفلة رائعة جداً حيث ضمت
نخبة من المناضلين الذين قارعوا طغيان نوري السعيد، وقد تحدث الشهيد كامل قزانجي
عن فترة الأبعاد التي قضاها مع رفيقه الشهيد توفيق منير على أثر إقدام نوري السعيد
على إسقاط الجنسية العراقية عنهما بالإضافة للشهيد صفاء الحافظ والأستاذ عزيز
شريف.
{9}
تشكيل الجبهة الوطنية لخوض الانتخابات
رداً على سياسة السلطة الحاكمة
المتجاهلة لإرادة الشعب دعت الأحزاب والقوى السياسية، وكافة المنظمات الديمقراطية
والنقابات، إلى لقاء يهدف إلى تشكيل جبهة موحدة لخوض الانتخابات.
وبالفعل تم اللقاء
الذي حضره ممثلون عن الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي
وحركة أنصار السلام ومنظمات الطلاب والشباب، والنقابات العمالية والمهنية كنقابة
المحامين والأطباء، وممثلي الفلاحين، وتدارس الجميع موضوع ضرورة إقامة جبهة وطنية
لخوض الانتخابات العامة، وقد تم التوقيع على الميثاق في 12 أيار 1954، وكان لهذا
الميثاق وقع الصاعقة على الفئة الحاكمة
فقد تضمن الميثاق البنود التالية :
1ـ إطلاق كافة الحريات الديمقراطية كحرية الرأي، والنشر،
والاجتماع، والتظاهر والإضراب وتأليف الجمعيات وحق التنظيم السياسي والنقابي.
2 ـ الدفاع عن حرية الانتخابات.
3 ـ إلغاء معاهدة 1930، والقواعد العسكرية، وجلاء الجيوش
الأجنبية، ورفض جميع التحالفات العسكرية الاستعمارية بما فيها الحلف التركي
الباكستاني، وأي نوع من أنواع الدفاع المشترك .
4 ـ رفض المساعدات العسكرية الأمريكية التي يراد بها
تقييد سيادة العراق، وربطه بالتحالفات العسكرية الاستعمارية.
5 ـ العمل على إلغاء امتيازات الشركات الأجنبية
الاحتكارية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وإنهاء دور نظام الإقطاع، وحل المشاكل
الاقتصادية القائمة، ومشكلة البطالة المستفحلة، وغلاء المعيشة، ورفع مستوى معيشة
الشعب بوجه عام، وتشجيع الصناعة الوطنية وحمايتها.
6 ـ العمل على إزالة الآثار الأليمة التي خلفتها كارثة
الفيضان عام 1954، بإسكان جميع المشردين من ضحايا تلك الكارثة، وتعويض المتضررين، وتأليف لجنة نزيهة محايدة
لتحديد مسؤولية المقصرين، واتخاذ كل ما يلزم لدرء أخطار الفيضان في المستقبل.
7 ـ التضامن مع الشعوب العربية، في كفاحها العادل من أجل
استقلال البلاد العربية، وتحرير فلسطين .
8 ـ العمل على إبعاد العراق والبلاد العربية عن ويلات
الحرب
وقد وقع على الميثاق كل من :
1ـ ممثل الحزب الوطني الديمقراطي
2 ـ ممثل حزب الاستقلال
3 ـ ممثل الفلاحين، نايف الحسن
4 ـ ممثل العمال ـ كليبان صالح
5 ـ ممثل الشباب ـ صفاء الحافظ
6 ـ ممثل الأطباء ـ د . احمد الجلبي
7 ـ ممثل المحامين ـ عبد الستار ناجي
8 ـ ممثل الطلاب ـ مهدي عبد الكريم
وطبيعي أن الخمسة الأخيرين كانوا
يمثلون الحزب الشيوعي، بسبب الحظر المفروض على الحزب وملاحقة أعضائه ومؤيديه، فقد
جرى الاتفاق على تمثيل الحزب الشيوعي بهذه الطريقة .
أحدث إعلان ميثاق الجبهة الوطنية
في 12 أيار 1954 زلزالاً كبيراً لدى
السلطة الحاكمة، التي أقلقها أشد القلق اللقاء الذي تم بين الحزب الوطني
الديمقراطي وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي بهذا الشكل العلني الواسع الذي ينم عن
التحدي، وأخذت هذه السلطة تبذل قصارى جهدها للحيلولة دون نجاح مرشحي الجبهة
الوطنية في الانتخابات بكل الوسائل والسبل، من إرهاب وتزوير ورشاوى وغيرها.
وفي المقابل نشطت الجبهة الوطنية
في تعبئة الجماهير الشعبية لخوض المعركة الانتخابية، وتحدي إجراءات السلطة مهما
كلفها الأمر.
ونشطت القوى
المؤيدة للبلاط، وبضمنها حزبا نوري السعيد وصالح جبر [الاتحاد الدستوري] و[حزب
الأمة الاشتراكي] وشيوخ الإقطاع الموالين للبلاط ، مكونين جبهة واحدة على الرغم من
التنافس بين البلاط وكتلة نوري السعيد، والذي بدا واضحاً عند تأليف وزارة ارشد
العمري التي لم يدخلها أحد من حزب نوري السعيد، لكي يضمن عبد الإله أغلبية موالية
له في الانتخابات.
تم تحديد يوم
الأربعاء المصادف 9 حزيران للانتخاب، وكان النشاط من قِبل الطرفين يجري على قدم
وساق، ولازلت أذكر ذلك اليوم الذي جرت فيه تلك الانتخابات، والأيام التي سبقته،
حيث كانت القوى الوطنية تعمل متكاتفة كخلية نحل في أعداد وتعبئة الجماهير للمشاركة
في الانتخاب، والتصويت لمرشحي الجبهة الوطنية في الموصل.
وكان لي شرف
المساهمة النشطة بتلك الحملة الانتخابية، حيث عملنا المستحيل من أجل فوز كافة
مرشحي الجبهة الوطنية، وإفشال مرشحي الحكومة والبلاط، رغم كل المحاولات التي
بذلتها الإدارة، والأجهزة الأمنية للتلاعب في الانتخابات حيناً، وفي التهديد
وإخافة الناس البسطاء حيناً آخر. لقد كان ذاك اليوم عيداً وطنياً كبيراً لدى أبناء
الشعب في الموصل، فقد فاز مرشحو الجبهة الوطنية بالمقاعد الخمسة المخصصة لمدينة
الموصل، وفشل كافة مرشحي السلطة.
وخرجت الجماهير
الشعبية في اليوم التالي لتوديع النواب المنتخبين في طريقهم إلى بغداد لحضور
الجلسة الأولى للمجلس النيابي، وقابلتنا الشرطة بالهراوات، وأخذت تلاحق جماهير
الشعب، وتم اعتقال أعداد منا، واستطعتُ الهرب من أيدي شرطة نوري السعيد قافزاً فوق
سياج المقبرة التي على يسار الطريق الذي سلكته المظاهرة لكني سقطت على الأرض، وكان
فيها بقايا زجاج قنينة مكسورة فأصبت بجرح في ساقي واستطعت ربط الجرح بمنديل والسير
في المقبرة على عكس الطريق لكي أصل إلى منطقة بعيدة عن أنظار الشرطة حيث خرجت
للشارع واستأجرت عربة[ ربل] وعدت إلى البيت.
لقد كان هربي قد
أنقذني من الفصل من وظيفتي، حيث كنت آنذاك مديراً لمدرسة الحضر، وساعدتني الصدفة
على التخلص من الاعتقال.
لكن الانتخابات التي جرت في بقية
المناطق كانت بعيدة كل البعد عن التمثيل الحقيقي لإرادة الشعب، وذلك بسبب هيمنة
الإقطاعيين الواسعة، وبسبب تدخلات السلطة، وخاصة في بغداد، والمدن الرئيسة، فكانت
النتيجة فوز 11 نائباً من الجبهة الوطنية من مجموع عدد النواب البالغ 135 نائباً، فيما فاز حزب نوري السعيد [
الاتحاد الدستوري] بـ51 مقعدا، وفاز حزب صالح جبر [ الأمة الاشتراكي] بـ 21
مقعداً،فيما فاز 38 إقطاعياً من أعوان
السلطة الحاكمة بالتزكية دون منافس.
رفعت الجبهة
الوطنية مذكرة إلى الحكومة، وموجهة بالذات إلى وزير الداخلية، في 1 حزيران 1954،
تحتج فيها على الانتهاكات الصارخة، والتدخلات غير المشروعة للسلطة في الانتخابات، وحرمان مرشحي الجبهة الوطنية من حق
الدعاية الانتخابية، وعقد الاجتماعات الانتخابية والاتصال مع جماهير الشعب، وإشاعة
الخوف والإرهاب بين الناس، واعتقال مؤيدي الجبهة الوطنية، وزجهم في السجون، بشكل
سافر أمام أعين الجماهير الشعبية لإرعابهم ومنعهم من التصويت لمرشحي الجبهة الوطنية. كما جرى إبعاد مرشحي
الجبهة الوطنية في الحلة والكوت عن مناطقهم الانتخابية مخفورين، حيث تم نقلهم
بالسيارات المسلحة للشرطة.
كما جرت مذبحة في مدينة الحي عندما
حاول أبناء الشعب تقديم المرشح المنافس للإقطاعي الكبير[عبد الله الياسين]، حيث
قام رجاله البالغ عددهم أكثر من 100 مسلح بالاعتداء على أبناء الشعب، وقد ذهب ضحية
الاعتداء المسلح أحد المواطنين وجرح 15 آخرين.
أثارت المذبحة
هيجاناً شديداً لدى الجماهير الشعبية، وهبت المظاهرات المنددة بالإقطاع والسلطة الحاكمة، وقد شارك في
المظاهرات سائر أبناء الحي نساءً ورجالاً، وقد تصدت لهم قوات الشرطة بكل الوسائل
القمعية، حيث وقع المزيد من الجرحى، وألقت الشرطة القبض على 74 مواطناً، حيث
أحيل 52 فرداً منهم إلى المحاكمة، وحكم
على المناضل الشيوعي [علي الشيخ حسين] بالإعدام، وعلى الباقين بالسجن لمدد مختلفة.
بهذا الأسلوب،
وبهذا الجو الإرهابي أجرت السلطة الحاكمة الانتخابات، كي تضمن فوز مرشحي النظام،
في محاولة مستميتة منها لمنع وصول أي معارض إلى قبة البرلمان.
ومع أن عدد الفائزين من مرشحي
الجبهة الوطنية كان 11 نائباً فقط، فقد أقلق ذلك العدد السلطة الحاكمة كثيراً،
وهالها أن ترى نخبة مثقفة واعية على مقاعد البرلمان، تقف بالمرصاد للمخططات
الإمبريالية التي يراد بها ربط العراق بالأحلاف العدوانية، وبدأت تفكر بالتخلص
منهم ومن هذا البرلمان منذ أن أعُلنت نتائج الانتخابات.
ولم يعقد المجلس الجديد سوى جلسة
واحدة فقط، في يوم الاثنين 26 تموز 1954، لسماع خطاب العرش، فقد صدرت الإرادة
الملكية بتعطيله حتى تم حله على يد حكومة نوري السعيد التي خلفت حكومة أرشد العمري
بعد الانتخابات، وصدرت الإرادة الملكية بحله في 3 آب 1954، لكي يجري نوري السعيد
انتخابات جديدة، يحول فيها دون وصول أي معارض إلى البرلمان، فكانت النتيجة المجئ
بمجلس التزكية المعروف، والذي سأتحدث عنه فيما بعد .
{10}
منظمة أنصار السلام
تكلفني بتمثيل العراق في مؤتمر هلسنكي
في الأول من حزيران عام 1955 تلقيت
رسالة من الحزب للسفر إلى بغداد بمهمة
خاصة لم تفصح عنها الرسالة، وكل ما في الأمر كان عنوان لأحد الرفاق في بغداد لكي اتصل
به مع كلمة السر، كما زودتني اللجنة المحلية في الموصل برسائل حزبية مغلفة لقيادة
الحزب في بغداد.
شددت الرحال إلى بغداد بالقطار حيث
وصلتها صباح اليوم التالي، وأسرعت إلى عنوان الرفيق الذي كان يعمل بمحل تاجر في
سوق الأقمشة عائد لشخص من عائلة مكية. وبعد أن تعرفت عليه وأعطيته كلمة السر،
وأجابته على تلك الكلمة سلمته البريد الخاص بقيادة الحزب، وقد طلب مني أن نلتقي
عصراً في نفس المكان.
وفي الوقت المحدد جرى اللقاء
القصير بيني وبينه، حيث ابلغني بالذهاب إلى عيادة الدكتورة نزيهة الدليمي في منطقة
الشواكة، وستكون بانتظاري، وعلى الفور توجهت نحو منطقة الشواكة، وصرت ابحث عن
عيادة الدكتورة نزيهة الدليمي، وقد توصلت إليها دون عناء، ودخلتها وسجلت نفسي
كمريض لديها.
وجاء دوري للفحص، ودخلت إلى
الدكتورة نزيهة، وحييتها تحية رفاقية، وأبلغتها أنني قادم إليها بطلب من الرفيق
الذي جرى الاتصال به من قبل. رحبت بي الرفيقة نزيهة الدليمي أجمل ترحيب،وتبادلنا الحديث عن نشاطات
حركة السلام والحزب في الموصل.
ثم انتقلت بعد ذلك إلى موضوع
المهمة التي جئت من أجلها من الموصل قائلةً: أيها الرفيق أنك غير مكشوف للسلطة،
وأن لديك جواز سفر نافذ وحقيقي، كما أُبلغنا من منظمة الموصل، فإن المنظمة تكلفك بمهمة تمثيل العراق في مؤتمر السلام في
هلسنكي، وأعتقد أنك على استعداد لتنفيذ هذه المهمة. وقد أجبتها على الفور:
{بكل سرور أيتها الرفيقة، وسأنفذ الواجب بكل أمانة}،
وبادرت الرفيقة نزيهة إلى فتح حقيبتها، وأخرجت ظرفاً يحتوي على خطاب الوفد العراقي
المعد سلفاً من قيادة الحركة لكي القيه في المؤتمر.
كما أعطتني رقم هاتف لأحد الرفاق
في بيروت مع كلمة السر لكي اتصل به كي يرتب لي أمر السفر من هناك، حيث جري تجمع
الوفود العربية في بيروت، وقد أرسلت فلندا سفينة إلى بيروت لنقل الوفود العربية
إلى هلسنكي، طالبة مني السفر فوراً بسبب محدودية الوقت وقرب إبحار السفينة.
وعلى الفور ذهبت إلى [نقليات نيرن]
للسفر عبر الصحراء وحجزت مقعداً لي في اليوم التالي والفرح يغمرني لتكليفي بهذه
المهمة الكبيرة.
وانطلقت بنا السيارة عبر الصحراء
بين العراق وسوريا، لكن الحظ التعيس كان لي بالمرصاد حيث تعطلت السيارة في
الصحراء، وتعذر إصلاحها بسبب كسر احد المكابس في المحرك [البستن]، مما تطلب إرسال
سيارة أخرى والذي أدى إلى المبيت في الصحراء.
وفي اليوم التالي واصلنا السفر نحو
دمشق ومنها انتقلت مباشرة ودون توقف إلى بيروت التي كان أول عهدي بها حيث وصلت
بيروت على ما أتذكر عصر يوم 7 حزيران 1955، وطلبت من سائق التاكسي أن يأخذني إلى
فندق متوسط السعر ونظيف حيث أخذني إلى فندق[ناسونال] وكان الفندق راقياً ونظيفاً، وغرفه واسعة،
وأثاثه جيد، وأجرة المبيت
لليلة الواحدة 7 ليرات لبنانية
آنذاك.
كنت منهكاً جداً من تلك السفرة،
ولم اعد أتمالك نفسي من شدة الإعياء، فقلت في نفسي ينبغي أن آخذ قسطاً من النوم
لساعة أو ساعتين كي استعيد شيئاً من الراحة، واذهب لتناول العشاء، ومن ثم اتصل
بالرفيق الذي استلمت رقم هاتفه من الدكتورة نزيهة الدليمي.
وألقيت جسدي المنهك على السرير من
دون أن أغير ملابسي ورحت في نوم عميق، وعند استيقاظي من النوم ظننت أنني قد نمت
ساعتين أو ثلاث ، لكني وجدت أن الشمس قد أشرقت من جديد، ونظرت للساعة للتأكد من
ذلك فوجدتها تشير إلى الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي.
إذا لقد نمت منذ عصر اليوم السابق
وحتى الساعة العاشرة من اليوم التالي 8 حزيران، حيث أسرعت نحو التلفون واتصلت
بالرقم المطلوب، وتحدثت إليه بكلمة السر، فطلب مني اسم الفندق ورقم الغرفة، واسمي
الحقيقي في الجواز، وأبلغني أنه قادم إلي خلال ساعتين على أبعد تقدير، طالباً مني
عدم مغادرة الغرفة.
وقبل انتهاء الساعتين وصل شخصان لم
التقي بهما من قبل، وعرفاني بشخصيتهما وهما يصافحاني،[الدكتور صفاء الحافظ]
و[الأستاذ عبد الجبار وهبي] والمعروف بأبي سعيد، وقد فاجأني الرفيق صفاء الحافظ
بقوله رفيقنا لقد تأخرت في الوصول، وأبحرت السفينة صباح يوم أمس.
كان حديثه
كنازلة حلت بي وصدمتني وأصابتني بالذهول، وخيبة الأمل من الوصول إلى هلسنكي.
وأدرك الدكتور صفاء ما يجول في
خاطري فبادرني بالحديث سنحل المشكلة لا تحزن، سأتصل بالدكتور المهندس [ أنطون
ثابت] رئيس حركة السلام اللبنانية لكي يدبر لك الأمر، ويسهل موضوع سفرك.
ثم جلسنا نتبادل الحديث عن أوضاع
العراق، وكان الرفيقان يوجهان لي العديد من الاستفسارات حول وضع الحزب، وحول نشاط
حركة السلام العراقية، وحول إرهاب نوري السعيد، ورد فعل الأحزاب السياسية الوطنية
وجماهير الشعب على مراسيم نوري السعيد، والتي أفرغت الدستور من مضامينه
الديمقراطية. كانت الجلسة الأولى مع الرفيقين الخالدين رائعة جداً أشعرتني أننا لم
نلتقي قبل ساعات، بل كأنها علاقة سنوات، وشاءت الظروف أن تتكرر لقاءاتنا يومياً في
بيروت ولعدة أيام.
اتصل الرفيق صفاء الحافظ بالدكتور[
انطون ثابت ] في مكتبه الهندسي، وابلغه بمقدمي إليه طالباً منه تدبير أمر سفري
بالطائرة.
وذهبت إلى مكتب الدكتور أنطون ثابت
وقابلته، وقد رحب بي كثيراً، وشرحت له الأمر، وما حدث للسيارة التي أخرت وصولي،
ورجوته بذل الجهود من أجل تدبير سفري واللحاق بالمؤتمر قبل انعقاده.
وقد أجابني الدكتور ثابت بأنه
سيتدبر أمر بطاقة السفر خلال بضعة أيام
حيث أن أحد نواب البرلمان اللبناني الذي كان مدعواً لحضور المؤتمر من
المحتمل أن يعتذر عن السفر لظروفه الخاصة، وإذا تأكد لنا عدم سفره فسوف نعطيكم
بطاقة سفره.
وهكذا انتهى اللقاء وصافحته وخرجت وأنا
بين الشك واليقين أن أتمكن من الوصول إلى هلسنكي قبل بدء أعمال المؤتمر.
وبقيت انتظر ذلك بفارغ الصبر، وكنا
نخرج كل يوم أنا والرفيقين صفاء الحافظ وأبو سعيد الذي كان يصطحب معه أحياناً طفله
سعيد، وابنته الصبية نادية، وكنا نجلس في مقهى البحرين، ونتبادل أطراف الحديث حول
الأوضاع العراقية والعربية والدولية.
في اليوم الثالث لوصولي وكنا
جالسين في المقهى سألني الدكتور الحافظ إن كنت سأبقى في فندقي الذي يعتبر غالياً
نسبياً آنذاك قائلاً :
[يبدو أنك برجوازي رفيقنا لماذا تدفع 7 ليرات يومياً
وبإمكاني أن آخذك إلى فندق نظيف وبسعر ليرتين يومياً فتوفر 5 ليرات عن كل ليلة].
ووافقت على الفكرة في الحال، وتم
انتقالي إلى فندق آخر نظيف حقاً وجيد، ولكن من دون مصعد وكان علي أن أصعد عدة
طوابق مراراً كل يوم، وقد خطر لي أن اسأل الرفيقين عن أوضاعهما المادية، وعلمت
أنهما يعانيان من وضع مالي صعب للغاية.
كان معي 100 دينار عراقي فبادرت
على الفور مخاطباً إياهم أيها الرفاق الأعزاء لنقتسم ما عندي فنحن رفاق الطريق في
كل الظروف، وتم لي ما أردت رغم رفضهم ذلك بادئ الأمر.
وبعد أيام ابلغنا الدكتور أنطون
ثابت بأن البطاقة قد دُبرت، وأصبح السفر متاحاً لي، ولكن حدث ما لم يكن في
الحسبان.
فقد وصل في ذلك اليوم الرفيق عطشان
الأزيرجاوي، ومعه رفيق آخر اسمه عبد القادر، وكان الاثنان مطاردان ويحملان جوازين
مزورين، واقتضت الضرورة أن يعود أحدنا إلى بغداد لإيصال التعليمات الخاصة بمهرجان
الشباب في وارشو ببولندا في تموز القادم، والعودة مع الوفد العراقي إلى دمشق حيث
سينتظرنا اليخت الخاص بملك رومانيا السابق [ ليبرتاتا ] في ميناء اللاذقية، حيث
نتوجه إلى ميناء [كونستانزا] في رومانيا، ومنها نأخذ القطار إلى وارشو عبر بخارست
وبودابست.
وتحادثنا حول من يستطيع العودة دون
مخاطر، ويوصل المعلومات إلى الحزب في بغداد، وكان لا بد من أن تكون العودة من
نصيبي حيث أنني غير مكشوف للسلطة أولاً، وأمتلك جوازاً حقيقياً نافذاً ثانيا، وكان
لا بد من تقبل الأمر، فقد كان من المستحيل عودة أي واحد منهم إلى بغداد، والتفت
إلي الرفيق صفاء قائلاً ستأتي معنا إلى مهرجان الشباب الرائع ، وأضاف قائلاً :
[رفيق المهرجان يسوى إعدام !] وبادرته قائلاً سأتقبل الأمر بكل سرور. ينبغي أن لا
أعرض أحد الرفاق للخطر، ومادمت غير مكشوف، واحمل جوازاً حقيقياً فبإمكاني إيصال
البريد بسلام .
{11}
المشاركة في مهرجان
الشبيبة الديمقراطية في وارشو
في اليوم التالي شددت الرحال نحو
بغداد حيث غادرت بيروت مودعاً من قبل الرفاق بسيارة أجرة، حيث وصلت الشام، ومنها
أخذت الباص نحو بغداد التي وصلتها في اليوم التالي، وسارعت فورا إلى إيصال البريد
الخاص بالمهرجان للحزب، وغادرت بغداد إلى الموصل لرؤية الأهل وقضاء يومين بينهم،
ثم عدت إلى بغداد حيث كان يتم تجمع الوفد العراقي إلى المهرجان بصورة سرية،وبعد
أيام غادرنا بصورة منفردة إلى دمشق حيث جرى تجمع الوفود العربية هناك استعداداً
للسفر إلى اللاذقية حيث كانت تنتظرنا الباخرة البلغارية[لبرتاتا]، وبالفعل غادرنا
دمشق يوم 20 تموز 1955 إلى اللاذقية حيث قضينا ليلتنا في الفندق استعداداً للسفر
في الصباح التالي، وكان معي في نفس الغرفة الأخ جلال الطلباني ممثلآ لحزب البارت، وكان آنذاك طالباً في الصف
الثاني بكلية الحقوق .
في الصباح التالي 21 تموز1955
انتقلنا نحو الميناء مع سائر الوفود العربية حيث ترسو تلك الباخرة التي ستقلنا إلى
ميناء[كونستنزا] الروماني، وصعدنا إلى الباخرة وسط الأهازيج والأغاني الوطنية التي
تتغنى بالسلام وتدين الحروب ومشعليها ولم تمضِ سوى بضعة ساعات حتى غادرنا الميناء،
وكانت سفرة رائعة بكل المقاييس حيث يتجمع على سطح هذه الباخرة الصغيرة الرفاق من
مختلف البلدان العربية يجمعهم جامع واحد هو النضال من أجل السلام ونبذ الحروب.
وفي اليوم التالي اجتازت الباخرة
مضيق البسفور في طريقها نحو البحر الأسود حيث يقع ميناء كونستنزا الروماني الذي
وصلناه في اليوم التالي حيث جرى لنا استقبال حافل من قبل المواطنين الرومان.
كان القطار قد جرى إعداده من قبل
الرفاق الرومان كي ينقلنا إلى العاصمة[بخارست]، وعند وصولنا كانت جماهير غفيرة في
استقبالنا هناك مرحبين بالوفود، وبعد استراحة قصيرة تناولنا خلالها الطعام، غادر
القطار بخارست في الطريق نحو العاصمة الهنكارية بودابست حيث وصلناها عصرا.
لكن الغريب أننا لم تتح لنا فرصة
النزول من القطار، كما جرى الحال في بخارست، وكانت نظرات المواطنين الهنكار تنم عن
روح الكراهية والعداء، حيث كانت هنكاريا على شفى الانتفاضة التي حدثت بالفعل بعد
عام واحد [ 1956]، والتي قمعتها القوات السوفيتية في حينه.
غادر القطار بودبست في طريقه إلى
[وارشو]التي وصلناها عصرا اليوم التالي وكان في استقبالنا جماهير غفيرة بالإضافة
إلى الاستقبال الرسمي، وسط الأغاني والأناشيد الوطنية التي أطلقتها حناجر جميع
أعضاء الوفود،ونشيد الشبيبة الديمقراطية العالمي[أمالنا المقبلات]بجميع اللغات،
ولكن بلحن واحد، لقد كان المشهد رائعاً جداً.
بعد ذلك الاستقبال الرائع انتقلت
الوفود كل إلى مقر إقامتها، حيث جرى نقلنا إلى أحد الأقسام الداخلية الخاصة
بالطلبة والذي تمييز بالتنظيم الجيد، والنظافة التامة، وتأمين كل وسائل الراحة
للوفد.
وخلال الفترة التي سبقت بداية
المهرجان كان الوفد العراقي منهمكاً في زيارات وفود الدول الأخرى، أو استقبال
العديد من تلك الوفود، وتبادل وجهات النظر معها حول نشاطات الشبيبة الديمقراطية في
مختلف دول العالم ، ونضالها الدؤوب من أجل السلم والديمقراطية، وإبعاد شبح الحرب
في تلك الظروف التي كانت تسودها الحرب الباردة بين كلا المعسكرين الشرقي والغربي،
وكانت تلك اللقاءات فرصة ثمينة للتعرف على العديد من المناضلين والقيادات السياسية
والحزبية والأدباء والشعراء والفنانين، وكان في مقدمتهم الشاعر التركي الكبير
والمناضل [ ناظم حكمت] الذي زارنا في مقر الوفد، وجرى له استقبال حافل من قبل وفدنا.
وانطلق المهرجان، وأخذت الوفود من
156 دولة تستعرض في ساحة الاحتفالات الكبرى، ثم تأخذ مكانها المخصص في الساحة،
وبعد أن استكملت الوفود تواجدها، وأعُلن عن افتتاح المهرجان، انطلقت آلاف الحمامات
البيضاء في سماء المدينة، وانطلقت حناجر الوفود المشاركة بنشيد الشبيبة
الديمقراطية، كلٌ ينشد بلغته لكن بلحن واحداً في مشهد من الرهبة والروعة، ولاسيما
وان المعاني السامية للنشيد هي التي أعطته تلك الرهبة والروعة.
وهذا هو نص النشيد :
آمالنا
المقبلات
آمالنا
المقبلات حشــدتنا لنبني الحــياة
ونستثير النضال
بقـلوب تحــب السلام
هبت شعوب
البلاد تشـدوا بلحن الفـؤاد
إن الشبابَ
يلوي الصعابَ ويبهج الأيام
ينشر السلم
شبابٌ كالأسـود، كالأسـود
ودنا الحرب
ستطوى لن تعود لن تعود
أنا سنهدي
للشعوب ما تهـوى
ودنى الحرب
ستطوى لن تعود
تراثنا ما يزال
ملك شعب يجيد النضال
إنا نجــــيد
النضـــــال وصوتنا يتعــالى
نحن الشباب
نلوي الصعاب ونبهج الأيام
أرواحنا مسرعات
لــنداء يشــيع الحــياة
يا عزة الشهداء
يا شباب النضال المجيد
أنتم على الأرض
نــور لكـل شعب يثـور
كونوا شبابا
والوا الصعاب وابهجوا الأيام
ثم بدأت فعاليات المهرجان التي
نظمتها الشبيبة البولندية، والتي ضمت لوحات رائعة زاهية الألوان بالإضافة إلى
الجهد الفني الكبير الذي تولى إخراجها بهذه الجمالية والروعة.
ثم تلا ذلك كلمة السكرتير العام لإتحاد
الشبيبة الديمقراطي العالمي، ثم كلمة اتحاد الشبيبة البولندية، وانتهى الاجتماع
ذلك اليوم .
وخلال أيام المهرجان كانت هناك
برامج عديدة قد أُعدت سلفا للوفود أذكر منها زيارة بيت الموسيقار الكبير[شوبان]
الذي جرى تحويله إلى متحف خاص به، وزيارة المدينة القديمة وارشو، من ثم قمنا
بزيارة محارق[أشويفتز] المشهورة التي استخدمها الغزاة الهتلريون ليس فقط ضد اليهود
كما أشيع، بل ضد قوى المقاومة الوطنية للاحتلال النازي، كما قمنا بزيارة لقصر
الثقافة، وكذلك زيارات للعديد من الوفود، وغيرها من البرامج العديدة الأخرى، حيث لم
يكن لدى الوفود أي فراغ طيلة أيام المهرجان. وفي اليوم الأخير من المهرجان جرى
اللقاء من جديد في تلك الساحة حيث أقيم الحفل الختامي .
كان على الوفد العراقي السفر إلى
ألمانيا الديمقراطية لقضاء أسبوعين هناك، لكني اضطررت إلى العودة إلى الوطن مباشرة
مع الوجبة الأولى من الوفود التي كانت قد وصلت قبلنا وذلك بسبب مسؤوليتي عن
المدرسة التي كنت مديراً لها، وضرورة حضوري فيها، وغادرنا وارشو في نفس الطريق
الذي جئنا منه حيث وصلنا ميناء اللاذقية بتاريخ 21/8/1955.
لكن المشكلة التي وقعنا فيها أن
سلطات الميناء كانت قد ختمت على جوازاتنا في الخروج وفي الدخول إلى سوريا، مما
يشكل أدلة قاطعة على أننا قد شاركنا في المهرجان، وهذا ما يعرضنا للملاحقة
والاعتقال من قبل جهاز أمن حكومة نوري السعيد، التي اعتبرت بموجب المرسوم الذي
أصدره السعيد كل من الشبيبة الديمقراطية وأنصار السلام ملاحقة قانوناً.
ولآجل التخلص من هذه الإشكالية
قررت السفر إلى مدينة البو كمال حيث يمكن لأبناء عمومتي أن يجدوا لي الطريق لدخولي
العراق من دون خطورة التعرض للاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية العراقية.
في البداية حاولت مسح الأختام
بواسطة سائل كيماوي معين، لكن الجواز صار حاله أتعس من ذي قبل، فقررت التخلص منه
وتمزيقه، والدخول إلى حصيبة، ومنها لآخذ طريقي إلى الموصل، وبالفعل قمت بتمزيق
الجواز، وتم نقلي بواسطة دراجة بخارية إلى [حصيبة] حيث يوجد هناك نقطة الحدود
ودائرة الجوازات، وادعى أحد أبناء عمومتي الذي نقلني إلى هناك أنني قد دخلت [البو
كمال] في زيارة عائلية بموجب هوية الأحوال المدنية بموافقة القائمقام، ومشت الأمور
بسلام. استقليت سيارة إجرة نحو حديثة، ومنها إلى بيجي، ومن بيجي ركبت قطار الحمل
نحو حمام العليل، ثم غيرت القطار نحو قطار حمام العليل للركاب المتجه للموصل حيث
وصلتها مساءاً.
في محطة قطار الموصل كان هناك ضابط
الأمن المعروف [عز الدين لافي] ينتظر وصول قطار طوروس من تركياً على أمل أن يجد
بعضاً من أعضاء الوفد العراقي العائدين، ولم يدر في خلده أن أكون من بين أعضاء
الوفد وأنا قادم من حمام العليل، وأسرعت نحو الخارج، واستأجرت أحدى العربات وتوجهت
نحو البيت بسلام.
لكن فرحتي لم تدم طويلاً، فقد ألقى
جهاز الأمن القبض على أحد الذين شاركوا
معي في المهرجان وهو السيد جلال الطالباني، والذي ذكر في التحقيق اسمي كأحد
المشاركين فيه.
لكن الشعبة الخاصة في الموصل
[دائرة الأمن] كما كانت تسمى آنذاك لم تتخذ إجراءاً فوريا باعتقالي، بل بدأت
بمراقبتي لعلها تتوصل إلى خيوط أخرى ترتبط بالحزب الشيوعي، وكنت أشعر أنني مراقب
من قبل أحد أفراد الشرطة السرية واسمه [محمد حمزة] ذو الوجه الأبرش والعينين الضعيفتين ، وكثيراً
ما كنت أراوغه وأجعله يفتقدني.
واستمرت المراقبة زهاء الشهر تلقيت
بعدها طلباً من دائرة الجوازات للحضور أمام مدير الأمن، وقد أدركت فوراً ما هو
المقصود من الدعوة، ولكني على أية حال لا بد أن اذهب لمقابلته.
وذهبت في اليوم التالي إلى دائرة
الجوازات، وأدخلوني عند المدير الذي طلب مني الجلوس، وابلغني أن لديه بعض الأسئلة
طالباً الإجابة عليها. وقد أجبته بأني حاضر لأي سوأل، حيث جرى الحوار التالي
بيننا:
سؤال : أين سافرت خلال العطلة
الصيفية ؟
الجواب : سافرت إلى سوريا ولبنان .
سؤال : ألم تسافر إلى أوربا ؟
الجواب : كلا
سؤال : أين جواز سفرك ؟
الجواب: في البيت، وقد تعمدت أن
أقول له في البيت، وكان قد جرى تمزيقه في سوريا.
سؤال : هل تستطيع جلب جوازك ؟
الجواب : بكل سرور.
إذا نحن بانتظارك
خرجت من لدن مدير الجوازات لكي
أعود إليه بعد ساعتين معتذراً عن عدم تمكني من إيجاد الجواز، واعداً إياه بجلبه
حال العثور عليه.
عند ذلك أرسل بطلب المفوض [عبد
الرحمن محمد] والذي أصبح في عهد الأخوين عارف مديراً للقسم السياسي في الأمن
العامة، وطلب منه أن يحقق معي، ويعمل لي صحيفة أعمال، حيث لم أكن مكشوفاً لدى
الجهات الأمنية من قبل كسياسي أو كشيوعي. وجرى التحقيق معي على أساس أنني كنت أحد
أعضاء الوفد إلى المهرجان، لكني أنكرت ذلك بشكل قاطع، وبعد الانتهاء من إجراءات
التحقيق قام بتصويري، ثم سمح لي بالإنصرف.
غير أنه لم يمض سوى أسبوع حتى فوجئت وأنا جالس عند والدي في محله، بضابط
الأمن فاضل مع عدد من أفراد الشرطة السرية يلقون القبض عليَّ بطلب من مديرية
التحقيقات الجنائية في بغداد [مديرية الأمن العامة]، وقد جرى تحري دارنا، ولم
يعثروا على أي شيء.
كما تم تحري
مدرستي حيث كنت مديراً لمدرسة المنار، وجرى استنطاق العديد من طلابي والمعلمين
فيما إذا كان لي أي نشاط شيوعي في المدرسة.طلب والدي إن يفرج عني بكفالة، لكن تم
رفض الطلب، حيث جرى تسفيري في المساء إلى بغداد.
واتصل والدي بأخي محمود الذي كان
مساعداً للوزير علي حيدر سليمان عضو مجلس الإعمار، والذي يتصل بقرابة مع [بهجت
العطية] مدير الأمن العام، كما سافر والدي معي بنفس القطار، واستقبلنا أخي محمود
في محطة قطار بغداد حيث تناولنا الفطور مع الشرطي المرافق لي في مطعم شريف وحداد،
وقد طمأنني بأنه قد رتب الأمر مع السيد علي حيدر سليمان، ثم أخذني الشرطي إلى
التحقيقات الجنائية، حيث جرى التحقيق معي من قبل ضابط أمن أسمه [نوري]، وبالفعل لم
يمارس معي أي تعذيب، وبدا أن الوساطة قد فعلت فعلها.
وبعد ثلاثة أيام تم نقلي إلى
الموقف العام في مديرية الشرطة حيث بقيت هناك حوالي أسبوع، ثم أفرج عني لعدم توفر
الأدلة، وعدت إلى الموصل، وباشرت الدوام
في المدرسة.
لكني أصبحت الآن مكشوفاً لدى جهاز
الأمن، وبات علي أن احترس في نشاطي السياسي وحركتي من الوقوع في شباكه.
|
|
|
||
|
الفصل (3) |
|||