حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل الثاني
4 ـ وثبة كانون المجيدة، وبداية
نشاطي الوطني.
5 ـ الانتماء للحزب الشيوعي.
6 ـ وثبة تشرين الثاني المجيدة عام 1952 .
7 ـ تخرجي من
معهد المعلمين وتعيني بديالى
{4}
وثبة كانون الثاني المجيدة عام 1948
وبداية نشاطي الوطني
كانت الخسارة كبيرة بفقد مرشدي
شفيق، لكن ما غرسه فيَّ من حب للوطن، وكره للاستعمار شجعني كثيراً على السير على
خطاه، فكانت توجيهاته الوطنية تسيطر على أفكاري وأنا صبي يافع، وجاءت وثبة كانون
الثاني الوطنية الكبرى عام 1948 احتجاجاً على عقد حكومة صالح جبرـ نوري
السعيد[معاهدة بورتسموث] الاسترقاقية مع بريطانيا، وتآمر السلطة الملكية الحاكمة
مع الإمبريالية البريطانية والأمريكية على مصير فلسطين، وإقامة الكيان الصهيوني
فيها، وتشريد سكانها العرب من ديارهم.
جاءت هذه الوثبة
الجبارة لتنفس ما في صدورنا من كراهية
للاستعمار البريطاني المهيمن على معظم البلاد العربية، وعلى السلطة
العراقية الحاكمة الخادمة المطيعة للمستعمرين، والمنفذة لمشاريعهم الاستعمارية،
والحامية لمصالحهم.
وهكذا وجدت نفسي
لأول مرة في حياتي أنغمر في العمل الوطني، وأشارك أبناء الشعب في المظاهرات
العارمة التي اجتاحت مدينة الموصل، وكان لي شرف قيادة المظاهرات التي انطلقت من
الثانوية الشرقية بالتعاون مع زميلين لي هما الأخ [سامي محمود النائب] والأخ [
سامي إبراهيم الجلبي ]، وبسب الدور البارز الذي لعبته في تلك المظاهرات أطلق عليَّ
طلاب الثانوية لقب [حامد الوطني]، وهو اسم كنت افخر به دائماً، وأصبحت معروفاً بين
سائرأخواني الطلاب به. كانت المظاهرات
تتوسع كلما سارت في الشوارع وأصبحت من
الضخامة بحيث أعجزت شرطة السلطة عن قمعها.
في تلك الأيام
اتخذنا قراراً، نحن الطلاب بالإضراب عن الدراسة والاعتصام في الإعدادية المركزية
لحين سقوط وزارة صالح جبرـ نوري السعيد، واستطاعت المظاهرات العارمة التي عمت
بغداد وسائر المدن الأخرى السيطرة على الشارع العراقي بعد مصادمات عنيفة مع قوات
الشرطة التي ولت هاربة تاركة الميدان للشعب، واضطرت الحكومة إلى الاستقالة، وهروب
نوري السعيد وصالح جبر إلى خارج العراق خوفاً من غضب الجماهير، واضطر الوصي [عبد
الإله ] إلى الإعلان من دار الإذاعة في خطاب له عن التراجع عن المعاهدة، وإقالة
الوزارة، وتعيين الشيخ [ محمد الصدر] رئيس مجلس الأعيان رئيساً للوزراء، حيث تم
تشكيل وزارة تهدئة قامت بإطلاق سراح المعتقلين، وأعلنت رفضها لمعاهدة [بورتسموث]،
وحلت البرلمان، وأجرت انتخابات جديدة.
لكن تلك
الانتخابات جرت تحت ظل الأحكام العرفية، لكي تأتي بمجلس نيابي من نفس أعضاء الفئة
الحاكمة، وأعلن رئيس الوزراء عن عزم الحكومة الجديدة على إنقاذ فلسطين!، وإرسال
الجيش العراقي ليساهم مع بقية الجيوش العربية من أجل تحرير فلسطين من أيدي
العصابات الصهيونية التي مكنتها قوات الاحتلال البريطاني المنسحبة من السيطرة على
أجزاء كبيرة من البلاد.
كما صدر قرار من هيئة الأمم
المتحدة بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود الغرباء الذين جاءوا من كل حدب وصوب،
ليحتلوا بيوت وأراضي وأملاك سكانها العرب الذين أصبحوا لاجئين بلا مأوى، مشردين في
مختلف البلدان العربية، بعد أن فقدوا كل شيء، وكان أملهم في الحكام العرب
وجيوشهم ليعيدوهم إلى وطنهم وأملاكهم
وبيوتهم!!.
لكن الحكام العرب
الذين كانوا أداة طيعة بيد الإمبرياليين الإنكليز والأمريكيين غير جادين مطلقاً في
تصديهم للعصابات الصهيونية، حيث لم يكن إرسال الجيوش العربية إلى فلسطين سوى
مسرحية أخرجها الإمبرياليون، ومثلها الحكام العرب، فلا يُعقل أبداً أن تكون عدة
جيوش عربية منظمة ومسلحة غير قادرة على منازلة ودحر مجموعة من العصابات الصهيونية
المسلحة.
فقد أعطيت قيادة الجيوش العربية في
الجبهة الشمالية للجنرال البريطاني [ كلوب باشا] الذي كان قائداً لجيش دويلة [ شرق
الأردن]، والتي نصّبَ البريطانيون الأمير عبد الله بن الحسين ملكاً عليها، وقد
عُرف الملك بعلاقاته الوثيقة بقادة المنظمات الصهيونية من جهة، وولائه المطلق
لحكومة بريطانيا من جهة أخرى، وهو الذي حال بين الجيشين العراقي والسوري وبين
القضاء على المنظمات الصهيونية، وقد شاعت في تلك الأيام مقولة [ ماكو أوامر]،أي لا
يوجد أوامر بالتقدم، ومهاجمة تلك العصابات الصهيونية.
في حين كان الجيش المصري في الجبهة
الجنوبية قد جرى تجهيزه من قبل البريطانيين بالأسلحة الفاسدة، وانتشرت تلك الفضيحة
في سائر العالم العربي، وبذلك استطاعت العصابات الصهيونية المسلحة تطويق الجيش
المصري، وإيقاع الخسائر الجسيمة في صفوفه.
حاول قادة القوات العراقية في
الجبهة الشمالية الزحف نحو الجنوب، من أجل فك الحصار الصهيوني عن قوات الجيش
المصري المطوقة، لكن القيادة الأردنية المتمثلة بالملك عبد الله، وقائد جيشه كلوب
باشا رفضت السماح للجيش العراقي بالعبور نحو الجبهة الجنوبية، حيث استمر الجيش
المصري المطوق يجابه نيران العصابات الصهيونية التي كانت تبغي سحقه، وهو بانتظار
الدعم والإسناد من أشقائه!!.
أحدثت تلك الحرب الكارثية خيبة أمل
كبير لدى سائر الضباط الوطنيين في الجيوش العربية، وحنقهم على الحكام العرب،
وخيانتهم المفضوحة لشعوبهم ولجيوشهم إرضاءً للمستعمرين البريطانيين، فقد كانوا
أدوات طيّعة بيدهم، ومنفذين لأوامرهم.
لقد كانت تلك الكارثة التي حلت
بالجيوش العربية، واحتلال العصابات الصهيونية للجزء الأكبر من فلسطين، وتشريد
أهلها، بعد تلك المجازر الوحشية البشعة التي ارتكبتها هذه العصابات ضد المواطنين
الفلسطينيين، قد أثارت النقمة في نفوس أولئك الضباط. وكان الزعيم عبد الكريم قاسم
أحد قادة أفواجها، وشجعتهم على التفكير منذ ُ ذلك الحين في تشكيل حركات ثورية داخل
القوات المسلحة في البلدان العربية من أجل التخلص من تلك الأنظمة الفاسدة والعميلة
للمستعمرين، فكانت ثورة 23 تموز في مصر عام 1952
وثورة 14 تموز 1958 في العراق بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، والانقلابات
العسكرية المتتالية في سوريا، وسأتناول تلك المرحلة بشئ من التفصيل فيما بعد.
{5}
الإنتماء إلى الحزب الشيوعي
لم تكد السلطة الحاكمة تستعيد سيطرتها
على الأوضاع في البلاد، ويعود نوري السعيد إلى الحكم من جديد، حتى بادر إلى شن
حملة شعواء على القوى الوطنية، وبصورة خاصة الحزب الشيوعي، حيث أقدم على إعدام
قادته يوسف سلمان [ فهد ] وزكي بسيم [ حازم ] ومحمد حسين الشبيبي [صارم ] مما سبب
ذلك العمل الشنيع استياءاً شديداً، وموجة احتجاجات عارمة لدى أبناء الشعب، وكان
المثقفون يتحدثون بشكل علني عن تلك الجريمة النكراء التي استهدف منها النظام إخافة
الشعب العراقي والعمل على تدجينه بعد تلك الوثبة التي كادت أن تسقط النظام الملكي.
في تلك الأيام تعرفت على بعض
الأصدقاء الطلاب ممن كانت لهم علاقة بالحزب الشيوعي، أذكر من بينهم الأخ [خليل عبد
العزيز]، الذي كان على علاقة مع أقربائي وأصدقائي الأعزاء [عوني يونس الدباغ ]
و[زهير رشيد الدباغ ] و[نجيب نجم الدين]، وكنت آنذاك لا اعرف شيئاً عن الماركسية
والشيوعية، حيث بدأت أطالع العديد من الكتب الماركسية والتقدمية التي قربتني أكثر
فأكثر من الحزب، ولم يمضي زمن طويل حتى انتميت للحزب في عام 1950، وتم منحي الاسم
الحزبي [ناهض]، والذي سميت ولدي فيما بعد
بهذا الاسم اعتزازاً به.
لقد كان ذلك التاريخ نقطة تحول في
حياتي، وبداية للمصاعب والمعانات التي جابهتني من فصل وسجن وتعذيب واغتراب.
بدأت حياتي الحزبية بنشاط كبير
ساعدني في ذلك سمعتي الوطنية الطيبة التي اكتسبتها إبان وثبة كانون الثاني
المجيدة، وقيادتي للمظاهرات التي انطلقت من الثانوية الشرقية من جهة، وكوني غير
مكشوف أمام السلطات الأمنية، واستطعت كسب العديد من زملائي الطلاب إلى صفوف الحزب
الذي كان في تلك الأيام يلعب الدور الأكبر بين سائر الأحزاب السياسية العاملة على
الساحة العراقية، والمتمثلة بالحزب الوطني الديمقراطي بزعامة الشخصية الوطنية
البارزة السيد [كامل الجادرجي]، وحزب الاستقلال ذو التوجه القومي بزعامة السيد
[محمد مهدي كبة]، ومن رحم هذا الحزب نشأ حزب البعث، لكن منتسبيه في الموصل كانوا
يعدون على أصابع اليد أذكر منهم عبد الغفار الصائغ و حكمت البزاز.
كنا نحن الشيوعيون قريبين جداً من
سياسة الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يضم العناصر الوطنية الديمقراطية، وفي
مقدمتهم السادة [محمد حديد] و[ عبد الغني الملاح ] و [إسحاق بيثون]، ولكون الحزب
الشيوعي حزباً غير مجاز قانوناً، فلم يكن لديه مقراً يلتقي فيه رفاق الحزب، وكنا
نزور مقر الحزب الوطني الديمقراطي باستمرار، حيث جمعتنا بأعضاء الحزب علاقات
حميمة، وكانت السلطات الأمنية تراقب عن كثب الداخلين في مقر الحزب والخارجين منه،
وكثيراً ما تعرض مقر الحزب للمضايقات وحتى الإغلاق.
أما حزب
الاستقلال فقد كان يضم العناصر الغنية والإقطاعية من العوائل الموصلية، والذين لا
يرتاحون لنشاط الشيوعيين، بل لقد وقفوا ضدهم إبان وثبة كانون المجيدة.
أما البعثيون فلم يكن لهم إي دور
فاعل في الشارع السياسي العراقي بسبب ضعف تنظيمهم، وكانوا يدعمون مواقف حزب
الاستقلال القومي. وعلى الرغم من كون حزب الاستقلال كان معارضاً للسلطة الحاكمة
آنذاك، لكن الأجهزة الأمنية لم تكن تنظر إليه نظرتها للحزب الوطني الديمقراطي، ولم
تكن الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم تخشى من هذا الحزب، ولا تطارد أعضائه.
لقد سعى الحزب الشيوعي باستمرار
إلى التقرب من الأحزاب الوطنية المعارضة لجمع شملها، والدعوة لقيام جبهة وطنية تستطيع
التأثير على مجريات الوضع السياسي في البلاد، وخوض الانتخابات ضد مرشحي البلاط
والحكومة.
وبالفعل استطاع قادة الحزب الشيوعي
والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال توحيد جهودهم بتشكيل جبهة وطنية لخوض
الانتخابات عام 1954 واستطاعت على الرغم من كل محاولات السلطة لتزييف الانتخابات
تحقيق نجاحات أذهلت الفئة الحاكمة آنذاك، حيث لم يستطع أي مرشح من جانب السلطة
الفوز في الانتخابات في الموصل، وفاز مرشحي الجبهة الوطنية بالمقاعد النيابية
الخمسة المخصصة للمحافظة، وسأتناول تلك الانتخابات بالتفصيل فيما بعد.
{6}
وثبة تشرين الثاني المجيدة عام 1952
كانت الأوضاع السياسية في البلاد
عام 1952 تبدو هادئة ظاهرياً، بعد تلك الوثبة الكبرى التي اجتاحت العراق من أقصاه
إلى أقصاه عام 948 إلا أن الهدوء لم
يستمر طويلاً بسبب تردي الأوضاع المعيشية للشعب من جهة، وعودة الوجوه البورتسموثية
إلى واجهة السلطة من جديد من جهة أخرى، مما شكل تحدياً لمشاعر الشعب الوطنية، وزاد
من توتر الوضع معاودة هذه السلطة لإجراءاتها القمعية، وانتهاك الحريات العامة من
جديد.
فلقد مارست حكومة نوري السعيد شتى
أساليب القمع للحريات العامة، واعتدت على حرية الصحافة، وقيدت حرية الأحزاب
السياسية، وقامت بإغلاق بعضها، هذا إلى جانب التردي الخطير للأوضاع المعيشية
لغالبية أبناء الشعب العراقي.
ففي عام 1949 أقدمت حكومة نوري
السعيد على إعدام قادة الحزب الشيوعي كما أسلفنا من قبل، وشنت حملة شعواء على جميع
القوى والأحزاب الوطنية التي شاركت في وثبة كانون المجيدة، وخنقت الحريات العامة
والصحافة الوطنية وصوت الشعب.
وجاء تخفيض الدينار العراقي
المرتبط بالباون الإسترليني تبعاً لانخفاض الأخير من 4 دولارات و3 سنتات للجنيه
الواحد إلى دولارين وثمانين سنتاً، والذي سبب بحدوث أزمة اقتصادية حادة ضاعفت من
معاناة الكادحين من أبناء الشعب والطبقة المتوسطة، وأعقب ذلك المفاوضات التي
أجراها نوري السعيد مع شركات النفط، والتي جاءت لمصلحة الشركات الاحتكارية
الإمبريالية على حساب الشعب العراقي، مما أدى إلى موجه من الاحتجاجات على سياسة
الحكومة، وتفريطها بمصالح الشعب والوطن، ودفع نواب المعارضة في البرلمان، والبالغ
عددهم 37 نائباً إلى الاستقالة من عضوية المجلس احتجاجاً على سياسة الحكومة، مما
صعد حدة التناقض بين الشعب والسلطة الحاكمة، وجاء إضراب عمال الميناء في البصرة
المطالبين بحقوقهم، ولجوء الحكومة إلى استخدام القوة لكسر الإضراب، وسقوط العديد
من القتلى والجرحى في صفوف المضربين، وبين أبناء الشعب الذين وقفوا إلى جانبهم
ليزيد من خطورة الموقف، ومن تراكم الغضب الشعبي، مما دفع بالأحزاب الوطنية إلى
تقديم المذكرات الاحتجاجية إلى الوصي عبد الإله، والتي تضمنت شرحا وافياً لمدى التدهور
الحاصل في أوضاع البلاد وانتشار الفساد، وقمع الحريات العامة، وحرية الأحزاب
والصحافة، وكم أفواه الشعب.
لكن تجاهل الوصي
لتلك المذكرات والمطالب التي تضمنتها
لمعالجة الأوضاع، ولجوئه إلى التطاول الوقح على السيد طه الهاشمي في مؤتمر البلاط،
كل ذلك جعل الشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية في حالة من اليأس من إصلاح أوضاع
البلاد، ورفع من حدة التناقض بين الشعب والفئة الحاكمة إلى الدرجة الحرجة التي
كانت تنذر بانفجار عنيف يتجاوز انفجار كانون الثاني عام 1948، حيث كانت الجماهير
الشعبية تعيش حالة من الغليان الشديد والغضب العارم من سلوك الحاكمين، وتجاهلهم
لإرادة الشعب وحقوقه الديمقراطية، وهي تنتظر الشرارة التي تفجر الانتفاضة.
وجاء قرار عمادة كلية الصيدلة
والكيمياء القاضي باعتبار الطالب المعيد لدرس ما معيداً لكافة الدروس، مما أثار
غضب الطلاب الذين سارعوا إلى إعلان الإضراب عن الدراسة في 16 تشرين الأول 1952.
أدركت الحكومة
خطورةالحالة، و تطور وتصاعد الإضراب،
واندلاع المظاهرات وتوسعها، فبادرت إلى الإعلان أن القرار لا يشمل الصف المنتهي
لهذا العام فقط.
لكن الطلاب واصلوا إضرابهم مطالبين
بإلغاء القرار، ونتيجة لاستمرار الإضراب والمظاهرات اضطرت وزارة الصحة إلى إصدار
قرار جديد يقضي بإلغاء قرار العمادة.
لكن الطلاب فوجئوا في اليوم التالي
بوقوع اعتداء من قبل مجهولين داخل الحرم الجامعي على الطلاب الذين كانوا من
النشطين خلال الإضراب، مما أدى إلى قيام المظاهرات الطلابية من جديد، وإعلان كافة
طلاب الكليات الإضراب عن الدراسة، ثم تبعهم طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة
وأعلنوا إضرابهم عن الدراسة كذلك في 22 تشرين الثاني تضامناً مع طلاب كلية
الصيدلة.
بدأت موجة المظاهرات تأخذ منحاً
جديداً، بعد أن أخذت الجماهير الشعبية تنظم إلى الطلاب المتظاهرين، وتطورت إلى
مظاهرات سياسية تطالب بتحقيق المطالب التي تضمنتها مذكرات الأحزاب الوطنية إلى
الوصي، وإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد، وبسرعة تحولت
الاحتجاجات على الأوضاع إلى مظاهرات تهتف بسقوط عبد الإله والحكومة، وإخراج
الإمبرياليين البريطانيين والأمريكيين من البلاد.
كان انطلاق المظاهرات الشعبية من
[محلة الفضل]، حيث تصدت لها قوات الشرطة مستخدمة الأسلحة النارية ضد المتظاهرين
الذين تصدوا للشرطة بالعصي والحجارة، وبعض المسدسات، حيث وقعت معارك شرسة بين
الطرفين استبسل فيها أبناء الشعب مبدين بطولة خارقة، واستشهد نتيجة الصدام أحد
المتظاهرين، وجرح 14 آخرين، فيما أصيب 38
شرطيا بجراح، ونتيجة لتدهور الوضع سارع رئيس الوزراء مصطفى العمري إلى تقديم
استقالة حكومته إلى الوصي على العرش عبد الإله.
لكن نطاق المظاهرات والاحتجاجات
أخذت بالاتساع في 23 تشرين الثاني، وجرى المزيد من الصِدام مع قوات الشرطة، حيث
أصيب 25 متظاهراً بجراح كان أغلبهم من العمال والكادحين مما ألهب الموقف، واندفع
المتظاهرون الشيوعيون والديمقراطيون، ورابطة الشباب القومي بالاستيلاء على مركز
شرطة قنبر علي، و مركز شرطة باب الشيخ، وتم الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة
العائدة للشرطة.
كما جرى
إحراق[مكتب الاستعلامات الأمريكي] قرب سوق الصفافير، وقد وقع خلال الصِدام مع
الشرطة 12 شهيداً من العمال والكادحين، وكان رد فعل الجماهير الغاضبة على استشهاد
هذا العدد الكبير من المواطنين مزيداً من الاندفاع والتصدي للقوى القمعية للسلطة
الحاكمة.
وفي المساء كانت السيطرة قد خرجت
من أيدي الشرطة، وعمت المظاهرات في كل مكان.
أصبح الوضع خطيراً جداً في بغداد
مساء يوم 23 تشرين الثاني، وحاولت الحكومة الاستعانة بقوات الشرطة السيارة المدربة
خصيصاً لقمع المظاهرات، حيث نزلت إلى الشوارع واصطدمت بالمتظاهرين، ووقع المزيد من
القتلى والجرحى حيث استشهد 23 مواطناً، فيما قتل 4 من أفراد قوة الشرطة السيارة،
وتم إحراق عدد من سيارات الشرطة، وانتهت المعركة ذلك اليوم بهزيمة قوات الشرطة
السيارة، وأصبح الوضع في بغداد خطيراً جداً.
وامتدت
المظاهرات إلى سائر المدن العراقية الأخرى تضامناً مع جماهير بغداد، فقد اجتاحت
شوارع الموصل، شانها شان بقية المدن الأخرى مظاهرات صاخبة، واشتبكت الجماهير
العزلاء إلا بقوة إيمانها، وبقضيتها العادلة في الحرية والحياة الكريمة،مع قوات
الشرطة القمعية المدججة بالسلاح، وأجبرتها على الهروب مرتعبة خائفة من غضب جماهير
الشعب التي سيطرت على المدينة.
لقد كان لي شرف المساهمة في تلك المظاهرات، كما سبق أن
ساهمت في وثبة كانون المجيدة عام 1948، غير أن الفرق في المساهمتين أنني هنا كنت
أكثر وعياً، وأصلب عوداً، وكنت صاحب قضية ومبدأ.
لم يعد لقوات الحكومة القمعية أي
سيطرة على الشارع العراقي، مما اضطر الوصي، وقد أصابه الرعب من خطورة الموقف إلى
قبول استقالة حكومة مصطفى العمري، واستدعاء رئيس أركان الجيش الفريق [ نور الدين
محمود ] لتأليف وزارة جديدة في ذلك اليوم 23 تشرين الثاني 1952، وتم إنزال الجيش
إلى شوارع بغداد والمدن الأخرى.
سارعت الحكومة
الجديدة إلى إعلان الأحكام العرفية في نفس اليوم، وجرى تأليف المحاكم العرفية
العسكرية، وأصدرت أمراً بمنع كافة المظاهرات والتجمعات، وحمل الأسلحة منذرة
المخالفين بإنزال أشد العقوبات بحقهم. كما أعلنت الحكومة عن حل
الأحزاب السياسية كافة، وتعطيل معظم الصحف، حيث شمل التعطيل صحف الأهالي، ولواء
الاستقلال، والجبهة الشعبية، لسان حال الأحزاب السياسية المعارضة، وكذلك الصحف غير
الحزبية كالقبس، والنبأ، واليقظة، وصوت الشعب، والسجل، والحصون، عراق اليوم،
والوادي، والآراء، والأفكار، والجهاد والعالم العربي.
لكن المظاهرات
استمرت بعنفوانها متحدية الحكم العسكري الجديد، وكان المتظاهرون يهتفون بسقوط
الحكم العسكري، ويطالبون بتشكيل حكومة مدنية برئاسة زعيم المعارضة السيد كامل
الجادرجي .
وقام الجيش بالتصدي
للمتظاهرين، وجرى إطلاق النار عليهم حيث استشهد 8 مواطنين، وجرح 84 آخرين، وأصدرت
الحكومة قرارا بمنع التجول من الساعة السادسة مساءاً وحتى الساعة السادسة صباحاً،
وقامت خلال الليل بحملة اعتقالات واسعة في صفوف الشعب، شملت ما يزيد على 3000
مواطن بينهم العديد من الوزراء السابقين والنواب والصحفيين وقادة الأحزاب، والعديد
من الشخصيات السياسية المعروفة، وجرى تقديمهم جميعاً إلى المحاكم العرفية
العسكرية، حيث حكم على أثنين منهم بالإعدام، وعلى 958 شخصاً منهم بالسجن لمدد
مختلفة، كما حُكم على 582 شخصاً آخرين بالغرامة، وعلى 294 شخصاً بالكفالة، وتم
الإفراج عن 1161 آخرين.
وبعد أن تم للحكومة إخماد الوثبة
المجيدة بالحديد والنار، ومصادرة كافة الحريات العامة، وإغلاق الأحزاب والصحف،
والزج بمئات الوطنيين في السجون، حاولت القيام بعض الإجراءات في محاولة منها
لتخفيف الغضب الشعبي العارم وامتصاصه، فأصدرت عدة مراسيم تتعلق بخفض الرسوم
الجمركية على البضائع المستوردة والمصدرة [مرسوم رقم 1]، وإلغاء رسم الاستهلاك
وضريبة الأرض عن المخضرات والأثمار الطرية [ مرسوم رقم 2 ]، ومرسوم تخفيض ضريبة
الأملاك [مرسوم رقم 3 ] وغيرها من المراسيم الأخرى، لكن المرسوم الأهم كان [مرسوم
رقم 6] الخاص بتعديل قانون الانتخاب وجعله على مرحلة واحدة أي مباشراً، لكن تلك
المراسيم، باستثناء المرسوم رقم 6، لم تكن إلا إجراءات تخديرية لم تستطع حل
المشاكل المعيشية التي يعاني منها الشعب، وحتى مرسوم تعديل قانون الانتخاب لم يكن
سوى حبراً على ورق، ذلك أن التدخلات التي جرت أثناء الانتخابات التي جرت في 17
كانون الثاني 1953 كانت أكثر من مثيلاتها السابقة، حيث فاز فيها بالتزكية 76
نائباً من مجموع 135 نائباً، وقد وصل الأمر بجميل المدفعي الذي تولى رئاسة الوزارة
فيما بعد أن صرح في 17 شباط، وهو في قمة السلطة قائلاً :[أنا اعتقد أن بعض
الانتخابات غير المباشرة كانت قد جرت أحسن من الانتخابات المباشرة الحالية].
لم تثنٍ إجراءات حكومة نور الدين
محمود أبناء الشعب عن سعيهم للخلاص من الزمرة الحاكمة، وإنقاذ البلاد من الهيمنة
الإمبريالية، وبدأت بذور الثورة تنمو في أحشاء المجتمع العراقي من جديد لإسقاط ذلك
النظام الذي كان هو والشعب على طرفي نقيض، مما جعل أي أمل في إصلاح الأوضاع
السياسية في البلاد أمراً مستحيلاً، وأيقن الشعب وقواه الوطنية، والضباط الوطنيون
في الجيش أن الطريق لإصلاح الأوضاع لا يمكن أن يتم إلا بقلب النظام القائم، وإنهاء
سلطة تلك الفئة التي باعت نفسها ووطنها للإمبرياليين.
أما حكومة نور الدين محمود فقد
أنجزت المهمة التي أناطها بها الوصي عبد الإله في قمع الوثبة الشعبية العارمة، ولم
يبقَ أي مبرر لاستمرارها. وعليه طلب الوصي عبد الإله من نور الدين محمود تقديم
استقالة حكومته، وبالفعل تقدم محمود باستقالة حكومته إلى الوصي في 23 كانون الثاني
1953، وتم الإعلان عن قبول الاستقالة في 29 منه، وتكليف السيد جميل المدفعي بتشكيل
الوزارة الجديدة في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي من إجراءات حكومة نوري الدين
محمود والبلاط الملكي.
{7}
تخرجي من معهد المعلمين
وصدور تعييني في محافظة ديالى
في حزيران 1953 تخرجت من معهد
المعلمين، حيث جرى توزيع وجبتنا على مختلف المحافظات العراقية، وكان نصيبي محافظة
ديالى، ففي 21 أيلول 1953 تم تعيني معلماً
في قرية الحويش التابعة لقضاء الخالص، وهي
أقرب قرية إلى بغداد حيث تبعد عنها مسيرة حوالي نصف ساعة بالسيارة، مما مكنني من
السفر إلى بغداد في نهاية كل أسبوع، حيث الملل والضجر، والابتعاد عن الأهل من جهة،
وعن العمل الحزبي من جهة أخرى، ولذلك لم استطع الاستمرار في العمل في تلك القرية
سوى شهر واحد فقط، حيث قدمت استقالتي إلى مدير التربية.
لكن مدير التربية حاول إقناعي
بالعدول عن الاستقالة، وأصدر لي أمراً للنقل إلى قضاء مندلي، مهددا أياي في حالة
الإصرار على الاستقالة بأن يطلب من محافظة الموصل عدم إعادة تعييني فيها مرة أخرى.
فكرت في الأمر برهة، ثم قلت في
نفسي لماذا لا أجرب الذهاب إلى مندلي؟ وعليه وافقت على السفر حيث وصلت مندلي مساء
ذلك اليوم، واستقبلني مدير المدرسة، وأّمنَ لي غرفة للمبيت فيها ريثما يجد لي
سكناً دائمياً.
في صباح اليوم التالي ذهبت إلى
المدرسة وأنا أعيش في دوامة، فلقد ابتعدت كثيراً في مدينة مندلي الواقعة على
الحدود الإيرانية في أقصى الشرق، وابتعدت عن بغداد التي كنت أزورها كل أسبوع،
وشعرت أن الدنيا قد ضاقت بي، فقررت العودة إلى بعقوبة لتقديم استقالتي مرة أخرى،
وقابلت مدير التربية، وأبلغته أنني مصر على الاستقالة، وأنه حر في الكتابة إلى
محافظة الموصل، والطلب إليها عدم إعادة تعييني مرة أخرى.
وصدر كتاب الاستقالة، وأعطى مدير
التربية صورة منه إلى محافظة الموصل طالباً عدم إعادة تعييني عندهم، وغادرت بعقوبة
عائداً إلى بغداد ومنها إلى الموصل، وبمجرد وصولي إلى الموصل تنفست الصعداء، فقد
عدت إلى مسقط رأسي وأهلي، وبين رفاقي وأصدقائي، وعدت إلى ممارسة عملي السياسي من
جديد.
حاول أهلي إبعادي عن العمل السياسي
بسبب القلق والخوف من أن أتعرض للسجن والتعذيب إذا ما انكشف أمري، حيث كانت السلطة
الحاكمة تلاحق الشيوعيين، ويجري تعذبهم أشنع تعذيب للحصول على الاعترافات عن
تنظيمات الحزب، وقد أقنعوني بدراسة الهندسة في دمشق، وكانت هذه هي رغبتي الشديدة،
وبالفعل قدمت طلباً لجامعة دمشق، وتم قبولي فيها، وسارعت بإرسال رسالة للحزب
طالباً الموافقة على سفري، لكن الحزب رفض طلبي وابلغني برسالة جوابية تضمنت التالي:
{ يجب إخضاع كافة المصالح الشخصية للحزب دون قيد أو شرط، نمنعكم من السفر}.
وبسبب اندفاعي
للعمل الحزبي التزمت بقرار منظمة الحزب وألغيت مشروع دراستي للهندسة في دمشق،
وقررت التشبث بالتعيين في محافظة الموصل على الرغم من طلب مدير معارف محافظة
ديالى، وتوسط أحد أصدقاء والدي في الأمر، وكان مديراً للتحريرات في المحافظة، حيث
استصدر قراراً من المتصرف [المحافظ ] بتعييني من جديد على ملاك محافظة الموصل.
تلقفت القرار وأسرعت إلى مديرية
معارف الموصل، وقدمت لوكيل المدير التربية قرار تعيني من المحافظة، حيث أصدر
قراراً بتعيني في منطقة الحضر التاريخية المشهورة، وطلب مني افتتاح أول مدرسة
فيها.
وهكذا استلمت أمر التعيين، وسافرت
إلى الحضر في 20 كانون الأول 1953، وتم افتتاح المدرسة في اليوم التالي، وكنت في
تلك الحالة معلماً ومديراً للمدرسة، وأقوم بتدريس جميع المواد للصف الأول.
كانت ظروف عملي في الحضر صعبة
للغاية، حيث أنها تقع في وسط الصحراء، وبعيدة عن مدينة الموصل مسافة 160 كيلومتر،
وطريقها غير معبد، وعند هطول الأمطار ينقطع الطريق لبضعة أيام، وكان سكان المنطقة
هم شرطة البادية، حيث كانت الحضر مقراً لمديرية شرطة البادية، وكان سائر طلابي من
أولاد الشرطة، وكان مدير الشرطة العقيد [حسين قزاز] يتمتع بسلطة حاكم مطلق بموجب
قانون العشائر السيئ الصيت في العهد الملكي، ويستطيع الحكم بالسجن لسنوات طويلة،
وكان أفراد شرطة البادية يهابونه كثيراً جداً. وبسبب تلك الظروف الصعبة كان ينبغي
أن أكون حذراً جداً من انكشاف أمري كشيوعي ملتزم، فكنت حذراً من إقامة أية علاقة
معهم، ومع ذلك كان البعض منهم يزورني في المدرسة التي أسكن فيها في الوقت نفسه،
وأذكر مرة كنت أقرأ للكاتب والعالم الأزهري خالد محمد خالد كتاب [الديمقراطية
أبداً] وفاجأني دخول مأمور المركز والكتاب على المنضدة حيث تعذر علي إخفائه،
فالتفت إليَّ مأمور المركز قائلاً:
{ أستاذ حامد هذا كتاب شيوعي}.
لكنني أجبته على
الفور أن الكتاب يعود لعالم دين أزهري يدعى خالد محمد خالد، غير أنه أصر على موقفه
قائلاً:
{هذا الكتاب ممنوع في العراق، وأضاف أنا عملت لسنوات عديدة
في الشعبة الخاصة [الأمن ] وأنا متأكد أن الكتاب ممنوعاً }.
حاولت السيطرة على موقفي، وسألته
على الفور كيف يكون رجل الدين الأزهري شيوعياً ؟ فأنا لم أجد فيه ما يشير لا من
قريب ولا من بعيد إلى الشيوعية، وطلبت منه أن يتناول الكتاب ويريني أي كلمة أو
عبارة تشير إلى ذلك، لكنه أجابني على الفور: