حامد الحمداني

 

احداث في ذاكرتي

 

الفصل السادس عشر

 

 

48 ـ البارزاني والطالباني  يفاوضان نظام صدام.

49 ـ قرار مغادرة العراق والتوجه نحو السويد.

50 ـ الاستقرار في السويد والتفرغ للكتابة والبحث والتأليف.

 

 

{48}

البارزاني والطالباني يفاوضان نظام صدام

بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 في 5 نيسان 1991 وقرار الولايات المتحدة بإقامة منطقة حماية للأكراد في منطقة كردستان العراق الواقعة شمال خط العرض 38 ، ورضوخ نظام صدام للقرار ظهرت دعوات بين صفوف القيادات الكردية تدعو للتفاوض مع النظام على أساس تطبيق بيان 11 آذار 1970، بعد أن عجزت الانتفاضة عن تحقيق ما كان يصبو إليه الأكراد.

ورأى النظام العراقي أن يستغل هذه الدعوات في محاولة منه لإعادة سيطرته على كردستان فأرسل إشارات إلى القيادات الكردية عن طريق برزان التكريتي أخو صدام غير الشقيق  أعرب لهم فيها عن استعداد الحكومة للتفاوض مع القيادات الكردية.

 وجاء الرد من القيادات الكردية على دعوة برزان التكريتي سريعاً بالموافقة على أجراء المفاوضات دون الرجوع إلى لجنة العمل الوطني المشترك للمعارضة العراقية، وتحفظ بعض القوى المنضوية تحت لواء الجبهة الكردستانية.

ففي 12نيسان 1991 توجه وفد كردي من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على مستوى أعضاء اللجنة المركزية إلى بغداد، وأجرى مباحثات مطولة حول مستقبل منطقة كردستان، ومسألة تطبيق الحكم الذاتي الحقيقي واعتبر ذلك الاجتماع تمهيداً لاجتماع جديد على أعلى مستوى لبحث كافة الأمور المتعلقة بتطبيق اتفاقية 11 آذار 1975، وقد طلبت الحكومة حضور كل من السيد مسعود البارزاني، والسيد جلال الطالباني إلى بغداد .

وبعد أسبوع توجه إلى بغداد وفد برئاسة جلال الطالباني الذي التقى بصدام حسين حيث طلب صدام من القيادات الكردية أن تقدم مشروعا مفصلاً وكاملاً ودقيقاً يتضمن مطالبها.

وعاد جلال الطالباني إلى كردستان، وتم عقد اجتماع لكافة القيادات الكردية لتدارس نتائج اللقاء الذي تم بين صدام حسين وجلال الطالباني، ووضع مشروع جديد حول إقامة حكم ذاتي حقيقي لمنطقة كردستان وتضمن المشروع البنود:

1ـ يتم تطبيق الحكم الذاتي الذي نص عليه اتفاق 11 آذار 1970، مع ضم محافظة كركوك لمنطقة الحكم الذاتي .

2ـ إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين.

3ـ تسهيل عودة جميع اللاجئين الأكراد بالتعاون مع الأمم المتحدة ومنظمات غوث اللاجئين.

4ـ اعتماد التعددية السياسية والديمقراطية في العراق، وأجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب مجلس تأسيسي، ووضع دستور دائم للبلاد.

5ـ ينبغي أن يتم ضمان الاتفاق بواسطة أطراف دولية، عبر الأمم المتحدة، ويمكن أن تشمل هذه الضمانات مشاركة طرف ثالث في المفاوضات .

ثم توجه بعد ذلك وفد كردي عالي المستوى ضم كل من السادة  جلال الطالباني، وسامي عبد الرحمن، ورسول مامند ونتجيرفان البارزاني، وقياديين آخرين من الحزبين الكرديين.

أما الوفد العراقي فقد تألف من كل من :

صدام حسين، و عزت إبراهيم الدوري، و طه ياسين رمضان و سعدون حمادي، و حسين كامل، وعلي حسن المجيد.

وقد جرت المباحثات بين الوفدين حول المشروع المقدم من الطرف الكردي مساء يوم 21 نيسان بحضور صدام حسين، الذي تحدث في الاجتماع عن أهمية الروابط الوثيقة بين القوميتين العربية والكردية، واعترف صدام بأنه أخطأ في سياسته تجاه الأكراد، وأعلن عن التزامه بأجراء انتخابات عامة، والمحافظة على التعددية السياسية، وحرية الصحافة، لكنه رفض القبول بمطالب القيادات الكردية حول ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي، والبند الخامس المتعلق بالضمانات الدولية.

عاد الوفد الكردي بعد نهاية المحادثات إلى كردستان للتشاور، ثم عاد بعد أيام إلى بغداد مرة أخرى لمناقشة المسائل المختلف عليها مع الحكومة، لكن تلك المحاولات باءت بالفشل، وعاد الوفد الكردي إلى كردستان، وقد بدا واضحاً أن هناك العديد من نقاط الخلاف بين الطرفين وكان أبرزها:

1ـ رفض النظام مشاركة طرف ثالث في المفاوضات لحل الخلاف حول تحديد مناطق الحكم الذاتي.

2ـ رفض النظام رفضاً قاطعاً ضم محافظة كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي .

3ـ إصرار النظام على عودة أجهزة الأمنية والاستخباراتية إلى كردستان ومعاودة نشاطها من جديد.

4ـ إصرار النظام على عدم السماح بالنشاط السياسي في صفوف الجيش لغير حزب البعث، وقد قدم الجانب الكردي اقتراحاً بأبعاد الجيش عن الحزبية، إلا أن النظام العراقي رفض الاقتراح.

5ـ الخلاف حول مسالة الديمقراطية والحريات العامة، فقد طالب الوفد الكردي بإطلاق حرية الأحزاب السياسية، وحرية الصحافة، وأجراء انتخابات حرة ونزيه لانتخاب مجلس تأسيسي يقوم بوضع دستور دائم للبلاد، وتشكيل محكمة دستورية عليا، وإشاعة الديمقراطية في البلاد، وكان النظام العراقي يراوغ حول هذا الموضوع، ويحاول إقامة مؤسسات صورية خاضعة لأشرافه ونفوذه، ولم يكن جاداً في تحقيق الديمقراطية في البلاد.

وإثر فشل المحادثات بين الطرفين بدأ النظام بممارسة الضغوط على كردستان من جديد، حيث فرض حصاراً اقتصادياً عليها، وسحب الإدارة المدنية والموظفين، وقطع الرواتب عن الموظفين والعمال الأكراد، وقطع الطاقة الكهربائية عن محافظة دهوك، وقطع جميع الاتصالات مع منطقة كردستان .

لقد كان واضحاً منذُ البداية أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح مع نظام معادٍ للشعب أوغل في جرائمه بحق الشعب العراقي عرباً وأكراداً وسائر القوميات الأخرى على حد سواء، وحتى لو توصل النظام مع الوفد الكردي إلى أي اتفاق فلن يكون إلا اتفاقاً مرحلياً اضطرته ظروفه الصعبة إلى قبوله، وعندما تتحسن ظروفه يسارع للتنصل من الاتفاق، ويبدأ بالتنكيل من جديد بالشعب الكردي، فنظام من هذا النوع لا يمكن أن يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

بعد أن فشلت المحادثات مع النظام عادت القيادات الكردية إلى أحياء التعاون المشترك مع لجنة العمل الوطني للمعارضة العراقية، حيث وجه كل من مسعود البارزاني وجلال الطالباني رسالة إلى قيادة لجنة العمل الوطني المشترك داعياً إياهم إلى عقد مؤتمر وطني في مصيف شقلاوة  بكردستان، لغرض مناقشة كل جوانب القضية العراقية، بما في ذلك المفاوضات التي أجرتها القيادة الكردية مع النظام الصدامي.

 وقد أكدت قيادة الجبهة الكردستانية أنها بصدد أجراء مناقشة نقدية بعد أن وصلت المفاوضات مع النظام الصدامي إلى طريق مسدود، والإجراءات التي اتخذها النظام ضد الشعب الكردي، واعترفت القيادة الكردية بأن المفاوضات قد أضرّت بالقضية الكردية وبالتحالف الوطني للمعارضة العراقية التي أصيبت بالتصدع مؤكدين العودة إلى الطريق الصحيح في التعامل مع النظام العراقي، كما أكدت على أن صدام قد تعمد خداع القيادة الكردية، وانه غير جاد في مفاوضاته معها.

 تلقت الأمانة العامة للجنة العمل الوطني المشترك رسالة البارزاني والطالباني، ووعدت بدراستها والرد عليها، وأكدت أيمانها بضرورة مواصلة العمل المشترك لكل فصائل المعارضة العراقية، وعدم السماح للخلافات التي ظهرت أثناء المفاوضات التي جرت بين القيادات الكردية والنظام الصدامي أن تؤثر على التحالف الوطني، وتقرر أن تعقد الأمانة العامة للجنة العمل المشترك اجتماعاً طارئاً لمناقشة الموقف الحالي، ووضع التزام محدد لكافة فصائل المعارضة تتعهد بالعمل به، حرصاً على وحدة الصف الوطني، ومن أجل قهر الدكتاتورية وإقامة البديل الديمقراطي التعددي الضمانة الأكيدة لحقوق الشعب الكردي.  ورداً على فشل المفاوضات مع النظام الصدامي، وإقدامه على سحب الإدارة المدنية، قررت القيادة الكردية إجراء انتخابات عامة في كردستان في عام 1992، وانتخاب مجلس للنواب، وتأليف حكومة تقوم بإدارة شؤون كردستان. لكن الذي جرى هو اقتسام السلطة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، في حين كان من المؤمل أن تشارك في السلطة جميع الأحزاب الكردستانية لكي تعطي هذه التجربة حقاً نموذجاً صادقاً للديمقراطية التي يصبو إليها الشعب الكردي بوجه خاص والشعب العراقي بوجه عام.

 لكن الحزبين المذكورين آثرا الاستئثار بالسلطة لوحدهما، متجاهلين بقية الأحزاب السياسية المشاركة في الجبهة الكردستانية. وبعد إقامة البرلمان وتأليف الحكومة بدأت القيادة الكردية المتمثلة بالحزبين المذكورين بتطوير تطلعاتها وشعاراتها الخاصة بالحكم الذاتي إلى الفدرالية، حيث دعت القيادة إلى ذلك في مؤتمر صلاح الدين، وقد شجعهم على ذلك تبني مؤتمر فيينا للمعارضة العراقية لحق تقرير المصير للشعب الكردي في إطار الوحدة العراقية، مما أثار حفيظة الأحزاب العربية، وجميع دول الجوار حيث اعتبرتها خطوة نحو الانفصال، وتأسيس دولة كردية، مما يشجع الأكراد في  إيران وتركيا وسوريا للمطالبة بحقوقهم القومية أسوة بما جرى في العراق. أما الولايات المتحدة فقد أرادت بهذه الخطوة أن تشكل عامل ضغط لصدام من أجل تنفيذ كل ما تطلبه منه.

 

تحول كردستان إلى مسرح للصراع الإقليمي:

أصبحت كردستان العراق بعد هزيمة النظام الصدامي في حرب الخليج الثانية، وبعد إعلان الولايات المتحدة ما سمته [كومفورت بروفايد ] لحماية الأكراد من بطش الحرس الجمهوري الصدامي مسرحاً للصراع  الإقليمي، ومما ساعد في تصاعد ذلك الصراع انهيارسلطة الدولة،واتخاذ الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب العمال الكردستاني لكردستان العراق مسرحاً لنشاطهما ضد النظامين التركي والإيراني.

 كما ساعد في ذلك الصراع المسلح بين الحزبين  الحزب الديمقراطي الكردستاني [ حدك ] والاتحاد الوطني الكردستاني [ أوك ]، وتحالف أوك مع إيران، و حدك مع تركيا، وهكذا وجدنا تركيا تدفع بقواتها العسكرية إلى كردستان مرات عديدة، بحجة ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، أو لمساعدة الحزب الديمقراطي الكردستاني تارة، وتدفع إيران بقواتها بدعوى ملاحقة الثوار الأكراد من كردستان إيران، أو لمساعدة الاتحاد الوطني الكردستاني تارة أخرى ، مستغلين تكبيل العراق بقيود الحصار الذي فرضه مجلس الأمن منذُ أقدم صدام حسين على غزو الكويت، والهزيمة الكبرى التي لحقت بالعراق في حرب الخليج الثانية، ولاشك أن الشعب الكردي هو الضحية، كلما حدث اجتياح تركي أو إيراني، حيث تتعرض القرى الآمنة للقصف المدفعي، وقصف الطائرات، وحيث يقع العديد من الضحايا في صفوف المدنيين، وحيث تتعرض أموالهم وممتلكاتهم للنهب، أو التدمير.

ولاشك أن تركيا لها أطماع قديمة في ولاية الموصل، والتي تشمل كامل منطقة كردستان، حيث سعت جهدها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى للاستحواذ عليها، وساومت بريطانيا الحكومة العراقية وخيرتها بين ولاية الموصل أو التوقيع على امتياز النفط، واضطرت الحكومة العراقية على الرضوخ  للمطالب البريطانية من أجل الحفاظ على ولاية الموصل.

لقد أسفر الرئيس التركي عن أطماع تركيا هذه عندما صرح في تموز عام 1995 بأن ولاية الموصل هي ولاية تركية.

أما وزيرة الخارجية التركية فقد صرحت أن تركيا تعتزم إنشاء منطقة حزام أمني داخل الأراضي العراقية، على غرار الحزام الأمني الإسرائيلي في جنوب لبنان.

ومن الجدير بالذكر أن النظام الصدامي كان قد عقد اتفاقاً مع الحكومة التركية في الثمانينات، يسمح بموجبه للقوات التركية بالتوغل في الأراضي العراقية بحجة مطاردة المتمردين الأكراد، وهكذا استمرت القوات التركية باجتياح الأراضي العراقية كلما شاءت، دون أي احترام لسيادة واستقلال العراق بفضل سياسة نظام صدام، كما أنها ما تزال تحتفظ بمواقع لقواتها في منطقة بامرني بكردستان.

 

الصراع على السلطة بين حزبي البارزاني والطالباني:

على الرغم من سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني   والإتحاد الوطني الكردستاني على السلطة في كردستان بعد الانتفاضة، وتقاسمهم مقاعد البرلمان ومجلس الوزراء، إلا أن التنافس بين الحزبين كان يتفاعل يوماً بعد يوم من أجل الاستئثار بالسلطة المطلقة في كردستان.

 استمرت العلاقات بين الحزبين بالتوتر، والخلافات بالتصاعد بين الحزبين حتى وصلت إلى مرحلة الصراع المسلح بينهما. فقد اندلع القتال بين مقاتلي الحزبين في أواخر شهر آذار من عام 1994، واستخدم الطرفان كل ما تيسر لهما من الأسلحة في القتال الشرس والعبثي الذي دفع ثمنه الشعب الكردي المنكوب، حيث قتل الألوف من أبنائه، ودمرت المدن والقرى، واتت الحرب بين الحزبين على البقية الباقية من الاقتصاد المدمر أصلاً بسبب الحروب التي أشعلها النظام الصدامي طوال عشر سنوات.

ورغم جميع المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية المنضوية تحت لواء الجبهة الكردستانية لوقف هذا القتال إلا أن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل، واستمرت المعارك بين بينهما رغم أنها تخللتها الهدنة لفترات من الزمن بعد جهود مضنية بذلتها الأحزاب الوطنية للجمع بين القيادتين، وحل المسائل المختلف عليها سلمياً، وبما يحقق مصالح الشعب الكردي الذي عانى الأمرين من تلك الحرب.

وهكذا ضاعت أحلام الشعب الكردي في العيش في سلام وهدوء، بعد تخلصهم من سلطة صدام، ووجد نفسه في ظل ذلك الصراع، وفي ظل الحصار الدولي، وحصار نظام صدام على كردستان، وعاش في وضع مأساوي ليس له مثيل، يعاني الجوع وتفتك فيه الأمراض، وتتساقط فوق الرؤوس قنابل المتحاربين كل يوم منزلة الخراب والدمار والموت.

وفي 12 تشرين الأول 1996 اندلعت جولة جديدة من الحرب أشد عنفاً وفتكاً بالأرواح، وتدميراً للممتلكات من مسلسل القتال الكردي - الكردي بين الحزبين شملت مدن السليمانية وكوسنجق وجمجمال وبلدات أخرى، واستخدم الطرفان كل الأسلحة المتاحة، منزلة أفدح الخسائر بالأرواح والممتلكات، ليس بين صفوف المتقاتلين وحسب، بل بين صفوف المدنيين المسالمين .

إن كل الذرائع التي ادعى  بها الطرفان لاستمرار القتال لا يمكن قبولها، وإن قيادة الحزبين يتحملان المسؤولية الكاملة عن المآسي التي حلت بالشعب الكردي، وبمسؤولية تعطيل الجهد الوطني لقوى المعارضة الهادف للتخلص من الحكم الدكتاتوري البغيض.

 

قوات الطالباني تحتل أربيل والبارزاني يستعين بقوات صدام

وصلت ذروة الصراع الحزبين في أوائل عام 1995عندما اقتحمت قوات الطالباني مدينة أربيل، عاصمة كردستان، وبذلك فرض جلال الطالباني هيمنته على مؤسسات السلطة التنفيذية، وعطل المجلس التشريعي، وجرى خلال اقتحام المدينة والسيطرة عليها معارك عنيفة بين الطرفين، ووقوع خسائر جسيمة في صفوف المتحاربين والسكان المدنيين على حد سواء، وجرت حملة تصفيات للخصوم السياسيين، وأدى ذلك إلى زرع الحقد والبغضاء بين إفراد المجتمع الكردي.

حاول قادة الأحزاب الوطنية المتواجدين على الساحة الكردستانية التوسط بين قيادة الحزبين لإيجاد مخرج للازمة التي تمخضت عن استيلاء قوات الطالباني على أربيل، حيث قدمت مشروعاً يقضي بإعلان الهدنة بين الطرفين المتحاربين على الأسس التالية :

1 ـ  جعل مدينة أربيل منزوعة السلاح .                     

2ـ عودة المجلس التشريعي ومجلس الوزراء إلى ممارسة مهامهم

3ـ التوقف النهائي عن الملاحقة والاعتقال، وطرد العوائل ومصادرة ممتلكات المواطنين ومنازلهم .

 وبالفعل استطاعت الوساطة تحقيق هدنة بين الطرفين في 7 نيسان 995 واستمرت حتى الأول من حزيران، ولكن دون تحقيق أي تقدم في المفاوضات بين الجانبين لحل الأزمة، وبناء على المساعي التي بذلتها القوى الوطنية، فقد جرى تمديد الهدنة حتى 15 تموز 995.

وفي 5 تموز 995 أجتاح الجيش التركي شمال العراق، في المنطقة الوسطى من الحدود المشتركة بين البلدين باتجاه منطقة[ الميسوري] في قضاء[ ميركه سور] وقُدرت القوات التركية الغازية بلواءين مدرعين، تسندها الطائرات المقاتلة والمروحيات والمدفعية، بالإضافة إلى القوات المظلية، وادعت الحكومة التركية إنها تطارد المتمردين من أعضاء حزب العمال الكردستاني .

لكن القوات التركية استهدفت المناطق المأهولة بالسكان الأكراد، وقصفت بصورة عشوائية العديد من القرى الآمنة، مما أسفر عن تشرد أهالي المنطقة بعد تكبدهم خسائر كبيرة في الممتلكات، ووقوع عدد من الضحايا والجرحى.

لقد أدى الاجتياح التركي لكردستان إلى تعقيد الأزمة، وإلى تفاقم أوضاع المواطنين الأكراد المعشية، وزاد من عمق المأساة التي سببتها الحرب بين الحزبين.

وفي العاشر من آب 1996، دعا رئيس وزراء تركيا [نجم الدين أربكان] الذي كان في زيارة رسمية لإيران، إلى عقد قمة تركية عراقية إيرانية لحل المسألة الكردية في شمال العراق، وأكد على أن تركيا ستستضيف اللقاء، وأنها ستدعو سوريا لحضوره، وقد لاقى الاقتراح التركي استحسان الحكومة الإيرانية وتأييدها.

غير أنه لم يمضي سوى أسبوع على اللقاء حتى أنفجر القتال من جديد في كردستان في 17 آب، وشملت المعارك مناطق  واسعة امتدت حتى حاج عمران، ورافق القتال قصف مدفعي إيراني لمنطقة راوندوز .

وبعد يومين من بدء القتال بدأ النظام الصدامي بتحشيد قوات كبيرة من الحرس الجمهوري في  كركوك وأطراف السليمانية والموصل، وأصدر النظام قراراً بتعيين [علي حسن المجيد]  محافظاً لكركوك، كما أصدرت قيادة الجيش أمراً إلى القطعات العسكرية المرابطة على خطوط التماس بأن تكون على أهبة الاستعداد، وأن تشدد سيطرتها على كافة المسالك، وإطلاق النار على كل من يتحرك في تلك المناطق .

ورغم أن تحشدات القوات العراقية كانت مكشوفة، فأن الولايات المتحدة لم تحرك ساكناً، ولم توجه أي تحذير للنظام العراقي من مغبة الإقدام على أي خطوة عدوانية في كردستان، ولاسيما وأن هذه المنطقة كانت قد وُضعت تحت الحماية الأمريكية البريطانية الفرنسية منذُ انتفاضة آذار 1991 .

وفي الساعة الرابعة من فجر يوم 31 آب 1996 اندفعت القوات صدام نحو مدينة[أربيل] وحاصرتها من طريقي الموصل وكركوك، وبعد أن مهدت لهجومها على المدينة بقصف مدفعي وصاروخي استمر 4 ساعات، وبرر النظام العراقي اقتحامه لأربيل بأنه تلبية لدعوة من مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، لكن الحقيقة إن المصلحة الأمريكية اقتضت أخراج قوات الطالباني من أربيل لاعتبارات تخص المصالح الأمريكية، على الرغم من أن العملية صبت في مصلحة البارزاني في عودة الأمور في أربيل إلى وضعها السابق، وأعلن البارزاني أن قواته بدأت بمهاجمة اربيل، وأن قواته تقاتل في ضواحي المدينة.

وفي  الأول من أيلول دخلت مجموعات كبيرة من الدبابات العراقية وأحكمت سيطرتها على المدينة، أسفرت المعارك عن وقوع خسائر جسيمة في صفوف المقاتلين الأكراد والسكان المدنيين، وقد مارست أجهزة الأمن  الصدامية التي رافقت القوات العسكرية حملة مداهمات للبيوت، ومقرات الأحزاب السياسية المعارضة، وقامت باعتقال المعارضين للنظام وفق قوائم كانت قد أعدت سلفاً، وجرت حملة تصفية جسدية لعدد كبير من المعارضين للنظام العراقي، ونهبت وأحرقت مقرات الأحزاب المعارضة.

أما الولايات المتحدة فلم تتعرض لقوات النظام التي اقتحمت أربيل، بل أطلقت 27 صاروخاً على مواقع عسكرية في جنوب العراق ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ في 1 أيلول، ثم أعقبتها بإطلاق 17 صاروخاُ آخر على المنطقة نفسها في 3 أيلول، وقرر الرئيس الأمريكي كلينتون تمديد منطقة الحضر الجوي في جنوب العراق إلى خط العرض 33، وكأنما قوات صدام قد هاجمت الجنوب!!.

 إن كل متتبع للأوضاع السياسية يدرك أن صدام حسين لا يمكن أن يقدم على خطوة كهذه، وفي مثل تلك الظروف التي يمر بها النظام، دون مباركة الولايات المتحدة وموافقتها، ولابد أن يكون للولايات المتحدة حساباتها في ذلك، وأن هناك أهداف عديدة حققتها من وراء هذه العملية ومنها:

‍ 1ـ تفتيت المعارضة العراقية، وإفشال أي محاولة لتغير النظام العراقي لا تأتي من تحت المعطف الأمريكي.

 2 ـ أشعار دول الخليج أن صدام حسين مازال قوياً، وانه يشكل تهديداً للخليج، من أجل بقاء القوات الأمريكية في المنطقة وابتزاز دول الخليج ،وحثها على شراء الأسلحة .

 3 ـ أشعار أعضاء مجلس الأمن بأن العراق لازال قادراً على تهديد الأمن والسلم الدوليين، وان استمرار الحصار المفروض عليه مازال يتسم بأهمية كبرى لضمان الأمن والسلم الدوليين.

 4 ـ تأمين مرور النفط عبر الأنبوب التركي، بعد توقيع مذكرة التفاهم بين النظام العراقي والأمم المتحدة، حول تنفيذ قرار النفط مقابل الغذاء والدواء، والذي أشترط استخدام هذا الأنبوب لنقل معظم النفط العراقي. ومعروف أن الطلباني على علاقة جيدة مع حزب العمال الكردستاني الذي يخوض صراعاً مع الحكومة التركية، والذي كان قد قام بنسف أنبوب النفط المذكور فيما مضى مرات عديدة، ويأتي ذلك لمصلحة تركيا التي تضررت كثيراً جراء الحصار المفروض على العراق، حيث كانت تجني مليارات الدولارات من عوائد مرور النفط العراقي عبر أراضيها سنوياً، وكان ذلك بيت القصيد كي يجرى النفط من جديد عبر تركيا. ‍‍‍‍

بعد الأحداث الدامية التي وقعت في أربيل بدأ الشعب الكردي يضمد جراحه التي سببتها الحرب المفجعة، ونشطت قيادات أحزاب الجبهة الكردستانية للسعي لجمع القيادتين الكرديتين من أجل التوصل إلى حل لخلافاتهما، وعودة الصفاء والوئام في ربوع كردستان.

ودخلت الولايات المتحدة على الخط ، بما تملكه من تأثير قوي على الطرفين، في سعيها للجمع البارزاني والطالباني في واشنطن من أجل تحقيق المصالحة بينهما.

فقد دعت واشنطن القيادتين إلى الحضور في الولايات المتحدة لبحث الخلافات بين الطرفين، وإيجاد السبل الكفيلة لتجاوزها، وبالفعل تم اللقاء بين الطرفين وأجرت المباحثات حول السبل الكفيلة بعودة العلاقات الطبيعية بينهما، وعودة الأمن والسلام في كردستان  بحضور [ ديفيد وليش] مساعد وزيرة الخارجية [مادلين أولبرايت] آنذاك  حيث تم التوصل إلى عقد [اتفاقية واشنطن] في 17 أيلول 1998 التي وقعها السيدان مسعود البارزاني وجلال الطالباني، والتي دعيت باتفاقية [المصالحة والسلام ] .

وقد تضمنت الاتفاقية البنود التالية:

1 ـ إدانة الاقتتال في كردستان والحيلولة دون عودته من جديد.

2ـ إقامة حكومة موحدة على أساس نتائج الانتخابات  لعام 1992.

3 ـ توحيد الإدارتين مع بعضهما وإجراء انتخابات جديدة.

4ـ استرجاع الإيرادات الكمركية إلى خزينة حكومة الإقليم الموحدة.

 

 

{49}

قرار مغادرة العراق

قبل أيام معدودة من غزو الكويت طرق رجل أمن باب دارنا، ولم أكن في موجوداً بالدار آنذاك، وقد تحدث إلى زوجتي بعد أن قدم نفسه بكونه ضابط أمن المنطقة طالباً مقابلتي وقد أبلغته بخروجي من البيت صباحاً، وأنه سيعود بعد الثانية ظهراً.

لكن ضابط الأمن بادر زوجتي السوأل:

هل لديكم بنت في السويد؟

كان السوأل مفاجئة محرجة بالنسبة لها، فقد استطعنا أن نخفي عن نظام صدام خروج ابنتي الكبرى نضال من العراق منذ عام 1978، ولم نذكر اسمها في كل الاستمارات التي كانت تجلبها إلينا المنظمة الحزبية بين حين وآخر، والتي تتطلب الإجابة على معلومات مفصلة عن العائلة، وعما إذا كان لدى العائلة معدوماً أم مسجوناً أم هارباً خارج العراق.

كانت ابنتي نضال عضوة في الحزب الشيوعي آنذاك، وعندما انهارت الجبهة بين حزب البعث الحاكم والحزب الشيوعي، وبدء الحملة الفاشية لنظام صدام في ملاحقة واعتقال أعضاء وكوادر الحزب الشيوعي، ومحاولة انتزاع الاعترافات من المعتقلين عن تنظيمات الحزب عن طريق التعذيب الوحشي الذي وصل إلى حد القتل، ولكون بعض رفيقاتها كن من بين المعتقلات، صارحتني نضال بقلقها من حدوث انهيار لدى بعض المعتقلات يؤدي بها إلى الاعتقال والمصير المجهول.

وبعد تفكيرعميق في الأمر وجدت أن لا سبيل لإنقاذها من الخطر المحدق إلا بخروجها من العراق بأسرع وقت. كانت  نضال قد تخرجت من معهد المساحة العالي، وتعينت في وزارة النفط، وكان غيابها عن الوظيفة سيثير الشكوك حولها، ولذلك طلبت منها أن تخطر الدائرة التي تعمل بها بأنها ستتزوج عما قريب من أحد أقربائنا في الموصل، وستضطر إلى ترك الوظيفة والاستقالة.

وسارعتُ إلى إعداد كل ما يلزم للخروج بها من العراق، حيث استطعنا المغادرة معاً إلى جيكوسلوفاكيا، أحدى دول المعسكر الاشتراكي آنذاك ووصلناها بسلام، وأسرعت على الفور إلى الاتصال ببعض الأصدقاء من رفاق الحزب المتواجدين هناك لتأمين بقائها وحصولها على زمالة دراسية هناك، وتم تدبير كل شئ بسهولة ويسر، وغادرتُ عائداً إلى العراق بعد أن قدمت لها ما يكفيها من النقود لعام كامل، إضافة إلى المساعدة التي تلقتها من الدولة المضيفة.

بقيت نضال في جيكوسلوفاكيا حتى عام 1985 حيث قدمت مع زوجها ضياء الكواز وطفلهما الوليد طلب اللجوء إلى السويد وتم منحهم الإقامة الدائمة فيها. 

وعودة إلى ضابط الأمن وسوأله الحرج لزوجتي بادرته بالنفي بشكل مطلق، لكن ضابط الأمن بادرها بالسوأل مرة أخرى:

أليس لديكم بنت اسمها نضال؟

أليست نضال متزوجة من شخص يدعى ضياء الكواز؟

نزل حديث ضابط الأمن كالصاعقة على زوجتي فهي لا تدري ماذا تقول، لكنها أخيراً اعترفت بوجود بنتنا نضال في السويد لكن العائلة كانت قد قاطعتها نهائياً منذ أن تزوجت دون إرادتنا في مخالفة لتقاليد العائلة السائدة في العراق.

وابلغته أننا لم نتصل بها إطلاقاً منذ زواجها، لكن ضابط الأمن طلب من زوجتي أن تبلغني بضرورة الحضور إلى مقره في مركز شرطة الخضراء حال عودته.

وعندما عدت إلى البيت فاجأتني زوجتي بما جرى، وبدأنا نفكر بالأمر المثير للقلق، حيث لم نذكر أن لدينا بنت خارج العراق في كل الاستمارات التي كانت تردنا من المنظمة الحزبية والجهات الأمنية ولسنوات طويلة، ولاسيما وأننا قد غيرنا منطقة سكننا ثلاث مرات.

وذهبت بصحبة زوجتي إلى مركز شرطة الخضراء لمقابلة ضابط الأمن الذي رحب بي في بادئ الأمر حيث تبين أنه من الموصل، وانه يعرف العديد من أقربائي هناك، لكني كنت قد غادرت الموصل أواخر عام 1960، وانتقلت إلى السليمانية على اثر تعرضي لمحاولة اغتيال.

كانت المعلومات التي لدى الجهازين الحزبي والأمني تشير إلى عدم وجود أي نشاط سياسي لي، وانشغالي في تجارة العقار، والبناء بعيداً عن السياسة والأحزاب. بادرني ضابط الأمن بقوله أن لديهم معلومات كافية عن نضال وزوجها ضياء، ومكان وجودهما في السويد، وطلب مني عنوانها ورقم هاتفها، والطلب منهما العودة لخدمة الوطن!!.

وقد أجبته بأننا قد قاطعناها منذ أمد بعيد بسبب زواجها من هذا الرجل دون إرادتنا، ولا علم لدينا بمكان إقامتها ولا عنوانها ولا رقم هاتفها، ولو كنت أعلم لما تأخرت عن ذلك.

لقد علمت من خلال حديثه معي أن نضال قد قدمت للحصول على الجنسية السويدية عام 990، مما يستدعي آنذاك إبلاغ الحكومة السويدية للحكومة العراقية بذلك لتسقيط جنسيتها العراقية، حيث لم يكن مسموحاً بازدواج الجنسية آنذاك، وعن هذا الطريق انكشف وجود نضال خارج العراق. وبعد إلحاح شديد من ضابط الأمن للحصول على عنوانها ورقم هاتفها والضغط عليها للعودة إلى العراق منحني أسبوعين فرصة لذلك، وأعلن انه سيبقى على اتصال دائم بنا لحين الحصول على ما يريد.

عدنا إلى البيت وقد انتابنا شعور بالقلق الكبير مما يمكن أن يحدث لنا من قبل ذلك النظام الفاشي الذي يعاقب حتى الدرجة الرابعة من الروابط الأسرية دون رحمة أو وازع من ضمير، وبعد أن تدارسنا الوضع من جل جوانبه خرجنا بقرار الإسراع بمغادرة العراق، واصطحاب أولادي ناهض وماجد بأسرع وقت على الرغم من أن تصفية أعمالي يتطلب بعض الوقت.

لكن سرعان ما وقع الحدث الكبير الذي قلب خططنا بالخروج رأساً على عقب عندما أعلن النظام العراق بدء غزوه للكويت، وقرر منع سفر المواطنين خارج العراق، وبذلك فقدنا الأمل بالخروج المبكر، وكان علينا أن نبقى في العراق لنشهد حرب الخليج الثانية التي بدأت الولايات المتحدة وحلفائها التحضير لها فور دخول قوات صدام الكويت، وكان القلق ينتاب الشعب العراقي من المصير المحتوم الذي يقوده الدكتاتور صدام إليه والذي كان يشير بلا شك نحو الكارثة حتمية.

كان انشغال النظام العراقي وأجهزته الأمنية في قضية غزو الكويت والتهديدات الأمريكية المتسارعة لضرب العراق، ومن ثم نشوب الحرب قد جعلنا في مأمن من ملاحقة وبطش النظام ولو إلى حين.

 كان من نتائج تلك الحرب التي سببها صدام أن فرضت الولايات المتحدة وحلفائها شروطاً قاسية جداً على النظام العراقي فيما يخص حجم القوات العراقية وتسلحها، وتدمير كافة أسلحة الدمار الشامل ومصانعها، كما كان من بين تلك الشروط  فتح السفر أمام العراقيين دون استثناء.

 وقد بات في الإمكان التخطيط للمغادرة من جديد.

لكن العراق شهد اندلاع انتفاضة الأول من آذار 1991 فور اندحار نظام الدكتاتور صدام، تلك الانتفاضة التي تناولتها فيما سبق، مما أخر مغادرتنا عدة اشهر،حيث غادرنا العراق في الحادي والعشرين من أيلول 1991، وبصحبتنا ولدي ناهض وماجد، أما البنات فقد كانوا متزوجات، ويعيشن في أماكن متفرقة من بغداد مع أزواجهن وأطفالهن، حيث لا خطر عليهم بصورة مباشرة.

وصلنا الأردن في اليوم التالي حيث قضينا فيه ما يقرب من أربعين يوماً نحاول الوصول إلى السويد دون جدوى، ولما يئسنا من ذلك غادرنا إلى دمشق ومكثنا فيها 4 اشهر نحاول الوصول إلى السويد دون جدوى هي الأخرى، وعليه قررنا العودة إلى كردستان، ومنها إلى تركيا، ثم إلى موسكو، وبعد أربعين يوماً قضيناها في موسكو في ذلك الجو الشديد البرد استطعنا أنا وزوجتي أن ندبر أمر سفرنا بالطائرة إلى استوكهولم تاركين ناهض وماجد وراءنا بانتظار تدبير أمر اللحاق بنا، وقد تركت في المطار كل ما عندي من نقود لهما لكي يدبرا أمرهما، وغادرنا موسكو بالطائرة في 11 نيسان 1992، ونحن لا نملك في جيوبنا سنتاً واحداً.

وبعد ما يقارب الساعتين ونصف من الطيران هبطت بنا الطائرة في مطار استوكهولم ونحن غير مصدقين. نزلنا من الطائرة وسرنا مع جموع المسافرين داخل بناية المطار حتى وصلنا إلى موقع ضابط السفر الذي يدقق في هوية وجوازات المسافرين، وعندما وصلت إليه أبلغته فوراً إننا لاجئين سياسيين من العراق، وقد أجابني بكل احترام:

{ تفضل واسترح هنا حتى انتهي من بقية المسافرين القادمين معنا في الطائرة}.

لم تمض سوى دقائق معدودة حتى انتهى من ذلك، واستصحبنا إلى غرفته في المطار، حيث وجه لنا بعض الأسئلة الروتينية، ونظم لنا ورقة إقامة مؤقته. ثم تناول الهاتف وطلب سيارة تاكسي لتنقلنا إلى مخيم اللاجئين في[ كسلوند]، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى حضر سائق التاكسي وطلب منا اصطحابه إلى حقائبنا، وتوجه بنا نحو المخيم الذي وصلناه عصرا.

كان استقبال ضابط الأمن لنا، وكذلك الموظف المسؤول عن المخيم مثيرا للإعجاب لذلك السمو الخلقي، واحترام الانسان، فقد كانا بمنتهى الأدب والاحترام معنا مما لم نعرفه في بلداننا من قبل، وسيبقى في ذاكرتي ذلك اللقاء، وتلك المعاملة ما حييت فهم يستحقون منا كل الثناء.

 

أسرع مدير المخيم إلى أعطائنا مفتاح غرفة مجهزة بسريرين مع ملحقاتها الجديدة طبعاً، طالباً منا الإسراع إلى المطعم لتناول الطعام قبل نفاذ الوقت.

تركنا حقائبنا في الغرفة، وأسرعنا إلى المطعم الذي يقابل غرفتنا حيث وجدنا فيه بوفيه مفتوحة للطعام، ويستطيع الفرد اخذ حاجته منه كما يشاء، ومن أي نوع يشاء.

وبعد تناول الطعام عدنا إلى الغرفة لننظم أسرتنا وملابسنا، ومن ثم لتناول حمام ساخن كي نخلد إلى الراحة والنوم الهانئ لأول مرة منذ خروجنا من العراق حيث استطعنا تأمين مستقبل حياتنا في هذا البلد الكريم والمعطاء، وهذا الشعب الطيب الذي كان أبناؤه كباًراً وصغاراً يستقبلونا في الطريق بكلمة [Hej] ونحن لا نعرف أن معناها [مرحبا]، فبورك الشعب السويدي النبيل، ونظامه الرائع الذي يحترم ويقدس الإنسان، ويصون حقوقه وحريته، بل ويحترم حقوق الحيوان أكثر بكثير مما يحترم العالم العربي لحقوق الانسان.

وبعد 18 يوماً في المخيم جاء دورنا للتحقيق من قبل دائرة الهجرة في نفس المخيم، وكان التحقيق لقاء طيب بكل معنى الكلمة، ودام حوالي الساعتين بحضور مترجم، ثم تلاه مباشرة التحقيق مع زوجتي والذي استغرق نفس المدة.

وبعد أسبوعين صدر القرار بمنحنا الإقامة الدائمة في السويد وجرى نقلنا بالقطار إلى مدينة يوتيبوري [ كوتنبرك] بناء على طلب الكومون حيث كانت ابنتي نضال قد رتبت الأمر مع مسؤولة الكومون لقبولنا فيه، حيث وصلناها في أيار 1992.

وبدأنا ننظم حياتنا من جديد في هذا البلد المضياف الذي منحنا الحرية والأمن والسلام إضافة للتأمين الاجتماعي والصحي، حيث حصلنا على شقة سكنية مدفوعة الأجرة، ودخل شهري يغطي حاجاتنا المادية، وعناية صحية قل مثيلها، وحجز مقعدين لدراسة اللغة السوية في المدرسة، واستقرت حياتنا بعد عناء الأشهر الصعبة كنا التي قضيناها في الأردن وسوريا وتركيا وروسيا، ولم يبقَ ما يثير قلقنا سوى وصول ولدينا ناهض وماجد إلى السويد، حيث طال انتظارهما حوالي أربعة اشهر كاملة حتى نجحا في الوصول بسلام، حيث اكتملت فرحتنا بوصولهما، وبدأنا دراستنا للغة السويدية معا في صف واحد، فيما كانت قد باشرت زوجتي دراسة اللغة في مدرسة أخرى، وتلك هي الخطوة الأولى للاندماج في المجتمع السويدي.