حامد الحمداني

 

احداث في ذاكرتي

 

الفصل الخامس عشر

 

 

46 ـ حرب الخليج  الثانية واندحار قوات صدام

47 ـ انتفاضة الأول من آذار 1991ضد نظام صدام

 

 

{46}

حرب الخليج الثانية

واندحار نظام صدام حسين

أصبح النظام العراقي واقعاً في حيرة لا يعرف كيف يخرج منها، فهو في الوقت الذي كان يراقب عملية الحشد العسكري الغربي بقيادة الولايات المتحدة تتسارع يوماً بعد يوم، ولهجة التحدي الصارمة للرئيس الأمريكي بوش وهو يعلن تصميمه ليس على طرد القوات العراقية من الكويت فحسب، بل ونزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وتقليص قواته العسكرية، وهذا ما أعلنه بوش، ولكن ما كان قد أخفاه أعظم، فلقد صمم وخطط لتدمير البنية التحتية للاقتصاد العراقي، وإعادته إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية كما صرح وزير خارجيته جيمس بيكر.

لقد جعل الموقف الصارم للولايات المتحدة النظام العراقي يصعّد من تحديه وإصراره على موقفه، وكان خوف صدام حسين من أن يقدم العراق على تقديم تنازلات يمكن أن تؤثر على الموقف العام له، ويثبط همة القوات المسلحة، دون أن يحصل في المقابل على أي شئ، كما كان خوف صدام من نوايا الولايات المتحدة تجاه العراق حتى لو أقدم على سحب قواته من الكويت، فقد كانت كل الدلائل تشير إلى أن بوش قد ذهب بعيداً في خططه لضرب العراق مهما كانت الظروف، ومهما فعل النظام العراقي، لأنه قد وجد فرصته التي ربما لا يستطيع الحصول عليها مرة أخرى، لإزاحة خطر النظام العراقي عن الخليج .

 لقد حاول صدام حسين عن طريق الاتحاد السوفيتي ووسطاء آخرون في الحصول على ضمانات من الولايات المتحدة فيما إذا أقدم على الانسحاب من الكويت، بأن لا يتعرض العراق وجيشه إلى الهجوم  وحرص على أن لا يتحدث عن الانسحاب بصورة علنية، بل ويعلن إصراره على ضم الكويت.  لقد أعتبر صدام حسين أي حديث عن ضرورة الانسحاب عمل خياني يرمي إلى إضعاف معنويات الجيش، وأصدر لأعضاء حزبه ومؤيديه  تعميماً  يدعوهم  إلى الامتناع عن أي حديث حول الانسحاب.

 وهكذا كتمَّ النظام الصدامي أنفاس الشعب العراقي، ومنعه من إبداء رأيه في أهم مسألة تتعلق بوجوده ومستقبله، فقد كان الشعب العراقي مدركاً تمام الإدراك عمق الكارثة التي ستحل به  بسبب إصرار صدام على سياسته المتهورة، لكنه لم يكن يملك  حولاً ولا قوة، وسيف النظام مسلط على رقابه، وهو ينتظر اللحظة التي يسوقه فيها الجلاد إلى المجزرة.

و في الشهرين الأخيرين من عام 1990، أخذت الاستعدادات الغربية للحرب تتكامل، فقد بلغ مجموع القوات التي تم حشدها في السعودية، حوالي 350 ألفاً من الجنود والضباط، وما يزيد على 1000 طائرة حربية بالإضافة إلى ألوف الدبابات والمدفعية والصواريخ، وأعداد كبيرة من القطع البحرية، وحاملات الطائرات التي أخذت مواقعها في الخليج العربي، وخليج العقبة، وسواحل إسرائيل، وهي تحمل الصواريخ البعيدة المدى الموجهة إلكترونياً، والقادرة على ضرب أي منطقة من العراق بانتظار ساعة الصفر لبدء الحرب.

أما صدام حسين فقد أستمر في حشد قواته في الكويت حتى بلغت 450 ألف ضابط وجندي، تساندها ما يزيد على 4000 دبابة و 3000قطعة مدفعية، و800 طائرة حربية، إضافة إلى قواعد إطلاق الصواريخ البعيدة المدى، غير أن التكافؤ بين القوتين كان بعيد المنال، نظراً لما يمتلكه الغرب من التكنولوجيا الحربية المتطورة، هذا بالإضافة إلى عدم قناعة الجندي العراقي بتلك الحرب التي ساقه إليها صدام حسين دون مبرر، ولم يمض سوى سنتين على انتهاء حربه المجرمة ضد إيران والتي دامت 8 سنوات، تلك الحرب التي خاضها صدام نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية.

كان تحشيد هذه الأعداد الضخمة من الجيوش من قبل الولايات المتحدة وحلفائها يتطلب أموالاً كثيرة جداً، ليس في وسع الولايات المتحدة تحملها لوحدها، ولذلك فقد ضغطت على دول الخليج بان تدفع نصيبها من التمويل، وسارعت السعودية والكويت، وبقية دول الخليج بسحب مدخراتها وتقديمها إلى الولايات المتحدة.  وفي أواخر شهر تشرين الثاني من عام 1990 كانت الاستعدادات الحربية الأمريكية قد اكتملت، وتم إعداد الخطة التي سينفذها الجنرال  [شوارتزكوف] التي أطلقت عليها الولايات المتحدة [عاصفة الصحراء]  وكانت القوات الأمريكية والقوات الحليفة وأسلحتها من الضخامة والقوة أن بدت وكأن الغرب يعد لحرب عالمية ثالثة، وليس حرباً ضد بلد صغير من بلدان العالم الثالث.  لقد وقف الرئيس الأمريكي جورج بوش يخطب في الكونجرس الأمريكي قبيل بدء القوات لأمريكية والقوات الحليفة للحرب ضد العراق قائلاً:{ إنني احتفظ بالحق في الانتقال إلى مرحلة الهجوم العسكري لتحقيق الأهداف الأمريكية في الخليج}.

أدرك الشعب العراقي أن الحرب أصبحت أمراً لا مفر منه. وكان القلق قد فعل فعله لدرجة أفقد الناس صوابها، فلقد أحس الجميع أن هذه الحرب لن تكون مثل غيرها من الحروب، كالحرب العراقية الإيرانية مثلاً، فالأمر هنا مختلف تماماً  ذلك أن العراق لا يواجه جيش دولة واحدة بل جيوش 28 دولة على رأسها جيوش الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بما تملكه من أحدث أنواع الأسلحة والتكنولوجيا الحربية التي لا يمكن بأية حال من الأحوال مقارنتها بما يمتلك العراق.

ولم يكن أحداً يشك بأن مسار الحرب هو بكل تأكيد لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وأن مصير الحرب قد تقرر قبل نشوبها، وأن كارثة كبرى ستحل بالعراق وشعبه، مما أشاع القلق والهلع في نفوس أبناء الشعب، وخوفهم من أن يلجأ صدام إلى استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في الحرب لتردَّ عليه الولايات المتحدة بالسلاح الذري والكيماوي وكل الأسلحة الفتاكة الأخرى التي تضمها  ترسانتها ولاسيما وأن صدام سبق أن استخدم السلاح الكيماوي في الحرب ضد إيران، ضد أبناء الشعب الكردي عام 1988 في حملة الأنفال السيئة الصيت، فما الذي يمنعه من استخدام أسلحته الكيماوية والبيولوجية ضد قوات الولايات المتحدة وحلفائها، وخاصة إذا ما شعر أن وجوده ووجود نظامه قد أصبح في مهب الريح؟ ولذلك فقد سارع سكان بغداد وغيرها من المدن إلى مغادرتها هرباً من احتمالات الضربات النووية والكيماوية، وليبحثوا لهم عن مكان آمن. لقد كان منظر سكان بغداد وهم ينزحون منها يثير الأسى والحزن في كل قلب، فلم يكن للشعب حيلة في ذلك، فهو شعب مسلوب الإرادة، وقد تسلطت على الحكم عصابة مجرمة بالعنف والقوة، ونكلت به وبقواه الوطنية أبشع تنكيل منذُ أن سطتْ على الحكم بانقلاب عام 1968 بوحي وتخطيط أمريكي، واشتدت حملات التنكيل الفاشية بعد أن سطا صدام حسين على الحكم، وقام بانقلاب على سيده [أحمد حسن البكر] ليمتد تنكيله حتى إلى قادة حزبه ناهيك عن الأحزاب الوطنية المعارضة لحكمه، ويفرض من نفسه أعتا دكتاتورٍعرفه العراق، وجعل من نفسه القائد العام للقوات المسلحة  ومنح نفسه أعلى رتبة عسكرية في العالم، وشن على الجارة إيران حرباً لا مبرر لها، ولا مصلحة للعراق وشعبه بها، بل دفاعاً عن المصالح الأمريكية في الخليج.

وها هو العراق يواجه ذلك اليوم جيوش الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين بكل ما تملكه من أسلحة فتاكة، إضافة إلى اشتراك قوات عربية، مصرية وسعودية وسورية ومغربية، ومن كافة دول الخليج، فلم يجد أبناء الشعب أمامهم سوى هجر بغداد، والمدن الأخرى هرباً من الموت، وكانوا يعدون الدقائق انتظاراً للكارثة التي لم يشك أحد بقرب وقوعها الوشيك.

كنت في تلك الأيام حائراً إلى أين سنتوجه، فليس هناك مكان أمين يمكن الاحتماء به، واغلب سكان بغداد توجهوا للقرى والأرياف كونها أقل خطورة من العاصمة، وفي تلك الأثناء اتصلت بنا ابنتي إيمان التي كانت تعمل مهندسة في مصفى بيجي، وأبلغتني أن بيتها بعيد عن المصفى من الجهة اليسرى من الطريق العام بحوالي 5 كيلومترات، وأن بالإمكان القدوم عندهم، وبعد مداولة مع زوجتي وأولادي استقر الرأي على الذهاب هناك.

وهكذا شددنا الرحال بعد أن أخذنا ما نستطيع من المواد الغذائية وغادرنا بغداد باتجاه بيجي حيث وصلناها مساء يوم الخميس المصادف 16 كانون الثاني 1991، وكان القلق ينتاب الجميع مما سيحل بالبلاد، وكنا نعد الساعات في انتظار بدء الحرب التي باتت وشيكة. 

بداية الحرب الجوية: في الساعة الثالثة من فجر يوم الجمعة السابع عشر من كانون الثاني 1991، انطلقت أكثر من  2000 طائرة حربية نحو 700 هدف كان قد حُدد سلفاً، كما انطلقت الصواريخ البعيدة المدى من السفن الحربية المتواجدة في الخليج العربي وخليج العقبة والبحر الأحمر.

 ففي أعالي البحر الأحمر كانت هناك حاملات الطائرات  [ساراتوجا ] و [ كندي ] و[ تيدور روزفلت ] و[ أمريكا ] وعلى ظهرها ما يزيد على 200 طائرة قادرة على الوصول إلى أي نقطة في العراق، هذا بالإضافة إلى الصواريخ البعيدة المدى من نوع كروز، الموجهة تلفزيونياً، والقادرة على المناورة لإصابة أهدافها بدقة.

كانت القواعد الجوية الأمريكية في حفر الباطن  والظهران و الرياض في السعودية والقواعد الجوية في البحرين وقاعدة [انجرلك] في تركيا وقاعدة [ ديغو كارسيا] في المحيط الهادئ حيث تقف على أهبة الاستعداد طائرات ب52  القاذفة الضخمة، والمعدة للغارات البعيدة المدى.

وفي الخليج كانت الولايات المتحدة قد عبأت كل ما أمكنها من القطعات البحرية، وحاملات الطائرات المجهزة بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الحربية، بالإضافة إلى القاعدة الكبرى للإمبريالية، وأعني بها إسرائيل، رغم التعتيم الشديد على النشاط الإسرائيلي في تلك الحرب بسبب ما يمكن أن تسببه من حساسية وهياج لدى الشعوب العربية، مما قد يثير متاعب جمة للجهود الحربية الأمريكية، غير أن الذي لا شك فيه أنه كان لإسرائيل دور تلعبه فيها، كما أن قواعدها الجوية كانت منطلقاً للطائرات الأمريكية للهجوم على العراق.

وراحت الطائرات الحربية الأمريكية والحليفة، وصواريخهم البعيدة المدى تدك أهدافها المحددة سلفاً، بادئين بالقواعد الجوية، وأنظمة الدفاع الجوي، وقواعد الرادار، وقواعد إطلاق الصواريخ، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والمنشآت النفطية والمصافي، والمصانع الحربية، والطرق والجسور، ومخازن المؤن، ومعامل الأدوية، وشبكات الصرف الصحي ، والمفاعل النووي،  وما يقرب من 12 مصنعاً للصناعات الكيماوية والبتر وكيماوية.

 ثم توسع القصف ليشمل كافة المنشآت الصناعية المدنية، بما فيها مصانع حليب الأطفال، والنسيج، والسكر، ومصانع الأجهزة المنزلية، كشركة الصناعات الخفيفة، وخلاصة القول كان القصف قد شمل كل القواعد الأساسية للاقتصاد العراقي دون استثناء، ولم تسلم بقعة واحدة من بقاع العراق، من بطش الطائرات والصواريخ الأمريكية والحليفة، فقد بدا واضحاً أن الحرب قد أعدت لا لتحرير الكويت  بل لتدمير العراق تدميراً شاملاً، كما أشار بيكر في لقائه مع طارق عزيز في جنيف، أما تحرير الكويت فكانت لا يتعدى كونه تحصيل حاصل.

لقد جرى قصف مصفى بيجي، واشتعلت النيران في كل خزانات الوقود، مما سبب في إحداث غطاء كثيف من الدخان المشبع بالسموم الذي سبب صعوبة بالتنفس، واضطررنا  للعودة إلى بيتنا في بغداد، مسلمين حياتنا للأقدار.

 وفي الوقت نفسه كانت طائراتهم تتسابق لشن الهجمات الوحشية والهمجية على القوات العراقية في الكويت وجنوب العراق دون هوادة ودون توقف منزلة خسائر فادحة بالجنود والمعدات، بعد أن تم إخراج القوة الجوية العراقية من ساحة المعركة، وأصبحت القوات العراقية تحت رحمة نيران الطائرات الأمريكية والحليفة، فقد استطاعت الهجمات الجوية المكثفة والمتتالية من تحطيم أنظمة الدفاع الجوي، وقواعد الرادار، وأنظمة الاتصالات، لدرجة أصبح من المستحيل أن تحلق أي طائرة عراقية بالجو دون أن تكون معرضة للإسقاط.

 وهكذا أصبحت أجواء العراق ومناطق تجمع القوات العراقية مكشوفة تماماً، وهدفاً سهلاً للطائرات المغيرة، واضطر النظام العراقي إلى إخفاء ما أمكن من طائراته بين الدور السكنية، والشوارع ليقيها خطر الدمار في قواعدها الجوية، واضطرت أكثر من 144 طائرة إلى الهروب إلى إيران، والهبوط في مطاراتها، وقد سيطرت عليها إيران فيما بعد معتبرة إياها  جزء من التعويضات عن تلك الحرب التي أشعلها صدام ضدها.

لقد وقع النظام العراقي  بأخطاء جسيمة في كامل حساباته، فلقد استهان بقدرات الولايات المتحدة وحلفائها العسكرية والتكنولوجية، واعتقد أن هذه الحرب ستكون كسابقتها حرب الخليج الأولى، كما اعتقد أن الحرب البرية ستبدأ في نفس الوقت التي تهاجم به الطائرات الحربية والصواريخ الأهداف المحددة لها، ولم يدرْ في خلده أن الحرب الجوية ستستمر 45 يوماً متواصلاً قبل أن يبدأ الهجوم البري.

كما أن إنذار الولايات المتحدة لصدام حسين وتحذيره من مغبة استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية سيؤدي بالولايات المتحدة إلى الرد الفوري والسريع بالأسلحة غير التقليدية  [النووية]، وبذلك  فقد صدام القدرة على استخدام هذا السلاح الذي طبل وزمر له في كل خطاباته، وهو يهدد ويتوعد به وظهر أنه لا يستطيع استخدامه إلا ضد شعبه في كردستان وجنوب العراق، وهو لو فكر في  استخدام هذا السلاح لكانت الكارثة التي ستحل بالعراق وشعبه ما لا يمكن أن يتصورها العقل.

لقد أخطأ صدام كذلك حين أعتقد أن الهجوم البري سيكون من السعودية والخليج نحو الكويت مباشرة، غير أن الذي حدث أن القوات الأمريكية والحليفة قامت بهجوم التفافي من الأراضي السعودية نحو جنوب العراق، بغية تطويق القوات العراقية وقطع طرق مواصلاتها، ومنع أي إمدادات عنها، وخاصة المياه والغذاء، وبالفعل تمكنت القوات المهاجمة من الوصول حتى مدينة الناصرية، وحاصرت القوات العراقية في الجنوب. استمرت القوات الجوية والصاروخية تهاجم المرافق الاقتصادية في العراق، المدنية منها والعسكرية طوال 43يوماً، بمعدل أكثر من 1000 غارة جوية يومياً، عدا الصواريخ التي كانت تطلقها السفن الحربية.

 لقد كانت حرباً جوية رهيبة بكل المقاييس، لم يشهد لها العالم من قبل، وخصوصاً وأنها حرب يقودها هذا التجمع الإمبريالي الكبير، وبكل ما يملك من وسائل القوة ضد بلد صغير من بلدان العالم الثالث أبتلى بدكتاتور أهوج لا يفهم غير لغة الدماء والقتل ضد أبناء شعبه، مما جعل الشعب غير قادر على الاعتراض على خططه الهوجاء التي ساقت البلد إلى حروب مستمرة داخلية وخارجية استمرت طيلة عشرين عاماً.

لقد وقع الشعب العراقي المنكوب بين فكي كماشة، صدام ونظامه الفاشي من جهة، والإمبريالية الحاقدة على العراق، والمصممة على تدمير بنيته الاقتصادية، وإفقاره وتجويعه حتى الموت، حفاظاً على مصالحها في الخليج من جهة أخرى، فالنفط بالنسبة للولايات المتحدة يستحق إبادة شعب بكامله دون وازع من ضمير، في عصر أصبحت فيه سيدة العالم دون منازع، ومستعدة لإنزال أشد الكوارث على رؤوس كل من يهدد أو يحاول أن يهدد مصالحهم في الخليج.

لم يسلم أي هدف من غاراتهم الوحشية مهما كان صغيراً، ووصل بهم الأمر أن أقدموا على قصف ملجأ العامرية في بغداد، وإحراق  حوالي 700 مواطن، من النساء والأطفال والشيوخ، الذين لجأ وا إليه هرباً من غاراتهم الوحشية الرهيبة فكانت كارثة وجريمة  إنسانية كبرى ستظل وصمة عار تلاحق أولئك القتلة الذين طالما تبجحوا بالدفاع عن الإنسان وحقه في الحياة، وتمسكهم باتفاقيات جنيف فيما يخص حماية المدنيين أثناء الحرب، ونراها في ذلك اليوم وهي تدوس بجزمتها العسكرية كل تلك القوانين والأعراف الدولية.

 إن كل ما قيل ويقال عن العدالة والحرية وحقوق الإنسان ما هي إلا محض هراء، وإن من يملك القوة في عالم اليوم لا تثنيه تلك القوانين والقرارات والاتفاقات الدولية عن فعل ما يروق له، فالقوة  والمصالح الاقتصادية، ونهب الشعوب هي فوق كل القوانين، وكل المعاهدات الدولية.

في تلك الأيام الرهيبة، كنت أحد المواطنين العراقيين الذين سلموا مصيرهم، ومصير عوائلهم للأقدار، حيث كانت الغارات الجوية تتوالى على بغداد وسائر المدن الأخرى دون انقطاع، وكانت صفارات الإنذار ما تبرح تعلن نهاية غارة جوية، حتى تبادر إلى التحذير من غارة أخرى.

لقد ضاع الحساب، ولم نعد نميز بين نهاية غارة، وبداية غارة جديدة، واضعين أيدينا على قلوبنا، لا ندري متى ينزل صاروخ علينا، أو تلقي طائرة علينا قنابلها، وخصوصاً بعد أن قُصف ملجأ العامرية، وأُحرق كل من فيه، وبعد أن قصفت الطائرات سوق الخضار في مدينة الفلوجة ومُزقت أجساد المئات من المواطنين الأبرياء بشكل رهيب، وكان الوضع مأساوياً بشكل فوق ما يتصوره العقل.

كان أشد ما يرهب الإنسان هو حلول الليل بظلامه الدامس، حيث قُطعت القوة الكهربائية منذ الساعات الأولى من الهجوم الجوي، وبدأ الناس يفتشون عن المصابيح النفطية التي كان الناس يستعملونها قبل أكثر من خمسين عاماً، وحتى هذه المصابيح تحتاج إلى النفط الذي أصبح من العسير الحصول عليه، كما كان البرد قد شهر سيفه هو الأخر في تلك الأوقات من السنة، حيث بقي الناس دون تدفئة، هذا بالإضافة إلى فقدان الماء والغذاء، ومما زاد في الطين بله تلف المواد الغذائية المخزونة لدى المواطنين في الثلاجات والمجمدات بعد تدمير محطات توليد الطاقة الكهربائية  فقد دمر القصف الجوي محطات الطاقة الكهربائية، سواء المائية أو التي تعمل بالغاز، بصورة جزئية أو كلية، ولم تنجُ من القصف سوى محطة النجيبية، التي تنتج 200 ميكا واط ، أما بقية المحطات فقد دمرت بصورة كلية أو جزئية.

واستمرت الهجمات الجوية على المدن العراقية وكافة المرافق الاقتصادية لمدة 43 يوماً، ألقت خلالها الطائرات ما يزيد على 130 ألف طن من القنابل والمتفجرات من أحدث وأفتك ما أنتجته التكنولوجيا العسكرية.

لقد أرادت الولايات المتحدة أن ترهب العالم أجمع، بما تملكه من الأسلحة الفتاكة التي جربت على رؤوس أبناء الشعب العراقي لأول مرة، لكي تقول للعالم أنها أصبحت سيدة العالم أجمع دون منازع،  وأن لا أحد يستطيع الوقوف بوجهها، أو يعارض سياستها في الهيمنة على مصائر الشعوب.

كما أرادت الولايات المتحدة بشكل خاص إرهاب الشعب العراقي، ولإحداث أبعد التأثيرات النفسية فيه، ولتفهم النظام العراقي أن من يحاول التحدي أو التعرض للمصالح الإمبريالية في الخليج  سوف يتعرض إلى كارثة لا أحد يستطيع تحديد أبعادها.

لقد تعرضت خطط الولايات المتحدة في إحداث الدمار الشامل في العراق إلى انتقادات شديدة في جميع أنحاء العالم، واستقبلتها الشعوب قاطبة بشعور من الاستهجان والغضب، ووصل ذلك الغضب والاستهجان إلى شعب الولايات المتحدة نفسها، حيث وجهت الانتقادات لاستمرار القصف الجوي طيلة 43 يوماً، في حين كان  القصف قد حقق أهدافه خلال الأيام الثلاثة الأولى من بداية الحرب، وقد اضطر الجنرال [ كولن باول ] رئيس أركان الجيش الأمريكي إلى الرد على تلك الانتقادات في مؤتمره الصحفي الذي عقده في 11 نيسان 1991  قائلاً: { لا ينبغي أن يراود أحدنا الشك في أننا فعلنا ما كان لابد لنا أن نفعله !!. لقد كنا نريد أن ُنحدث أكبر قدر من التأثير على المجتمع العراقي، وكنا نتمنى لو لم نفعل ذلك !!، ولكن إذا كان علينا أن نحقق أهدافنا بأقل ما يمكن من الخسائر في الأرواح الأمريكية فلا أظن أنه كان أمامنا خيار آخر !!، ولو كنا قد اكتفينا بالحد الأدنى من استعمال القوة الجوية لكان عدد العائدين من أفراد قواتنا العسكرية أحياء، أقل من العدد الذي عاد إلينا بالفعل}.

 فأي كذبة مارسها الجنرال [كولن باول] في تبريره لما حدث، فهل كان ضرب ملجأ العامرية، وإحراق 700 مواطن مدني أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ عملا من الأعمال العسكرية حقاً!!؟

أما قائد عاصفة الصحراء الجنرال [ شوردزكوف ] فقد كان أكثر منه وقاحة واستهتاراً حيث قال في حديث صحفي في 13 آذار ما يلي :

{ إن أهداف الضرب الجوي للعراق جرى توسيعه وهذا صحيح، ولكن التدمير لم يلحق بالأبرياء !!، فالشعب العراقي ليس كله بريئاً لسببين، السبب الأول أن كثيراً من أفراده تحمسوا لغزو الكويت، والسبب الثاني إن الشعب العراقي قابل بحكم صدام حسين}.

ولقد كذب [شورزكوف] في كلا السببين، وتجنى على الشعب العراقي وعلى الحقيقية، فما كان الشعب العراقي يوماً راضياً عن حكم الدكتاتور ونظامه الفاشي وحروبه المجرمة، بل كان مغلوباً على أمره، وقد ظل يعاني طيلة حكمه أبشع أنواع البطش والإرهاب والاضطهاد.

لقد تمادى هذا الجنرال الفاشي في وقاحته لدرجة أن دعا إلى ما أسماه الحاجة إلى تحديد معنى جديد للمدنيين الأبرياء !!.

 وبعد كل هذا أليس هذا الجنرال صورة لمجرمي الحرب النازيين أبان الحرب العالمية الثانية ؟

 

انتقال القصف نحو القطعات العسكرية:

بعد أن استطاعت الطائرات المغيرة والصواريخ  تدمير القواعد الجوية العراقية، وقواعد إطلاق الصواريخ، وقواعد الرادار وطرق الموصلات، وقطعت الاتصالات، وأخرجت القوة الجوية من ميدان المعركة، أخذت تركز هجماتها على القطعات العسكرية المحتشدة في الكويت، وفي جنوب العراق. كان النظام العراقي قد حشد كما أسلفنا ما يزيد على 50 فرقة عسكرية من مختلف الأصناف المعززة بما يزيد على 4000 دبابة، و3000 مدفع ثقيل، وما يزيد على 10000مدفع مضاد للطائرات،أقامها حول مواقع قواته، بالإضافة إلى 400 قاعدة لإطلاق الصواريخ، وما يزيد على 700 طائرة من مختلف الأنواع . كما أنشأت القوات العراقية نظاماً دفاعياً، وحواجز يمكن أن تتحول إلى جحيم من النيران، لكن القوات العراقية بقت عاجزة عن مجابهة قوة عسكرية جبارة كالتي تملكها الولايات المتحدة وحليفاتها، وبما تملكه من مختلف أنواع الأسلحة الفتاكة التي استخدمت لأول مرة.

كانت القذائف تنهال على القوات العراقية من الجو دون توقف بعد أن سيطرت الطائرات الأمريكية والحليفة معها على جو المعركة بشكل مطلق، مستهدفة كل الاستحكامات العسكرية،  وملاجئ الجنود. وتقطعت السبل بالقوات العراقية بعد أن قُطعت المواصلات نتيجة قصف كل الطرق والجسور التي تربطها بالعراق، وبذلك انقطعت كل الإمدادات الغذائية والمياه، وأصبح الجيش كله في موقف صعب للغاية.  لقد كانت خطة الولايات المتحدة تقتضي بعدم الالتحام بالجيش العراقي عند بدء الحرب لتفادي وقوع خسائر بشرية في صفوف قواتها وقوات حليفاتها، واعتمدت على السلاح الجوي لإنزال أكبر الخسائر الممكنة بالجيش العراقي وإنهاكه، وإضعاف معنوياته إلى أبعد حد ممكن، ولتدمير كل ما أمكن تدميره من معداته، لكي يصبح الهجوم البري قادراً على إلحاق الهزيمة بالقوات العراقية بأقل ما يمكن من الخسائر. وخلال تلك الضربات الجوية التي دامت قرابة الشهر والنصف لم تخسر القوات الأمريكية والحليفة سوى 32 طائرة فقط ، فقد كانت السيادة الجوية لها دون منازع، وكانت عمليات القصف بالصواريخ تجري من ارتفاعات عالية لا تستطيع الدفاعات الجوية العراقية وصولها، بالإضافة إلى تدمير أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات، في الأيام الأولى من الحرب، مما جعل الطائرات المغيرة في مأمن من أي تهديد.

كانت أعصاب صدام حسين وكبار قادته العسكريين تكاد تنهار في تلك الساعات الحرجة، فقد كانوا يتوقعون التحام القوات البرية ببعضها في أول أيام المعركة، مما يفقد القوات الأمريكية والحليفة إمكانية استخدام السلاح الجوي ضد القوات العراقية، أو على الأقل يحد من تأثيرها، وعندما استمرت الحرب الجوية وحدها لأسابيع، أضطر صدام حسين إلى الإيعاز لبعض قاطعاته العسكرية للهجوم على مدينة [الخرجي] السعودية محاولاً رفع معنويات جنوده التي أنهكها القصف الجوي لأسابيع، وليجبر القوات الأمريكية والحليفة على الاشتباك بالجيش العراقي .

 وتقدمت بالفعل القوات العراقية تحت وابل من القنابل والصواريخ نحو مدينة الخرجي واحتلتها، واضطرت القوات الأمريكية والحليفة إلى القيام بهجوم معاكس واستطاعت طرد القوات العراقية من الخرجي منزلة فيها خسائر فادحة.

لم يكن الهجوم على الخرجي سوى عملية انتحارية قام بها نظام صدام، غير مبالٍ بأرواح جنوده الذين ساقهم إلى حرب لا يرغبون فيها، ولا يؤمنون بها، ولا قادرين عليها. إن الجيش العراقي والحقيقة تقال جيش شجاع بكل معنى الكلمة، والجندي العراقي على كامل الاستعداد للدفاع عن وطنه مهما كانت التضحيات، إلا أن صدام حسين ساقه إلى حرب عدوانية غير مبررة، ولا مصلحة للعراق فيها مع إيران استمرت ثمان سنوات، ولم يكد الجيش يجر أنفاسه بعد تلك الحرب المجنونة حتى أقدم صدام على اجتياح الكويت وضمها للعراق بالقوة، متحدياً الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الذين نصبوا له هذا الفخ القاتل، ليتخذوا من الغزو ذريعة تمكنهم من تدمير العراق وجيشه أبشع تدمير.

حاول صدام إدخال الجماهير العربية في الحرب كطرف رئيسي عندما أقدم على ضرب إسرائيل بصواريخه بعيدة المدى لكي يجر إسرائيل إلى حرب مكشوفة، وليحول الحرب من حرب عراقية إلى حرب عربية،  فقد وجه صدام 39 صاروخاً من طراز سكود  إلى إسرائيل، غير أنه فشل في خططه هذه، فقد استطاعت الولايات المتحدة أن تمنع إسرائيل من الانجرار إلى الحرب بصورة مكشوفة، لكي لا يؤدي ذلك إلى هيجان لدى الرأي العام العربي، ويحرج الحكام العرب الذين شاركوا الولايات المتحدة في العدوان على العراق، وقد يتحول الهيجان إلى ما هو أبعد من ذلك، وربما يؤدي إلى قلب تلك الأنظمة التي شاركت في الحرب ضد العراق. ورغم أن الجماهير العربية، والحقيقة تقال، كانت قلوبها مشدودة إلى جانب العراق، إلا إنها لم تستطع أن تفعل شيئاً، بعد أن أخذتها المفاجئة  والاستعدادات التي أتخذها الحكام العرب لقمع أي تحرك ممكن في مهده خوفاً من تطوره، وأصيبت باليأس وهي تراقب سير الحرب الجوية عبر شاشات التلفزة لأول مرة في التاريخ  لحظة بلحظة، وترى الطائرات المغيرة وهي ترسل من أعالي الجو صواريخها الموجهة بأشعة الليزر، إضافة إلى الصواريخ التي تطلقها السفن الحربية المتواجدة في الخليج العربي وخليج العقبة وشواطئ إسرائيل، والموجهة إلكترونياً، لتصيب أهدافها بدقة متناهية.

 

 بدء الحرب البرية:

بعد 43 يوماً متواصلاً من الهجمات الجوية العنيفة بالطائرات والصواريخ بعيدة المدى استطاعت الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إلحاق الخسائر الجسيمة بالقوات العراقية في الكويت، وجنوب العراق، بالإضافة إلى تدمير كافة المرافق الاقتصادية والعسكرية داخل العراق، أصبح الجو مهيئاً للهجوم البري الذي أرادته الولايات المتحدة أن يكون خاطفاً وسريعاً، وبأقل ما يمكن من الخسائر البشرية في صفوف قواتها وقوات حلفائها، وكان وضع القوات العراقية مأساوياً، بعد أن انقطعت عنهم كافة الإمدادات الغذائية والمياه، وتواصلت عليه الهجمات الجوية وهي تلقي بقنابلها فوق رؤوسهم دون توقف.

 وفي24 شباط بدأت القوات الأمريكية والحليفة هجومها البري على القوات العراقية تحت وابل من قذائف المدفعية والدبابات لم يعرف العالم لها مثيلاً من قبل، منذُ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت الطائرات الحربية تركز هجماتها على القوات العراقية التي خرجت من مكامنها واستحكاماتها لتصب عليهم حمما من القنابل الفتاكة.

 بدأت قوات التحالف بالتقدم نحو الحدود العراقية، واستطاعت القوات الأمريكية من التقدم داخل جنوب العراق.

وعلى الأثر أصدر صدام أمراً لقواته بالانسحاب من الكويت، والعودة نحو الأراضي العراقية، وانتهزت القوات الأمريكية والحليفة هذا القرار لترسل طائراتها كي لتصب حممها على تلك القوات المنسحبة منزلة بها أقصى ما تستطيعه من الخسائر البشرية، وتدمير المعدات الحربية، فكانت تلك العملية جريمة نكراء بحق الجيش العراقي المنسحب.

لقد امتلأت الصحراء بجثث الجنود العراقيين، وكانت الآليات العسكرية تسير على تلك الجثث في الطريق المؤدي إلى البصرة في جنوب العراق، حيث كانت الطائرات المغيرة تلاحق الجنود المنسحبين بنيرانها الكثيفة دون وازع أخلاقي، وهذا العمل إن دل على شئ فإنما يدل على همجية الحضارة التي تدعيها الولايات المتحدة، واستهانتها بكل القوانين والأعراف الدولية والأخلاقية، فهي لا تتوانى عن أي عمل مهما كان، إذا كان ذلك العمل يخدم مصالحها الإمبريالية، حتى ولو اقتضى ذلك إبادة الشعوب، فالمهم أن تبقى مصالحها سالمة، وتمتلئ جيوب كبار أصحاب الشركات الرأسمالية.

 

 هزيمة نظام صدام وتوقف الحرب:

لم تدم الحرب البرية سوى 100 ساعة فقط، ليفاجئ الرئيس الأمريكي بوش العالم يوم 28 شباط1991 بقراره وقف العمليات الحربية بعد أن وافق صدام على القبول بكل الشروط التي تفرضها الولايات المتحدة عليه، ومهما كانت تلك الشروط  فالمهم بالنسبة لصدام هو بقاء نظامه وبقاءه على رأس النظام الذي أوصل العراق وشعبه إلى هذه الكارثة المخيفة والمرعبة.

وتقرر على الفور أن يعقد الجنرال شواردزكوف وكبار قادته العسكريين مع كبار الضباط لعراقيين الذين أنتدبهم صدام برئاسة  الفريق [سلطان هاشم ] ومعهم توجيهات من صدام بأن لا يرفضوا أي طلب للجنرال شواردزكوف، وليعلنوا استعداد العراق لتنفيذ كل ما تطلبه الولايات المتحدة من العراق، وكان أهم شروط بوش لوقف الحرب هي :

1 ـ تدمير جميع أسلحة الدمار الشامل العراقية من الصواريخ البعيدة المدى والأسلحة الكيماوية والبيولوجية وأبحاثه النووية

2 ـ تقليص النظام لعدد قواته العسكرية، ومنع تسلحه من جديد.

3 ـ قيام فرق التفتيش التي سيعينها مجلس الأمن لغرض إجراء تفتيش دقيق وشامل عن الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل، وتدمير كل المنشآت والمصانع العسكرية الخاصة بها.

4 ـ الحصول على كل الوثائق المتعلقة ببرامج التسلح العراقي منذُ عام 1980 وحتى هذا التاريخ.

5 ـ عدم وضع العراقيل أمام فرق التفتيش للوصول إلى أي بقعة في العراق للتأكد من تدمير الأسلحة المطلوب تدميرها، ومصانعها ومخازنها .

6 ـ وضع نظام للمراقبة المستمرة عن طريق نصب كامرات حساسة ودقيقة في كافة المصانع الحربية للتأكد من أن النظام العراقي لا يخالف الشروط التي تم بموجبها وقف إطلاق النار.

7 ـ إقرار النظام العراقي بدفع تعويضات الحرب.

8 ـ استمرار الحصار الاقتصادي على العراق وتجويع الشعب العراقي إلى أن يتم تنفيذ كافة قرارات مجلس الأمن الدولي.

إن استمرار الحصار كان يعني استمرار الحرب في واقع الأمر ضد الشعب العراقي، وليس ضد النظام الصدامي بأبشع صورها وإشكالها، فحرب التجويع بلا أدنى شك هي أسوأ أشكال الحروب التي عرفتها البشرية، حيث افتقد الشعب العراقي الغذاء والدواء منذُ أن تم فرض الحصار في 2 آب 1990 سقوط نظام صدام عام2003 ، وكان مجلس الأمن يجدد الحصار كل شهرين بدعوى مخالفة شروط وقف الحرب.

لقد خلق الحصار وضعاً مأساوياً في العراق لا يمكن تصوره، ومهما حاول المتتبعون لتلك الأوضاع الكتابة عنها فأن أقلامهم تعجز عن وصف تلك المأساة.

لقد انهارت العملة العراقية، ووصل قيمة الدولار الواحد إلى  3000دينار، بعد أن كانت قيمته ثلث الدينار الواحد، وتدهورت القوة الشرائية للمواطنين من الطبقات المتوسطة والفقيرة إلى ما يقارب الصفر، بل لقد زالت الطبقة الوسطى من الوجود، وتحولت إلى طبقة فقيرة معدمة، وحتى الطبقة الغنية فقد نالت نصيبها من تدهور الوضع الاقتصادي، فلقد أصاب الحصار بناره كل أبناء الشعب العراقي ما عدا فئة من أزلام السلطة الصدامية ومريديه الذين اثروا على حساب جوع وشقاء الشعب العراقي، حيث يتاجرون بقوته، ويرفعون الأسعار كل يوم بل كل ساعة دون وازع أخلاقي.

كان ما يزيد على 4500 طفل عراقي يموت كل شهر، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، وفي واقع الحال فإن هذا الرقم هو أقل بكثير من الرقم الحقيقي، جراء فقدان الغذاء والدواء.

ورغم كل ما قيل وما كتب، ورغم كل التقارير الرسمية وغير الرسمية عن الوضع المأساوي للشعب العراقي، فإن الضمير الأمريكي بوجه خاص، والغربي بوجه عام، لم تهزه كل هذه التقارير، فشعب العراق لم يعنيهم أبداً، والمهم هو تأمين مصالحهم الإمبريالية في منطقة الخليج حتى ولو مات الشعب العراقي جوعاً ومرضاً. لقد كانت كل ادعاءات الرئيس الأمريكي بوش في خطاباته  من أن مشكلة الولايات المتحدة مع النظام الصدامي، وليس لها مشاكل مع الشعب العراقي، وانه لا يكن للشعب العراقي العداء لم يكن سوى محض افتراء ونفاق، ومحاولة خدع الرأي العام العالمي، فقد اثبتت الأيام بعد انتهاء الحرب أن صدام قد نجى من العقاب، واستمر نظامه المسلط على رقاب الشعب، بل ودعمته الولايات المتحدة عندما قام الشعب العراقي بانتفاضته ضد النظام في 1 آذار 1991، بعد توقف الحرب مباشرة، ومكنته من سحب قواته المحاصرة جنوب العراق لضرب وقمع الانتفاضة، مستخدماً كل ما لديه من أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية والصواريخ والدبابات والمدفعية، فلم تبغي الولايات المتحدة إسقاط النظام الصدامي  بل أرادت إذلال الشعب العراقي وتجويعه، وإفراغ العراق من كوادره العلمية التي أخذت تهرب بالآلاف من جحيم العراق، حيث يقدر عدد الذين هجروا العراق وانتشروا في بقاع الدنيا أكثر من ثلاثة ملايين عراقي.

 

 

{47}

انتفاضة الأول من آذار 1991

ضد نظام صدام

لم تكن انتفاضة الأول من آذار 1991، ضد نظام صدام حسين وحزبه وليدة ساعتها أبداً، بل كانت نتاج تراكم كمي هائل من المعاناة التي تعرض لها الشعب العراقي من ذلك الحكم الدكتاتوري الذي مارس منذُ مجيئه إلى الحكم عام 1968، أبشع أساليب التنكيل والاضطهاد، ومصادرة حقوق وحريات الشعب، حيث لم يمضِِ يوم واحد دون أن يغمس صدام حسين وجلاديه أيديهم بدماء الوطنيين من أبناء الشعب لكي يقمع أية معارضة للنظام الحاكم، ولسياسته المعادية لمصالح الوطن.

ولم تسلم أية قوة سياسية من بطشه بدءاً بالشيوعيين والديمقراطيين، وانتهاءً بالقوميين والإسلاميين، بل لقد جاوز صدام حسين كل ذلك ليبطش بمعظم قيادات حزبه كذلك.

لقد سنّ صدام القوانين الجائرة التي تبيح له إعدام كل من انتمى إلى أي حزب سياسي  دون حزبه،  لكي يخلو له الجو لفرض دكتاتوريته على الجميع، ولكي يصبح حر اليدين في اتخاذ كل القرارات الخطيرة التي تتعلق بمصير الشعب والوطن، فكانت حرب الخليج الأولى، فغزو الكويت، فحرب الخليج الثانية التي كانت أشد وأقسى الحروب قاطبة، وأدت إلى اندحار الجيش العراقي، وتدمير كافة البنية التحتية العراقية، بالإضافة إلى الحصار الاقتصادي الظالم الذي أدى إلى انهيار البنية الاجتماعية العراقية، وأوصل أوضاع الشعب العراقي المعيشية إلى الحضيض.   

لقد أوقدت تلك النتائج المفجعة للحرب نار الحقد والغضب العارم على صدام ونظامه لدى الجنود المنسحبين من الكويت، تحت وابل القذائف التي كانت ترسلها الطائرات الأمريكية والحليفة على رؤوسهم لإنزال أقصى ما يمكن من الخسائر البشرية بين صفوفهم. لقد كان ذلك الغضب العارم لدى الجنود ينذر بالانفجار ليطيح بالنظام ورأسه صدام الذي سبب تلك الكارثة، وأستمر على الرغم من ذلك يتشبث بالبقاء في السلطة وهو الذي يتحمل كل نتائجها .

ومما زاد في خيبة أمل الجنود العائدين من الحرب أن قوات التحالف لم تتعرض للنظام ورأسه صدام، ولا كان في حساباتها إسقاطه، فكان لابد وأن يتحرك الشعب في ظل تلك الظروف التي أنضجت الانتفاضة لتسقط هذا النظام الذي سبب كل المآسي والويلات للعراق وشعبه.

 ففي اليوم الأول من آذار 1991، وبينما كانت القوات العراقية تنسحب من الكويت بحالة  من الفوضى الشديدة، وقد تملكها الحنق على سياسة النظام الصدامي الذي أوصلها إلى تلك الحالة البائسة، توقف رتل من الدبابات والمدرعات المنسحبة في وسط مدينة البصرة، واستدارت إحدى الدبابات، ووجهت فوهة مدفعها نحو جدارية ضخمة للدكتاتور، وأطلقت قذائفها عليها، وراحت تلك الجدارية تهوى متناثرة على الأرض، وأنكسر بعدها حاجز الخوف من جلاد العراق ونظامه، وتفجر بركان الغضب لدى أبناء الشعب والجنود المنسحبين، والتحمت جموعهم ببعضها، وراحت تندفع في مظاهرات ضخمة لم تشهد لها البصرة من قبل ضد حكم الطاغية، ولم تمضِ سوى ساعات حتى سيطرت الجماهير المنتفضة على المدينة، وتم اعتقال محافظها، وجرى إطلاق سراح كافة السجناء من ضحايا النظام الصدامي، ورغم كل المحاولات التي قام بها النظام وحرسه الجمهوري لاستعادة المدينة إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع، وأخذ لهيب المعركة يمتد كالنار في الهشيم إلى كافة أرجاء العراق من أقصاه إلى أقصاه.

ففي يوم الأحد  المصادف 3 آذار، تم تحرير محافظة العمارة من قبضة النظام الصدامي بعد معركة عنيفة استمرت لمدة ساعتين، وانتهت باستسلام قوات النظام، وأخذ لهيب الانتفاضة يتصاعد بشكل متسارع ليمتد إلى مدن الكوت، والناصرية، وكربلاء، والنجف .

وعلى أثر هذا الامتداد دخلت من جنوب إيران، القوات الموالية لرئيس المجلس الأعلى للثورة الاسلامية [ باقر الحكيم ] المعروفة بـ[منظمة  بدر] ،كما شوهدت مجموعات من حرس الثورة الإسلامية بعصاباتهم  يدخلون معها، وكان ذلك يمثل أمراً خطيراً للغاية على مصير الانتفاضة، وموقف الغرب منها، فقد حاولت الحركة الإسلامية السيطرة على الانتفاضة والاستئثار بها، مما جعلها تبدو وكأنها ثورة إسلامية على غرار الثورة الإسلامية في إيران.

ومما ساعد على هذا التطور في مسيرة الانتفاضة هو فقدان القيادة السياسية لأحزاب المعارضة جميعاً، فقد كانت معظم كوادر أحزاب المعارضة قد هجرت الوطن بسبب إرهاب النظام وبطشه الذي شمل الجميع. أما في كردستان فقد سيطرت القوات الكردية على مدينتي أربيل وكركوك ومناطق واسعة من كردستان، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، ووقع في الأسر وحدات كبيرة من قوات الجيش.

وفي يوم الأربعاء 13 آذار أعلنت القيادة السياسية للجبهة الكردستانية سيطرتها التامة على كافة منطقة كردستان، وأعلنت حل المجلسين التشريعي والتنفيذي الذين أقامهما النظام تشكيل إدارة مؤقتة لحين إجراء انتخابات عامة في كردستان.

 وفي بغداد قامت مظاهرات صاخبة في أحياء الشعلة والحرية والكاظمية والثورة، لكن قوات صدام استطاعت السيطرة على الموقف بعد أن استعملت أقسى أساليب العنف ضد المتظاهرين حيث كان النظام  قد كثّف تواجد قواته في تلك الأحياء تحسباً لكل طارئ.

وفي يوم الخميس  14 آذار، أحكمت قوات الانتفاضة سيطرتها على كافة محافظة العمارة، وقتل محافظها، وجرى تعيين محافظ جديد لها من قبل قوى الانتفاضة.

 وفي محافظة بابل تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على المحمودية القريبة من بغداد، وعلى المسيب، واليوسفية، وسدة الهندية، والقاسم  والحمزة، وتمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة على كافة مراكز الشرطة وأسلحتها، وتم إطلاق السجناء الوطنيين من سجونها.

 وخلال معارك الحلة قتل كل من المحافظ [عدنان حسين] ومدير الشرطة [ جبر محمد غريب ] وأمين سر حزب البعث لفرع الحلة [ طه ياسين ]  ومدير أمن الحلة المقدم [ مزعل ] . وفي الديوانية تمكنت قوات الانتفاضة من السيطرة التامة على المدينة،  فيما قتل أمين سر حزب السلطة[ خالد عبد الله التكريتي ]،كما سيطرت قوات الانتفاضة على مدينة النعمانية وعلى مراكز الشرطة ودوائر الأمن فيها خلال ساعات،  رغم استخدام قوات النظام الطائرات المروحية ضد قوات الانتفاضة  التي تمكنت من إسقاط 3 طائرات منها.

وفي الكوت كانت تدور معارك شرسة بين قوات الانتفاضة وقوات النظام طوال هذا اليوم، كما دارت معارك عنيفة في منطقة [ كرمة على] شمال البصرة، وقد دامت المعركة زهاء 9 ساعات.

وقد تعرضت مدينتي كربلاء والنجف إلى قصف مدفعي وبالدبابات، وطالت الأحياء السكنية، ومراقد الأئمة التي أصيبت بإصابات مباشرة وفتحت ثقوباً في قبابها.

حاول النظام  السيطرة على مدينة جلولاء حيث دارت معارك شرسة بين قوات الانتفاضة وقوات النظام ، وانتهت المعارك بهزيمة قوات صدام ومقتل أمر الفوج المهاجم الرائد [ علي صالح الجبوري ]، واستولت قوات الانتفاضة على 4 دبابات.