حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل الرابع عشر
43 ـ العراق
بعد حرب الخليج الأولى
44 ـ صدام
يوجه سهامه نحو الكويت
45 ـ صدام
يغزو الكويت
{43}
العراق بعد حرب الخليج الأولى
جيش جرار، واقتصاد منهار
خرج العراق من حربه مع إيران وهو يمتلك جيشاً جراراً، وترسانة هائلة من أسلحة
الدمار الشامل، والأسلحة التقليدية،
ومصانع حربية متطورة، لكنه يعاني من اقتصاد منهار، ومثقل بالديون، فقد
استنفذت تلك الحرب المجنونة مدخرات العراق من العملة النادرة والذهب، بالإضافة إلى
كل موارده النفطية خلال سنوات الحرب.
وفوق كل ذلك خرج العراق بديون كبيرة جداً للكويت
والسعودية وفرنسا والاتحاد السوفيتي السابق، والبرازيل، والعديد من الدول الأخرى،
وقد جاوزت الديون 90 مليار دولار، وصار العراق ملزماً بدفع فوائد باهضة لقسم من
ديونه بلغت حدود 30 % ، مما جعل تلك الفوائد تتجاوز 7مليارات دولار سنوياً.
لقد أثقلت الديون كاهل الاقتصاد العراقي، وتوقفت معظم مشاريع التنمية، هذا
بالإضافة إلى ما يتطلبه تعمير ما خربته الحرب من أموال وجهود، فقد جاء في تقرير
أمريكي عن وضع العراق الاقتصادي ما يلي: {إن الوضع الاقتصادي في العراق لا يبشر
بخير، دخله وصل إلى 25 مليار دولار، في عام1988، ولكن صورة الاقتصاد العراقي خلال
السبعينيات قد تلاشت وحل محلها وضع اقتصادي مظلم، وخراب واسع في أنحاء البلاد، وفي
ظل الحكومة الحاضرة وسياستها الاقتصادية فإن الاقتصاد يتحول من سيئ إلى أسوأ، وإن
ذلك يمهد لسياسة عراقية متهورة في محاولة للخروج من المأزق الاقتصادي الذي يمر
به}.
لقد أصبح العراق بعد حربه مع إيران يملك القوة، ولكنه في الوقت نفسه يعاني من
اقتصاد متدهور وديون تثقل كاهله، وجواره بلدان عربية ضعيفة عسكرياً لكنها غنية
جداً تغري ثرواتها أصحاب القوة، وخاصة بالنسبة إلى بلد مثل العراق، الذي يحكمه
نظام دكتاتوري يقوده رجل متهور كصدام حسين
هذا الرجل الذي أصابه غرور لا حدّ له، و يفتقد إلى المال لسداد ديونه،
وتعمير ما خربته الحرب بالإضافة إلى ما يتطلبه لإدامة جيشه ومواصلة تسلحه، ناهيك
عن مشاريع التنمية التي تحتاجها البلاد، والتي توقفت خلال سنوات الحرب، وهكذا بدأ
صدام حسين يتطلع نحو الخليج وفي المقدمة دولة الكويت، وفي ذهنه تحقيق هدفين :
الهدف الأول:
الاستحواذ على موارد الكويت النفطية ومدخراتها لتعويض خسائره جراء حربه ضد
إيران من أجل إعادة بناء ما خربته الحرب من جهة وتدوير العجلة الاقتصادية المنهكة
من جهة أخرى.
الهدف الثاني:
إيجاد منفذ عراقي واسع للعراق على الخليج لتمكينه من تسويق نفطه بسهولة ويسر،
وتوسيع مجال التجارة مع مختلف بلدان العالم عن طريق المرافئ الكويتية.
كانت الولايات المتحدة وإسرائيل يراقبان عن كثب تسلح العراق، وخاصة في مجال
الصواريخ البعيدة المدى ، والأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية، ومحاولات
نظامه المتسارعة لتطوير قدراته النووية، بغية الوصول إلى إنتاج السلاح النووي، كل
هذا أثار حفيظة الولايات المتحدة ، وإسرائيل ، وبدأت الشكوك تتصاعد حول مستقبل
القوة العراقية ، ثم سرعان ما تحولت الشكوك إلى حقيقة واقعة ، على الرغم من
محاولات صدام حسين المحمومة لتحسين صورته إمام الولايات المتحدة الأمريكية .
ففي 11 شباط 1990 قام [جون كيللي ] مساعد وزير الخارجية الأمريكية بزيارة إلى
بغداد وأجرى مباحثات مع صدام حسين حول العلاقات العراقية الأمريكية، وقد أثار صدام
حسين قضية الحملة الإعلامية التي تشنها الصحافة الأمريكية ضد نظامه، وحاول جون
كيللي التخفيف من آثار تلك الحملة، مدعياً أن الصحافة تمثل وجهة نظرها، وهي حرة في
الكتابة والتعبير، وهي ليست بالضرورة تعبر عن السياسة الرسمية للولايات المتحدة.
وفي 15 شباط صدر تقرير عن لجنه حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة يتهم
النظام العراقي بالقيام بممارسات منافية لحقوق الإنسان من تعذيب وقتل وإعدام،
وقامت إذاعة صوت أمريكا بإذاعة التقرير، ثم أعقبته بتعليق يمثل وجهة النظر الرسمية
للحكومة الأمريكية، وقد أحتوى التعليق على هجوم شديد على سلوك وتصرفات الحكومة
العراقية.
وفي 21 شباط 1990 نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً عن حقوق الإنسان في
العراق يتألف من 12 صفحة، وصفت فيه حكام
العراق بكونهم أسوأ مُنتهك لحقوق الإنسان، وممارسة التعذيب والقتل دون محاكمة، أو
إجراء محاكمات سريعة لا تتيح للإنسان الدفاع عن نفسه، وبدا وكأن الولايات المتحدة
قد اكتشفت لتوها جرائم النظام الصدامي التي مارسها بحق الشعب العراقي منذُ تسلطه على الحكم في
البلاد عام 1968، والتي راح ضحيتها مئات الألوف من المواطنين الأبرياء، وسكتت عن
حملة الأنفال الفاشية ضد الشعب الكردي وقتل سكان مدينة حلبجة عن بكرة أبيهم
بالسلاح الكيماوي، فلم تكن كل تلك الجرائم تحرك ضمير حكام الولايات المتحدة، طالما لا تؤثر على
المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وفي 9 آذار تصاعدت الحملات ضد النظام العراقي على أثر إقدام النظام على اعتقال
الصحفي البريطاني [فازاد باز وفت] مراسل صحيفة الابزورفر البريطانية بتهمة التجسس، حيث اتهمته بالقيام بزيارات
لمنطقة عسكرية تضم مجمعاً لإنتاج الصواريخ وأحالته إلى[ محكمة الثورة] التي أصدرت
عليه حكماً بالإعدام، ونفذت به الحكم رغم
جميع المحاولات التي قامت بها بريطانيا وحلفائها الغربيين لإنقاذ حياته.
وفي 18 آذار أعلنت الحكومة البريطانية أنها عثرت على شحنات من أجهزة [المتسعات
] التي تستخدم في التفجيرات النووية كانت في طريقها إلى العراق وتمت مصادرتها.
وفي نفس اليوم وقف صدام حسين في اجتماع عام
أمام عدسات التلفزيون وبيده مجموعة من المتسعات وهو يتحدث قائلاًً: {هذه هي المتسعات التي يتحدث عنها
الإنكليز؟ لقد صنعها أبنائنا النشامى في هيئة التصنيع العسكري}. وفي 29 آذار من
نفس العام ، أعلنت بريطانيا أنها عثرت على قطعة من مواسير المدفع العملاق في
طريقها إلى العراق وصادرته.
وفي 30 آذار 1990 أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أن إسرائيل لابد أن توجه
ضربة وقائية للعراق، في أي وقت تشعر فيه بأنه قد أصبح خطر عليها، ثم أعقبه رئيس
الوزراء شامير بالقول بأن إسرائيل ستوجه ضربة للعراق إذا أحست انه في
طريقه لإنتاج قنبلة نووية.
في 1 نيسان رد صدام حسين على التهديدات الإسرائيلية قائلاً:
{ إن العراق سوف يرد على إسرائيل إذا ما تجرأت
على استخدام السلاح النووي ضد العراق ،
ويحرق نصف إسرائيل بالكيماوي المزدوج}.
وفي 14 نيسان وقف رئيس وزراء إسرائيل شامير يهدد ويعلن بأن إسرائيل تحتفظ
لنفسها بحرية العمل لتدمير قواعد الصواريخ العراقية.
وفي 18 نيسان رد صدام حسين في مقابلة له مع وفد عربي من اتحاد نقابات العمال
قائلاً:
{ إن أي هجوم
من قبل إسرائيل على العراق سيواجه بحرب شاملة لن تتوقف إلا بتحرير كامل الأرض
العربية} .
وفي 21 نيسان أعلن العراق أن طائرة
استطلاع أمريكية، وطائرات الأواكس قد حلقت في سماء العراق.
وهكذا بدأت الحرب الكلامية تتصاعد بين النظام العراقي من جهة وإسرائيل والولايات
المتحدة من جهة أخرى، حتى بدا وكأن الحرب على وشك الوقوع في الشرق الأوسط بين العراق وإسرائيل.
وكان صدام حسين ينتهز كل فرصة للتحدث عن قوته
وسطوته وأسلحته، واستعداداته الحربية ويهدد بضرب إسرائيل بالكيماوي المزدوج،
ويتفاخر باستطاعة هيئة التصنيع العسكر إنتاج المتسعات في الوقت الذي كان نظامه
يعاني من أزمة اقتصادية حادة لا يعرف كيف يخرج منها.
في خضم تصاعد الأزمة بين العراق والولايات المتحدة وإسرائيل، وتصاعد لهجة
التهديدات من كلا الطرفين، جرت الدعوة من قبل العراق وبعض الدول العربية لعقد
مؤتمر للقمة العربية في بغداد لدراسة الأوضاع العربية والتهديدات الإسرائيلية بضرب
العراق، وتدهور العلاقات العراقية الأمريكية. وقد تمت الموافقة على عقد المؤتمر،
وحُدد له يوم 28 أيار 1990.
سبق عقد المؤتمر اجتماع وزراء الخارجية العرب لإعداد جدول مباحثات القمة، وفي
أثناء الاجتماع حدثت خلافات حادة بين وزير الخارجية العراقية من جهة ووزيرا خارجية مصر والسعودية من جهة أخرى حينما قدم
العراق مشروع قرار يدين الولايات المتحدة، ويتهمها بتهديد العراق ودعمها لإسرائيل.
فقد أعترض الوزيران على ذكر الولايات المتحدة، ولم يتوصل المجتمعون إلى صيغة
قرار بشأن الموضوع، وتقرر عرض الموضوع على الملوك والرؤساء للبت فيه.
وانعقد المؤتمر في موعده المقرر في بغداد، وكان جو المؤتمر كئيباً جداً، حيث
بدأ صدام حسين خطابه الافتتاحي بمهاجمة الولايات المتحدة مما سبب إحراجاً وقلقاً
كبيراً لدى العديد من الملوك والرؤساء العرب كمصر والسعودية وحكام الخليج الذين
يحرصون على عدم إغضاب الولايات المتحدة، فقد جاء في خطاب صدام حسين قوله :
{ إن الأمة
العربية كلها مستهدفة، والعراق أول المستهدفين، فهو الآن في مواجهة مؤامرة
أمريكية عسكرية واقتصادية، وحصار تكنولوجي
وإعلامي، ويتحتم على الأمة العربية أن تتصرف على اعتبار أنها كلها حالة واحدة، لأن
الأعداء يعاملونه كحالة واحدة حتى وإن استعملوا البعض منا أحياناً ضد البعض الآخر،
فنحن جميعاً على فوهة بركان، ولا يتصور أحد أن بمقدوره أن يجري بسرعة ليبتعد عن
مركز الانفجار أو مجرى الحمم}.
شعر الملوك والرؤساء العرب بضيق شديد، وتمنى معظمهم لو أنهم لم يحضروا
المؤتمر، وأخذوا يعدون الدقائق لانتهائه، والعودة إلى بلادهم، فقد كان صدام حسين
يتحدث إليهم والشرر تتطاير من عينيه، وهو يوجه
عتاباً مراً لهم على تقصيرهم في
تقديم العون للدول الشقيقة، وخاصة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو في واقع الأمر
يعني عدم المبادرة إلى انتشال العراق من وضعه الاقتصادي الصعب بعد الحرب.
أشتعل جو المؤتمر، وأحس الحاضرون أن كابوساً قد سقط فوق رؤوسهم، وأرادوا إنهاء
المؤتمر ومغادرة بغداد، وفي النهاية وقع
المجتمعون في 30 أيار على مقررات المؤتمر دون اعتراض، فقد كانت تصرفات صدام حسين
قد أثارت المخاوف في نفوسهم، وكان أكثر مَنْ أغاظ صدام هو أمير الكويت الذي اشتكاه لدى الملك فهد قائلاً:
{ إن
الكويتيين يضاربون على الدينار العراقي لخفض سعره، ويخربون أسعار النفط بتجاوزهم
حصص الإنتاج مما يضر كثيراً جداً بمصالح العراق الاقتصادية }، وقد أقترح الملك فهد
عقد قمة مصغرة تضم العراق والكويت والسعودية والإمارات للعمل على التوصل لحل حاسم
وعادل لقضية الحصص والأسعار.
وعند مغادرة الشيخ جابر الصباح أمير الكويت، وكان برفقته إلى المطار صدام حسين
جرى بين الاثنين حديث عن العلاقات الكويتية العراقية ومسألة الديون البالغة 30
مليار دولار حيث طالبه صدام حسين بالتنازل عنها. وقد رد الأميرعليه قائلاً:
{أن الكويت
لم تطالبكم بالديون}.
إلا أن صدام حسين رد عليه طالباً منه التنازل عن
الديون بصورة رسمية. حاول الأمير التخلص من إلحاح صدام قائلاً له:
{ إن تنازل
الكويت بصورة رسمية سوف يجعل الآخرين يطالبوننا بنفس الشيء، هذا بالإضافة إلى أن
التنازل الرسمي عن ديوننا، سيجعل ديونكم أقل لدى صندوق النقد الدولي، ويجعل
الدائنين يطالبونكم بديونهم}.
لكن صدام لم يقتنع بكلام الأمير، فقد كان يدور في ذهنه مخطط كبير لغزو الكويت
، والتخلص من ديونه، والاستيلاء على ثرواته ونفطه، للتعويض عن خسائره في الحرب مع
إيران، بالإضافة إلى الحصول على منفذ واسع للعراق على الخليج كما سنرى فيما بعد.
في عام 1982 توفي شقيقي الأكبر عبد الهادي عن 62 عاماً بعد صراع مرير مع المرض
استمر لعدة سنوات بدءً بمرض السكر، وانتهاءً بمرض السرطان ، وكانت وفاته تمثل لنا
خسارة كبرى ولاسيما وأنه كان بمنزلة الوالد بالنسبة لنا وللعائلة كافة.
{44}
صدام يوجه سهامه نحو الكويت
في خضم الأحداث والتهديدات المتقابلة بين العراق من جهة وإسرائيل والولايات
المتحدة من جهة أخرى، وتوجه أنظار العالم أجمع إلى ما يمكن أن تتمخض عنه تلك
التهديدات، غيّر صدام على حين غرة اتجاه هجومه نحو الكويت، فقد أعلن في 3 أيار
1990 أن الكويت تقوم بدور كبير في تخريب أسعار النفط حتى وصل سعر البرميل إلى أدنى
مستوى له منذُ عام 1972، وبلغ 11 دولار، وإن هذا العمل يضر بمصالح العراق الذي خرج من حرب دامت 8 سنوات دفاعاً عن
البوابة الشرقية للوطن العربي وحماية أمن الخليج !!، وقد سببت الحرب للعراق أزمة اقتصاد
حادة، وذكّر حكام الكويت بأن هبوط دولار واحد من أسعار النفط يسبب للعراق خسارة
تتجاوز المليار دولار، وإن العراق لا يمكنه السكوت على هذه الحال .
وفي شهر تموز من عام1990عاد صدام حسين مرة أخرى إلى علاقته مع الكويت، ومسألة التزام
حكومتها بحصص الإنتاج المقررة من قبل منظمة الأوبك والمحافظة على مستوى الأسعار،
التي أخذت تنحدر شهراً بعد شهر، ولم تخفي الحكومة الكويتية وحكومة الإمارات
العربية المتحدة أنهما قد زادا من إنتاجيهما تجاوزاً على الحصص المقررة مما أثار
غضب العراق. لقد بدا من تصرفات الكويت والإمارات، أن هناك أمراً يدبر في الخفاء،
لا من قبل هاتين الدولتين، وإنما من جهة كبرى، وهي بالتأكيد الولايات المتحدة،
التي رأت في التضييق على العراق اقتصاديا خير سبيل لكسر شوكته، فليس من المعقول أن
تتحدى دويلتان صغيرتان كالكويت والإمارات العراق الذي يملك أقوى وأكبر جيش في
الشرق الأوسط إذا لم يكن بدفع من الولايات المتحدة.
لقد وصل الأمر بوزير النفط الكويتي [ على خليفة الصباح ] أن تحدى العراق
علناً، في مؤتمر الأوبك قائلاً بان الكويت لا تنوي الالتزام بحصتها المقررة من
الإنتاج، وهي مليون وسبعة وثلاثين ألف برميل يومياً، وتصر على إنتاج مليونين
وثلاثمائة وخمسون ألف برميل.
وفي الوقت الذي كانت فيه حكومة الكويت تزيد من إنتاجها النفطي فأنها كانت تجني
الأرباح الطائلة من استثماراتها في الخارج، وتعوض فرق أسعار النفط، حيث أن نصف دخل
الكويت يأتي من تلك الاستثمارات.
وهكذا أخذت الأزمة بين العراق والكويت تتصاعد حدتها يوماً بعد يوم، وكانت
الولايات المتحدة تدفع حكام الكويت على عدم الاستجابة لأي من مطالب العراق لكي
تعمق الأزمة وتوصلها إلى مرحلة الانفجار، وتدفع صدام حسين إلى عمل متهور ضد الكويت
لكي تتخذه ذريعة لتوجيه ضربة قاضية
للعراق، ولتدمر ترسانته الحربية وبنيته الاقتصادية، وتعود به إلى الوراء عشرات
السنين.
ونتيجة للتوتر الشديد الذي أصاب العلاقات العراقية الكويتية، بسبب عدم التزام
الكويت بحصص الإنتاج، وتدهور أسعار النفط في الأسواق العالمية، ورفض حكومة الكويت
التنازل رسمياً عن ديونها على العراق اختمرت في عقل صدام حسين
فكرة غزوها واحتلالها، وضمها للعراق.
كان على صدام حسين أن يهيئ الظروف للعدوان بأن يطمئن السعودية وبقية دول
الخليج بأنه لا يضمر لهم أي عدوان، وعلى ذلك قرر صدام أن يقوم بزيارة رسمية إلى
السعودية، بدعوى التباحث مع الملك فهد حول موضوع الالتزام بحصص الإنتاج، والعمل
على رفع أسعار النفط إلى ما كانت عليه سابقاً ثم لينتقل إلى الهدف الحقيقي من
زيارته ويعرض على الملك فهد عقد معاهدة عدم اعتداء بين العراق والسعودية، ولكي
يفهمه أنه لا يضمر شراً للسعودية.
فوجئ الملك فهد باقتراح صدام حسين وسأله إن كانت المعاهدة ضرورية فكان جواب
صدام أن أطراف عديدة تحاول تخريب العلاقة بين البلدين، وخاصة بعد أن خرج العراق من
حربه مع إيران منتصراً. وكان جواب الملك فهد بأنه وأن كان يرى أن علاقة الدم هي
أقوى من أي معاهدة فإنه على استعداد لعقد المعاهدة المقترحة.
كان واضحاً أن صدام حسين في تلك الأيام يخطط لمهاجمة الكويت، وأراد أن يستغل
المعاهدة المقترحة مع السعودية لكي يضمن حيادها. حيث أن الكويت عضو في مجلس
التعاون الخليجي، وبينها وبين دول المجلس معاهدة للدفاع المشترك، والسعودية أكبر
دول المجلس، ولذلك أراد أن يطمئنها بأنه ليس له أي أطماع في أراضيها، كما أراد
صدام حسين أن يطمئن الولايات المتحدة بصورة خاصة والغرب بوجه عام بأنه لا ينوي
الاعتداء على السعودية، التي تتسم بأهمية خاصة جداً بالنسبة للولايات المتحدة
والغرب.
بدأت العلاقات بين العراق والكويت تأخذ مجرى خطير جدا، فالكويت تصّر على
سياستها النفطية، وزيادة إنتاجها متخطية حصتها المقررة بموجب قرارات الأوبك،
والعراق يطالبها بالالتزام والعمل على رفع الأسعار، وكانت الولايات المتحدة تعمل
في الخفاء على إذكاء الصراع بين البلدين وإيصاله نحو الذروة لدفع صدام حسين إلى
المخاطرة باجتياح الكويت.
حاولت كل من السعودية والأردن التوسط بين الطرفين، لكن المحاولة لم تثمر، بل
على العكس ظهرت أشياء جديدة أخرى على سطح الأحداث، فقد أخذ صدام حسين يتحدث عن
حمايته لأمن الخليج بحربه مع إيران طيلة 8
سنوات !!، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء مئات الألوف من أبنائه، وردت الكويت
على دعاوى العراق بأنها قد ساعدت العراق حيث قدمت له بعد أسابيع من بداية الحرب
قرضاً بمبلغ 5 بلايين دولار، وأنها كانت تصدر لحساب العراق 125 ألف برميل من النفط
يومياً للإيفاء بالتزامات العراق المالية المتعاقد عليها مع الدول الأخرى لغرض
التسلح.
أما صدام حسين فقد رد على حكام الكويت قائلاً: [ إن الأموال هي أرخص تكاليف
الحرب، وإن القرض هو دين علينا أن نرده، وأن العراق خسر مئات البلابين، ومئات
الألوف من أرواح أبنائه دفاعاً عن الخليج] !!.
وردت حكومة الكويت بأنها هي أيضاً تعرضت لنيران
الحرب حيث جرى قصف منشآتها النفطية
وناقلاتها. وجاء الرد العراقي متهماً الكويت بأنها لم توافق على إعطائه
تسهيلات في جزيرتي[ بوربا ، وبوبيان] وأن الكويت لو فعلت ذلك لاستطاع العراق تحرير
الفاو منذ زمن طويل .
وردت حكومة الكويت بأنها لو أعطت تلك التسهيلات للعراق لتمسك بها ورفض الخروج منها، ولم يكد صدام حسين
يسمع الجواب حتى بادر إلى القول أن الجزيرتين عراقيتان.
وسارع حكام الكويت إلى الرد بأن النظام العراقي بدأ يكشف عن أطماعه في الكويت.
وهكذا تصاعدت لهجة حكام البلدين إلى درجة تنذر بعواقب وخيمة، فقد اتهم العراق
حكام الكويت باستغلال انشغال العراق في الحرب للزحف داخل الأراضي العراقية وتغير
الحدود.
كما جرى سرقة نفط حقل الرميلة الجنوبي، وأن الكويت باعت نفطاً من هذا الحقل ما
مقداره[ 2000 مليون دولار] .
وردت حكومة الكويت بأن العراق يرفض تثبيت الحدود بين البلدين وأن له أطماع في
الكويت، وأن ادعاء حكام العراق عن زحف مزعوم للحدود الكويتية تجاه العراق، وسرقة
نفط حقل الرميلة الجنوبي لا أساس له من الصحة.
وفي كانون الثاني 1990 ، توجه سعدون حمادي إلى الكويت، وأجرى مباحثات مع وزير الخارجية
صباح الأحمد الصباح وطلب من الحكومة الكويتية قرضاً بمقدار [10 بلايين دولار] وقد أجابه الشيخ صباح بأن الحكومة سوف تدرس
الموضوع، وترد على العراق فيما بعد.
وبعد شهر تقريباً من تلك الزيارة قام الشيخ صباح الأحمد بزيارة إلى بغداد
وأجرى لقاءات مع المسؤولين العراقيين، ولمح خلال الاجتماع إلى الديون الكويتية على
العراق، وأبلغهم أن الكويت تستطيع أن تقرض العراق [ 500 مليون دولار] فقط تضاف إلى
الديون السابقة، مما أثار غضب صدام حسين وجعله يصمم على غزو الكويت، وبدأ بتحريك
قواته نحو الحدود الكويتية.
ففي السادس عشر من شهر تموز 1990 كشفت المخابرات العسكرية الأمريكية عن تحرك
عراقي يضم 3 فرق عسكرية كاملة الاستعداد نحو الجنوب باتجاه البصرة والكويت، وهذه
الفرق هي [فرقة حمورابي ] و[فرقة المدينة
المنورة] و[فرقة توكلنا على الله] .
وعلى الفور أستدعى رئيس أركان الجيش الأمريكي [ كولن باول ] الجنرال [شور
تزكوف] قائد القيادة المركزية المخصصة للتدخل السريع في الشرق الأوسط حيث أكد له حقيقة ذلك الحشد العسكري. وفي 30
تموز كشف والتر لانج] مسؤول المخابرات العسكرية
في الشرق الأوسط، أن الحشد العسكري العراقي يبدو معداً للهجوم، وعلى أثر ذلك
التقرير عن التحركات العراقية أقترح رئيس أركان الجيش الأمريكي على وزير الدفاع أن
توجه الحكومة الأمريكية تحذيراً للعراق، وقد طلب وزير الدفاع منه مهلة لأخذ رأي
الرئيس بوش، ولما تم لقاء وزير الدفاع بالرئيس عرض عليه اقتراح كولن باول، ولكن
الرئيس سارع للقول بأنه لا يرى ضرورة لتوجيه تحذير.
لقد كان واضحاً أن الولايات المتحدة كانت تريد بالفعل أن يقدم صدام حسين على
غزو الكويت لكي تجد المبرر الذي تريده
لتوجيه ضربة قاضية للعراق، وتجرده من كل أسلحة الدمار الشامل، وتحطم بنية العراق
الاقتصادية وتعيده خمسون عاماً.
ولم يدرك حكام الكويت ما تخططه الولايات المتحدة، ولا عن الفخ الذي نصبته
للنظام العراقي، وتشجيعها له بصورة غير مباشرة للإقدام على مغامرته في اجتياح
الكويت، لكي تجد المبرر الضروري لتوجيه ضرباتها القاضية للعراق .
وبعد تصاعد الأزمة بين العراق والكويت ووصولها إلى مرحلة الانفجار بادر عدد من
القادة العرب بالتحرك لاحتواء الأزمة. فقد تحركت المملكة العربية السعودية بشخص
الملك فهد الذي أوفد وزير خارجيته [ سعود الفيصل ] إلى بغداد في 31 تموز 1990
حاملاً رسالة إلى صدام حسين عارضاً فيها إجراء محادثات على مستوى عالٍ بين الطرفين،
في جدة تحت رعايته المباشرة من أجل التوصل
إلى حل للأزمة، كما طلب الملك فهد من صدام حسين أن يعمل جهده لتهدئة الأوضاع ،
وتهيئه الجو المناسب والهادئ لحل الخلافات بين البلدين الشقيقين، وبالفعل تم
الاتفاق بين الأمير سعود الفيصل وصدام حسين على لقاء جدة وجرى الاتفاق على أن يرأس
الوفد العراقي نائب رئيس مجلس قيادة الثورة [عزت الدوري] فيما يرأس الوفد الكويتي ولي العهد، ورئيس
الوزراء الشيخ [سعد العبد الله الصباح ] .
وفي نفس الوقت وصل وزير الدولة الكويتي [ عبد الرحمن العوضي] موفدأ من الحكومة
الكويتية وأجرى مع المسؤولين العراقيين محادثات مطولة حول الأزمة وسبل حلها.
كما تحرك الملك الأردني حسين باتجاه العمل لمعالجة الأزمة، فغادر عمان إلى
الإسكندرية للقاء الرئيس مبارك والتباحث معه حول الوضع الخطر على الحدود العراقية
الكويتية، والذي يمكن أن ينفجر في أية لحظة، وجرى البحث في وسائل وسبل حل الخلافات
العراقية الكويتية، وتم الاتفاق بينهما على أن يقوم الرئيس مبارك بزيارة بغداد
ولقاء صدام حسين.
وفي 24 تموز وصل الرئيس مبارك إلى بغداد، والتقى على الفور بصدام حسين، وأجرى
معه نقاشاً مطولاً حول الأوضاع الملتهبة على الحدود العراقية الكويتية، وضرورة
تهدئتها، والعمل على حل المشاكل بين البلدين بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى
استخدام القوة بين الأشقاء .
كان اللقاء الذي جرى بين الرئيسين مغلقاً، ولذلك فقد فسّر كل طرف ما دار في
ذلك اللقاء بعد وقوع الغزو كما يشاء، فقد ذكر الرئيس مبارك أن صدام حسين كان قد
وعده بعدم استخدام القوة، فيما قال صدام حسين بأنه كان قد قال لمبارك بأنه سوف لن
يستخدم القوة انتظاراً لما قد تسفر عنه مباحثات جدة، وكان صدام حسين خلال لقائه مع
مبارك حانقاً جداً على أمير الكويت وحكومته، وفي الوقت نفسه حاول أن يكسب مبارك إلى
جانبه.
غادر مبارك بغداد متوجهاً إلى الكويت، والتقى أميرها الشيخ جابر وولي عهده
الشيخ سعد، وأبلغهما بأن العراق لا ينوي استخدام القوة ضد الكويت، ورجاهما إتمام
اللقاء في جدة والعمل على حل النزاع بروح من الأخوة والتفاهم. ثم غادر مبارك إلى
جدة والتقى بالملك فهد، وتحدث معه حول لقائه بصدام حسين، وأكد على ضرورة العمل على
إنجاح المؤتمر. وقد رد عليه الملك فهد بأن الأمير سعود الفيصل قد طمأنه بأن
صدام لا ينوي استخدام القوة. غير أن
استمرار تحركات القوات العراقية كان يثير الشكوك والقلق حول نوايا العراق.
وعندما بلغ الولايات المتحدة أمر المؤتمر المزمع عقده في جدة بين العراق
والكويت وتحت رعاية الملك فهد لتهدئة الأوضاع وحل النزاع سارع الرئيس بوش بالطلب من أمير الكويت بأن
يكون موقف حكومته صلباً تجاه المطالب العراقية، وأن يرفض تقديم أي تنازلات لصدام
حسين، ولا يخضع لتهديداته مؤكدأ بأن
باستطاعة الحكومة الكويتية الاعتماد على حماية الولايات المتحدة.
كانت الولايات المتحدة تسعى جاهدة لإفشال لقاء جدة، قبل انعقاده، وإيصال
الأزمة إلى مرحلة الانفجار كي يقدم صدام غزو الكويت لتجد المبرر لضرب العراق. وفي
الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تحث الكويتيين على عدم تقديم أي تنازلات لصدام
حسين وتدعوها للوقوف بصلابة أمام تهديداته فإنها أوعزت إلى سفيرتها في بغداد [غريل
كلاسبي ] في 24 تموز أن تطلب مقابلة صدام حسين بحجة إبلاغه بقلق الولايات المتحدة
من تطور الأحداث بين العراق والكويت . إلا أن الحقيقة كانت غير ذلك، فقد كانت
الولايات المتحدة تنتظر بفارغ الصبر أن يقدم صدام حسين على مغامرته، وكان الهدف من
مقابلة السفيرة لصدام هو إبلاغه بأن
الولايات المتحدة لا تنوي التدخل في الخلافات العربية، وأن على الحكام العرب أن
يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، وأرادت الولايات المتحدة بذلك أن توصل الإشارة لصدام بأنه
حر اليدين في التعامل مع الكويت .
وتم بالفعل طلب السفيرة الأمريكية [ كلاسبي] المقابلة وتمت الموافقة عليها في
25 تموز990، وكان لدى صدام حسين شيئاً يريد أن يقوله للرئيس الأمريكي [جورج بوش
] قبل إقدامه على غزو الكويت. لقد أراد أن
يبلغ الرئيس بوش أن العراق لا ينوي التعرض للمصالح الأمريكية في الخليج، وبصورة
خاصة مصالحها النفطية لضمان حيادها.
بدأ صدام حسين الحديث مع السفيرة مستعرضاً تطور العلاقات بين العراق والولايات
المتحدة منذُ أن قطعها العراق إثر حرب 5 حزيران عام 1967 وحتى إعادتها عام 1980،
قبل قيامه بالعدوان على إيران بحوالي الشهرين، وكان صدام حسين خلال حديثه الذي
أستغرق 45 دقيقة يعمل جاهداً لتوضيح موقف العراق من الولايات المتحدة، وضرورة تفهم
بعضهم للبعض الآخر، وداعياً إلى إقامة علاقات جديدة من التعاون، والثقة المتبادلة
والمصالح المشتركة.
كما تحدث صدام حسين عن حربه ضد إيران مذكراً الولايات المتحدة أن النظام
العراقي هو الذي وقف بوجه المطامع الإيرانية، ولولا العراق لما استطاعت الولايات
المتحدة إيقاف اندفاع حكام إيران نحو الخليج !!. فالولايات المتحدة لا تستطيع
تقديم عشرة آلاف قتيل في معركة واحدة !!، لكن العراق قدم أضعاف مضاعفة لهذا الرقم
لحماية المصالح الأمريكية في الخليج . كان لسان حال صدام حسين يقول للسفيرة ألم
نحارب 8 سنوات نيابة عنكم وخدمة لمصالحكم ؟ مضحين بأرواح نصف مليون مواطن عراقي؟
وبعد استعراض العلاقة الأمريكية العراقية أنتقل
صدام حسين في حديثه مع السفيرة إلى الوضع الاقتصادي في العراق بعد حربه مع إيران
قائلاً:
{ إن العراق
يواجه اليوم حرباً اقتصادية وأن الكويت والإمارات هما أدوات هذه الحرب، فالدولتان
تجاوزتا حصص الإنتاج وأغرقتا الأسواق العالمية بالنفط بحيث سبب ذلك انهيارا في
أسعاره، وبالتالي خسر العراق ما يزيد على7 بليون دولار سنوياً في وقت هو أحوج ما
يكون لها لإعادة إعمار ما خربته الحرب، والنهوض بمشاريع التنمية التي توقفت خلال
الحرب، وأخيراً الديون التي تراكمت على العراق، وأوجبت أن عليه أن يدفع فوائد لتلك
الديون بما يتجاوز 7 مليارات دولار سنوياً، وإن العراق لا يمكن أن يرضى بهذا
الوضع، وإنهم يهدفون إلى إذلال شعب العراق. لقد تناسى صدام أنه قد أذل شعب العراق
منذ جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري، وجعل من نفسه دكتاتوراً ليس له مثيل في العالم
أجمع، وسبب المآسي والويلات لشعبه.
وانتقل صدام إلى مسألة الحدود موضحاً للسفيرة أن الكويت استغلت انشغال العراق
في حربه مع إيران وزحّفت حدودها نحو العراق، وقامت باستغلال حقل الرميلة الجنوبي،
وسرقت من النفط ما قيمته[ 2000 مليون دولار ]، وأردف صدام قائلاً إن حقوقنا سوف نأخذها حتماً سواء غداً أو بعد
شهر، أو بعد عدة أشهر، فنحن لن نتنازل عن أي من حقوقنا}.
وأنتقل صدام بعد ذلك إلى محاولة تطمين الولايات المتحدة على مصالحها النفطية
في الخليج قائلاً :
{نحن نفهم
تماماً حرص الولايات المتحدة على استمرار تدفق النفط، وحرصها على علاقات الصداقة في
المنطقة، وأن تتسع مساحة المصالح المشتركة في المجالات المختلفة، لكننا لا نفهم
محاولات تشجيع البعض لكي يلحق الضرر بنا}.
ثم تحدث صدام بغرور كبير عن احتمالات
المواجهة العسكرية في المنطقة قائلاً:
{نحن نعرف
أنكم دولة عظمى، ونحن دولة صغيرة، وأنتم قادرون على إيذائنا، غير أننا قادرون
أيضاً على إيذائكم على الرغم من كوننا دولة صغيرة، ونحن ندرك أنكم قادرون على جلب
الطائرات والصواريخ لضربنا، ولكننا سوف نستخف بكل هذا إذا شعرنا أنكم تريدون إلحاق
الأذى بنا فالموت افصل لنا من الذل}!!.
وأخيراً أختتم صدام حديثه بتوجيه التحية إلى الرئيس بوش ، راجياً السفيرة أن
ُتطّلع الرئيس بوش على نص حديثه معها شخصياً.
وبعد أن انتهي صدام من حديثه جاء دور السفيرة
كلاسبي التي شكرت بادئ الأمر صدام على حديثه معها، وأعربت عن حرص الولايات المتحدة
على صداقتها مع العراق قائلة:
سيدي الرئيس أود أن أعلق على نقطتين أساسيتين
وردت في حديثكم : النقطة الأولى: حول موضوع الحرب الاقتصادية التي ذكرتموها، وأود
هنا أن أقول باسم حكومتي أن الرئيس بوش لا
يرمي إلى الحرب الاقتصادية ضد العراق وإنما يود أن تكون هناك علاقات أفضل بين
البلدين، ولكن الولايات المتحدة لا تريد أسعاراً عالية للنفط، وتود أن يكون هناك
استقراراً لسوق النفط، فإن أي اضطراب لسوق النفط وللأسعار يؤثران تأثيراً بالغاً
ليس على اقتصادنا فحسب، بل اقتصاد جميع الدول
وقد رد صدام حسين قائلاً أن سعر 25 دولار
للبرميل ليس غالياً.
ثم انتقلت السفيرة إلى النقطة الثانية ، والتي هي بيت القصيد في تلك المقابلة،
فقد تحدثت عن الخلافات العربية قائلة:
{إن
التوجيهات الموجهة إلينا هي إننا لا ينبغي أن نبدي رأياً حول القضية، فلا علاقة
للولايات المتحدة بها، ونحن نتمنى حل المشاكل بينكم با لطريقة التي ترونها مناسبة،
فنحن لا ننوي التدخل في هذه المشاكل}.
لقد أرادت السفيرة أن تقول لصدام حسين أنه حر في تصرفاته إزاء الأزمة مع
الكويت، وفهم صدام أن الضوء الأخضر قد فتح أمامه ليقوم بمغامرته التي كانت
الولايات المتحدة تنتظرها بفارغ الصبر.
وفي الوقت نفسه ضغطت الولايات المتحدة على حكومة
الكويت لكي لا تقدم أي تنازلات للعراق مهما كانت خلال محادثات مؤتمر جدة المنوي
عقده في 31 تموز. ومما يؤكد ذلك الخطاب الذي عُثر عليه في مكتب أمير الكويت بعد
الغزو الموجه من الأمير إلى الشيخ سعد، والذي جاء فيه:
{ نحن نحضر
الاجتماع بنفس شروطنا المتفق عليها، والمهم بالنسبة لنا مصالحنا الوطنية، ومهما
ستسمعون من السعوديين والعراقيين عن الأخوة والتضامن العربي لا تصغوا إليه، فنحن
أقوى مما يتصورون.
السعوديين يريدون إضعافنا واستغلال تنازلنا للعراقيين كي نتنازل لهم مستقبلاً
عن المنطقة المقصودة،والعراقيون يريدون تعويض خسائر حربهم على حسابنا، وهذا لا
يمكن أن يحصل ولا ذاك، وهذا رأي أصدقائنا في واشنطن ولندن. أصروا على موقفنا في
مباحثاتكم دون إبداء أي تساهل}.
وفي خضم تصاعد الأزمة بين الطرفين، وفي ظل الحشود العسكرية العراقية وتهديدات
صدام حسين، وصل إلى جدة كل من الشيخ سعد العبد الله الصباح، ولي العهد الكويتي،
وعزت إبراهيم الدوري، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، في 31 تموز 1990، وكانت كل
الدلائل تشير إلى أن اللقاء الذي سيتم بين الطرفين هو لقاء الساعات الأخيرة قبل
وقوع الانفجارر، فقد وصل المسؤولان العراقي والكويتي ولدى كل منهما تعليمات قيادته
بعدم إظهار أية مرونة أو تنازل أو تراجع عن المواقف المعلنة، الكويت مدفوعة
ومدعومة بقرار وجهد أمريكي بتحدي حاكم العراق ورفض جميع مطالبه، لكي تدفعه
الولايات المتحدة نحو الإقدام على مغامرته ضد الكويت، ولأجل إكمال بقية السيناريو
الذي خططت له لتوجيه الضربة القاضية للعراق.
بدأ الاجتماع بينهما منفردين حيث أجريا نقاشا
حول مختلف جوانب الأزمة بين البلدين حتى ظهر ذلك اليوم، وقرر الطرفان تأجيل
الاجتماع إلى ما بعد العشاء. ثم عاد الطرفان بعد العشاء إلى الاجتماع مرة أخرى
لمواصلة البحث حول القضايا المختلف عليها دون أن تظهر أي علامة على اقتراب الطرفين
من أي اتفاق .
فالطرف الكويتي عمل بتوجيهات الأمير ورفض تقديم
أي تنازل للعراق، والوفد العراقي أصر على جميع مطالبه عملاً بتوجيهات صدام حسين
الذي كان قد هيأ كل شيء لغزو الكويت حال فشل مؤتمر جدة.
أنهى الطرفان محادثاتهما ليلاً من دون أن يتوصلا إلى أي اتفاق حول أي من
القضايا التي تم بحثها، وتقرر عقد لقاء آخر في بغداد، كما هو متفق عليه من قبل،
وعاد عزت الدوري في الأول من آب إلى
بغداد، حيث أجتمع بصدام حسين حال وصوله،
وقدم له تقريراً عن كل ما دار في مؤتمر جدة.
في تلك الساعات الحرجة كانت القوات العراقية قد صدرت لها الأوامر أن تكون على
أهبة الاستعداد للتحرك عند وصول الإشارة إليها، ولم يكن معروفاً إن كان صدام ينوي
احتلال الكويت كلها، أم أنه ينوي احتلال جزيرتي بوربا وروبيان وحقل الرميلة
الجنوبي المتنازع عليه. لكن صدام حسين كان
قد أتخذ قراره بغزو الكويت واحتلالها بصورة كاملة، فقد كان في تصوره أنه باحتلاله
الكامل للكويت يحقق جملة أهداف في أن واحد، وفي مقدمتها:
1 ـ حصول
العراق إطلالة واسعة على رأس الخليج مما يمكنه من تصدير نفطه بمرونه واسعة.
2 ـ أن
العراق سيضيف إنتاج الكويت البالغ مليون وثلاثمائة ألف برميل يومياً إلى حصته
البالغة ثلاثة ملايين ونصف برميل يومياً، وبذلك يصبح العراق ثاني دولة منتجة للنفط
في الخليج ، ويستحوذ على ثلث الإنتاج، وبذلك تتحقق للنظام إمكانية انتشال العراق
من وضعه الاقتصادي الصعب .
3 ـ
الاستيلاء على احتياطات الكويت المالية ، والتي تقدر ما بين 150 ـ 200 بليون دولار
.
4 ـ التخلص
من الديون الكويتية، البالغة 30 بليون دولار.
5ـ إن احتلال
كامل الأراضي الكويتية واعتقال العائلة الحاكمة لمنع إنزال قوات أمريكية فيها
وإمكانية طلب مساعدة الولايات المتحدة من قبل العائلة الحاكمة .
هذه هي الأهداف والأفكار التي كانت تدور في مخيلة صدام وهو يعد العدة لغزو الكويت دون أن يحسب حساباً
دقيقاً للنتائج المترتبة على مغامرته، في ظل التطورات الحاصلة في العالم بعد تفكك
المعسكر الاشتراكي، وبداية انهيار الاتحاد السوفيتي، وظهور الولايات المتحدة كأقوى
دولة في العالم، وتسلمها قيادة العالم دون منازع، وأنها لا يمكن أن تسمح لصدام
حسين أن يستحوذ على ثلث نفط الخليج.
وفي تلك الساعات الحرجة من اليوم الأخير من شهر تموز، واليوم الأول من شهر آب
كانت الولايات المتحدة وأجهزة مخابراتها العسكرية وأقمارها التجسسية تراقب عن كثب
أدق تفاصيل التحركات العراقية ودرجة استعداداتها، وكانت تقارير المخابرات المركزية
تشير بوضوح إلى أن الخطط والتحركات العراقية تستهدف احتلال الكويت احتلالاً
كاملاً.
كما أشارت أخر صور الأقمار التجسسية الأمريكية
إلى أن الدبابات العراقية قد تقدمت إلى أقرب منطقة من الحدود بأعداد كبيرة.
ورغم كل ذلك لم تحرك الولايات المتحدة ساكناً، ولم ترسل أي تحذير لحاكم
العراق، بل على العكس من ذلك كانت تنتظر بفارغ الصبر إقدامه على تنفيذ مغامرته ضد
الكويت، وكل ما فعلته هو ترتيب الأوضاع داخل الكويت لحماية العائلة الحاكمة. ففي
مساء يوم الأول من آب طلب المسؤول المخابراتي الأمريكي من جميع أفراد العائلة
الحاكمة مغادرة مدينه الكويت، وبدء سريان خطة الطوارئ المعدة سلفاً. وعليه جرى
تحرك أفراد العائلة الحاكمة نحو منطقة الخرجي السعودية بطريقة لا تلفت النظر، وكان
يبدو على ملامحهم الذهول الشديد.
{45}
صدام يغزو الكويت
في الساعات الأولى من فجر الثاني من آب 1990 بدأت جحافل القوات العراقية
بالتحرك نحو مدينة الكويت، فيما حلقت الطائرات العراقية فوق المدينة، وأنزلت القوات
المظلية في مطارها واحتلته، و بدأت الانفجارات يُسمع دويها في مختلف أنحاء
المدينة، وركزت الطائرات العراقية هجماتها على المراكز الحساسة فيها، ولم تمضِ سوى
ساعات قليلة حتى استطاعت القوات العراقية من الوصول إلى العاصمة وإحكام سيطرتها
عليها دون مقاومة تذكر من الجيش الكويتي.
إلا أن العائلة الحاكمة كانت قد غادرت الكويت
إلى منطقة الخرجي السعودية قبل وصول القوات العراقية إليها تطبيقاً لخطة الطوارئ
التي وضعتها المخابرات المركزية الأمريكية.
وسارع النظام العراقي في صباح ذلك اليوم إلى الإعلان عن وقوع انقلاب عسكري في
الكويت من قبل عدد من الضباط الشبان على عائلة الصباح الحاكمة !!، وأعلن العراق عن
طريق الإذاعة والتلفزيون أن قادة الانقلاب قد طلبوا المساعدة من العراق لمنع أي
تدخل أجنبي، وقد تم تلبية الطلب وإرسال قوات عراقية إلى الكويت، وأن هذه القوات
سوف تبقى أسبوعاً أو بضعة أسابيع ريثما يستقر الوضع، ثم تنسحب من الكويت، كما أعلنت حكومة العراق عن
غلق الأجواء العراقية أمام الطيران المدني وإغلاق الحدود، ومنع السفر إلى خارج
العراق تحسباً لكل طارئ. وفي حقيقة الأمر كان ادعاء حكام العراق على درجة كبيرة من
السخف والغباء، فالقوات العراقية كانت قد جرى حشدها على الحدود منذُ مدة، وكانت
تهديدات النظام العراقي تتوالى كل يوم، وإن كل ما قيل عن وقوع انقلاب هو محض هراء،
ولا وجود لمثل أولئك الضباط الانقلابيين، ولم تنطلِ تلك الأكاذيب على أحد لا في
العراق ولا الكويت ولا في أي مكان من العالم.
أما على الطرف الأمريكي فلم يكن الغزو مفاجئاً لهم، بل كان الأمريكيون ينتظرون
وقوعه بفارغ الصبر.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصراً عندما بدأ الجيش العراقي اجتياحه للكويت،
حسب توقيت واشنطن، وكان الرئيس بوش يتابع عن طريق الصور التي تنقلها الأقمار
الصناعية كل تحركات القوات العراقية ساعة بساعة، كما سارع إلى عقد اجتماع عاجل
لمجلس الأمن القومي الأمريكي وكبار مستشاريه السياسيين في القصر الأبيض تقيماً
للوضع في منطقة الخليج والخطوات التي ستتخذها الولايات المتحدة ضد العراق. وفي
ختام الاجتماع طلب الرئيس بوش استدعاء الجنرال [شوارتزكوف] قائد قوات التدخل
السريع إلى واشنطن لينضم إلى الاجتماع في صباح اليوم التالي في البيت الأبيض مع
جلب خطط العملية المعدة للتدخل السريع {1002ـ 90 } في منطقة الخليج، وأعلن بوش أن
خطط الحكومة الأمريكية لمواجهة الموقف تتضمن التالي:
1ـ أن الولايات
المتحدة يجب أن تلعب الدور الرئيسي في الأزمة.
2 ـ أن لا
تفاوض ولا أنصاف الحلول مع النظام العراقي .
3ـ أن تسعى
الولايات المتحدة لتعبئة الرأي العام الدولي ضد العراق. وبعد أن فرغ الرئيس بوش من
حديثه مع الحاضرين، تحدث وزير الطاقة عن آثار عملية الغزو على سوق النفط ،
والمخاطر الناجمة عنه ثم تلاه وزير الخزانة الذي أقترح فرض حصار اقتصادي شامل على
العراق . ثم جاء دور العسكريين، وهو بيت القصيد في ذلك الاجتماع ، حيث أقترح كولن
باول توجيه ضربة جوية فعالة وحاسمة للعراق وتطبيق خطة التدخل السريع [1002ـ90]
وضرورة تحشيد الولايات المتحدة وحلفائها قوة كبيرة تستطيع دحر القوات العراقية،
وتدمير آلته الحربية والبنية التحتية للاقتصاد العراقي. كما جرى النقاش حول الحصول
على موافقة السعودية على الحشد. ثم تحدث
وزير الدفاع [ديك تشيني] عن الخطة المعدة للتدخل السريع ، [1002ـ90] موضحاً مراحل
تنفيذ هذه الخطة تتلخص بما يلي:
1
ـ المرحلة الأولى :
وتقضي بالعمل بأسرع وقت على ردع القوات العراقية من محاولة غزو السعودية ،
وذلك بإرسال فرقة مدرعة، وعدد من حاملات الطائرات المزودة بصواريخ كروز، وتوماهوك،
مع عشرة أسراب من الطائرات الحربية .
2
ـالمرحلة الثانية:
وتقضي بإكمال التحشيد في السعودية لكي يكون للولايات المتحدة وحلفائها قوة ضاربة لا تقل عن 250 ألف عسكري مجهزين بأحدث الأسلحة والمعدات قبل المباشرة في
تحرير الكويت.
3
ـ المرحلة الثالثة :
توجيه ضربات جوية لكافة المرافق الحيوية للعراق بدء من المطارات العسكرية،
والاتصالات، والرادارات، ومراكز تجمع القوات العراقية وآلياتها العسكرية وانتهاءً
بكل المرافق الحيوية، ومنشاته الاقتصادية، وطرق مواصلاته، وجسوره
4ـ
المرحلة الرابعة :
الهجوم العسكري البري لتمزيق القوات العسكرية العراقية وإخراجها من الكويت عن
طريق القيام بالتفاف خلف القوات العراقية من الأراضي السعودية والدخول نحو الأراضي
العراقية لقطع الاتصال مع القوات العراقية في الكويت.
أسرع الرئيس بوش بعد الانتهاء من الاجتماع إلى طلب الملك فهد على الهاتف، لأخذ
موافقته على نزول القوات الأمريكية والحليفة في السعودي. كان الملك فهد متردداً في
جوابه، وقد تملكه الخوف من ردة فعل صدام حسين، وما يمكن أن يسبب نزول قوات أجنبية
في الأراضي السعودية من مشاكل خطيرة مع العالم الإسلامي، وقد عرض عليه الرئيس بوش
أن تكون القوات الأمريكية والحليفة بغطاء عربي، وذلك بدعوة الدول العربية للمساهمة
بقواتها في الحشد بحجة تحرير الكويت .
من جانب آخر دعت الحكومة السورية إلى عقد مؤتمر قمة عربي عاجل لبحث الغزو
العراقي، ودعت وزراء الخارجية العرب الذين كانوا في القاهرة لحضور مؤتمر القمة
الإسلامي إلى عقد اجتماع عاجل للإعداد لمؤتمر القمة لمعالجة الأزمة.
وتم عقد الاجتماع في تمام الساعة العاشرة صباحاً بغياب وزير الخارجية العراقي الذي ناب عنه سفير
العراق في القاهرة، وجرى بحث الأزمة والسبيل للخروج منها، وقد وجه وزراء الخارجية العرب
استفساراتهم إلى ممثل العراق، لكن المندوب العراقي أجابهم بأنه غير مخول أساساً
لحضور الاجتماع، وأن وفداً على مستوى عالٍ سوف يحضر إلى القاهرة برئاسة نائب رئيس
الوزراء سعدون حمادي، ولذلك فقد تأجل الاجتماع حتى الساعة السابعة مساءً، حيث وصل
سعدون حمادي والوفد المرافق له، وتم عقد الاجتماع مباشرة، ووقف سعدون حمادي يتحدث
أمام المجتمعين عن حقوق العراق في الكويت، وعن تصرفات حكامه بخصوص عدم الالتزام
بحصص الإنتاج، وسرقة نفط العراق من حقل الرميلة الجنوبي، وزحف الحدود الكويتية
إبان الحرب مع إيران.
وفي الوقت الذي كان سعدون حمادي يتحدث أمام وزراء الخارجية العرب وصل عزت
الدوري، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة إلى جدة
بناء على اتفاق جرى بين الملك فهد وصدام حسين إثر مكالمة هاتفية جرت صباح 2
آب ليشرح للملك فهد الدوافع التي أدت إلى إقدام العراق على غزو الكويت من جهة،
وليطمئن الملك بأن العراق لا يضمر أي شراً للسعودية، وقد أوضح عزت الدوري للملك أن
الكويت هي جزء لا يتجزأ من العراق، وقد تمت إعادة الفرع إلى الأصل مما أثار استياء
الملك فهد الذي أجابه قائلاً :
{ إذا كان
الأمر كذلك فما الفائدة من الحديث إذا ؟}
وفي تلك الأثناء كانت المحاولات تجري على قدم وساق من قبل الملك حسين والرئيس
المصري حسني مبارك المجتمعان في الإسكندرية لعقد مؤتمر القمة العربية، والعمل على
إقناع العراق بالانسحاب من الكويت، وحل المشاكل العالقة بين البلدين بالطرق
السلمية.
لكن الرئيس الأمريكي بوش سارع للاتصال بالرئيس المصري حسني مبارك وأبلغه أن الخيار الوحيد
لإخراج العراق من الكويت هو الخيار العسكري، وأن وقت القمم قد فات، وأضاف بوش أن
غزو الكويت عمل عدواني لا يمكن قبوله من قبل الولايات المتحدة ونعتبره تهديد
مباشراً لأمنها، وأن الكونجرس والرأي العام الأمريكي، ووسائل الإعلام
يطالبوننا بالتصرف عسكرياً، وليس بقرارات
الإدانة، وقد أعلنا موقفنا من العدوان رسمياً، ونحن ثابتون على موقفنا من صدام
حسين الذي تحدى الولايات المتحدة، ونحن بدورنا قبلنا التحدي، وأن الولايات المتحدة
سوف تتصرف وحدها بصرف النظر عن قبول غيرها
التنسيق معها أم لا.
وفي ظل الهيمنة الكاملة للولايات المتحدة على مجلس الأمن الدولي، وبروزها
كأقوى قوة في العالم، فقد سارعت إلى دعوة مجلس الأمن إلى اجتماع عاجل في 2 آب 1990
ليقرر إعطاءها الغطاء الذي تحتاجه لتوجيه الضربة القاضية للعراق، وتصفية قدراته
العسكرية، وتدمير بنيته الاقتصادية، و استطاعت إصدار القرار رقم 660 ، الذي صادق
عليه ممثلي 14 دولة، وغابت اليمن عن حضور الجلسة، وقد أدان القرار عملية الغزو،
وطالب النظام العراقي بسحب قواته من الكويت فورا، لكن صدام أصر على موقفه رافضاً
الانسحاب.
وحاول الملك حسين أن يثني صدام عن مواقفه، مؤكداً له حتمية التدخل الغربي، وما
سوف يجر من ويلات ومآسي ومخاطر جسيمة، ليس على العراق فحسب، وإنما على مصير العالم
العربي، ورجاه الانسحاب من الكويت قبل فوات الأوان.
وعلى الجانب الأمريكي كان الرئيس بوش في الرابع من آب قد جمع كبار جنرالاته
المكلفين بتنفيذ خطة التدخل السريع 1002ـ
90 ، بالإضافة إلى مستشاره للأمن القومي [برنت سكوكرفت] ليضع
اللمسات الأخيرة على خطط الولايات المتحدة بأسرع ما يمكن، ذلك أنه كان يشعر بالقلق
لتحركات الملك حسين، التي خشي أن تؤثر على الملك فهد، وتجعله يرضى بالحلول الوسط
مع بغداد، مما يفشل المخطط الأمريكي لضرب العراق، وخاصة وأن الملك فهد لم يقرر
بعد حتى تلك الساعة الموافقة على نزول
القوات الأمريكية والحليفة في السعودية
خوفاً من رد فعل صدام حسين، وخلال المناقشات اقترح جون سنونو على الرئيس
بوش أن تشارك قوات عربية وإسلامية في التحشد لتكّون غطاء للقوات الأمريكية
والحليفة.
استهوت الفكرة الرئيس بوش أعلن على الفور إنه سوف يوفر الغطاء المطلوب بأسرع
وقت، وطلب من وزير دفاعه [ديك تشيني ] السفر إلى السعودية ويصطحب معه الجنرال
[شوارتزكوف ] قائد قوات التدخل السريع للالتقاء بالملك فهد، وترتيب الأمور معه،
وتم الاتصال بالملك الذي أبدا استعداده لاستقبال تشيني والوفد المرافق له.
وفي الوقت نفسه أتصل بوش بالملك الحسن الثاني،
ملك المغرب، والرئيس المصري حسني مبارك، والرئيس السوري حافظ الأسد، وتباحث معهم
حول موضوع المشاركة في الحشد العسكري ضد العراق.
أما ديك تشيني والجنرال شوارتزكوف فقد غادرا إلى
السعودية على عجل للقاء الملك فهد، حيث وصلا جدة يوم 6 آب يصحبهما نائب مدير وكالة المخابرات المركزية
[روبرت جيتس] .
وفي تلك الأثناء تقدمت الولايات المتحدة بمشروع قرار جديد إلى مجلس الأمن
الدولي يقضي بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية
وعسكرية شاملة على العراق لم يسبق لها مثيل من قبل في كل تاريخ الأمم المتحدة، حيث
صدر الفرار 661 في 6 آب 1990.
وبموجب هذا القرار أتمت الولايات المتحدة فرض أشد حصار عرفته الأمم المتحدة في
تاريخها ضد العراق، وأصبح العراق عاجزاً عن بيع نفطه، وجمدت أمواله في الخارج،
وأصبح عاجزاً عن تأمين الحاجات المادية والمعيشية للشعب، ولم يدرْ في خلد أحد أن
الحصار المفروض سوف يدوم سنوات طوال بحجج مختلفة، ليس ضد صدام ونظامه الدكتاتوري
الفاشي، ولكن ضد الشعب العراقي المغلوب على أمره.
وفي الوقت الذي صدر فيه هذا القرار أستقبل الملك فهد وكبار رجالات الدولة
السعوديين الوفد الأمريكي برئاسة وزير الدفاع [ ديك تشيني]، حيث أبلغ الملك فهد أن
الرئيس بوش يضمن تماماً الوفاء بكل مستلزمات الأمن في المنطقة، وأنه يعتبر صدام
حسين يمثل أكبر خطر على المنطقة، ولابدّ من التصدي له، وهذا ما تريده الولايات
المتحدة، وأن الرئيس بوش أجرى اتصالات واسعة مع الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا
والصين من أجل حشد التأييد للإجراءات الأمريكية،
وأن الرئيس مصمم على الدفاع عن السعودية ضد أي هجوم محتمل من العراق، وأنه
سيسعى إلى خنق العراق اقتصادياً عن طريق الحصار الاقتصادي الذي فرضه مجلس الأمن
بموجب قراره رقم 661.
وبعد نقاشات مطولة وتطمينات أمريكية أعلن الملك فهد عن موافقته على استقبال
القوات الأمريكية والحليفة على الأراضي السعودية.
وفي ختام اللقاء أعلن وزير الدفاع تشيني أنه سيغادر إلى بلاده تاركاً فريق عمل
في السعودية ليرتب الأمور لاستقبال القوات الأمريكية والحليفة، وقد طلب منه الملك
أن يتم حشد القوات بكل هدوء ودون ضجيج لئلا يقدم صدام حسين على العدوان على
السعودية قبل اكتمال الحشد.
و صدرت الأوامر للقوات الأمريكية بالتحرك، وبدأت طلائعها تصل إلى السعودية،
حيث وصلت الفرقة 82، المحمولة جواً يوم 8 آب، كما هبطت 48 طائرة حربية طراز (F15)في قاعدة
الظهران الجوية الضخمة. (10)
وفي طريق عودته التقي وزير الدفاع الأمريكي تشيني بالرئيس المصري حسني مبارك
في القاهرة، وتباحث معه حول مساهمة مصر في الحشد العسكري، وحول تقديم التسهيلات
العسكرية لعبور حاملات الطائرات الأمريكية المسيرة نووياً لقناة السويس، ثم غادر
تشيني إلى المغرب والتقى بالملك الحسن الثاني، وتباحث معه حول مساهمة المغرب
بالحشد العسكري ضد العراق.
وفي صباح 8 آب ، وقف الرئيس بوش يوجه خطابه عبر شاشات التلفزة الأمريكية
والعالمية ويتحدث عن العدوان العراقي على الكويت، وعن تصميمه على دحره، ومما جاء
في خطابه قوله :
{إننا نطلب
انسحاباً كاملاً وفورياً غير مشروط لكل القوات العراقية الموجودة في الكويت، وإن
قواتنا ذهبت إلى السعودية في مهمة دفاعية، وهي مكلفة بالدفاع عن نفسها وعن
المملكة العربية السعودية، وعن كل أصدقائنا في الخليج}.
وعلى الجانب العربي من الأزمة راح الرئيس المصري مبارك يبذل محاولاته لإقناع
صدام حسين بالانسحاب من الكويت، حيث أتصل بسفير العراق في القاهرة [ نبيل نجم
التكريتي ] وحمله رسالة إلى صدام، ووضع تحت تصرفه طائرة خاصة تنقله إلى بغداد
ليعود بجواب من صدام في اليوم التالي إلى الإسكندرية، وعاد السفير ومعه نائب رئيس
مجلس قيادة الثورة عزت الدوري. وخلال اللقاء الذي تم بين مبارك، وعزت الدوري في
الإسكندرية أصر الأخير على أن الكويت جزء لا يتجزأ من العراق، وأنه لا مجال
للمفاوضات حول الانسحاب، وفي تلك الأثناء صدر بيان عراقي يعلن ضم الكويت إلى
العراق رسمياً .
وعلى اثر صدور قرار النظام العراقي سارع مجلس
الأمن إلى إصدار القرار رقم 662 في 9 آب 1990
وفي نفس اليوم القى حسني مبارك خطاباً موجهاً للأمة العربية، تحدث فيه عن
المخاطر الجسيمة لغزو الكويت قائلاً:
{ أن الصورة
تبدو سوداء قاتمة ومخيفة، وما لم نتدارك الموقف فوراً، فان الحرب حتمية ، أضاف بأن
هذه الحرب إن وقعت فسوف تكون مفزعة ومدمرة، ولا أحد يعرف مخاطر الحرب كما أعرفها
أنا، وأستطيع القول أن الحرب ستكون شيئاً رهيباً فضيعاً}.
وفي خلال حديثه وجه مبارك عبر موجات الأثير دعوة للقادة العرب لعقد قمة عربية
عاجلة في القاهرة لتدارس سبل حل الأزمة، وبدأ الملوك والرؤساء العرب يتوافدون إلى
القاهرة، بعد ساعات من خطاب مبارك، وكان أول الواصلين العقيد القذافي، لكن صدام
حسين لم يحضر، بل أرسل عنه طه ياسين رمضان نائب رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى طارق
عزيز، كما أن الملك الحسن الثاني أناب عنه رئيس وزرائه.
و بعد تكامل الوفود العربية تقرر عقد القمة في صباح يوم الجمعة المصادف 10 آب،
ومن دون أن يسبق ذلك مؤتمر لوزراء الخارجية لإعداد جدول أعمال للمؤتمر، وقد أعترض
الوفد العراقي على هذا الإجراء، وطالب أن يسبق ذلك اجتماع لوزراء الخارجية، لوضع
جدول الأعمال ومناقشة، وتقديم التوصيات للملوك والرؤساء لمناقشة الأزمة بصورة
مباشرة. إلا أن الاعتراض كان قد ُرد بحجة عدم وجود الوقت الكافي لعقد اجتماع
لوزراء الخارجية. وفي تلك الأثناء، قدّم وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل مسودة
قرار إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي طالباً طبع نسخ منه وتوزيعه على الملوك والرؤساء قبل دخولهم القاعة.
أحدث المشروع هرجاً كبيراً في قاعة الاجتماع، واحتج العقيد القذافي عليه وهو
يشير إلى أن مشروع القرار قد تم وضعه من قبل الولايات المتحدة باسم السعودية، وكان
أهم ما ورد في مشروع القرار هو أن القمة تستجيب لطلب السعودية ودول الخليج الأخرى
بنقل قوات عربية إلى السعودية لتنضم إلى القوات الأمريكية والحليفة، وفيما يلي نص
القرار:{ إن مؤتمر القمة العربية المنعقد في القاهرة يومي 19 و20 محرم 1411 هجرية ، الموافق
ليومي 9و10 آب1990 ميلادية :
بعد الإطلاع على قرار مجلس الجامعة العربية، الذي أنعقد في دورة غير اعتيادية
في القاهرة يومي 2 و 3 آب 1990، وبعد
الإطلاع على البيان الصادر عن المؤتمر التاسع عشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية
الذي صدر في القاهرة، في الرابع من آب 1990.وانطلاقاً من أحكام ميثاق الجامعة
العربية، وبشكل خاص الفقرة الرابعة من المادة الثانية، والمادتين 25 و 51 ،
وإدراكاً للمسؤولية التاريخية الجسيمة التي تمليها الظروف الصعبة الناجمة عن
الاجتياح العراقي للكويت، وانعكاساته الخطيرة أوهام على الوطن العربي والأمن القومي العربي ومصالح الأمة العربية
العليا يقرر:
1ـ تأكيد
قرار مجلس جامعة الدول العربية الصادر في 3 آب 990 ، وبيان منظمة المؤتمر الإسلامي
في 4 آب 990.
2ـ تأكيد
الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي رقم 660 بتاريخ 2 آب 990 و 661 بتاريخ 6 آب 990 ، ورقم 662 بتاريخ 9 آب 1990،
بوصفها تعبيراً عن الشرعية الدولية.
3ـ إدانة
العدوان العراقي على الكويت الشقيقة، وعدم الاعتراف بقرار العراق ضم الكويت إليه،
ولا بأي نتائج أخرى مترتبة على غزو القوات العراقية للأراضي الكويتية، ومطالبة
العراق بسحب قواته منها فوراً، وإعادتها إلى مواقعها السابقة على تاريخ 1 آب 1990.
4 ـ تأكيد
سيادة واستقلال الكويت وسلامته الإقليمية باعتباره دولة عضو في الجامعة العربية،
وفي الأمم المتحدة، والتمسك بعودة نظام الحكم الشرعي الذي كان قائماً في الكويت
قبل الغزو العراقي، وتأييده في كل ما يتخذه من إجراءات لتحرير أرضه ، وتحقيق
سيادته.
5 ـ شجب
التهديدات العراقية، واستنكار حشد القوات العراقية على حدود المملكة العربية
السعودية، وتأكيد التضامن العربي معها ومع دول الخليج العربي الأخرى عملاً بحق
الدفاع الشرعي وفقاً لأحكام المادة الثانية من معاهدة الدفاع المشترك، والتعاون
الاقتصادي بين الدول العربية، والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ولقرار مجلس
الأمن رقم 661 في 6 آب 1990 على أن يتم وقف هذه الإجراءات فور الانسحاب الكامل
للقوات العراقية من الكويت وعودة الشرعية.
6 ـ
الاستجابة لطلب المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى لنقل قوات
عربية لمساعدة قواتها المسلحة، دفاعاً عن أراضيها
وسلامتها الإقليمية، ضد أي عدوان خارجي.
7 ـ تكليف
الأمين العام لجامعة الدول العربية بمتابعة تنفيذ هذا القرار، ورفع تقرير عنه خلال
15 يوماً إلى مجلس الجامعة لاتخاذ ما يراه في هذا الشأن.
. أحدث مشروع القرار هذا
هيجاناً للوفد العراقي الذي صار يسأل أمين عام الجامعة العربية عن مصدر هذا
المشروع، وكيف تم وضعه، وكيف تسنى وضعه دون مشاركة الوفود المشاركة في المؤتمر.
وكان ردّ الأمين العام بأنه لم يكن المسؤول عن
وضع ترتيبات المؤتمر، وقد ردّ طارق عزيز مطالباً بإجراء تحقيق رسمي حول الموضوع،
لكن الأمين العام أجابه بأن الأمر ليس في يده ، وأن من الأفضل أن تتفاهم الوفود مع
بعضها، دون توريط الأمانة العامة للجامعة في ما لا تملك سلطة عليه.
لكن الرئيس مبارك أسرع للإعلان عن بداية جلسة المؤتمر، رغم كل الاعتراضات،
وبدأ بإلقاء كلمة الافتتاح، وتحدث عن انعكاسات الغزو العراقي للكويت واصفاً إياه
بالخطب الجلل، الذي لم تشهد له الأمة العربية مثيلاً من قبل، وقال محذراً :
{إن الواجب يقتضي أن نتحرك في إطار عالم اليوم،
ونتحدث بلغته}
وكان بذلك يشير إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة قد أصبحت تحكم العالم ،
تحت مظلة نظام عالمي جديد !!. وبعد انتهاء مبارك من إلقاء خطابه أنفض الاجتماع ،
على أن يعقد مرة أخرى، بعد صلاة الجمعة
وتناول الغداء واخذ قسط من الراحة، وعاد المجتمعون في الساعة الرابعة
والنصف عصراً. كان الجو عاصفاً خلال الاجتماع، ووقعت مشادة حادة وعراك بين الوفدين
العراقي والكويتي، أصيب على أثرها وزير الخارجية الكويتية صباح الأحمد الصباح ونقل
إلى المستشفى.
واعلن طه ياسين رمضان أن حكومة الكويت قد تآمرت
مع الولايات المتحدة على العراق، وان الولايات المتحدة كانت تنوي إنزال قواتها في
الكويت للاعتداء على العراق. ورد عليه الشيخ سعد نافياً الإدعاء العراقي، وذكر بان
الكويت كانت قد أبدت استعدادها للتنازل عن ديونها على العراق، والبالغة 30 بليون
دولار، ولكن دون إعلان رسمي، وأن الكويت اعتذرت عن تأجير جزيرتي بوربا وبوبيان،
زمن الحرب العراقية الإيرانية لكي لا تُتهم الكويت بالتعاون مع العراق ضد إيران،
ونهض حسني مبارك لينهي النقاش بطلب إقرار مشروع القرار الذي وضعته أمريكا
قائلاً:{إن لدينا قرارا وزعناه في الصباح، وسوف أطرحه الآن للتصويت}.
ورغم اعتراض العديد من الوفود أصرّ مبارك على التصويت على القرار، طالبا من
الوفود الموافقين على مشروع القرار رفع الأيدي، وأخذ يعدّ الموافقين، وقد بلغ
عددهم 11 عضواً، ورفضه كل من العراق وليبيا، فيما تحفظت عليه كل من السودان
وفلسطين وموريتانيا، وامتنعت عن التصويت كل من الجزائر واليمن والأردن.
وسارع مبارك إلى إعلان موافقة الأغلبية على القرار، ورفع الجلسة وسط هياج
واحتجاج العديد من الوفود.
كان طبيعياً أن الولايات المتحدة أرادت أن يصدر القرار بأي شكل من الأشكال،
ولو أدى ذلك حتى إلى انهيار الجامعة العربية، فقد كان القرار غير دستوري، بموجب
ميثاق الجامعة الذي ينص على الإجماع، وأدى ذلك إلى وقوع انقسام خطير في صفوف الأمة
العربية.
و هكذا أفتتح قرار القمة العربية الطريق أمام الولايات المتحدة لتنفيذ الخطة
المسماة [2000ـ90] تحت غطاء الشرعية العربية، وأخذت الولايات المتحدة تجمع إلى
صفها بقية الدول الأوروبية وغيرها من الدول الأخرى، وأقنعت الاتحاد السوفييتي
بتأييد إجراءاتها، ولم يبقَ أمامها سوى إنجاز التحشد المطلوب أصبحت الحرب مسألة
وقت لا أكثر.
أما الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسكرتيرها
العام، فلم يكن لهما أي دور فاعل في الأزمة، وغدا مجلس الأمن أداة طيعة بيد
الولايات المتحدة، وبدأت تتوالى القرارات ضد العراق كما أرادها بوش، وأخذت القوات
بالتجمع في الأراضي السعودية استعداداً لليوم الموعود لشن الحرب على العراق وتدمير
قواته وأسلحته.
لم يقدر النظام العراقي الأمور تقديراً صائباً، وأوقع نفسه بأخطاء جسيمة، وجره
تعنته إلى نقطة اللا عودة، فقد استهان صدام
بالتطورات التي حدثت على المستوى العالمي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي،
وبداية تفكك الاتحاد السوفيتي، وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم
دون منازع . لقد أخذ صدام الغرور من تعداد جيشه وأسلحته التقليدية منها، وأسلحة
الدمار الشامل الكيماوية والبيولوجية والجرثومية، وصواريخه بعيدة المدى، إضافة إلى
سعيه الحثيث لامتلاك القنبلة النووية.
لقد ظن صدام نفسه قادرا على منازلة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الذين
لهم مصالح كبرى في الخليج تجعلهم على استعداد لعمل كل شيء من أجل الحفاظ عليها،
حتى لو أدت إلى حرب ذرية، ووصل الأمر بصدام أن يقف أمام عدسات التلفزيون يستهزئ
بقوة الولايات المتحدة وتكنلوجيتها العسكرية قائلاً: { إن طائرة الشبح التي
يهددوننا بها لا تخيفنا، وإن بإمكان راعي الغنم أن يسقطها ببندقية البرنو!، وأضاف
قائلاً إنني واثق كل الثقة بأننا سننتصر
إذا ما قامت الحرب، وإننا سوف نهزم الجيوش الأمريكية وجيوش حلفائها، ونعيد جنودهم
إلى بلادهم بالأكفان !}.
بهذه العقلية كان يفكر صدام حسين، وقد جعل من نفسه القائد الضرورة الذي لم
تنجب الأمة العربية قائداً مثله من قبل.
لقد بلغ به الغرور حداً جعله يفاجئ حتى اقرب أصدقاء العراق في غزوه الكويت،
فقد كان من المفروض أن يجري مشاورات مع الاتحاد السوفيتي، الذي تربطه به معاهدة
صداقة وتعاون إستراتيجي حول خططه لغزو الكويت، ويقف على حقيقة موقفه من مغامرته
تلك، فلا ُيعقل أن ُيقدم بلد صغير كالعراق على تحدي الغرب، دون أن يكون له سند
كالاتحاد السوفيتي، وهكذا فوجئ صدام بأن الاتحاد السوفيتي يقف ضد مغامرته ولا
يؤيده فيها، بل يطالبه بالانسحاب الفوري من الكويت ويؤيد كل القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ضد
العراق.
وبدلاً من أن يعيد صدام حساباته، ويتدارك الأمور قبل فوات الأوان فإننا نجده
يصعّد الأزمة أكثر فأكثر، فقد أعلن عن مطالب جديدة بربط مسألة احتلال الكويت
بمشاكل الشرق الأوسط طالباً انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، وانسحاب
الجيش السوري من لبنان، وذهب إلى أبعد من ذلك فطالب بتوزيع الثروة النفطية على
الدول العربية الفقيرة، وكانت تلك كلمة حق
أراد بها باطل، فلو كان صدام يهتم بمصالح الشعوب العربية إلى هذا الحد فقد
كان الأولى به أن يهتم بمصالح شعبه أولاً وقبل كل شيء، لكنه بدلاً من أن ينهض
بمستوى معيشة شعبه زجه في حرب دموية لا مبرر لها، ولا مصلحة له فيها ضد إيران دامت
8 سنوات، وأغرق العراق وشعبه بالدماء، وخرج العراق منها وهو مثقل بالديون، وقد فقد
كل مدخراته، وأصيب اقتصاده بالانهيار التام وبدلاً من أن يحاول صدام إصلاح أوضاع
العراق الاقتصادية عن طريق نبذ الحروب وسياسة التسلح، وتبديد ثروات البلاد، فإنه
لجأ إلى غزو الكويت، وأوقع العراق بمأزق جديد يفوق بمئات المرات المأزق الإيراني،
ولم يحسب أي حساب لما يمكن أن تؤدي مغامرته هذه بالعراق من مآسي وويلات.
لقد كان التساؤل على أفواه الجميع :
كيف يجرأ صدام حسين على تحدي الولايات المتحدة ويخوض معركة خاسرة سلفاً ضدها؟
لقد كان الناس في تلك الأيام يتساءلون عن سر موقف صدام، وكان في تقديرهم
أمران، فأما أن يكون قد أصاب صدام مَسّ من الجنون جعله يقنع نفسه بقدرته على دحر
الجيوش الغربية أو كانت لديه القناعة بأن الولايات المتحدة التي سهلت له الأمر
للإقدام على مغامرته حين التقى بسفيرتها [ أيريل كلاسبي ] قد أعطته الضوء الأخضر
لاحتلال الكويت تعويضاً لخسائره في حربه مع إيران نيابة عنها، وأن ما تفعله من
استعدادات حربية ما هو إلا زوبعة في فنجان لا تلبث أن تضمحل وتزول، وليست فخاً
نصبته له الولايات المتحدة لتوقع العراق فيه من أجل توجيه الضربة القاضية له،
وتحطيم قدراته العسكرية والاقتصادية وتعيد العراق إلى الوراء عشرات السنين. وعندما
أدرك صدام في نهاية الأمر أن التحشيدات
الأمريكية والحليفة في السعودية لا يمكن أن تكون لمجرد التهديد، أو لذر الرماد في
العيون والسكوت عن احتلال الكويت حاول أن يقدم التطمينات للولايات المتحدة لعله
يثنيها عن القيام بالهجوم على العراق، وتعهد للقائم بالأعمال الأمريكي في بغداد
بأن العراق لا ينوي مطلقاً التعرض للمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة، وبشكل
خاص مصالحها النفطية، وأنه ليس له أطماع في السعودية ولا أي بلد خليجي، وأن احتلال
الكويت يتعلق بمسألة تاريخية تؤكد أن الكويت جزء لا يتجزأ من العراق، وأبدى
صدام للقائم بالأعمال الأمريكي عن
استعداده لإقامة علاقات طيبة مع الولايات المتحدة، ورجاه أن ينقل كل ما دار في
اللقاء إلى الرئيس بوش بصورة مباشرة، ووعده القائم بالأعمال بأن يفعل ذلك. وقد
طالبه القائم بالأعمال بأن يسمح للرعايا الغربيين بمغادرة العراق، حيث سبق لصدام
أن أحتجزهم في العراق كرهائن ليمنع الولايات المتحدة وحلفائها من ضرب العراق، وقد
أبلغه صدام انه يعتبرهم ضيوف على العراق
ولا خطر عليهم . انتهى الاجتماع بعد ذلك، وانتظر صدام حسين أي إشارة من
الجانب الأمريكي، لكنه كان يحاول عبثاً، فقد كانت التحركات الأمريكية تجري بأسرع
ما يكون لإكمال التحشد استعداداً للهجوم على العراق، ولم يكن الرئيس بوش على
استعداد لفتح أي قناة اتصال مع صدام حسين وإجراء أي نقاش معه، حتى ولو قرر العراق
الانسحاب حقاً، فقد كانت الخطة قد تقرر تنفيذها مهما كانت الظروف لكي تنهي
الولايات المتحدة التهديد العراقي لمصالحها في الخليج لسنين طويلة. لقد حاول صدام
في آخر المطاف، وبعد أن أدرك أن الحرب باتت وشيكة، أن يوصل إشارات للولايات
المتحدة عن نيته للتراجع، ونقل إلى ياسر عرفات أفكاراً جديدة لكي يوصلها بدوره، عن
طريق وسيط آخر مقرب من مراكز السلطة في الولايات المتحدة، وتضمنت تلك الأفكارما
يلي :
1 ـ موافقة
العراق على الانسحاب من الكويت.
2 ـ موافقة
العراق على عودة أسرة الصباح إلى الحكم .
3 ـ تواجد
عراقي في جزيرة بوبيان، وعودة منطقة الرميلة الجنوبية للسيادة العراقية.
4 ـ تنازل
الكويت عن الديون المستحقة على العراق.
5 ـ دخول
قوات عربية بصورة مؤقتة إلى الكويت لحين عودة أسرة الصباح إلى الحكم، وترتيب
الأوضاع الأمنية في البلاد. لكن محاولات
النظام العراقي ذهبت أدراج الرياح، فقد كان الأمر بالنسبة للولايات المتحدة أن
صدام قد دخل المصيدة ولا يمكن أن تطلقه من
جديد.
لقد كان هَمْ الولايات المتحدة تأمين الحشد الكافي بأسرع وقت ممكن لضمان عدم
تعرض السعودية لخطر هجوم عراقي، ولذلك فلم تتحدث في بادئ الأمر عن التصدي للعراق،
بل ادعت بأنها جاءت بقواتها لحماية السعودية ودول الخليج الأخرى، وعندما أصبح
لديها من القوة ما تستطيع حماية السعودية، أعلنت عن توجهاتها الحقيقية بأنها لن
ترضَ فقط بسحب العراق لقواته من الكويت أو طردها بالقوة، بل زادت على ذلك بأنها
تريد نزع أسلحة العراق ذات الدمار الشامل، وفي حقيقة الأمر، وكما أثبتته الأحداث
فيما بعد أنها كانت ترمي إلى أبعد من ذلك بكثير، إنها كانت قد صممت على تحطيم
البنية الاقتصادية للعراق تحطيماً شاملاً، وإعادة العراق إلى ما قبل الثورة
الصناعية، كما قال جيمس بيكر، وزير خارجيتها لطارق عزيز في لقاء [ جنيف] قبيل نشوب
الحرب بأيام . استمرت الولايات المتحدة وحلفائها بتحشيد القوات العسكرية، وكان
النظام العراقي يرد على ذلك التحشيد بتحشيد المزيد من قواته حتى جاوزت النصف مليون
عسكري، معززين بآلاف الدبابات والمدفعية والصواريخ، وكان الشعب العراقي يضع يده
على قلبه، وهو في أقصى حالات القلق لما يمكن أن يحل به وبالوطن نتيجة تهور وغرور
دكتاتور أهوج. لقد تم إحكام طوق الحصار
على العراق، وقُطعت السبل أمام نفطه، وتوقفت أنابيب النفط عن الجريان، أخذت السفن
الحربية الأمريكية والحليفة تجوب مياه الخليج، وتوقف السفن المتوجهة إلى العراق،
والقادمة من موانئه وتفتشها وتصادر حمولتها، وكان النظام العراقي يعتقد بأن ليس
بإمكان الولايات المتحدة منع العراق من بيع نفطه ونفط الكويت لما يمكن أن يسببه
المنع من نقص في الأسواق العالمية. ويؤدي بالتالي إلى ارتفاع كبير في الأسعار.
وبالفعل فقد ارتفعت الأسعار من 13 دولار إلى ما يقرب 40 دولاراً.
لكن الولايات المتحدة سارعت للتدخل، وطرحت من
خزينها الإستراتيجي كميات كبيرة من النفط، كما أوعزت إلى أصدقائها من الدول
المنتجة للنفط، وعلى رأسها السعودية ودول
الخليج إلى رفع معدلات الإنتاج، وعدم التقيد بحصص الإنتاج، وبدأ الإنتاج يتصاعد
لدى معظم دول الأوبك التي كانت تواقة لزيادة إنتاجها متجاوزة حصص الإنتاج التي
كانت قد أقرتها منظمة الأوبك، وهكذا عادت الأسعار إلى الهبوط من جديد.
وفي الوقت الذي حُصر النفط العراقي والكويتي، وتوقفت موارد العراق النفطية،
كانت الأرصدة العراقية في المصارف الأجنبية قد جُمدت، مما أوقع النظام العراقي في
حيرة كبرى لا يعرف كيف يخرج منها، وكل ما فعله هو لجوئه إلى التصعيد مرة أخرى، حيث
أعلن النظام أن الرعايا الأجانب سوف يحجزون في كافة المرافق الاقتصادية والعسكرية
كرهائن لمنع أي هجوم تشنه الطائرات الأمريكية والحليفة.
وقد أثار قرار النظام غضب واستنكار عالمي واسع على زج المدنيين في مخاطر
الحرب.
وعلى الفور بادرت الولايات المتحدة إلى تقديم
مشروع قرار إلى مجلس الأمن تحت رقم 664 ، في 18 آب 1990 ، والذي اقره المجلس، وقد عبر
القرار عن قلق المجتمع الدولي من حجز الرعايا الأجانب، وطالب العراق بأن يؤمن
مغادرتهم العراق على الفور، وحمل العراق مسؤولية أي ضرر يمس سلامتهم وصحتهم. وكان
النظام العراقي قد أخلى كافة فنادق الدرجة الأولى في بغداد وحجز الرعايا الأجانب
فيها .
|
|
|
||
|
الفصل (14) |