حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل الرابع عشر
43 ـ العراق
بعد حرب الخليج الأولى
44 ـ صدام
يوجه سهامه نحو الكويت
45 ـ صدام
يغزو الكويت
{43}
العراق بعد حرب الخليج الأولى
جيش جرار، واقتصاد منهار
خرج العراق من حربه مع إيران وهو يمتلك جيشاً جراراً، وترسانة هائلة من أسلحة
الدمار الشامل، والأسلحة التقليدية،
ومصانع حربية متطورة، لكنه يعاني من اقتصاد منهار، ومثقل بالديون، فقد
استنفذت تلك الحرب المجنونة مدخرات العراق من العملة النادرة والذهب، بالإضافة إلى
كل موارده النفطية خلال سنوات الحرب.
وفوق كل ذلك خرج العراق بديون كبيرة جداً للكويت
والسعودية وفرنسا والاتحاد السوفيتي السابق، والبرازيل، والعديد من الدول الأخرى،
وقد جاوزت الديون 90 مليار دولار، وصار العراق ملزماً بدفع فوائد باهضة لقسم من
ديونه بلغت حدود 30 % ، مما جعل تلك الفوائد تتجاوز 7مليارات دولار سنوياً.
لقد أثقلت الديون كاهل الاقتصاد العراقي، وتوقفت معظم مشاريع التنمية، هذا
بالإضافة إلى ما يتطلبه تعمير ما خربته الحرب من أموال وجهود، فقد جاء في تقرير
أمريكي عن وضع العراق الاقتصادي ما يلي: {إن الوضع الاقتصادي في العراق لا يبشر
بخير، دخله وصل إلى 25 مليار دولار، في عام1988، ولكن صورة الاقتصاد العراقي خلال
السبعينيات قد تلاشت وحل محلها وضع اقتصادي مظلم، وخراب واسع في أنحاء البلاد، وفي
ظل الحكومة الحاضرة وسياستها الاقتصادية فإن الاقتصاد يتحول من سيئ إلى أسوأ، وإن
ذلك يمهد لسياسة عراقية متهورة في محاولة للخروج من المأزق الاقتصادي الذي يمر
به}.
لقد أصبح العراق بعد حربه مع إيران يملك القوة، ولكنه في الوقت نفسه يعاني من
اقتصاد متدهور وديون تثقل كاهله، وجواره بلدان عربية ضعيفة عسكرياً لكنها غنية
جداً تغري ثرواتها أصحاب القوة، وخاصة بالنسبة إلى بلد مثل العراق، الذي يحكمه
نظام دكتاتوري يقوده رجل متهور كصدام حسين
هذا الرجل الذي أصابه غرور لا حدّ له، و يفتقد إلى المال لسداد ديونه،
وتعمير ما خربته الحرب بالإضافة إلى ما يتطلبه لإدامة جيشه ومواصلة تسلحه، ناهيك
عن مشاريع التنمية التي تحتاجها البلاد، والتي توقفت خلال سنوات الحرب، وهكذا بدأ
صدام حسين يتطلع نحو الخليج وفي المقدمة دولة الكويت، وفي ذهنه تحقيق هدفين :
الهدف الأول:
الاستحواذ على موارد الكويت النفطية ومدخراتها لتعويض خسائره جراء حربه ضد
إيران من أجل إعادة بناء ما خربته الحرب من جهة وتدوير العجلة الاقتصادية المنهكة
من جهة أخرى.
الهدف الثاني:
إيجاد منفذ عراقي واسع للعراق على الخليج لتمكينه من تسويق نفطه بسهولة ويسر،
وتوسيع مجال التجارة مع مختلف بلدان العالم عن طريق المرافئ الكويتية.
كانت الولايات المتحدة وإسرائيل يراقبان عن كثب تسلح العراق، وخاصة في مجال
الصواريخ البعيدة المدى ، والأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية، ومحاولات
نظامه المتسارعة لتطوير قدراته النووية، بغية الوصول إلى إنتاج السلاح النووي، كل
هذا أثار حفيظة الولايات المتحدة ، وإسرائيل ، وبدأت الشكوك تتصاعد حول مستقبل
القوة العراقية ، ثم سرعان ما تحولت الشكوك إلى حقيقة واقعة ، على الرغم من
محاولات صدام حسين المحمومة لتحسين صورته إمام الولايات المتحدة الأمريكية .
ففي 11 شباط 1990 قام [جون كيللي ] مساعد وزير الخارجية الأمريكية بزيارة إلى
بغداد وأجرى مباحثات مع صدام حسين حول العلاقات العراقية الأمريكية، وقد أثار صدام
حسين قضية الحملة الإعلامية التي تشنها الصحافة الأمريكية ضد نظامه، وحاول جون
كيللي التخفيف من آثار تلك الحملة، مدعياً أن الصحافة تمثل وجهة نظرها، وهي حرة في
الكتابة والتعبير، وهي ليست بالضرورة تعبر عن السياسة الرسمية للولايات المتحدة.
وفي 15 شباط صدر تقرير عن لجنه حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة يتهم
النظام العراقي بالقيام بممارسات منافية لحقوق الإنسان من تعذيب وقتل وإعدام،
وقامت إذاعة صوت أمريكا بإذاعة التقرير، ثم أعقبته بتعليق يمثل وجهة النظر الرسمية
للحكومة الأمريكية، وقد أحتوى التعليق على هجوم شديد على سلوك وتصرفات الحكومة
العراقية.
وفي 21 شباط 1990 نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً عن حقوق الإنسان في
العراق يتألف من 12 صفحة، وصفت فيه حكام
العراق بكونهم أسوأ مُنتهك لحقوق الإنسان، وممارسة التعذيب والقتل دون محاكمة، أو
إجراء محاكمات سريعة لا تتيح للإنسان الدفاع عن نفسه، وبدا وكأن الولايات المتحدة
قد اكتشفت لتوها جرائم النظام الصدامي التي مارسها بحق الشعب العراقي منذُ تسلطه على الحكم في
البلاد عام 1968، والتي راح ضحيتها مئات الألوف من المواطنين الأبرياء، وسكتت عن
حملة الأنفال الفاشية ضد الشعب الكردي وقتل سكان مدينة حلبجة عن بكرة أبيهم
بالسلاح الكيماوي، فلم تكن كل تلك الجرائم تحرك ضمير حكام الولايات المتحدة، طالما لا تؤثر على
المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وفي 9 آذار تصاعدت الحملات ضد النظام العراقي على أثر إقدام النظام على اعتقال
الصحفي البريطاني [فازاد باز وفت] مراسل صحيفة الابزورفر البريطانية بتهمة التجسس، حيث اتهمته بالقيام بزيارات
لمنطقة عسكرية تضم مجمعاً لإنتاج الصواريخ وأحالته إلى[ محكمة الثورة] التي أصدرت
عليه حكماً بالإعدام، ونفذت به الحكم رغم
جميع المحاولات التي قامت بها بريطانيا وحلفائها الغربيين لإنقاذ حياته.
وفي 18 آذار أعلنت الحكومة البريطانية أنها عثرت على شحنات من أجهزة [المتسعات
] التي تستخدم في التفجيرات النووية كانت في طريقها إلى العراق وتمت مصادرتها.
وفي نفس اليوم وقف صدام حسين في اجتماع عام
أمام عدسات التلفزيون وبيده مجموعة من المتسعات وهو يتحدث قائلاًً: {هذه هي المتسعات التي يتحدث عنها
الإنكليز؟ لقد صنعها أبنائنا النشامى في هيئة التصنيع العسكري}. وفي 29 آذار من
نفس العام ، أعلنت بريطانيا أنها عثرت على قطعة من مواسير المدفع العملاق في
طريقها إلى العراق وصادرته.
وفي 30 آذار 1990 أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أن إسرائيل لابد أن توجه
ضربة وقائية للعراق، في أي وقت تشعر فيه بأنه قد أصبح خطر عليها، ثم أعقبه رئيس
الوزراء شامير بالقول بأن إسرائيل ستوجه ضربة للعراق إذا أحست انه في
طريقه لإنتاج قنبلة نووية.
في 1 نيسان رد صدام حسين على التهديدات الإسرائيلية قائلاً:
{ إن العراق سوف يرد على إسرائيل إذا ما تجرأت
على استخدام السلاح النووي ضد العراق ،
ويحرق نصف إسرائيل بالكيماوي المزدوج}.
وفي 14 نيسان وقف رئيس وزراء إسرائيل شامير يهدد ويعلن بأن إسرائيل تحتفظ
لنفسها بحرية العمل لتدمير قواعد الصواريخ العراقية.
وفي 18 نيسان رد صدام حسين في مقابلة له مع وفد عربي من اتحاد نقابات العمال
قائلاً:
{ إن أي هجوم
من قبل إسرائيل على العراق سيواجه بحرب شاملة لن تتوقف إلا بتحرير كامل الأرض
العربية} .
وفي 21 نيسان أعلن العراق أن طائرة
استطلاع أمريكية، وطائرات الأواكس قد حلقت في سماء العراق.
وهكذا بدأت الحرب الكلامية تتصاعد بين النظام العراقي من جهة وإسرائيل والولايات
المتحدة من جهة أخرى، حتى بدا وكأن الحرب على وشك الوقوع في الشرق الأوسط بين العراق وإسرائيل.
وكان صدام حسين ينتهز كل فرصة للتحدث عن قوته
وسطوته وأسلحته، واستعداداته الحربية ويهدد بضرب إسرائيل بالكيماوي المزدوج،
ويتفاخر باستطاعة هيئة التصنيع العسكر إنتاج المتسعات في الوقت الذي كان نظامه
يعاني من أزمة اقتصادية حادة لا يعرف كيف يخرج منها.
في خضم تصاعد الأزمة بين العراق والولايات المتحدة وإسرائيل، وتصاعد لهجة
التهديدات من كلا الطرفين، جرت الدعوة من قبل العراق وبعض الدول العربية لعقد
مؤتمر للقمة العربية في بغداد لدراسة الأوضاع العربية والتهديدات الإسرائيلية بضرب
العراق، وتدهور العلاقات العراقية الأمريكية. وقد تمت الموافقة على عقد المؤتمر،
وحُدد له يوم 28 أيار 1990.
سبق عقد المؤتمر اجتماع وزراء الخارجية العرب لإعداد جدول مباحثات القمة، وفي
أثناء الاجتماع حدثت خلافات حادة بين وزير الخارجية العراقية من جهة ووزيرا خارجية مصر والسعودية من جهة أخرى حينما قدم
العراق مشروع قرار يدين الولايات المتحدة، ويتهمها بتهديد العراق ودعمها لإسرائيل.
فقد أعترض الوزيران على ذكر الولايات المتحدة، ولم يتوصل المجتمعون إلى صيغة
قرار بشأن الموضوع، وتقرر عرض الموضوع على الملوك والرؤساء للبت فيه.
وانعقد المؤتمر في موعده المقرر في بغداد، وكان جو المؤتمر كئيباً جداً، حيث
بدأ صدام حسين خطابه الافتتاحي بمهاجمة الولايات المتحدة مما سبب إحراجاً وقلقاً
كبيراً لدى العديد من الملوك والرؤساء العرب كمصر والسعودية وحكام الخليج الذين
يحرصون على عدم إغضاب الولايات المتحدة، فقد جاء في خطاب صدام حسين قوله :
{ إن الأمة
العربية كلها مستهدفة، والعراق أول المستهدفين، فهو الآن في مواجهة مؤامرة
أمريكية عسكرية واقتصادية، وحصار تكنولوجي
وإعلامي، ويتحتم على الأمة العربية أن تتصرف على اعتبار أنها كلها حالة واحدة، لأن
الأعداء يعاملونه كحالة واحدة حتى وإن استعملوا البعض منا أحياناً ضد البعض الآخر،
فنحن جميعاً على فوهة بركان، ولا يتصور أحد أن بمقدوره أن يجري بسرعة ليبتعد عن
مركز الانفجار أو مجرى الحمم}.
شعر الملوك والرؤساء العرب بضيق شديد، وتمنى معظمهم لو أنهم لم يحضروا
المؤتمر، وأخذوا يعدون الدقائق لانتهائه، والعودة إلى بلادهم، فقد كان صدام حسين
يتحدث إليهم والشرر تتطاير من عينيه، وهو يوجه
عتاباً مراً لهم على تقصيرهم في
تقديم العون للدول الشقيقة، وخاصة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو في واقع الأمر
يعني عدم المبادرة إلى انتشال العراق من وضعه الاقتصادي الصعب بعد الحرب.
أشتعل جو المؤتمر، وأحس الحاضرون أن كابوساً قد سقط فوق رؤوسهم، وأرادوا إنهاء
المؤتمر ومغادرة بغداد، وفي النهاية وقع
المجتمعون في 30 أيار على مقررات المؤتمر دون اعتراض، فقد كانت تصرفات صدام حسين
قد أثارت المخاوف في نفوسهم، وكان أكثر مَنْ أغاظ صدام هو أمير الكويت الذي اشتكاه لدى الملك فهد قائلاً:
{ إن
الكويتيين يضاربون على الدينار العراقي لخفض سعره، ويخربون أسعار النفط بتجاوزهم
حصص الإنتاج مما يضر كثيراً جداً بمصالح العراق الاقتصادية }، وقد أقترح الملك فهد
عقد قمة مصغرة تضم العراق والكويت والسعودية والإمارات للعمل على التوصل لحل حاسم
وعادل لقضية الحصص والأسعار.
وعند مغادرة الشيخ جابر الصباح أمير الكويت، وكان برفقته إلى المطار صدام حسين
جرى بين الاثنين حديث عن العلاقات الكويتية العراقية ومسألة الديون البالغة 30
مليار دولار حيث طالبه صدام حسين بالتنازل عنها. وقد رد الأميرعليه قائلاً:
{أن الكويت
لم تطالبكم بالديون}.
إلا أن صدام حسين رد عليه طالباً منه التنازل عن
الديون بصورة رسمية. حاول الأمير التخلص من إلحاح صدام قائلاً له:
{ إن تنازل
الكويت بصورة رسمية سوف يجعل الآخرين يطالبوننا بنفس الشيء، هذا بالإضافة إلى أن
التنازل الرسمي عن ديوننا، سيجعل ديونكم أقل لدى صندوق النقد الدولي، ويجعل
الدائنين يطالبونكم بديونهم}.
لكن صدام لم يقتنع بكلام الأمير، فقد كان يدور في ذهنه مخطط كبير لغزو الكويت
، والتخلص من ديونه، والاستيلاء على ثرواته ونفطه، للتعويض عن خسائره في الحرب مع
إيران، بالإضافة إلى الحصول على منفذ واسع للعراق على الخليج كما سنرى فيما بعد.
في عام 1982 توفي شقيقي الأكبر عبد الهادي عن 62 عاماً بعد صراع مرير مع المرض
استمر لعدة سنوات بدءً بمرض السكر، وانتهاءً بمرض السرطان ، وكانت وفاته تمثل لنا
خسارة كبرى ولاسيما وأنه كان بمنزلة الوالد بالنسبة لنا وللعائلة كافة.
{44}
صدام يوجه سهامه نحو الكويت
في خضم الأحداث والتهديدات المتقابلة بين العراق من جهة وإسرائيل والولايات
المتحدة من جهة أخرى، وتوجه أنظار العالم أجمع إلى ما يمكن أن تتمخض عنه تلك
التهديدات، غيّر صدام على حين غرة اتجاه هجومه نحو الكويت، فقد أعلن في 3 أيار
1990 أن الكويت تقوم بدور كبير في تخريب أسعار النفط حتى وصل سعر البرميل إلى أدنى
مستوى له منذُ عام 1972، وبلغ 11 دولار، وإن هذا العمل يضر بمصالح العراق الذي خرج من حرب دامت 8 سنوات دفاعاً عن
البوابة الشرقية للوطن العربي وحماية أمن الخليج !!، وقد سببت الحرب للعراق أزمة اقتصاد
حادة، وذكّر حكام الكويت بأن هبوط دولار واحد من أسعار النفط يسبب للعراق خسارة
تتجاوز المليار دولار، وإن العراق لا يمكنه السكوت على هذه الحال .
وفي شهر تموز من عام1990عاد صدام حسين مرة أخرى إلى علاقته مع الكويت، ومسألة التزام
حكومتها بحصص الإنتاج المقررة من قبل منظمة الأوبك والمحافظة على مستوى الأسعار،
التي أخذت تنحدر شهراً بعد شهر، ولم تخفي الحكومة الكويتية وحكومة الإمارات
العربية المتحدة أنهما قد زادا من إنتاجيهما تجاوزاً على الحصص المقررة مما أثار
غضب العراق. لقد بدا من تصرفات الكويت والإمارات، أن هناك أمراً يدبر في الخفاء،
لا من قبل هاتين الدولتين، وإنما من جهة كبرى، وهي بالتأكيد الولايات المتحدة،
التي رأت في التضييق على العراق اقتصاديا خير سبيل لكسر شوكته، فليس من المعقول أن
تتحدى دويلتان صغيرتان كالكويت والإمارات العراق الذي يملك أقوى وأكبر جيش في
الشرق الأوسط إذا لم يكن بدفع من الولايات المتحدة.
لقد وصل الأمر بوزير النفط الكويتي [ على خليفة الصباح ] أن تحدى العراق
علناً، في مؤتمر الأوبك قائلاً بان الكويت لا تنوي الالتزام بحصتها المقررة من
الإنتاج، وهي مليون وسبعة وثلاثين ألف برميل يومياً، وتصر على إنتاج مليونين
وثلاثمائة وخمسون ألف برميل.
وفي الوقت الذي كانت فيه حكومة الكويت تزيد من إنتاجها النفطي فأنها كانت تجني
الأرباح الطائلة من استثماراتها في الخارج، وتعوض فرق أسعار النفط، حيث أن نصف دخل
الكويت يأتي من تلك الاستثمارات.
وهكذا أخذت الأزمة بين العراق والكويت تتصاعد حدتها يوماً بعد يوم، وكانت
الولايات المتحدة تدفع حكام الكويت على عدم الاستجابة لأي من مطالب العراق لكي
تعمق الأزمة وتوصلها إلى مرحلة الانفجار، وتدفع صدام حسين إلى عمل متهور ضد الكويت
لكي تتخذه ذريعة لتوجيه ضربة قاضية
للعراق، ولتدمر ترسانته الحربية وبنيته الاقتصادية، وتعود به إلى الوراء عشرات
السنين.
ونتيجة للتوتر الشديد الذي أصاب العلاقات العراقية الكويتية، بسبب عدم التزام
الكويت بحصص الإنتاج، وتدهور أسعار النفط في الأسواق العالمية، ورفض حكومة الكويت
التنازل رسمياً عن ديونها على العراق اختمرت في عقل صدام حسين
فكرة غزوها واحتلالها، وضمها للعراق.
كان على صدام حسين أن يهيئ الظروف للعدوان بأن يطمئن السعودية وبقية دول
الخليج بأنه لا يضمر لهم أي عدوان، وعلى ذلك قرر صدام أن يقوم بزيارة رسمية إلى
السعودية، بدعوى التباحث مع الملك فهد حول موضوع الالتزام بحصص الإنتاج، والعمل
على رفع أسعار النفط إلى ما كانت عليه سابقاً ثم لينتقل إلى الهدف الحقيقي من
زيارته ويعرض على الملك فهد عقد معاهدة عدم اعتداء بين العراق والسعودية، ولكي
يفهمه أنه لا يضمر شراً للسعودية.
فوجئ الملك فهد باقتراح صدام حسين وسأله إن كانت المعاهدة ضرورية فكان جواب
صدام أن أطراف عديدة تحاول تخريب العلاقة بين البلدين، وخاصة بعد أن خرج العراق من
حربه مع إيران منتصراً. وكان جواب الملك فهد بأنه وأن كان يرى أن علاقة الدم هي
أقوى من أي معاهدة فإنه على استعداد لعقد المعاهدة المقترحة.
كان واضحاً أن صدام حسين في تلك الأيام يخطط لمهاجمة الكويت، وأراد أن يستغل
المعاهدة المقترحة مع السعودية لكي يضمن حيادها. حيث أن الكويت عضو في مجلس
التعاون الخليجي، وبينها وبين دول المجلس معاهدة للدفاع المشترك، والسعودية أكبر
دول المجلس، ولذلك أراد أن يطمئنها بأنه ليس له أي أطماع في أراضيها، كما أراد
صدام حسين أن يطمئن الولايات المتحدة بصورة خاصة والغرب بوجه عام بأنه لا ينوي
الاعتداء على السعودية، التي تتسم بأهمية خاصة جداً بالنسبة للولايات المتحدة
والغرب.
بدأت العلاقات بين العراق والكويت تأخذ مجرى خطير جدا، فالكويت تصّر على
سياستها النفطية، وزيادة إنتاجها متخطية حصتها المقررة بموجب قرارات الأوبك،
والعراق يطالبها بالالتزام والعمل على رفع الأسعار، وكانت الولايات المتحدة تعمل
في الخفاء على إذكاء الصراع بين البلدين وإيصاله نحو الذروة لدفع صدام حسين إلى
المخاطرة باجتياح الكويت.
حاولت كل من السعودية والأردن التوسط بين الطرفين، لكن المحاولة لم تثمر، بل
على العكس ظهرت أشياء جديدة أخرى على سطح الأحداث، فقد أخذ صدام حسين يتحدث عن
حمايته لأمن الخليج بحربه مع إيران طيلة 8
سنوات !!، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء مئات الألوف من أبنائه، وردت الكويت
على دعاوى العراق بأنها قد ساعدت العراق حيث قدمت له بعد أسابيع من بداية الحرب
قرضاً بمبلغ 5 بلايين دولار، وأنها كانت تصدر لحساب العراق 125 ألف برميل من النفط
يومياً للإيفاء بالتزامات العراق المالية المتعاقد عليها مع الدول الأخرى لغرض
التسلح.
أما صدام حسين فقد رد على حكام الكويت قائلاً: [ إن الأموال هي أرخص تكاليف
الحرب، وإن القرض هو دين علينا أن نرده، وأن العراق خسر مئات البلابين، ومئات
الألوف من أرواح أبنائه دفاعاً عن الخليج] !!.
وردت حكومة الكويت بأنها هي أيضاً تعرضت لنيران
الحرب حيث جرى قصف منشآتها النفطية
وناقلاتها. وجاء الرد العراقي متهماً الكويت بأنها لم توافق على إعطائه
تسهيلات في جزيرتي[ بوربا ، وبوبيان] وأن الكويت لو فعلت ذلك لاستطاع العراق تحرير
الفاو منذ زمن طويل .
وردت حكومة الكويت بأنها لو أعطت تلك التسهيلات للعراق لتمسك بها ورفض الخروج منها، ولم يكد صدام حسين
يسمع الجواب حتى بادر إلى القول أن الجزيرتين عراقيتان.
وسارع حكام الكويت إلى الرد بأن النظام العراقي بدأ يكشف عن أطماعه في الكويت.
وهكذا تصاعدت لهجة حكام البلدين إلى درجة تنذر بعواقب وخيمة، فقد اتهم العراق
حكام الكويت باستغلال انشغال العراق في الحرب للزحف داخل الأراضي العراقية وتغير
الحدود.
كما جرى سرقة نفط حقل الرميلة الجنوبي، وأن الكويت باعت نفطاً من هذا الحقل ما
مقداره[ 2000 مليون دولار] .
وردت حكومة الكويت بأن العراق يرفض تثبيت الحدود بين البلدين وأن له أطماع في
الكويت، وأن ادعاء حكام العراق عن زحف مزعوم للحدود الكويتية تجاه العراق، وسرقة
نفط حقل الرميلة الجنوبي لا أساس له من الصحة.
وفي كانون الثاني 1990 ، توجه سعدون حمادي إلى الكويت، وأجرى مباحثات مع وزير الخارجية
صباح الأحمد الصباح وطلب من الحكومة الكويتية قرضاً بمقدار [10 بلايين دولار] وقد أجابه الشيخ صباح بأن الحكومة سوف تدرس
الموضوع، وترد على العراق فيما بعد.
وبعد شهر تقريباً من تلك الزيارة قام الشيخ صباح الأحمد بزيارة إلى بغداد
وأجرى لقاءات مع المسؤولين العراقيين، ولمح خلال الاجتماع إلى الديون الكويتية على
العراق، وأبلغهم أن الكويت تستطيع أن تقرض العراق [ 500 مليون دولار] فقط تضاف إلى
الديون السابقة، مما أثار غضب صدام حسين وجعله يصمم على غزو الكويت، وبدأ بتحريك
قواته نحو الحدود الكويتية.
ففي السادس عشر من شهر تموز 1990 كشفت المخابرات العسكرية الأمريكية عن تحرك
عراقي يضم 3 فرق عسكرية كاملة الاستعداد نحو الجنوب باتجاه البصرة والكويت، وهذه
الفرق هي [فرقة حمورابي ] و[فرقة المدينة
المنورة] و[فرقة توكلنا على الله] .
وعلى الفور أستدعى رئيس أركان الجيش الأمريكي [ كولن باول ] الجنرال [شور
تزكوف] قائد القيادة المركزية المخصصة للتدخل السريع في الشرق الأوسط حيث أكد له حقيقة ذلك الحشد العسكري. وفي 30
تموز كشف والتر لانج] مسؤول المخابرات العسكرية
في الشرق الأوسط، أن الحشد العسكري العراقي يبدو معداً للهجوم، وعلى أثر ذلك
التقرير عن التحركات العراقية أقترح رئيس أركان الجيش الأمريكي على وزير الدفاع أن
توجه الحكومة الأمريكية تحذيراً للعراق، وقد طلب وزير الدفاع منه مهلة لأخذ رأي
الرئيس بوش، ولما تم لقاء وزير الدفاع بالرئيس عرض عليه اقتراح كولن باول، ولكن
الرئيس سارع للقول بأنه لا يرى ضرورة لتوجيه تحذير.
لقد كان واضحاً أن الولايات المتحدة كانت تريد بالفعل أن يقدم صدام حسين على
غزو الكويت لكي تجد المبرر الذي تريده
لتوجيه ضربة قاضية للعراق، وتجرده من كل أسلحة الدمار الشامل، وتحطم بنية العراق
الاقتصادية وتعيده خمسون عاماً.
ولم يدرك حكام الكويت ما تخططه الولايات المتحدة، ولا عن الفخ الذي نصبته
للنظام العراقي، وتشجيعها له بصورة غير مباشرة للإقدام على مغامرته في اجتياح
الكويت، لكي تجد المبرر الضروري لتوجيه ضرباتها القاضية للعراق .
وبعد تصاعد الأزمة بين العراق والكويت ووصولها إلى مرحلة الانفجار بادر عدد من
القادة العرب بالتحرك لاحتواء الأزمة. فقد تحركت المملكة العربية السعودية بشخص
الملك فهد الذي أوفد وزير خارجيته [ سعود الفيصل ] إلى بغداد في 31 تموز 1990
حاملاً رسالة إلى صدام حسين عارضاً فيها إجراء محادثات على مستوى عالٍ بين الطرفين،
في جدة تحت رعايته المباشرة من أجل التوصل
إلى حل للأزمة، كما طلب الملك فهد من صدام حسين أن يعمل جهده لتهدئة الأوضاع ،
وتهيئه الجو المناسب والهادئ لحل الخلافات بين البلدين الشقيقين، وبالفعل تم
الاتفاق بين الأمير سعود الفيصل وصدام حسين على لقاء جدة وجرى الاتفاق على أن يرأس
الوفد العراقي نائب رئيس مجلس قيادة الثورة [عزت الدوري] فيما يرأس الوفد الكويتي ولي العهد، ورئيس
الوزراء الشيخ [سعد العبد الله الصباح ] .
وفي نفس الوقت وصل وزير الدولة الكويتي [ عبد الرحمن العوضي] موفدأ من الحكومة
الكويتية وأجرى مع المسؤولين العراقيين محادثات مطولة حول الأزمة وسبل حلها.
كما تحرك الملك الأردني حسين باتجاه العمل لمعالجة الأزمة، فغادر عمان إلى
الإسكندرية للقاء الرئيس مبارك والتباحث معه حول الوضع الخطر على الحدود العراقية
الكويتية، والذي يمكن أن ينفجر في أية لحظة، وجرى البحث في وسائل وسبل حل الخلافات
العراقية الكويتية، وتم الاتفاق بينهما على أن يقوم الرئيس مبارك بزيارة بغداد
ولقاء صدام حسين.
وفي 24 تموز وصل الرئيس مبارك إلى بغداد، والتقى على الفور بصدام حسين، وأجرى
معه نقاشاً مطولاً حول الأوضاع الملتهبة على الحدود العراقية الكويتية، وضرورة
تهدئتها، والعمل على حل المشاكل بين البلدين بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى
استخدام القوة بين الأشقاء .
كان اللقاء الذي جرى بين الرئيسين مغلقاً، ولذلك فقد فسّر كل طرف ما دار في
ذلك اللقاء بعد وقوع الغزو كما يشاء، فقد ذكر الرئيس مبارك أن صدام حسين كان قد
وعده بعدم استخدام القوة، فيما قال صدام حسين بأنه كان قد قال لمبارك بأنه سوف لن
يستخدم القوة انتظاراً لما قد تسفر عنه مباحثات جدة، وكان صدام حسين خلال لقائه مع
مبارك حانقاً جداً على أمير الكويت وحكومته، وفي الوقت نفسه حاول أن يكسب مبارك إلى
جانبه.
غادر مبارك بغداد متوجهاً إلى الكويت، والتقى أميرها الشيخ جابر وولي عهده
الشيخ سعد، وأبلغهما بأن العراق لا ينوي استخدام القوة ضد الكويت، ورجاهما إتمام
اللقاء في جدة والعمل على حل النزاع بروح من الأخوة والتفاهم. ثم غادر مبارك إلى
جدة والتقى بالملك فهد، وتحدث معه حول لقائه بصدام حسين، وأكد على ضرورة العمل على
إنجاح المؤتمر. وقد رد عليه الملك فهد بأن الأمير سعود الفيصل قد طمأنه بأن
صدام لا ينوي استخدام القوة. غير أن
استمرار تحركات القوات العراقية كان يثير الشكوك والقلق حول نوايا العراق.
وعندما بلغ الولايات المتحدة أمر المؤتمر المزمع عقده في جدة بين العراق
والكويت وتحت رعاية الملك فهد لتهدئة الأوضاع وحل النزاع سارع الرئيس بوش بالطلب من أمير الكويت بأن
يكون موقف حكومته صلباً تجاه المطالب العراقية، وأن يرفض تقديم أي تنازلات لصدام
حسين، ولا يخضع لتهديداته مؤكدأ بأن
باستطاعة الحكومة الكويتية الاعتماد على حماية الولايات المتحدة.
كانت الولايات المتحدة تسعى جاهدة لإفشال لقاء جدة، قبل انعقاده، وإيصال
الأزمة إلى مرحلة الانفجار كي يقدم صدام غزو الكويت لتجد المبرر لضرب العراق. وفي
الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تحث الكويتيين على عدم تقديم أي تنازلات لصدام
حسين وتدعوها للوقوف بصلابة أمام تهديداته فإنها أوعزت إلى سفيرتها في بغداد [غريل
كلاسبي ] في 24 تموز أن تطلب مقابلة صدام حسين بحجة إبلاغه بقلق الولايات المتحدة
من تطور الأحداث بين العراق والكويت . إلا أن الحقيقة كانت غير ذلك، فقد كانت
الولايات المتحدة تنتظر بفارغ الصبر أن يقدم صدام حسين على مغامرته، وكان الهدف من
مقابلة السفيرة لصدام هو إبلاغه بأن
الولايات المتحدة لا تنوي التدخل في الخلافات العربية، وأن على الحكام العرب أن
يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، وأرادت الولايات المتحدة بذلك أن توصل الإشارة لصدام بأنه
حر اليدين في التعامل مع الكويت .
وتم بالفعل طلب السفيرة الأمريكية [ كلاسبي] المقابلة وتمت الموافقة عليها في
25 تموز990، وكان لدى صدام حسين شيئاً يريد أن يقوله للرئيس الأمريكي [جورج بوش
] قبل إقدامه على غزو الكويت. لقد أراد أن
يبلغ الرئيس بوش أن العراق لا ينوي التعرض للمصالح الأمريكية في الخليج، وبصورة
خاصة مصالحها النفطية لضمان حيادها.
بدأ صدام حسين الحديث مع السفيرة مستعرضاً تطور العلاقات بين العراق والولايات
المتحدة منذُ أن قطعها العراق إثر حرب 5 حزيران عام 1967 وحتى إعادتها عام 1980،
قبل قيامه بالعدوان على إيران بحوالي الشهرين، وكان صدام حسين خلال حديثه الذي
أستغرق 45 دقيقة يعمل جاهداً لتوضيح موقف العراق من الولايات المتحدة، وضرورة تفهم
بعضهم للبعض الآخر، وداعياً إلى إقامة علاقات جديدة من التعاون، والثقة المتبادلة
والمصالح المشتركة.
كما تحدث صدام حسين عن حربه ضد إيران مذكراً الولايات المتحدة أن النظام
العراقي هو الذي وقف بوجه المطامع الإيرانية، ولولا العراق لما استطاعت الولايات
المتحدة إيقاف اندفاع حكام إيران نحو الخليج !!. فالولايات المتحدة لا تستطيع
تقديم عشرة آلاف قتيل في معركة واحدة !!، لكن العراق قدم أضعاف مضاعفة لهذا الرقم
لحماية المصالح الأمريكية في الخليج . كان لسان حال صدام حسين يقول للسفيرة ألم
نحارب 8 سنوات نيابة عنكم وخدمة لمصالحكم ؟ مضحين بأرواح نصف مليون مواطن عراقي؟