حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل الثالث عشر
39 ـ البعثيون والشيوعيون والجبهة الوطنية
40 ـ صدام يزيح البكر ويستولي على السلطة
41 ـ صدام
يزج العراق بحرب ضد إيران
41 ـ صدام
ينتقم من الشعب الكردي
42 ـ صدام حسين ينتقم من الشعب الكردي
{39}
البعثيون والشيوعيون والجبهة الوطنية
منذُ أن عاد البعثيون إلى الحكم عن طريق انقلاب 17ـ 30 تموز 968 وقف الشعب
العراقي من الانقلاب موقفاً سلبياً إدراكاً منه أن الوجوه التي جاءت إلى الحكم هي نفسها
التي قادت انقلاب 8 شباط الفاشي عام 963 ، ويتذكر الشعب تلك الجرائم التي ارتكبوها
بحقه وحق القوى السياسية، ولذلك كان همّ البعثيين هو تثبيت حكمهم، وتبييض صفحتهم
السوداء فلجأوا إلى اتخاذ بعض الخطوات لاسترضاء الشعب وقواه السياسية ، وبالأخص
الحزب الشيوعي العراقي الذي يتمتع بتأييد ودعم جانب كبير من أبناء الشعب آنذاك،
حيث ركزوا كل جهودهم لجره إلى التعاون معهم ، وصولاً إلى التحالف وإقامة ما دعوه
بـ [الجبهة الوطنية والقومية التقدمية] معه .وكان من جملة تلك الإجراءات :
1 ـ إصدار
قرار بالعفو عن السجناء السياسيين في 5 أيلول 68وإطلاق سراحهم.
2 ـ إصـدار
قـرار بإعادة المفصـولين السياسيين المدنيـين إلى وظائفهم وكلياتهم ومدارسهم في 12 أيلول 968 .
3 -احتساب
مدة الفصل لأسباب سياسية قدماً لغرض الترفيع والعلاوة والتقاعد.
غير أن تلك الإجراءات لم تكن كافية لجرّ الحزب الشيوعي والقيادة المركزية
المنشقة عن الحزب ، لتشكيل جبهة وطنية عريضة، فقد كان المطلوب من حزب البعث تشريع
دستور دائم للبلاد عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة لمجلس تأسيسي، وإطلاق
الحريات الديمقراطية وحرية الصحافة وحرية النشاط الحزبي والنقابي، وهذا ما لم يوافق
عليه حزب البعث. ولذلك لجأت القيادة المركزية [الجناح المنشق عن الحزب الشيوعي ]
إلى الكفاح المسلح ضد سلطة البعث، وجرى
مهاجمة دار صدام حسين وصلاح عمر العلي، وإطلاق الرصاص على الدارين، ولذلك قرر
البعثيون العمل على اعتقال قيادة الحزب [القيادة المركزية ] وكوادرها، وتصفية
تنظيماتها. وفي شباط عام 969 ، استطاع البعثيون إلقاء القبض على زعيم التنظيم [
عزيز الحاج] وأعضاء قيادته، وسيقوا إلى [قصر النهاية] أحد أهم مراكز التعذيب لدى
البعثيين لإجراء التحقيق معهم، وهناك أنهار عزيز الحاج، وقّدم اعترافات شاملة عن
تنظيم حزبه، ومكّن البعثيين من إلقاء القبض على أعداد كبيرة من كوادر وأعضاء
الحزب، وجرى تعذيبهم بأبشع الوسائل من أجل الحصول على المعلومات عن تنظيمهم حيث
استشهد العديد منهم تحت التعذيب كان من بينهم
القائدين الشيوعيين [متي هندو]
و[أحمد محمود العلاق] فيما أنهار القيادي الثالث [ بيتر يوسف] ملتحقاً برفيقه عزيز
الحاج، ومقدماً كل ما يعرف عن تنظيم حزبه، وكافأ البعثيون كلاهما حيث جرى تعينهما
سفيرين في السلك الدبلوماسي في فرنسا والأرجنتين، وذهب ضحية اعترافاتهم عدد كبير
من الشيوعيين المخلصين، وزُج في السجون بأعداد كبيرة أخرى، وبذلك تسنى للبعثيين توجيه ضربة خطيرة للقيادة
المركزية ولم يتعافى الحزب منها إلا بعد مرور سنة على تلك الأحداث حيث تسلمت قيادة
جديدة للحزب بزعامة[إبراهيم علاوي] وبادرت تلك القيادة إلى تجميع قوى الحزب وتشكيل
تنظيمات جديدة .
إلا أن تلك الضربة كان تأثيرها ما يزال يفعل
فعله، حيث فقد الحزب العديد من أعضائه إما قتلاً أو سجناً أو اعتكافاً عن مزاولة
أي نشاط سياسي بسبب فقدان الثقة التي سببتها اعترافات عزيز الحاج و بيتر يوسف وحميد
خضر الصافي وكاظم رضا الصفار أعضاء القيادة .
أما الحزب الشيوعي [ اللجنة المركزية ] فقد ألتزم جانب السكوت عما جرى، وتمسك
بالهدنة المعلنة مع حكومة البعث ثم بادر الطرفان البعث والشيوعي بالتقارب شيئاً
فشيئاً بعد أن أقدمت حكومة البعث على جملة من القرارات والإجراءات التي أعتبرها
الحزب الشيوعي مشجعة على هذا التقارب، وبالتالي التعاون والسعي لإقامة جبهة وطنية
فيما بعد.
فقد أقدمت حكومة البعث على الاعتراف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية، ووقعت في 1
أيار 969 عقدا مع بولونيا لاستثمار الكبريت وطنياً، كما تم عقد اتفاقيتين للتعاون
الاقتصادي والفني مع الاتحاد السوفيتي وبولونيا في 5 تموز 969 .
ومن ناحية أخرى قام الحزبان بنشاطات مشتركة في اجتماعات مجلس السلم العالمي،
وانتخابات نقابة المحامين عام 970 ، وسمح البعثيون للحزب الشيوعي بإصدار مجلة
[الثقافة الجديدة ].
كما تم تعيين الشخصية الوطنية المعروفة
السيد[عزيز شريف] وزيراً للعدل في 31 كانون الأول 1969.
لكن تلك الإجراءات لم تكن لترضي الحزب الشيوعي الذي كانت له مطالب أساسية هامة
تتعلق بالحريات الديمقراطية، فقد أعلن الحزب أن دخول السيد عزيز شريف الوزارة
بصفته مستقلاً، وأن دخول أي شخصية وطنية في الوزارة ليس بديلاً عن حكومة جبهة وطنية،
وأن تمثيل كل الأحزاب الوطنية في السلطة على أساس برامج ديمقراطية متفق عليها هو
الطريق الصائب.
البعثيون يضعون شروطهم للجبهة
وفي العاشر من تموز تقدم حزب البعث بشروطه للحزب الشيوعي لقيام جبهة بينهما،
طالباً من الحزب قبولها والإقرار بها كشرط لقيام الجبهة، وكان أهم ما ورد في تلك
الشروط :
1ـ اعتراف الحزب الشيوعي بحزب البعث كحزب ثوري وحدوي اشتراكي ديمقراطي.
2 ـ وجوب
تقييم انقلاب 17 ـ 30 تموز كثورة وطنية تقدمية.
3ـ وجوب
إقرار الحزب الشيوعي بالدور القيادي لحزب االبعث سواء في الحكم أو قيادة المنظمات
المهنية والجماهيرية
4 ـ وجوب عدم
قيام الحزب الشيوعي بأي نشاط داخل الجيش والقوات المسلحة.
5ـ العمل على قيام تعاون بين الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية وحزب البعث.
6ـ القبول
بالوحدة العربية كهدف أسمى، ورفض الكيان الإسرائيلي، وتبني الكفاح المسلح لتحرير
فلسطين.
ورغم أن شروط البعث كانت غير مقبولة من جانب قواعد الحزب الشيوعي، إلا أن
الحزب أستأنف حواره مع حزب البعث من جديد، وما لبث الرئيس أحمد حسن البكر أن أعلن
في 15 تشرين الثاني 1971 عن برنامج للعمل الوطني عارضاً على الحزب الشيوعي، والحزب
الديمقراطي الكردستاني القبول به لإقامة جبهة وطنية بين الأطراف الثلاث.
وفي 27 تشرين الثاني، أبدى الحزب الشيوعي رد فعل إيجابي على البرنامج في بيان
له صادر عن المكتب السياسي داعياً حكومة البعث إلى تحويل البرنامج إلى نص مقبول
لدى جميع الأطراف التي دُعيت للعمل المشترك، ووضع نهاية حاسمة لعمليات الاضطهاد
والملاحقة والاعتقال ضد سائر القوى الوطنية .(4)
وجرت بعد ذلك لقاءات ومناقشات بين الأطراف دامت أشهراً حول سبل تحويل البرنامج
إلى وثيقة للعمل المشترك دون أن تسفر عن توقيع أي اتفاق .
لكن البعثيين أصدروا قراراً في 4 أيار 972 ، يقضي بتعيين أثنين من قادة الحزب
الشيوعي في الوزارة وهما [مكرم الطالباني] الذي عيّن وزيراً للري و[عامر عبد الله ]، الذي عيّن وزيراً بلا وزارة
.
أحدث ذلك القرار انقساماً في صفوف الحزب الشيوعي، وتباعداً بين القاعدة
والقيادة، فلم تكن تلك الخطوة مبررة من جانب كوادر وقواعد الحزب من دون أن يكون
هناك برنامج متفق عليه، ويحقق طموحات الحزب في إيجاد نظام ديمقراطي حقيقي، وفرص
متكافئة لكل حزب للقيام بنشاطاته السياسية في جو من الحرية الحقيقية.
إلا أن قيادة الحزب اتخذت قرارها بالموافقة على المشاركة في الحكومة، بعد
نصيحة قدمها لهم رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي [ كوسجين ] .
كان أمل الحزب الشيوعي أن تتحول هذه المشاركة إلى اتفاق حقيقي بين الأحزاب
الثلاثة على برنامج يحقق طموحات الجميع، واقترحت قيادة الحزب على حزب البعث منح
مجلس الوزراء صلاحيات أوسع لإدارة شؤون البلاد التي أحتكرها مجلس قيادة الثورة
البعثي.
كما اقترحت تعديل الدستور المؤقت بما يحقق السير بهذا الاتجاه، وطالبوا بإطلاق
حرية الصحافة، وإصدار صحيفة الحزب بشكل علني، ووعد البعثيون بدراسة هذه المقترحات.
غير أن الأمور استمرت على حالها السابق أكثر من سنة ولاسيما وأن ظروف البلاد
كانت تستدعي التعجيل بهذا الاتجاه بعد اشتداد الصراع مع شركات النفط ، وقرار حكومة
البعث بتأميم شركة نفط العراق العائدة للشركات الاحتكارية في الأول من حزيران 1972
.
واستمرت العلاقات بين الحزبين على وضعها ذاك حتى
وقوع محاولة ناظم كزار الانقلابية، حيث دفعت تلك الأحداث إلى تكثيف الجهود من أجل
الاتفاق على برنامج للعمل الوطني.
وفي السابع عشر من تموز وقع [أحمد حسن البكر] بالنيابة عن حزب البعث، والسيد
[عزيز محمد] السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي ميثاقاً للعمل الوطني .
بذل الطرفان جهوداً حثيثة من أجل إدخال الحزب الديمقراطي الكردستاني معهم في
{الجبهة الوطنية والقومية التقدمية } التي انبثقت بعد توقيع الميثاق إلا أن
جهودهما لم تسفر عن نتيجة. ومن دراسة مواد ميثاق تلك الجبهة نجد أن البعثيين لم
يقدموا أية تنازلات جوهرية للحزب الشيوعي، وكل ما قدمه حزب البعث له هو التالي :
1 ـ حصول
الحزب الشيوعي على الشرعية القانونية لمزاولة نشاطه العلني، مع إصدار صحيفته
المعبرة عن سياسته [طريق الشعب] والتي صدرت بالفعل.
2 ـ مشاركة
الحزب الشيوعي في الحكومة بوزيرين، لكن تلك المشاركة في الوزارة لم تكن جوهرية،
أوذات تأثير على سياسة الدولة، هذا بالإضافة إلى أن مجلس قيادة الثورة الذي ينفرد
به البعثيون هو الذي يقرر سياسة الدولة، ويتمتع بكافة الصلاحيات التشريعية
والتنفيذية وحتى القضائية. وفي المقابل
قدم الحزب الشيوعي للبعثيين تنازلات واسعة وجوهرية كان أبرزها :
1ـ إقراره
بأن انقلاب 17ـ 30 تموز ثورة وطنية ديمقراطية اشتراكية!!.
2 ـ الإقرار
بمبدأ قيادة حزب البعث للجبهة.
3 ـ إعلان موافقة
الحزب الشيوعي على بقائه بعيداً عن الجيش والقوات المسلحة الذي أصبح مقفلاً لحزب
البعث.
4 ـ إعلان
موافقة الحزب الشيوعي على الدور القيادي لحزب البعث العربي الاشتراكي للمنظمات
النقابية والاجتماعية والاتحادات العمالية والفلاحية، والطلابية.
5 ـ إعلان
موافقة الحزب الشيوعي على موقف حزب البعث من قضية فلسطين، الوحدة العربية.
وهكذا يتبين لنا أن الحزب الشيوعي قد خسر الكثير من المواقع لصالح البعثيين،
وقدم لهم الكثير من التنازلات من دون أن يحصل على أي دور هام وأساسي في تسيير
سياسة البلاد، وإنما أصبح في الواقع تابعاً لمشيئة ومخططات حزب البعث مما أثار غضب
واحتجاج رفاق الحزب.
أحدثت موافقة قيادة الحزب الشيوعي على شروط
البعثيين وتوقيعه على ميثاق الجبهة شرخاً كبيراً بين القيادة من جهة والكادر
وقواعد الحزب من جهة أخرى، حيث لم تستطع قواعد وكوادر الحزب هضم تلك الشروط، وكان الشعور
بخيبة الأمل والقلق على المستقبل، وعدم الثقة بالبعثيين سائداً صفوف الحزب وجانباً
كبيراً من كوادره، ولاسيما وأن تلك الجرائم التي أرتكبها البعثيون بحق الشيوعيين
بعد انقلاب 8 شباط 963 ما تزال ماثلة أمام
عيون الجميع، فتلك المآسي لا يمكن أن يطويها الزمن بهذه السرعة، وعِبَر هذه الجبهة
التي قامت على أسس غير متكافئة على الإطلاق.
كان الشعور العام لدى كل متتبع لسياسة البعثيين هو أن هذه الجبهة لن يكتب لها
النجاح، وأن البعثيين لا يمكن أن يضمروا للشيوعيين الخير، لكنهم لجاءوا إلى إقامة
الجبهة معهم لمرحلة معينة يستطيعون خلالها تثبيت أركان حكمهم، وإحكام سيطرتهم على
الجيش، والقوات المسلحة الأخرى وأجهزة الأمن، فالجبهة في الحقيقة لم تكن هدفاً
إستراتيجياً لحزب البعث، وإنما كان تكتيكياً يمكنهم من العبور إلى شاطئ الأمان
وتثبيت حكمهم. وعلى الرغم من قيام الجبهة
لم يكفّ البعثيون عن مضايقة الشيوعيين وتقليص نشاطهم وتحجيمه، واستمرت أجهزتهم
الأمنية في ملاحقة واعتقال العديد منهم
بحجج وتبريرات مختلفة حتى وصل الأمر إلى أن تصبح اللقاءات مع قيادة البعث
تدور حول الانتهاكات والتجاوزات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية، وقد سبب ذلك في
تنامي خيبة الأمل لدى قواعد الحزب من مستقبل الجبهة، لا بل بدأت الأصوات تظهر
وتعلوا شيئاً فشيئاً متهمة قيادة الحزب باليمينية وبالتفريط بمصالح الحزب وجماهير
الشعب، وبدت الجبهة مجرد اتفاق بين قيادة حزبين تفتقد تماماً إلى أي قبول جماهيري،
وكلما مرت الأيام كلما كان التباعد بين قواعد الطرفين يزداد عمقاً وبدأ رفاق الحزب
يحذرون مما يخبئه البعثيون لحزبهم.
لقد اتيحت لي الفرصة للقاء القائد الشيوعي البارز عبد الرحمن القصاب، وهو من
قدامى الأصدقاء الذين اعتز بصداقتهم، وقد جرى بيننا نقاش طويل استغرق عدة ساعات
حول الجبهة مع البعث وشروطها المجحفة، وحول التاريخ الأسود للبعثيين وحربهم
الشعواء على الشيوعية، وقلت له بالحرف الواحد: [مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب دينا]
فهؤلاء البعثيون لا دين لهم، ولا يمكن أن يؤتمن بعهودهم، وهذه الجبهة أجراء مؤقت
بالنسبة لهم يستهدفون من خلاله تقوية وضعهم أولاً، وكشف تنظيمات الحزب ثانياً،
انتظاراً للفرصة السانحة لإنزال الضربة القاضية بالحزب الشيوعي . وفي ختام اللقاء
سألني السؤال التالي :
{ ألا ترى أي
جوانب إيجابية من عقد الجبهة ؟}
وكان جوابي قطعاً لا. لم تمضي فترة طويلة من الزمن حتى بدأ التناقض ظاهراً بين
قيادة الحزب وقواعده، كما بدا واضحاً أن قيادة الحزب غير بعيدة عن توجيهات قيادة
الحزب الشيوعي السوفيتي، بل وفرض إرادته على مجمل سياسته، ولاسيما بعد أن وقع
البعثيون معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفيتي في نفس العام، وقام الاتحاد
السوفيتي على أثرها بتزويد حكومة البعث
بالأسلحة الحديثة والمتطورة، ومدت الجيش العراقي بالخبراء العسكريين . لكن
البعثيون استخدموا تلك الأسلحة بعد ذلك في قمع الشعب العراقي عرباً وأكراداً،
وتصفية ما كان يسمى بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي أقاموها مع الحزب
الشيوعي مصحوبة بأعنف حملة اعتقالات
وتعذيب وقتل للعناصر الشيوعية وكل مناصري الحزب.
كما استخدموا تلك الأسلحة في العدوان على إيران
والكويت، وزج العراق في حروب مدمرة.
نهاية الجبهة والبعثيون يشنون الحرب على الشيوعية
لم يكد البعثيون يصفون الحركة الكردية بعد تفاهمهم مع شاه إيران، وعقد اتفاقية
الجزائر، حتى بدءوا يشعرون أن مراكزهم في السلطة قد أصبحت قوية، فراحوا يتصرفون
وكأن الجبهة غير موجودة، وتوضح هدفهم الحقيقي من قيام الجبهة، ولم يتحملوا وجود
شريك لهم في السلطة حتى ولو كان ضعيفاً، بل لم يتحملوا حتى صدور صحيفة علنية للحزب
الشيوعي، أو القيام بنشاط جماهيري للحزب وهم الذين جاءوا بالأساس يوم 8 شباط 963،
وعند عودتهم إلى الحكم في عام 968 لتصفية الحركة الشيوعية في العراق.
لقد بدأت المضايقات والاعتقالات تتصاعد ضد أعضاء الحزب وجرى اغتيال العديد من
قادته وكوادره عن طريق الصدم أو الدهس بالسيارات، أو إطلاق الرصاص، مدعين بأنها
حوادث مؤسفة وقيّدت ضد مجهول !!، وكان من بين القياديين الذين استشهدوا بهذه الطريقة كل من ستار خضير
ومحمد الخضري وشاكر محمود، كما بدأت صحف البعث تتعرض للحزب الشيوعي وتوجه حملاتها
ضده، وأصبح الحزب أمام وضع صعب للغاية، وكانت اللقاءات بين الحزبين تدور كلها
تقريباً حول التجاوزات التي يعاني منها رفاق الحزب، ولم تعد الجبهة سوى حبراً على
ورق.
أدرك الحزب الشيوعي أن هناك مخططاً بعثياً لتوجيه ضربة جديدة وموجعة له، وبدأ
يرتب أوضاعه للعودة إلى العمل السري وتشديد الصيانة، وخاصة بالنسبة للقيادة
والكادر، وغادر العديد من قادة الحزب العراق هرباً من بطش البعثيين بعد أن تأكد
لهم أن الحملة البعثية ضد الحزب قد باتت وشيكة، وحدث الذي كان بالحسبان، وشنّ
البعثيون عام 1978 حملة واسعة النطاق لاعتقال ما أمكن من قيادات وكوادر الحزب
وأعضائه في كافة أنحاء البلاد. لكن معظم أعضاء القيادة كان قد أفلت من الاعتقال
وهرب إلى خارج العراق، واختفى البعض الأخر ليقود الحزب، في ظل ظروف العمل السري
البالغة الصعوبة، بينما وقع في أيدي البعثيين أعداد كبيرة من أعضاء الحزب، حيث جرى
تعذيبهم بأبشع الأساليب والوسائل لأخذ الاعترافات منهم حول تنظيمات الحزب، وكان من
بين القياديين المعتقلين الدكتور [صفاء الحافظ ] و الدكتور[ صباح الدرة ] و[ حازم
سلو] الذين قضوا جميعاً تحت التعذيب.
كما قامت السلطات البعثية بكبس مقرات الحزب، وصحيفته [طريق الشعب] وصادرت
مطبعة الحزب وكل الوثائق الموجودة، وجرى جمع كافة الكتب الماركسية والتقدمية من
الأسواق ومن الدور التي داهمتها قوى الأمن وتم إحراقها، وجرى إعدام العديد من رفاق
الحزب، ومات تحت التعذيب أعداد أخرى، وزج
الآلاف بالسجون.
{40}
صدام يزيح البكر ويستولي على السلطة
منذُ أن قام صدام حسين بدوره المعروف في الانقلاب الذي دبره ضد شريك البعثيين
في انقلاب 17 تموز 968 [عبد الرزاق النايف
] بدأ نجمه يتصاعد حيث أصبح نائباً لرئيس
مجلس قيادة الثورة، وبدأ يمارس السلطة كما لو أنه الرئيس الفعلي للبلاد، رغم وجود
أحمد حسن البكر على قمة السلطة، وأخذ دوره في حكم البلاد يكبر ويتوسع يوماً بعد
يوم ، وخاصة سيطرته على الحزب والأجهزة الأمنية، والمكتب العسكري ، وبدا وكأن صدام
يخطط لاستلام القيادة من البكر بحجة كبر سنه ومرضه.
وعندما حلت الذكرى الحادية عشر للانقلاب البعثي في 17 تموز 1979، فوجئ الشعب
العراقي بإعلان استقالة البكر في 16 تموز 1979، وتولي صدام حسين قيادة الحزب
والدولة، حيث أعلن نفسه رئيساً للجمهورية ورئيساً لمجلس قيادة الثورة وقائداً
عاماً للقوات المسلحة، مانحاً نفسه أعلى رتبة عسكرية في الجيش[ مهيب ركن].
أما كيف ولماذا تم هذا الانتقال للسلطة من البكر إلى صدام حسين فلم يكتب عن
ذلك الحدث لحد الآن، إلا أن المتتبع لتطورات الأوضاع السياسية في البلاد، وما
أعقبتها من أحداث خطيرة يستطيع أن يتوصل إلى بعض الخيوط التي حيك بها الانقلاب،
ومن كان وراءه !!.
أن هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن ذلك الانقلاب كان قد جرى الإعداد
له في دوائر المخابرات المركزية الأمريكية، وأن الانقلاب كان يهدف بالأساس إلى
جملة أهداف تصب كلها في خدمة المصالح
الإمبريالية الأمريكية، والتي كان في مقدمتها:
1 ـ إفشال المصالحة
بين سوريا والعراق، ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بينهما، وتخريب الجهود التي
بُذلت في أواخر أيام حكم البكر لتحقيق وتطبيق ميثاق العمل القومي الذي تم عقده بين
سوريا والعراق، حيث أثار ذلك الحدث قلقاً كبيراً لدى الولايات المتحدة وإسرائيل،
تحسبا لما يشكله من خطورة على أمن إسرائيل.
2ـ احتواء
الثورة الإسلامية في إيران، ولاسيما وأن قادة النظام الإيراني الجديد بدءوا
يتطلعون إلى تصدير ونشر مفاهيم الثورة الإسلامية في الدول المجاورة مما اعتبرته
الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها في منطقة الخليج، ووجدت أن خير سبيل إلى ذلك هو
إشعال الحرب بين العراق وإيران، وأشغال البلدين في حرب سعت الولايات المتحدة إلى
جعلها تمتد أطول فترة ممكنة، كما سنرى فيما بعد .
3 ـ مكافحة
النشاطات الشيوعية، والإسلامية في البلاد على حد سواء والتصدي للتطلعات الإيرانية
الهادفة إلى نشر أفكار الثورة الإسلامية في المنطقة.
و لما كانت تطلعات صدام حسين لأن يصبح شرطي الخليج، وتزعم العالم العربي قد
طغت على تفكيره، وجد في الدور الذي أوكل له خير سبيلٍ إلى تحقيق طموحاته.
ولم يكن انقلاب صدام ضد البكر بمعزل عن المخططات
الأمريكية، فلقد تحدث أحد أقرباء وزير الدفاع العراقي السابق حماد شهاب، الذي قتل
خلال محاولة ناظم كزار الانقلابية، وكان هذا الشخص موظفاً في القصر الجمهوري، عن
زيارة قام بها مساعد وزير الخارجية الأمريكي لبغداد، حيث أجرى محادثات مطولة مع
الرئيس احمد حسن البكر، وشوهد الموفد الأمريكي يخرج بعد الاجتماع متجهم الوجه وقد
بدا عليه عدم الارتياح ، ثم أنتقل إلى مكتب صدام حسين، وأجرى معه محادثات أخرى،
خرج بعدها وعلائم السرور بادية على وجهه وقد علته ابتسامة عريضة.
لقد بقي ما دار في الاجتماعين سراً من الأسرار، إلا أن التكهنات والأحاديث
التي كانت تدور حول الاجتماعين تشير إلى أن النقاش دار حول نقطتين أساسيتين :
النقطة الأولى :
كانت حول تطور العلاقات بين العراق وسوريا، وتأثير هذه العلاقات على مجمل
الأوضاع في المنطقة، وبشكل خاص على إسرائيل، حيث كانت قد جرت في أواخر عام 1978،
وأوائل عام 1979 جرت محاولة للتقارب بين
البلدين، تحت ضغط جانب من أعضاء القيادة في كلا الحزبين السوري والعراقي، وقد أدى
ذلك التقارب إلى تشكيل لجان مشتركة سياسية واقتصادية وعسكرية،على أثر توقيع ميثاق
للعمل القومي المشترك الذي وقعه الطرفان في تشرين الأول عام 1978، وقد أستهدف
الميثاق بالأساس إنهاء القطيعة بين الحزبين والبلدين الشقيقين، وإقامة وحدة عسكرية
تكون الخطوة الأولى نحو إقامة الوحدة السياسية بين البلدين، وتوحيد الحزبين، فقد
كان وضع سوريا في تلك الأيام قد أصبح صعباً بعد أن خرجت مصر من حلبة الصراع العربي
الإسرائيلي، وعقد السادات اتفاقية [ كامب ديفيد] مع إسرائيل مما جعل القادة
السوريين يقرون بأهمية إقامة تلك الوحدة للوقوف أمام الخطر الإسرائيلي.
وبالفعل فقد تم عقد عدد من الاتفاقات بين البلدين، وأعيد فتح الحدود بينهما،
وجرى السماح بحرية السفر للمواطنين، كما أعيد فتح خط أنابيب النفط [التابلاين ] لنقل
النفط إلى بانياس في سوريا، والذي كان قد توقف منذُ نيسان 1976.
وفي 16 حزيران تم عقد اجتماع بين الرئيس السوري حافظ الأسد والرئيس العراقي
أحمد حسن البكر في بغداد ودامت المحادثات
بين الرئيسين ثلاثة أيام أعلنا في نهايتها أن البلدين سيؤلفان دولة واحدة برئيس
واحد وحكومة واحدة وحزب واحد، وأعلنا تشكيل قيادة سياسية مشتركة تحل محل اللجنة
السياسية العليا التي جرى تشكيلها بموجب اتفاق تشرين الأول 978 ، والتي ضمت 7
أعضاء من كل بلد ، يترأسها رئيسا البلدين ، وتجتمع كل ثلاثة أشهر لتنسيق السياسات
الخارجية، والاقتصادية ، والعسكرية.
النقطه الثانية:
كانت حول الأوضاع في إيران بعد سقوط نظام الشاه، واستلام التيار الديني بزعامة
[الخميني] السلطة، والأخطار التي يمثلها النظام الجديد على الأوضاع في منطقة
الخليج، وضرورة التصدي لتلك الأخطار، وقيل أن الموفد الأمريكي سعى لتحريض حكام
العراق على القيام بعمل ما ضد النظام الجديد في إيران، بما في ذلك التدخل العسكري
قبل أن يقوى النظام الإسلامي ويشتد عوده.
غيرأن البكر لم يقتنع بفكرة الموفد الأمريكي
لسببين:
1ـ الاتفاق
الذي تم بين القيادتين السورية والعراقية لتوحيد الحزبين والبلدين برئاسة البكر
نفسه.
2ـ أن البكر رجل عسكري كان يدرك تمام الإدراك ما تعنيه الحرب من ويلات ومآسي
وتدمير لاقتصاد البلاد.
لذلك فقد خرج الموفد الأمريكي من مكتب البكر وقد
بدا على وجهه عدم الارتياح، على عكس اللقاء مع صدام حسين والذي خرج بعد لقائه
مسروراً.
وقيل أن صدام حسين قد أبدى كل الاستعداد للقيام بهذا الدور المتمثل بتخريب
العلاقات مع سوريا من جهة، وشن الحرب ضد إيران من جهة أخرى.
ولم تمضِ غير فترة زمنية قصيرة حتى جرى إجبار الرئيس البكر بقوة السلاح من قبل
صدام حسين وأعوانه على تقديم استقالته من كافة مناصبه، وإعلان تولي صدام حسين كامل
السلطات في البلاد، متخطياً الحزب وقيادته، ومجلس قيادة الثورة المفروض قيامهما
بانتخاب رئيس للبلاد في حالة خلو منصب الرئاسة.
أحكم صدام حسين سلطته المطلقة على مقدرات العراق بعد تصفية كل المعارضين لحكمه
ابتداءً من أعضاء قيادة حزبه الذين صفاهم جسدياً بأسلوب بشع، وانتهاءً بكل القوى
السياسية الأخرى المتواجدة على الساحة. لقد أخذت أجهزته القمعية تمارس أبشع
الأعمال الإرهابية بحق العناصر الوطنية من ِشيوعيين وإسلاميين وقوميين وديمقراطيين
بالإضافة للشعب الكردي، وملأ السجون بأعداد كبيرة منهم، ومارس أقسى التعذيب النفسي والجسدي ضدهم.
لقد كانت ماكنة الموت الصدامية تطحن كل يوم بالمئات من أبناء الشعب لكي يقمع
أي معارضة لحكمه، وحتى يصبح مطلق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات التي تتحكم بمصير
الشعب والوطن، ولكي يعدّ العدة ويهيئ الظروف المناسبة لتنفيذ الدور الذي أوكلته له
الإمبريالية الأمريكية، في العدوان على إيران.
صدام يخرب العلاقة مع سوريا:
لم تمضِ سوى أيام معدودة على تولى
صدام حسين قيادة الحزب والدولة في العراق حتى ألمت بالعلاقة بين قيادة البلدين والحزبين هزة عنيفة، وبدأت الغيوم
السوداء تغطي سماء تلك العلاقة بينهما.
ففي 28 كانون الأول 1979 جرى لقاء قمة
بين الأسد وصدام في دمشق دام يومين، وقد ظهر بعد اللقاء أن الخلافات بين القيادتين
كانت من العمق بحيث لم تستطع دفع عملية الوحدة إلى الأمام، بل على العكس تلاشت
الآمال بقيامها.
وهكذا بدأت العلاقة بالفتور بين البلدين من جديد، واتهمت سوريا القيادة
العراقية بوضع العراقيل أمام تنفيذ ما أتُفق عليه في لقاء القمة بين الأسد والبكر.
أدى هذا التدهور الجديد في العلاقة بين الحزبين إلى وقوع انقسام داخل القيادة
القطرية في العراق، فقسم وقف إلى جانب الاتفاق المبرم بين الأسد والبكر، والقسم
الآخر وقف إلى جانب صدام حسين، فما كان من صدام إلا أن أتهم الذين أيدوا الاتفاق
بالاشتراك بمؤامرة مع سوريا على العراق، وجرى اعتقالهم وتعذيبهم حتى الموت، ثم أعلن صدام عبر الإذاعة
والتلفزيون أن هذه المجموعة قد تآمرت على العراق، وأحيلت إلى محكمة حزبية قررت
الحكم عليهم بالإعدام، وجرى تنفيذ الأحكام بحقهم . لكن الحقيقة أن هذه المجموعة
أرادت تحقيق الوحدة أولاً، والتخلص من دكتاتورية صدام حسين ثانياً، بعد أن أغتصب
السلطة من البكر بقوة السلاح، ودون إرادة القيادة القطرية.
وهكذا ذهبت الآمال بتحقيق الوحدة أدراج الرياح، وتدهورت العلاقة بين البلدين
من جديد، وفرض صدام حسين سلطته المطلقة على قيادة الحزب والدولة دون منازع، وأصبح
العراق ملجأ لكل المناوئين للحكم في سوريا ابتداءً من [ أمين الحافظ ] و[ميشيل
عفلق ] وانتهاءً بالإخوان المسلمين الذين لجأ وا إلى العراق بأعداد كبيرة بعد فشل
حركتهم ضد حكم البعث في مدينة حماه عام 982 والتي قمعها النظام بكل شراسة ووحشية
مستخدماً الدبابات والمدفعية والطائرات.
لم يقتصر تدهور العلاقات بين البلدين على القطيعة والحملات الإعلامية، بل تعداها
إلى الصراع العنيف بين الطرفين على الساحة اللبنانية، حيث أدخلت سوريا عدد من
قطعاتها العسكرية في لبنان ضمن قوات الردع العربية لمحاولة وقف الحرب الأهلية التي
اندلعت عام 1975.غير أن القوات المشتركة العربية انسحبت من لبنان فيما بعد تاركة
القوات السورية لوحدها هناك، وانتهز صدام حسين الفرصة ليرسل إلى العماد ميشيل عون
الذي عُين رئيساً للوزراء مختلف أنواع الأسلحة والقوات العسكرية عندما دخل عون في صراع مسلح مع الجيش السوري. وهكذا
أصبح لبنان مسرحاً للصراع بين البلدين، واستمر الحال في لبنان حتى سقوط حكومة [
ميشيل عون ] على أيدي القوات السورية، وانتهاء الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً.
وهكذا حقق صدام حسين للإمبريالية الأمريكية ما
كانت تصبو إليه، حيث عادت العلاقات بين سوريا والعراق إلى نقطة الصفر من جديد،
وتحقق الهدف الأول الذي رسمته له، وبدأت تتفرغ للهدف الثاني الهام هدف التصدي للنظام الإيراني الجديد، وخلق
المبررات لصدام لشن الحرب على إيران في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980، تلك
الحرب التي كانت لها نتائج وخيمة على مستقبل العراق وشعبه، سياسياً واقتصادياً
وعسكرياً واجتماعياً، وكانت سبباً مباشراً لأقدام صدام حسين على غزو الكويت،
وبالتالي قيام حرب الخليج الثانية، التي جلبت على العراق وشعبه من ويلات لم يسبق
لها مثيل وأدت إلى انهيار الوضع الاقتصادي وإغراق العراق بالديون.
رحيل والدتي: وفي السابع عشر من تموز 1980 رحلت والدتي عن عمر جاوز السادسة
والثمانين، وكان صدمة كبيرة لنا جميعاً، والمؤلم بالنسبة لي أنني كنت في تلك
الأيام قد سافرت إلى براغ لزيارة ابنتنا نضال، ولم يتسنى لي أن احضر أيامها
وساعاتها الأخيرة، ولا مراسيم تشييعها إلى مثواها الأخير في الموصل، مما كان ولا
يزال يحز في نفسي كلما تذكرت تلك الأم الحنون، والمؤمنة بصدق، والتي اتصفت بالطيبة
والخلق القويم، مما جعلها تنال محبة واحترام كل من عرفها.
{41}
صدام يزج العراق بحرب ضد إيران
اتسمت العلاقات العراقية الإيرانية منذُ سنين طويلة بالتوتر والصدامات
العسكرية على الحدود في عهد الشاه [محمد
رضا بهلوي]، حيث قام الحكام البعثيون في العراق بإلغاء معاهدة 1937 العراقية
الإيرانية المتعلقة باقتسام مياه شط العرب بموجب خط التالوك الوهمي الذي يقسم شط
العرب إلى نصفين أحدهما للعراق والآخر لإيران، وسبب الإجراء العراقي إلى قيام حرب
استنزاف بين البلدين على طول الحدود
واستمرت زمناً طويلاً ، ووصل الأمر إلى قرب نفاذ العتاد العراقي واضطر حكام
بغداد إلى التراجع، ووسطوا الرئيس الجزائري [هواري بو مدين] لترتيب لقاء بين صدام
حسين وشاه إيران لحل الخلافات بين البلدين. وبالفعل تمكن الرئيس الجزائري من جمع
صدام حسين وشاه إيران في العاصمة الجزائرية وإجراء مباحثات بينهما انتهت بإبرام
اتفاقية 16 آذار 1975، وعاد حاكم بغداد إلى اتفاقية عام 1937 من جديد ، ووقفت حرب
الاستنزاف بينهما، ووقف الدعم الكبير الذي كان الشاه يقدمه للحركة الكردية، حيث
استطاع البعثيون إنهاءها، وإعادة بسط سيطرتهم على كردستان من جديد.
وفي عام 1979 ،في أواخر عهد البكر، وقعت أحداث خطيرة في إيران. فقد اندلعت
المقاومة المسلحة ضد نظام الشاه الدكتاتوري المرتبط بعجلة الإمبريالية الأمريكية،
وأتسع النشاط الثوري، وبات نظام الشاه في مهب الريح، وسبّبَ ذلك الوضع الخطير في
إيران أشد القلق لأمريكا، فقد كانت مقاومة الشعب الإيراني لنظام الشاه قد وصلت
ذروتها، وبات من المستحيل بقاء ذلك النظام، وبدت أيامه معدودة.
كان هناك على الساحة الإيرانية تياران يحاولان
السيطرة على الحكم، التيار الأول ديني يقوده [آية الله الخميني ] من منفاه في
باريس، والتيار الثاني يساري يقوده [حزب تودا الشيوعي]، ووجدت الولايات المتحدة
نفسها أمام خيارين أحلاهما مُرْ. لكن التيار الشيوعي كان يسبب لها بالغا لقلق
نظراً لموقع إيران الجغرافي على الخليج أولا، ولكون إيران بلد منتج للنفط في المنطقة ثانيا، ولأن إيران تجاور
الاتحاد السوفيتي ثالثاً.
وبناء على ذلك رأت الإدارة الأمريكية إن مجيء الشيوعيين إلى الحكم في إيران
سوف يعني وصول الاتحاد السوفيتي إلى الخليج، وهذا يهدد مصالحهم النفطية بالخطر الكبير، ولذلك فقد اختارت أهون
الشرين بالنسبة لها طبعاً، وهو القبول بالتيار الديني خوفاً من وصول التيار اليساري إلى الحكم، وسهلت
للخميني العودة إلى إيران من باريس لتسلم زمام الأمور بعد هروب الشاه من البلاد.
وهكذا تمكن التيار الديني من تسلم زمام
السلطة، وتأسست الجمهورية الإسلامية في إيران في آذار 1979.
إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فلم تكد تمضي سوى فترة
قصيرة من الزمن حتى تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بعد أن إقدام
النظام الجديد على تصفية أعداد كبيرة من الضباط الكبار الذين كانوا على رأس الجيش
الإيراني، كما جرى تصفية جهاز [ السافاك ] الأمني الذي أنشأه الشاه بمساعدة
المخابرات المركزية الأمريكية، وجرى أيضاً تصفية كافة الرموز في الإدارة المدنية
التي كان يرتكز عليها حكم الشاه.
وجاء احتلال السفارة الأمريكية في طهران من قبل الحرس الثوري الإيراني،
واحتجاز أعضاء السفارة كرهائن، وإقدام الحكومة الإيرانية على طرد السفير
الإسرائيلي من البلاد وتسليم مقر السفارة الإسرائيلية إلى منظمة التحرير
الفلسطينية والاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي
للشعب الفلسطيني، كل تلك الأحداث المتتالية أثارت قلق الولايات المتحدة، ودفعتها
لكي تخطط لإسقاط النظام الجديد في إيران قبل أن يقوى ويشتد عوده، أو على الأقل
إضعافه وإنهاكه.
وتفتق ذهن المخابرات المركزية إلى أن خير من يمكن أن يقوم بهذه المهمة هو صدام
حسين، وبهذه الوسيلة تضرب الولايات المتحدة عصفورين بحجر واحدة. فالعراق وإيران
دولتان قويتان في منطقة الخليج، ويملكان إمكانيات اقتصادية هائلة، ولحكامهما تطلعات خارج الحدود، إذاً يكون إشعال الحرب بين
البلدين وجعلها تمتد لأطول مدة ممكنة كي يصل البلدان في نهاية الأمر إلى حد
الإنهاك، وقد استنزفت الحرب كل مواردهما، وتحطم اقتصادهما، وهذا هو السبيل الأمثل
للولايات المتحدة لبقاء الخليج في مأمن من أي تهديد محتمل. وهكذا خططت الولايات
المتحدة لتلك الحرب المجنونة، وأوعزت لصدام حسين بمهاجمة إيران والاستيلاء على
منطقة [ خوزستان] الغنية بالنفط، واندفع صدام حسين لتنفيذ هذا المخطط يحدوه الأمل بالتوسع صوب الخليج، وفي رأسه فكرة
تقول أن منطقة [خوزستان] هي منطقة عربية تدعى [عربستان] .
لم يدرِْ بخلد صدام حسين ما تخبئه له الأيام ؟ ولا كم ستدوم تلك الحرب؟ وكم
ستكلف الشعب العراقي من الدماء
والدموع؟ ناهيك عن هدر ثروات البلاد،
واحتياطات عملته، وتراكم الديون الكبيرة التي تثقل كاهل الشعب العراقي واقتصاده
المدمر.
لقد سعت الإمبريالية بأقصى جهودها لكي تديم تلك الحرب أطول فترة زمنية ممكنة،
وهذا ما أكده عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين أنفسهم وعلى رأسهم [ريكان]
و[كيسنجر]، وغيرهم من كبار المسؤولين الأمريكيين. فقد صرح الرئيس الأمريكي ريكان
حول الحرب قائلاً:
{ إن تزويد
العراق بالأسلحة حيناً، وتزويد إيران حيناً آخر، هو أمر يتعلق بالسياسة العليا
للدولة }.
وهكذا بدا واضحاً أن الرئيس ريكان كان يهدف إلى إطالة أمد الحرب، وإدامة
نيرانها التي تحرق الشعبين والبلدين معاً
طالما أعتبر البلدان بما يملكانه من قوة اقتصادية وبشرية، خطر على المصالح الإمبريالية
في الخليج، وضمان وصول النفط إلى الغرب، وبالسعر الذي يقررونه هم لا أصحاب السلعة
الحقيقيين.
أما هنري كيسنجر منظّر السياسة الأمريكية فقد صرح قائلاً:
{ إن هذه أول
حرب في التاريخ تمنينا أن تستمر أطول مدة ممكنة ولا يخرج أحد منها منتصراً، وإنما
يخرج الطرفان منها مهزومين}!!، وتلك هي الجريمة الكبرى بحق العراق وإيران. وطبيعي
أن هدف الإمبريالية لا يمكن أن يتحقق إذا لم تستمر تلك الحرب إلى أمد طويل، وإضافة
إلى كل ذلك كان سوق السلاح الذي تنتجه الشركات الغربية مزدهراً، ومحققاً أرباحاً
خيالية لتجار الحروب والموت، في حين استنزفت تلك الحرب ثروات البلدين المادية
والبشرية، وسببت من الويلات والماسي
والدموع ما لا يوصف، فلم تترك تلك الحرب عائلة في العراق وإيران دون ضحية.
لكن الإمبريالية لا تفهم معنى الإنسانية، فقد كان الفرح يغمر قلوبهم وهم
يشاهدون كل يوم على شاشات التلفزيون وصور الأقمار الصناعية تلك المجازر التي بلغ أرقام ضحاياها حداً
مرعباً، فقد قتل في يوم واحد من أيام المعارك أكثر من عشرة آلاف ضحية، وكانت
مصالحهم الاقتصادية تبرّر كل الجرائم بحق الشعوب.
أن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي إن تلك الحرب كانت من تدبير الإمبريالية
الأمريكية وشركائها، وأن صدام حسين قد حارب نيابة عنهم ولمصلحتهم بكل تأكيد، ولا
مصلحة للشعب العراقي إطلاقاً في تلك الحرب، ولا يوجد أي مبرر لها أبداً.
كما أن إيران لم تكن مستعدة لتلك الحرب، ولم يعتقد حكام إيران أن النظام
العراقي يمكن أن يقدم على مثل هذه الخطوة، وهذا ما يؤكده اندفاع القوات العراقية
في العمق الإيراني خلال أسابيع قليلة دون أن يلقى مقاومة كبيرة من قبل الجيش
الإيراني .
أحدث تقدم الجيش العراقي في العمق الإيراني قلقاً كبيراً لدى القيادة
الإيرانية التي بدأت تعد العدة لتعبئة الجيش بكل ما تستطيع من الأسلحة والمعدات،
وقامت عناصر من الحكومة الإيرانية بالبحث عن مصادر للسلاح، حيث كان السلاح
الإيراني كله أمريكياً، وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت توريد الأسلحة إلى إيران
منذُ الإطاحة بالشاه، وقيام الحرس الثوري الإيراني باحتلال السفارة الأمريكية
واحتجاز أعضائها كرهائن، وتمكنت تلك العناصر عن طريق بعض الوسطاء من تجار الأسلحة
من الاتصال بإسرائيل للحصول على السلاح، وبالفعل أقدم حكام إسرائيل على تلبية حاجة
إيران من السلاح كي تستمر الحرب بين البلدين.
ولم يكن تصرف إسرائيل هذا بمعزل عن الولايات المتحدة ورضاها ومباركتها إن لم
تكن هي المرتبة لتلك الصفقات، بعد أن وجدت الولايات المتحدة أن الوضع العسكري في
جبهات القتال قد أصبح لصالح العراق، ورغبة منها في إطالة أمد الحرب فقد أصبح من
الضروري إمداد إيران بالسلاح لمقاومة التوغل العراقي في عمق الأراضي الإيرانية،
وخلق نوع من توازن القوى بين الطرفين.
ففي آذار من عام 1981 أسقطت قوات الدفاع الجوي السوفيتية طائرة نقل دخلت
المجال الجوي السوفيتي قرب الحدود التركية وتبين بعد سقوطها أنها كانت تحمل أسلحة
ومعدات إسرائيلية إلى إيران، وعلى الأثر تم عزل وزير الدفاع الإيراني [عمر فاخوري ]
بعد أن شاع خبر الأسلحة الإسرائيلية في أرجاء العالم .
إلا أن ذلك الإجراء لم يكن سوى تغطية للفضيحة، وظهر أن وراء تلك الحرب مصالح
دولية كبرى تريد إدامة الحرب وإذكاء
لهيبها، وبالفعل تكشفت بعد ذلك في عام 1986 فضيحة أخرى تلك التي عُرفت بفضيحة إيران ـ كونترا على عهد الرئيس الأمريكي [
رونالد ريكان ] الذي وجد أن استمرار لهيب الحرب يتطلب تزويد إيران بالسلاح وقطع
الغيار والمعدات، من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبشكل خاص إسرائيل التي كانت
لها مصالح واسعة مع حكومة الشاه لسنوات طويلة، وكان تقديم السلاح لإيران قد حقق
هدفين للسياسة الإسرائيلية الإستراتيجية:
الهدف الأول: يتمثل في استنزاف القدرات العسكرية العراقية التي تعتبرها
إسرائيل خطر عليها.
والهدف الثاني: هو تنشيط سوق السلاح الإسرائيلي، حيث قام الكولونيل [ اولفر
نورث ] مساعد مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي بترتيب التعاون العسكري
الإسرائيلي الإيراني من وراء ظهر الكونجرس الذي كان قد اصدر قراراً يمنع بيع
الأسلحة إلى إيران، وجرى ترتيب ذلك عن طريق شراء الأسلحة إلى ثوار الكونترا في نكاراغوا، حيث كان هناك قرارا بتزويد ثورة
الردة في تلك البلاد، وجرى شراء الأسلحة من إسرائيل، وسجلت أثمانها بأعلى من الثمن
الحقيقي لكي يذهب فرق السعر ثمناً للأسلحة المرسلة إلى إيران، هذا بالإضافة إلى ما
تدفعه إيران من أموال لهذا الغرض.
و انتهزت إسرائيل فرصة قيام الحرب العراقية الإيرانية، لتقوم بضرب المفاعل
الذري العراقي عام 1981، فقد كانت إسرائيل تراقب عن كثب سعي النظام الصدامي لبناء
برنامجه النووي، حيث قامت فرنسا بتزويد العراق بمفاعل ذري تم إنشاءه في
الزعفرانية، إحدى ضواحي بغداد، وكانت إسرائيل
تتتبّع التقدم العراقي في هذا المجال عبر جواسيسها باستمرار، وعندما قامت
الحرب العراقية الإيرانية وجدت إسرائيل الفرصة الذهبية لمهاجمة المفاعل، مستغلة
قيام الطائرات الإيرانية شن غاراتها الجوية على بغداد ، وانغمار العراق في تلك
الحرب مما يجعل من العسير عليه فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل آنذاك .
وهكذا هاجم سرب من الطائرات الإسرائيلية يتألف
من 18 طائرة المفاعل النووي العراقي في كانون الثاني 1981، وضربه بالقنابل الضخمة،
وقيل حينذاك أن عدد من الخبراء الفرنسيين العاملين في المفاعل قد قدموا معلومات
واسعة ودقيقة عن المفاعل مما سهل للإسرائيليين إحكام ضربتهم له، وهكذا تم تدمير
المفاعل.
لم يستطع حكام العراق القيام بأي رد فعل تجاه الضربة الإسرائيلية، واكتفوا
بالتوعد بالانتقام من إسرائيل، فلم يدر في خلدهم أن الحرب سوف تطول لمدة ثمان
سنوات، ويُغرق صدام حسين شعبه وبلاده في تلك الحرب المدمرة، حيث دفع الشعب العراقي
ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه، وثروات بلاده وأثقلته بالديون .
و في أواسط عام 1982 ، استطاع النظام الإيراني احتواء هجوم الجيش العراقي،
وتوغله في عمق الأراضي الإيرانية وإعداد العدة للقيام بالهجوم المعاكس لطرد القوات
العراقية من أراضيه بعد أن تدفقت الأسلحة على إيران، وقامت الحكومة الإيرانية
بتعبئة الشعب الإيراني، ودفعه للمساهمة في الحرب.
حاول حكام العراق بكل الوسائل والسبل وقف الحرب ووسطوا العديد من الدول والمنظمات كمنظمة الأمم المتحدة والجامعة
العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، لكن كل محاولاتهم ذهبت أدراج الرياح، فقد كان
الإمبرياليون يسعون بكل الوسائل والسبل إلى استمرار الحرب، وإفشال أي محاولة
للتوسط في النزاع، فقد قتل وزير خارجية الجزائر عندما كان في طريقه إلى إيران، في
محاولة للتوسط بين الطرفين المتحاربين، حيث أُسقطت طائرته، ولف الحادث الصمت
المطبق وبقي سراً من الأسرار.
كما اغتيل رئيس وزراء السويد [ أولف بالمه ]
الذي بذل جهوداً كبيرة من أجل وقف القتال في أحد شوارع العاصمة السويدية، وبقي
مقتله سراً من الأسرار كذلك، وقيل أن توسطه بين الأطراف المتحاربة لوقف القتال كان
أحد أهم أسباب اغتياله، هذا بالإضافة إلى موقفه النبيل من قضايا التسلح النووي
والحرب الفيتنامية التي عارضها بشدة.
لقد كان إصرار حكام إيران على استمرار الحرب من أعظم الأخطاء التي وقعوا فيها،
ولا يمكن تبرير موقفهم ذاك بأي حال من الأحوال، فقد أدى استمرار الحرب حتى الأشهر
الأخيرة من عام 1988إلى إزهاق أرواح مئات
الألوف من أبناء الشعبين، العراقي والإيراني، وبُددت ثروات البلدين وانهار
اقتصادهما، وتراكمت عليهما الديون، وأُجبر حكام إيران على شراء الأسلحة من عدويهما
إسرائيل وأمريكا، كما كانت شعاراتهم تقول، ولا أحد يعتقد أن الإمام الخميني وحكام
إيران لم يكونو عارفين أن تلك الحرب كانت حرب أمريكية وتصب في خانة الولايات
المتحدة وإسرائيل الإستراتيجية في المنطقة، وكان خير دليل على ذلك قيام الولايات
المتحدة وحلفائها بتزويد الطرفين بالأسلحة، والمعدات وقطع الغيار والمعلومات التي
كانت تنقلها الأقمار الصناعية، والتجسسية الأمريكية لكلا الطرفين، من أجل إطالة
أمد الحرب، وعليه كان الإصرار على استمرار الحرب جريمة كبرى بحق الشعبين والبلدين
الجارين، بصرف النظر عن طبيعة النظام العراقي وقيادته الفاشية المتمثلة بصدام حسين
وزمرته، والتي كانت تدفع أبناء الشعب العراقي إلى ساحات الموت دفعاً، وحيث كانت
فرق الإعدام تلاحق الهاربين من الحرب، أو المتراجعين أمام ضغط القوات الإيرانية في
ساحات القتال.
ومن جهة أخرى كان النظام الإيراني قد أدرك أن الإمبرياليين يساعدون الطرفين،
ويمدونهم بالسلاح والمعلومات العسكرية وعليه فإن استمرار تلك الحرب كان يمثل خدمة
كبرى للإمبرياليين، وكارثة مفجعة لشعبي البلدين وللعلاقات التاريخية وحسن الجوار
بينهما ؟
لقد أعترف صدام حسين عام 1990، بعد إقدامه على غزو الكويت في رسالته إلى
الرئيس الإيراني [ هاشمي رفسنجاني ] أن تلك الحرب كان وراءها قوى أجنبية كانت لها
يد في الفتنة.
ولكن صدام حسين لم يقل الحقيقة كاملة وبشكل دقيق،لأن الحقيقة تقول أن صدام
حسين أشعل الحرب بأمر أو تحريض أمريكي، وظن أن بإمكانه تحقيق طموحاته في التوسع
والسيطرة، ولعب دور شرطي الخليج، ويصبح للعراق منفذاً على الخليج.
لقد أراد صدام حسين أن يزاوج مصالح الإمبريالية
بأطماعه التوسعية، ولكن حسابات البيدر كانت غير حسابات الحقل، كما يقول المثل،
ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء أبنائه، وبدد صدام حسين ثروات البلاد، واغرق
العراق بالديون، ودمر اقتصاده، ولم يستفد من تلك الحرب سوى الولايات المتحدة
وإسرائيل وحلفائهم، وليذهب شعبا البلدين المظلومين من قبل حكامهما، ومن قبل
الإمبرياليين إلى الجحيم.
ربما فكر الإمام الخميني بأن استمرار الحرب يمكن أن يحقق له أهدافاً في العراق
كقيام ثورة [ شيعية ] تسقط النظام الصدامي، لكن هذا الحلم كان غير ممكن التحقيق
لسبب بسيط هو أن الإمبريالية لا يمكن أن تسمح بقيام نظام ثانٍ في العراق على غرار
النظام الإيراني، ولا حتى تسمح بأن يسيطر صدام حسين على إيران ليشكل ذلك أكبر خطر
على مصالحهم في المنطقة، وتسمح لأحد المنتصرين الجلوس على نصف نفط الخليج، وليس
أدل على ذلك من إعلان الرئيس الأمريكي جيمي كارتر
في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي، في 23 كانون الثاني من عام 1980 والذي
جاء فيه ما يلي :
{ إن أي
محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج، سوف يعتبر في نظر
الولايات المتحدة الأمريكية كهجوم على المصالح الحيوية بالنسبة لها وسوف يتم رده
بكل الوسائل، بما فيها القوة العسكرية}.
هذه هي حقائق الوضع في منطقة الخليج، والتي جهلها أو تجاهلها حكام البلدين،
ليغرقوا بلديهما وشعبيهما في ويلات أطول حرب في القرن العشرين.
لقد حاول صدام امتصاص غضب الشعب واستياءه من تلك
الحرب وكثرة الضحايا برشوة ذويهم ، وذلك بتقديم سيارة ومبلغ من المال، أو قطعة أرض او شقة أو دار، وكانت الحكومة السعودية، وحكام دول
الخليج الأخرى تدفع الأموال الطائلة لتمكن صدام حسين من دفع تلك الرشاوى، ولشراء
الأسلحة والمعدات للجيش العراقي بعد أن
أستنفذ دكتاتور العراق كامل احتياطات البلاد من العملات النادرة البالغة 36
ملياراً من الدولارات والذهب، واستنفذ كل موارد العراق النفطية التي كانت تقدر بـ
25 مليار دولار سنوياً، هذا بالإضافة إلى إغراق العراق بالديون.
لقد كان من الممكن أن يكون العراق في مصاف الدول المتقدمة في تطوره ومستوى
معيشة شعبه، نظراً لما يتمتع به من ثروات نفطية ومعدنية، وأراضي زراعية خصبة،
ومياه وفيرة، ولكن الدكتاتورآثر أن يسوق الشعب العراقي نحو الجوع والفقر، والوطن نحو الدمار والخراب.
كاد صدام يفقد صوابه بعد أن تطورت الأوضاع على جبهات القتال لغير صالح العراق،
وبدأ يعبئ كل موارد البلاد لخدمة المجهود الحربي، كما أخذ يطلب المساعدة من دول
الخليج ومن السعودية بشكل خاص، وشعر حكام الخليج أن الخطر قد بدأ يتقدم نحو
المنطقة، فسارعوا إلى تقديم كل أنواع الدعم والمساعدة المالية، وحصل العراق في تلك
الفترة على 12 مليار دولار، وكان عدد من الدول العربية كمصر والسعودية والكويت
تقوم بشراء الأسلحة لحساب العراق . غير أن حكام العراق وجدوا أخيراً أن السعي
لإنشاء مصانع الأسلحة ذات الدمار الشامل يمكن أن تكون أداة فعالة لدفع الخطر عن
البلاد، وتم إنشاء هيئة التصنيع العسكري، وبدأ العراق بإنتاج الأسلحة الكيماوية
مستفيداً من خبرة العلماء المصريين وبعض العلماء الأجانب الذين سبق وعملوا في
برامج الأسلحة الكيماوية في عهد عبد الناصر وأوقفها السادات من بعده .
ثم بدأ العراق في إنتاج وتطوير الصواريخ من طراز[ سكود ] وطوروا مداها لكي تصل إلى ابعد المدن
الإيرانية، وكان الإيرانيون قد حصلوا على عدد من تلك الصواريخ وضربوا بها العاصمة
بغداد وبعض المدن الأخرى، حيث كانت تلك الصواريخ تطلق نحو العراق كل بضعة أيام أو
أسابيع لتصيب الأهداف المدنية وتفتك بالأبرياء، فقد أصاب أحد تلك الصواريخ مدرسة
ابتدائية في بغداد، وقتل العديد من الأطفال وجرح أعداد أخرى، وكان الشعب العراقي
ينتابه القلق الشديد كل يوم من هذا السلاح الخطير، حيث لا أحد يعلم متى وأين سيسقط
الصاروخ، وكم سيقتل من الآمنين.
وتمكن العراق من الحصول على أعداد كبيرة من تلك الصواريخ، وبدأ في تطويرها
وزيادة مداها، وبدأ حكام العراق يطلقونها على العاصمة الإيرانية والمدن الأخرى بكثافة، حتى جاوز عدد
الصواريخ التي أطلقوها على المدن الإيرانية أكثر من [1000 صاروخ ] منزلين الخراب
والدمار بها الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، وأخذت الحرب تزداد خطورة وأذى
للسكان المدنيين.
كما تمكن العراق من إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية واستخدمها في صد
هجمات القوات الإيرانية منزلاً بها
الخسائر الجسيمة في الأرواح، كما راح حكام العراق يعبئون صواريخ سكود بالغازات
السامة كغاز[الخردل] و[السارين] السامين ، ثم بدءوا يتطلعون إلى تطوير ترسانتهم
الحربية في مجال الأسلحة البيولوجية والجرثومية، وتمكنوا من إ نتاجها وتعبئة
القنابل بها.
أحدث برامج التسلح العراقي هذا قلقاً كبيراً لدى إسرائيل التي كانت تتابع
باهتمام بالغ تطوير برامج التسلح العراقي، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلية
[الموساد ] بحملة ضد العلماء الذين ساهموا في تطوير البرامج، وضد الشركات الغربية
التي جهزت العراق بالأجهزة، والمعدات اللازمة لتطويرها وخاصة الشركات الألمانية
والفرنسية والأمريكية والبلجيكية والسويسرية التي بلغ عددها أكثر من 300 شركة.
كما قام الموساد باغتيال العالم المصري الأمريكي الجنسية [يحيى المشد] الذي
عمل في تطوير الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل، كما أغتال العالم البلجيكي
الدكتور[جيرالد بول] في بروكسل، حيث كان
هذا العالم يعمل لإنتاج المدفع العملاق للعراق، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي
أيضاً بنسف توربينات المفاعل النووي [ أوزيراك ] في ميناء [مرسيليا ] الفرنسي حيث
كان معداً لنقله إلى العراق. غير أن العراق واصل نشاطه في بناء مفاعل جديد بإشراف
العالم النووي العراقي [جعفر ضياء جعفر ] الذي استطاع أن يحقق نجاحاً بارزاً في
هذا المجال، وكان ذلك يجري تحت سمع وبصر
الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين ومساعدتهم لإبقاء نار الحرب مشتعلة
بين العراق وإيران .
حرب الناقلات وتأثيرها على إمدادات النفط :
عمل الطرفان المتحاربان على منع كل طرف للطرف الآخر من تصدير نفطه بالنظر إلى
اعتماد كلا البلدين على واردات النفط لتمويل الحرب، ولكون اقتصاد البلدين يعتمد اعتمادا
كلياً على تلك الواردات، ولذلك وجدنا قوات البلدين تقوم بقصف المنشآت النفطية لكل
منهما، واستمر القصف طيلة الحرب.
كما قامت القوات الإيرانية بلغم رأس الخليج لمنع الناقلات من الوصول إلى ميناء
البكر النفطي ، مما اضطر العراق كما أسلفنا إلى مد أنابيب لنقل النفط عبر الأراضي
التركية والسعودية، فيما كانت سوريا قد أوقفت مرور النفط العراقي في الخط المار
عبر أراضيها إلى ميناء بانياس، وميناء طرابلس اللبناني منذُ نشوب الحرب.
أما حكام العراق فقد سعوا أيضاً إلى منع إيران من تصدير نفطها، وقامت طائرات
من طراز [سوخوي 23] وطائرات من طراز[ميراج] الفرنسية التي استأجرها العراق،
والمحملة بصواريخ [أكزوزسيت ] والتي استطاع بواسطتها من الوصول إلى ابعد نقطة في
الخليج لملاحقة الناقلات التي تنقل النفط الإيراني، وتدمير المرافئ التي تستخدمها
إيران لتصدير النفط . وهكذا اشتعلت حرب الناقلات بين البلدين المتحاربين أصبحت
عملية نقل النفط خطيرة وصعبة، ورفعت شركات التأمين رسومها على الناقلات إلى مستوى
عالٍ جداً مما سبب في رفع أسعار النفط في الأسواق العالمية.
استمرت حرب الناقلات، بل وتصاعدت في السنوات الأخيرة من الحرب، وأصبحت تمثل
خطراً حقيقياً على تدفق النفط الذي من أجله أٌشعلت نيران الحرب، وأصبح الخليج
مملوء بالألغام، وأصبح استمرار الحرب يعطي نتائج عكسية، مما دفع الولايات المتحدة
وحلفائها إلى التحرك لإنهائها بعد تلك السنين الطويلة من الدماء والدموع والخراب
والدمار الذي عم البلدين، وكان إنهاءها يتطلب دعماً كبيراً للعراق لأخذ المبادرة
وقلب موازين القوى لصالح العراق، وطرد القوات الإيرانية من الأراضي العراقية،
وتوجيه الضربات الموجعة لإيران لتركيعها وإجبارها على القبول بوقف الحرب.
وقد جرى ذلك الدعم بمختلف السبل من تقديم المعلومات العسكرية إلى تقديم شتى
أنواع الأسلحة، وتقديم الخبرات، ومشاركة ضباط مصريين كبار، بالإضافة إلى القوات
المصرية والأردنية واليمانية، وغيرها من
السبل والوسائل، وبدأ العراق يعد العدة لشن الهجوم تلو الهجوم لطرد القوات الإيرانية
من أراضيه.
وهكذا تحول ميزان القوى في عام 1988 العام الأخير للحرب مرة أخرى لصالح
العراق، وبدأ النظام العراقي يعد العدة لتحرير أراضيه من الاحتلال الإيراني، وكان
في مقدمة أهدافه تحرير الفاو، التي مضى على احتلالها 21 شهراً.
حشد النظام العراقي قوات كبيرة من الحرس الجمهوري ومعدات لا حصر لها، كان من
بينها 2000 مدفع، ومئات الدبابات والمدرعات، وبدأ الهجوم يوم 17 نيسان 988
واستطاعت القوات العراقية تحقيق انتصار ساحق على القوات الإيرانية بعد أن حولت
المنطقة إلى كتلة من لهيب ودفع العراق حياة خمسين ألفا من أبنائه ثمناً لتحرير الفاو.
كان الهدف الثاني للنظام العراقي هو تحرير المناطق المحيطة بمدينة البصرة،
وإبعاد القوات الإيرانية عن المدينة التي كانت طيلة الحرب هدفاً لقصف المدفعية
الإيرانية، والهجمات المتتالية عليها بغية احتلالها، ولذلك فقد ركز النظام العراقي
جهد قواته إلى تلك المنطقة، وخاض مع القوات الإيرانية معارك شرسة دامت ثلاثة
أسابيع، وتمكنت القوات العراقية بعدها من تحرير كافة المناطق المحيطة بالبصرة بعد
أن قدم التضحيات الجسام .
بعد أن فرغت القوات العراقية من تحرير الفاو كان أمامها الهدف الثالث الذي لا
يقل أهمية عن الهدفين الأولين ،جزر مجنون، التي تعتبر من أغنى المناطق التي تحتوي
على احتياطات نفطية هائلة، وقد تمكنت القوات العراقية بعد معارك عنيفة من تحريرها
من أيدي الإيرانيين، وإلحاق الهزيمة بالجيش الإيراني.
انتقلت القوات العراقية بعد تحرير جزر مجنون إلى
ملاحقة القوات الإيرانية التي كانت قد احتلت فيما مضى مناطق على طول الحدود
الممتدة بين البصرة في الجنوب ومندلي في
القاطع الأوسط، واستمرت في توجيه الضربات للقوات الإيرانية التي أخذت معنوياتها
تتراجع يوماً بعد يوم واستطاعت القوات العراقية طردها من تلك المناطق ودفعها إلى
داخل الحدود الإيرانية.
لم تكتفِ القوات العراقية من إزاحة القوات الإيرانية من الأراضي العراقية،
وإنما طورت هجماتها وأخذت تلاحق القوات الإيرانية إلى داخل الحدود، واستمر تقدم
القوات العراقية في العمق الإيراني إلى مسافة 60 كم مما جعل القوات الإيرانية في
موقف صعب للغاية، وتنفس النظام العراقي الصعداء، واستمر في ضغطه على القوات
الإيرانية لإجبارها على القبول بوقف الحرب التي عجزت كل الوساطات عن إقناع حكام
إيران بوقفها.
أخذ النظام العراقي يصعد ضغطه على حكام إيران من أجل القبول بوقف الحرب، وذلك
عن طريق تكثيف حرب الصواريخ لإحداث حالة من الانهيار النفسي لدى الشعب الإيراني،
فقد كانت الصواريخ تنهال على طهران والمدن الإيرانية الأخرى بشكل متواصل محدثة
خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، وخلقت حالة من الهلع لدى الشعب الإيراني .
وفي ظل تلك الظروف صدر قرار مجلس الأمن رقم 579، والذي دعا إلى وقف القتال بين
الطرفين وانسحاب القوات العسكرية إلى داخل حدودها الوطنية، ووجد حكام إيران أنهم
قد أصبحوا عاجزين عن مواصلة الحرب، واضطر الزعيم الديني الخميني إلى إصدار أوامره
بوقف الحرب في 18 تموز 1988 والقبول بقرار مجلس الأمن على مضض حيث أعلن الخميني
موافقته على القرار ووقف الحرب.
{42}
صدام حسين ينتقم من الشعب الكردي
لم يكد النظام الصدامي ينتهي من معاركه الخمسة مع إيران وتضع الحرب أوزارها ،
حتى التفت إلى منطقة كردستان، وقد امتلأ قلب صدام
حقداً على الأكراد فأصدر أوامره إلى قوات الحرس الجمهوري بقيادة المجرم
العريق [ علي حسن المجيد ] الملقب [ علي كيماوي ] حيث ارتبط أسمه باستخدام السلاح
الكيماوي ضد أبناء الشعب الكردي.
ففي 20 آب 988 ، اليوم الذي جرى فيه إيقاف الحرب بين العراق وإيران اندفعت
قطعان الفاشيين نحو كردستان مستخدمة في
بداية هجومها السلاح الكيماوي في منطقة واسعة جاوزت 6000كم مربع أصابت معظم القرى
الكردية في المنطقة الممتدة من كركوك وحتى أقصى حدود كردستان، كما قامت الطائرات
صباح يوم 26 آب ب24 غارة بالأسلحة الكيماوية على مدن وقرى عديدة في كردستان، وكانت
الطائرات تتعقب الهاربين من جحيم الحرب، كما شاركت الطائرات المروحية في مطاردتهم،
وبلغ عدد الفارين نحو الحدود التركية أكثر من 90 ألفاً وكان قسم منهم مصاباً بحروق
جراء تعرضهم للأسلحة الكيماوية.
أعقب الهجوم البربري بالأسلحة الكيماوية اجتياح الحرس الجمهوري لكردستان
مبتدئة بالقرى المحيطة بكركوك لتمسحها من الوجود، وتتركها أكواما من الحجارة،
ولتفتك بأبناء الشعب الكردي بأسلوب رهيب لم تشهد له كردستان من قبل حيث لم يسلم من
بطش القوات الغازية حتى الأطفال حيث لم تنجُ حتى الجوامع والكنائس من همجية الفاشيين البعثيين.
كما تم نقل أعداد كبيرة من الأكراد
إلي المناطق الصحراوية في جنوب العراق بسيارات الحمل إمعاناً بإذلالهم، ونُهبت
ممتلكاتهم ومواشيهم .
ورغم كل الجرائم التي أقترفها النظام الصدامي باستخدامه السلاح الكيماوي ليس
ضد القوات الإيرانية فحسب، بل وضد الشعب الكردي كذلك فإن تلك الجرائم لم تحرك مجلس
الأمن ولا حكومات الدول الغربية التي تتشدق بحقوق الإنسان، وشجع موقفهم حاكم بغداد
على الإيغال بجرائمه ضد الإنسانية.
غير أن الغرب صحا فجأة بعد عام 1989، بعد أن انتهت الحرب مع إيران، وبدأ يتحدث
عن تسلح النظام العراقي بأسلحة الدمار الشامل الكيماوية والبيولوجية والجرثومية
والنووية .
فلقد تغيرت الحال بعد الحرب، وخرج العراق
منها ولديه ترسانة ضخمة من الأسلحة تجعله
خطراً داهماً على مصالحهم في الخليج، ووجد الغرب أن من الضروري نزع العراق لأسلحته
ذات الدمار الشامل من أجل ضمان امن واستقرار الخليج، ووجد إن الوقت قد حان لنزع
هذه الترسانة الخطيرة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية والصواريخ
البعيدة المدى، والقادرة على حمل تلك الأسلحة إلى مسافات شاسعة، وكان لابد وان يجد
الغرب الوسيلة والمبرر لذلك ،كما سنرى فيما بعد.
|
|
|
||
|
الفصل (13) |