حامد الحمداني

 

احداث في ذاكرتي

 

الفصل الثاني عشر

 

 

35 ـ أحداث خطيرة شهدها العراق والعالم العربي.

36 ـ محاولة ناظم اكزار الانقلابية.

37 ـ البعثيون يحاولون تبييض وجوههم.

38 ـ  البعثيون والقضية الكردية.

 

 

{35}

أحداث خطيرة شهدها العراق والعالم العربي

خلال عامي 67 ـ 68

 

1 ـ كارثة حرب 5 العربية الإسرائيلية عام 1967

شهد العالم العربي عام 1967 أخطر كارثة  في تاريخه خلال القرن الماضي تلك هي الحرب العربية الإسرائيلية التي وقعت في الخامس من حزيران 1967،والتي أطلقت عليها إسرائيل [حرب الأيام الستة] والتي غيرت خارطة العالم العربي حيث احتلت إسرائيل كامل الأراضي الفلسطينية الضفة وهضبة الجولان السورية وصحراء سيناء المصرية، وما تزال نتائجها الكارثية مستمرة على العالم العربي حتى يومنا هذا.

ففي شهر مايس من عام 967 بلغت أوضاع المنطقة العربية غاية التعقيد ، بعد أن تصاعدت لهجة التهديد، والتهديد المضاد وخاصة بين إسرائيل وسوريا، بعد إقدام الأولى على تحويل مجرى نهر الأردن ، مما دفع الرئيس عبد الناصر إلى اتخاذ إجراءات مضادة ، تمثلت في غلق خليج العقبة بوجه الملاحة الإسرائيلية.

إثر ذلك تصاعد الصراع بين الدول العربية وإسرائيل، وبوجه خاص بين الرئيس عبد الناصر وقادة إسرائيل، ووصل الأمر بعبد الناصر إلى الطلب من قوات الطوارئ الدولية المرابطة بين القوات المصرية والإسرائيلية  أن تنسحب من المنطقة.

لقد كان واضحاً في ذلك الوقت أن الصراع يوشك أن ينفجر في أي لحظة، وأن الحرب بين العرب وإسرائيل قد أصبحت أمراً لا مفر منه.

وسارع عبد الناصر إلى  إجراء تنسيق مع سوريا والأردن لمواجهة التحديات العسكرية الإسرائيلية.

سارع مجلس الأمن إلى عقد جلسة خاصة لبحث الأوضاع المتفجرة بين العرب وإسرائيل، وأصدر في ختام اجتماعه بياناً دعا فيه الأطراف المعنية بالصراع إلى التزام جانب الهدوء، وعدم تأزم الموقف، فقد كان الوضع يوشك على الانفجار في أية لحظة، ولاسيما وأن إسرائيل كانت قد أعلنت التعبئة العامة لقواتها المسلحة، وكانت استعداداتها الحربية تجري على قدم وساق. وفي الوقت نفسه بعث الرئيس الأمريكي  [جونسون ] برسالة إلى عبد الناصر يطلب منه ضبط النفس محذراً إياه من مغبة شن الحرب، ومهدداً بعواقب وخيمة.

وفي ظل تلك الظروف البالغة الخطورة طلب الاتحاد السوفيتي من الرئيس عبد الناصر بان لا تبدأ مصر الحرب، ولكن ينبغي اتخاذ أقصى ما يمكن من إجراءات الحذر واليقظة للرد على أي هجوم إسرائيلي مفاجئ .

لكن قيادة الجيش المصري التي كان على رأسها المشير[عبد الحكيم عامر] لم تكن تعي خطورة الوضع، وضرورة الاستعداد التام ، وجعل القوات المسلحة المصرية في أقصى درجات التأهب في كل لحظة، وخاصة القوة الجوية التي تشكل الغطاء الحيوي للقوات المصرية في صحراء سيناء المكشوفة،  فقد كان من المفروض أن تكون نصف الطائرات المصرية في الجو مهيأة لكل طارئ يوم 4 حزيران،  بعد التحذير الذي وجهه الاتحاد السوفيتي إلى مصر من أن جيش إسرائيل قد بلغ أقصى درجات التأهب.

 لكن شيئاً من هذا لم يحدث، وفاجأت الطائرات الإسرائيلية صباح يوم 5 حزيران المطارات العسكرية المصرية، ودمرت معظم مدرجاتها، والطائرات الحربية الجاثمة عليها، في الساعات الأولى من ذلك اليوم، مما افقد القوات المصرية غطائها الجوي في صحراء سيناء، وجعلها تحت رحمة القصف الجوي الإسرائيلي المتواصل بكل ما أوتيت من قوة منزلة الخسائر الفادحة بها، وممهدة الطريق أمام قواتها المدرعة للاندفاع نحو قناة السويس حيث تم لها السيطرة على كامل صحراء سيناء خلال خمسة أيام.

ولما ضمنت إسرائيل في اليوم الأول سيطرتها الجوية على صحراء سيناء، وتدميرها للقوات المصرية،  وجهت جهدها الجوي إلى الجبهة السورية والأردنية، واستطاعت إسرائيل بسبب عدم تكافؤ القوى، أن تنزل خسائر جسيمة بالقوات السورية والأردنية، وتمكنت من الاستيلاء على كامل الضفة الغربية، وأجزاء من الأردن، وهضبة الجولان السورية ذات الأهمية الإستراتيجية الكبرى لسوريا خلال تلك الحرب الخاطفة، التي كان يحلو لإسرائيل أن تسميها بـ { حرب الأيام الستة}. وبكل وقاحة أعلنت إسرائيل أن صحراء سيناء  وهضبة الجولان، والضفة الغربية من فلسطين هي ارض إسرائيلية، أخذت تحكم دفاعاتها على هضبة الجولان السورية وعلى امتداد قناة السويس وقامت بتشييد خط دفاعي على طول قناة السويس دعته [خط بارليف]، وتم إغلاق قناة السويس.

 لم يكن العراق مستعدا لتلك الحرب، فقد كانت ثلثي قواته العسكرية مشغولة في الحرب ضد الشعب الكردي، وبعيدة جداً عن ساحة المعارك التي تزيد على [1000كم]، ولم يكن لدى العراق سوى اللواء الثامن الآلي قريباً من الساحة، عند الحدود السورية الأردنية، حيث أوعز لها الرئيس عبد الرحمن عارف بالتحرك إلى ساحة الحرب بأسلوب استعراضي لم يراعِ فيه جانب الأمان لقواته المتقدمة، وهو العسكري الذي كان بالأمس رئيساً لأركان الجيش، ثم أصبح قائداً عاماً للقوات المسلحة بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد.

لقد وقف الرئيس عبد الرحمن عارف يخطب من دار الإذاعة والتلفزيون معلناً تحرك القوات العراقية إلى ساحة المعركة، وكان ذلك التصرف منه خير منبه لإسرائيل لتهاجم طائراتها القوات العراقية وهي في طريقها إلى سوريا عبر الصحراء منزلة بها الخسائر الكبيرة.

 ومن المحزن في تصرفات عارف وجهله، أنه وقف يخطب بعد نهاية الحرب قائلاً:{ إن إسرائيل تعرف عنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا}.

لقد أثبتت تلك الحرب أن البونَ كان شاسعاً بين العرب وإسرائيل فالحكومات العربية كانت على درجة خطيرة من التخلف يسودها الصراعات بين مختلف الأجنحة المتصارعة، والعسكرية منها بوجه خاص، حيث هيمن الضباط على معظم الأنظمة العربية، وعمت الفوضى في البلاد، وساد التخلف كل جوانب الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، في حين كان الإسرائيليون قد هيأ وا أنفسهم للحرب، وحولوا كل جهودهم وقواهم لتعزيز جيشهم، وأصبحت إسرائيل مسلحة حتى الأسنان بأحدث أنواع الأسلحة والتكنولوجيا الحربية، ويقودها أناس يعرفون ما يفعلون، أفليس عاراً على الدول العربية التي تعد إمكانياتها المادية والبشرية عشرات أضعاف إسرائيل أن تستطيع إلحاق الهزيمة النكراء بالجيوش العربية خلال ستة أيام لا غير؟

وفي 10 تموز 1967، وبعد مرور شهر واحد على هزيمة 5 حزيران كلف عبد الرحمن عارف الزعيم طاهر يحيى بتأليف وزارة جديدة ، في جو ذلك الصراع والتناحر بين مختلف الفئات القومية، وقد ضمت وزارته عناصر ناصرية وقومية مستقلة، وكانت تعتبر أكثر تجانساً، وتوافقاً من سابقاتها من الوزارات.

 غير أنها كانت تفتقر إلى الدعم الشعبي، فقد كان الشعب في وادٍ، والنظام الحاكم في وادٍ آخر، ولذلك فقد كان من العسير على تلك الوزارة أن تقدم أي شيء ملموس للبلاد الغارقة بالمشاكل الاقتصادية والسياسية، بالإضافة إلى مرارة الهزيمة وتأثيرها النفسي على أبناء  الشعب. لقد حاول طاهر يحيى التخفيف من ضغط تلك الأوضاع البالغة السوء فقام ببعض الإجراءات التي تتعلق بالأوضاع الاقتصادية.

ففي 6 آب 967 أصدرت الحكومة قراراً بتحويل كامل حقوق الاستثمار في حقل الرميلة الشمالية الغنية بالنفط إلى شركة النفط الوطنية التي تملكها الدولة.

وفي 23 تشرين الثاني 967  منحت الحكومة شركة النفط الفرنسية ـ إيراب عقداً للتنقيب عن النفط واستخراجه في منطقة تبلغ مساحتها حوالي [ 11000] كم مربع، وتقع في وسط  وجنوب العراق.

وفي 24 كانون الثاني توصلت الحكومة مع الاتحاد السوفيتي إلى عقد اتفاقية يقدم بموجبها الاتحاد السوفيتي الخبرة، والأجهزة والمعدات، والمساعدة التقنية لحفر حقل الرميلة الشمالي، المساعدة غلى استخراج النفط وتسويقه.

غير أن حكومة طاهر يحيى لم تسطع إصلاح الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في البلاد ، واستمرت الشكاوى الشعبية العارمة من سوء تلك الحالة، ومن تصرفات الضباط ، الذين كانوا يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة من شؤون البلاد ، واشتكى التجار من قيام العديد من أولئك الضباط بالمتاجرة بأجازات الاستيراد.

 

2 ـ انشقاق الحزب الشيوعي:

منذُ أن أنتخب عبد الرحمن عارف رئيساً للجمهورية بعد مقتل أخيه عبد السلام عارف، وقف الحزب الشيوعي موقف المعارض للسلطة العارفية، بل وزاد من معارضته تلك بأن شكل على عهد حكومة البزاز فصائل ثورية مسلحة سماها  [قسائم الحسين ] .كان تفكير الحزب هو التهيئة للانتفاضة الشعبية التي يمكن أن تقدم الإسناد لأي تحرك من قبل الجناح العسكري للحزب  داخل الجيش، متخطياً المواقف الرسمية للاتحاد السوفيتي من نظام الحكم في العراق، وتحسن تلك العلاقة بين الطرفين إثر قيام البزاز بزيارة الاتحاد السوفيتي، حيث أعرب السوفيت عن تثمينها لسياسة عدم الانحياز التي يتبعها العراق ، وجهود البزاز لوقف القتال في كردستان .

إلا أن الحزب الشيوعي لم يغير موقفه من السلطة، واستمر على معارضته لها بكل الوسائل، والسبل  داعياً إلى إسقاطها، وتحرير الشعب العراقي من نير الدكتاتورية البغيض، واستمرت قيادة الحزب في تشكيل الفصائل الثورية في الريف العراقي وفي المدن لشن حرب أنصار ضد الرموز التي كانت تصرفاتها تتسم بالوحشية والقسوة.

إلا أن تلك المبادرات لم تثمر في إجراء أي تغيير ملموس، أو أي عمل ذو شأن ضد السلطة، والمعتقد أن قيادة الحزب فعلت ذلك من أجل إرضاء الكوادر وقواعد الحزب التي كانت تضغط على القيادة باستمرار للقيام بعمل من أجل إسقاط السلطة واستلام الحكم.

في الوقت الذي كانت اللجنة المركزية في صراع بين جناحيها [اليميني واليساري] حول السبل الواجب إتباعها لتحقيق أهداف الحزب الآنية  والإستراتيجية، وساعد في إذكاء الصراع الانقسام الذي حصل في المعسكر الشيوعي بين الاتحاد السوفيت والصين.

لقد أدى ذلك إلى ظهور نواة للمعارضة داخل الحزب دعيت آنذاك [الكادر الثوري ]  طالبت بحرية نشر الآراء والإفصاح عنها، ودعت إلى رفض الرأي القائل أن وحدة الحزب فوق المبادئ، وجاءت هزيمة 5 حزيران 967 ، وهزيمة العرب أمام إسرائيل لتزيد من نار الخلافات داخل قيادة الحزب من جهة وبين القيادة والقاعدة والكادر من جهة آخر.

وفي 17 أيلول 967 انفجر الصراع داخل الحزب الشيوعي عندما أنشق قسم كبير من قيادة وكوادر وأعضاء الحزب بقيادة [عزيز الحاج]  و[ حميد خضر العاني] و[كاظم رضا الصفار] و[أحمد محمود العلاق]  و[ متي هندو ] و[ بيتر يوسف] وغيرهم من الكوادر المتقدمة في الحزب، وتمكن المنشقون من سحب الجانب الأكبر من قواعد الحزب وكوادره  متخذين لهم أسم [الحزب الشيوعي العراقي ـ القيادة المركزية].

 ارتبطت القيادة الجديدة باسم [عزيز الحاج ] الذي قاد الانشقاق، وأعلنت القيادة المركزية عن استقلالها في اتخاذ القرارات التي تهم العراق عن الحركة الشيوعية، ولكنها أكدت على تضامن الحركة العمالية العالمية، وأعلنت وقوفها مع التيارات الثورية في العالم اجمع.

أما موقف القيادة المركزية من نظام عبد الرحمن عارف فقد كان موقفاً معادياً كلياً، حيث دعت القيادة إلى تسليح جماهير الشعب ، وإلى العنف الثوري، والنضال المسلح في كل مدن العراق وريفه، وقيام حكم ثوري ديمقراطي بقيادة الطبقة العاملة.

 أما ما يخص موقف القيادة المركزية بالنسبة لعلاقات العراق العربية، فقد أعلنت وقوفها إلى جانب الوحدة العربية الثورية ذات المحتوى الاشتراكي.

 كما سارعت القيادة المركزية إلى إدانة قرار مجلس الأمن الذي أيده الاتحاد السوفيتي في 29 تشرين الثاني 1947، والمتعلق بتقسيم فلسطين بين العرب وإسرائيل، والقرار الصادر في 22 تشرين الثاني 1967 الخاص بتسوية أزمة الشرق الأوسط ، ودعت إلى القضاء على دولة إسرائيل، وقيام دولة ديمقراطية عربية يهودية كحل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي، معتبرين قيام حركة المقاومة الفلسطينية المتمثلة بحركة التحرير الوطني الفلسطيني الوسيلة الوحيدة لفرض الحل النهائي.

رد فعل قيادة الحزب على الانشقاق:

بعد أن استطاعت القيادة المركزية سحب أعداد كبيرة من كادر الحزب  والجانب الأكبر من قواعده  أصبحت اللجنة المركزية في وضع صعب للغاية، وسارعت إلى الدعوة إلى عقد المؤتمر الثالث للحزب في كانون الأول 967 ، وقد حضر المؤتمر 57 عضواً من الكادر الحزبي منتخبين من اللجان المحلية وفرع كردستان، حيث لم يكن من السهل تأمين اجتماع لكل أعضاء الحزب في ظل العمل السري.

مثل أعضاء المؤتمر بنسبة 62 % من العرب، و31 % من الأكراد، و7 % من بقية الأقليات، وكان العمال في المؤتمر يمثلون ثلث مجموع الحاضرين.

وقد اتخذ الحزب قراراً بإدانة الانشقاق، ومتهماً القائمين بهذا العمل بالنشاط الهدام للحزب، وناشد العناصر الطيبة  التي دعوها بالمخدوعة بالعودة إلى أحضان الحزب، وهذا يمثل دليلاً على مدى عمق وسعة الانشقاق.

 كما ألتزم الحزب فيما يخص مشكلة الشرق الأوسط بالخط السوفيتي المصري، معتبرين أن حصر الحل بالحرب الشعبية كطريق وحيد عملاً ضاراً بالجهود الدولية لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي في 5حزيران 967 . كما أنتقد المؤتمر الحكومة لعدم مشاركتها الفعالة في حرب حزيران، وتوجيه سلاح الجيش العراقي إلى صدور أبناء الشعب الكردي، واعتقال وطرد أعداد كبيرة من الجنود والضباط الوطنيين من صفوف الجيش. كما أنتقد المؤتمر الاتفاقية النفطية مع شركة [ إيراب ] الفرنسية معتبراً إياها تفريطاً بالمصالح الوطنية، وتشديداً للهيمنة الإمبريالية على نفط العراق واقتصاده. أما الاتحاد السوفيتي فلم يكن راضياً عن الانتقادات التي وجهها المؤتمر للحكومة العراقية، وأقدم على غلق الإذاعة التي كانت تبث من ألمانيا الديمقراطية آنذاك، باسم [ صوت الشعب العراقي ]، وقد استغلت القيادة المركزية ذلك القرار لفضح تبعية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي للحزب الشيوعي السوفيتي، متهمة الحزب بتلقي الأوامر من موسكو.

 

3ـ انقلاب17 تموز 1968 وعودة البعثيين إلى الحكم 

لاشك أن هناك أمورٌ كثيرة فيما يخص الوضع السياسي في العراق كانت قد أقلقت الإمبرياليين الأمريكيين والبريطانيين، بعد أن بدا لهم بوضوح ضعف نظام عبد الرحمن عارف، وجعلتهم يستبقون الأحداث، ويدبرون انقلابهم ضد النظام، وكان أهم تلك الأمور ما يلي :

 

1 - تنامي النشاط الشيوعي من جديد، وظهور اتجاهات لدى الحزب، والقيادة المركزية، للسعي لقلب الحكم بالقوة، واستلام السلطة، مما أثار قلق الإمبرياليين  الذين وضعوا في الحسبان إمكانية إسقاط ذلك النظام الهش الذي يفتقر لأي سند شعبي، وتتآكله الصراعات بين الضباط المهيمنين على السلطة، وانشغالهم في السعي للحصول على المكاسب والمغانم، مما جعل الحكم في فوضى عارمة يمكن أن تُسّهل عملية الانقضاض عليه، وتوجيه الضربة القاضية له.

 

2 - محاولات القوى الناصرية تحقيق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة كانت تسبب للإمبرياليين المزيد من القلق، لأن الوحدة تشكل أكبر خطر على الوجود الإمبريالي في المنطقة،  وعلى إسرائيل، القاعدة المتقدمة للإمبرياليين، وسيفهم المسلط على رقاب العرب.

                                                

3 - قرار حكومة طاهر يحيى في 6 آب 967 باستعادة حقل الرميلة الشمالي من شركة نفط العراق، وإلحاقه بشركة النفط الوطنية، ومعروف أن هذا الحقل غني جداً بالنفط، مما أثار حنق شركات النفط الاحتكارية التي اعتبرته تحدياً جدياً لمصالحها الإمبريالية .

 

4 - عقد اتفاقية نفطية مع الاتحاد السوفيتي، بتاريخ 24 كانون الأول 967 ، تعهد الاتحاد السوفيتي بموجبها بتقديم كل المساعدات التقنية وتجهيزات الحفر لحقل الرميلة الشمالي، واستخراج النفط  وتسويقه لحساب شركة النفط الوطنية، وقد اعتبرت الإمبريالية هذا الأمر تغلغلاً سوفيتياً في هذه المنطقة الهامة التي تحتوي على نصف الخزين من الاحتياطات النفطية في العالم، واتخذت قرارها بالتصدي لهذا التغلغل.

 

 5 - إقدام حكومة عارف على عقد اتفاقية نفطية مع شركة إيراب الفرنسية للتنقيب والحفر واستخراج النفط في منطقة تزيد مساحتها على11000كم مربع تقع في وسط وجنوب العراق وذلك بمعزل عن الاحتكارات النفطية البريطانية والأمريكية، حيث اعتبر ذلك تجاوزاً على مصالحهما النفطية.

6 - رفض حكومة عارف منح شركة [ بان أميركان ] الأمريكية امتيازاً لاستخراج الكبريت في العراق، حيث اكتشفت كميات كبيرة منه على نطاق تجاري مما أثار نقمة الحكومة الأمريكية. 

كل هذه العوامل جعلت الإمبريالية تقرر قلب نظام  عارف الهش، والإتيان بحكومة جربتها يوم دبرت انقلاب 8 شباط 963، تلك التي أعلنت الحرب الشعواء على الشيوعيين وكل الوطنيين، واغتالت ثورة الرابع عشر من تموز، وقائدها عبد الكريم قاسم، وصفت كل منجزات الثورة التي دفع الشعب العراقي من أجلها دماء غزيرة.

 جرت عملية الإعداد للانقلاب من قبل الدوائر الإمبريالية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة حيث سعت تلك الدوائر لتعاون العناصر الموالية لكلا الجانبين. فهناك البعثيون على الجانب الأمريكي، وعبد الرزاق النايف وإبراهيم عبد الرحمن الداؤد وزمرتهما على الجانب البريطاني، وكان النايف يشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، فيما كان الداؤد يشغل منصب آمر الحرس الجمهوري.

سارع الإمبرياليون عن طريق عميليهما الدكتور[ ناصر الحاني ] سفير العراق في بيروت، و[بشير الطالب]  الملحق العسكري في السفارة المذكورة، والذي سبق أن شغل قيادة الحرس الجمهوري في عهد عبد السلام عارف، حيث تمت الاتصالات بالانقلابيين وتجنيدهم من خلال السعودية، وقد قام النايف والداؤد بالاتصال بسعدون غيدان، آمر كتيبة الدبابات بالقصر الجمهوري واستطاعا جره إلى جانبهما. وبعد أن تم للإمبرياليين تأمين اشتراك القادة الثلاثة في الانقلاب طلبوا من النايف الاتصال بالبعثيين،  ودعوتهم للمشاركة في الانقلاب.

وجد البعثيون فرصتهم الذهبية للعودة إلى الحكم من جديد، وأعلنوا على الفور استعدادهم للمشاركة في الانقلاب. أما عبد الرزاق النايف فقد أكد دوره في ذلك المخطط  بعد أن قام البعثيون بانقلابهم ضده بعد  مرور 13يوماً من تنفيذ انقلاب 17تموز 968، ونفيه إلى خارج العراق، حيث عقد مؤتمراً صحفياً فضح فيه دوره ودور شركائه البعثيين في الانقلاب وعلاقاتهم بالإمبريالية حيث قال:

{ أنا لا أنكر علاقتي  بالأمريكيين لكنهم هم الذين فرضوا عليَّ التعاون مع البعثيين وكان عرّاب الانقلاب الدكتور ناصر الحاني الذي أصبح وزيراً للخارجية عند وقوع الانقلاب}.

سارع عبد الرزاق النايف إلى إعداد خطة تنفيذ الانقلاب بالاشتراك مع إبراهيم عبد الرحمن الداؤد، وسعدون غيدان، واحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش، وحردان عبد الغفار التكريتي، وأنور عبد القادر الحديثي، حيث جرى الاتفاق فيما بينهم على تفاصيل خطة الانقلاب، معتمدين على كتيبة الدبابات التي كانت في القصر تحت إمرة سعدون غيدان، وجرى الاتفاق على أن يأخذ  سعدون غيدان كل من أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش، وحردان التكريتي بسيارته الخاصة إلى داخل القصر الجمهوري ليقوموا جميعاً بالسيطرة على كتيبه الدبابات فجر يوم 17 تموز 968 ، فيما يقوم عبد الرزاق النايف بالسيطرة على وزارة الدفاع، وأنيطت مهمة السيطرة على دار الإذاعة إلى إبراهيم الداؤد.

 وفي فجر ذلك اليوم قام سعدون غيدان بإدخال الضباط المذكورين وهم يمثلون حزب البعث بسيارته الخاصة، وتم لهم على الفور السيطرة على كتيبة الدبابات المذكورة، وأحاطوا بها القصر، وقاموا بإطلاق 5 إطلاقات من مدافع الدبابات كخطوة تحذيرية لعبد الرحمن عارف الذي استيقظ من نومه مذعوراً، وحالما وجد القصر مطوقاً بالدبابات، أعلن استسلامه على الفور، وطلب تسفيره إلى خارج العراق.

وفي الوقت نفسه تحرك عبد الرزاق النايف نحو وزارة الدفاع  بمساعدة عدد من الضباط الموالين له وسيطر على الوزارة دون عناء  فيما توجه الداؤد إلى دار الإذاعة بعدد من الدبابات وسرية من الحرس الجمهوري، وسيطر عليها دون قتال، و قام بإذاعة البيان الأول للانقلاب في الساعة السابعة والنصف من صباح ذلك اليوم 17 تموز 968.

حاول الانقلابيون في بيانهم هذا التغطية على الأهداف الحقيقية للانقلاب، وجرى ذلك تحت شعار حل القضية الكردية، وإحلال السلام في كردستان، وإقامة الديمقراطية في البلاد، وإتاحة الفرص المتساوية للمواطنين، وانتصار حكم القانون، والتأييد الحازم للقضية الفلسطينية داعين إلى تحديد مسؤولية الهزيمة في حرب حزيران، ولم ينسَ البيان التهجم على الحكم السابق واتهامه بشتى التهم من رجعية  وعمالة وغيرها.

وخلال الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم تم للانقلابيين السيطرة على البلاد وانتهى كل شيء، وجرى اعتقال رجالات نظام عارف وعلى رأسهم رئيس الوزراء [ طاهر يحيى ]، وجرى على الفور تسفير رئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف بطائرة عسكرية إلى لندن حيث كانت زوجته تعالج هناك، ثم انتقل بعد ذلك إلى تركيا، واتخذها مقراً لإقامته لسنين طويلة. ولكونه لم يعد يشكل خطراً على النظام وافق البعثيون على طلبه بالعودة إلى العراق بعد تلك السنين ليعيش حياته كمواطن عادي.

أما الشعب العراقي فقد أستقبل الانقلاب ببالغ القلق والاكتئاب، فالوجوه هي نفسها التي أغرقت البلاد بالدماء إثر انقلاب 8 شباط عام 1963.

وبعد أن أستتب الأمر للانقلابيين حتى سارعوا إلى توزيع المناصب الهامة في البلاد فأعلنوا عن تعيين أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية و عبد الرزاق النايف رئيساً للوزراء، وإبراهيم عبد الرحمن الداؤد وزيراً للدفاع، وناصر الحاني  وزيراً للخارجية، وصالح مهدي عماش وزيراً للداخلية. وبموجب هذه التشكيلة أصبح للبعثيين ثمانية مقاعد وزارية، فيما شغل الأكراد ثلاثة مقاعد، والإخوان المسلمون مقعدين، وشغل بقية المقاعد وعددها اثنا عشر مقعداً عناصر من مختلف الاتجاهات القومية والرجعية.

أما المراكز العسكرية  الحساسة فقد جرى توزيعها على الوجه التالي :حيث عينَّ سعدون غيدان ـ قائداً للحرس الجمهوري ،وقد كسبه البعثيون إلى جانبهم ، وعينَّ حردان التكريتي رئيساً  للأركان وقائداً للقوة الجوية. كما عيَّن حماد شهاب  قائداً للواء المدرع العاشرالمكلف بحماية بغداد.

بدأ البعثيون منذُ الساعات الأولى للانقلاب يعملون بأقصى جهدهم لتثبيت مواقعهم في صفوف الجيش، واستغل حردان التكريتي فرصة سفر الداؤد إلى الأردن لتفقد القوات العراقية هناك، بكونه رئيساً للأركان بإجراء مناقلات لعدد كبير من الضباط الموالين لحزب البعث  تمهيداً لمخططهم الهادف إلى إزاحة كتلة النايف، واحتكار الحكم لحزب البعث وحدة.

 

انقلاب البعثيين على النايف:

منذُ اليوم الأول للانقلاب، بدت بوادر الخلافات بين كتلتي البعث والنايف، فلم يكن أحدهما مرتاحاً لوجود الآخر في السلطة، إلا أن الظروف التي تحدثنا عنها سابقاً، وإرادة الإمبرياليين، هي التي جمعتهم في هذه التركيبة غير المتجانسة.

كانت صحيفة البعث [ الجمهورية ]،وصحيفة النايف [ الثورة]  على طرفي نقيض، وبلغ ذلك التناقض حداً أضطر فيه وزير الإرشاد إلى إصدار قراره في 24 تموز بدمج الصحيفتين بناء على أمر النايف، وطرد المحررين البعثيين من الصحيفة. كما قرر النايف إبعاد البعثيين من دار الإذاعة، ومنعهم من الدخول إليها.

 واستغل البعثيون قرارات النايف الاقتصادية التي صبت كلها بشكل سافر في خانة الإمبريالية الأمريكية، واتخذوها سلاحاً ضده، متخذين لهم صفة الوطنية والحرص على مصالح الشعب العراقي، وقد تضمنت تلك القرارات ما يلي:

1 ـ إلغاء عقد شركة [ إيراب ] الفرنسية للنفط ، والتي كانت قد عقدته حكومة عبد الرحمن عارف قبل وقوع الانقلاب.

2 ـ إلغاء قرار إعادة حقل الرميلة الشمالي إلى شركة النفط الوطنية.

3 ـ إلغاء شركة النفط الوطنية العراقية.

4ـ محاولة منح شركة [ بان أميركان ] امتياز استغلال الكبريت.

ومنذُ اليوم الأول لانقلاب 17 تموز 968 كان حزب البعث قد أتخذ قراره بإزاحة كتلة النايف واستلام السلطة كاملة، وقد أشرنا إلى أن الحزب كان قد أستقطب كل من [حماد شهاب] قائد اللواء المدرع العاشر، المكلف بحماية بغداد، و[سعدون غيدان] الذي أصبح قائداً للحرس الجمهوري بعد نجاح الانقلاب، هذا بالإضافة إلى تولي حردان التكريتي منصب رئاسة الأركان، وقيادة القوة الجوية، وتولي صالح مهدي عماش وزارة الداخلية، وفي المقدمة من كل ذلك تولي [احمد حسن البكر] رئاسة الجمهورية، ولذلك فقد كان الجو مهيئاً لحزب البعث لكي يضرب ضربته ويزيح كتلة النايف من طريقه بحركة خاطفة في 30 تموز، ولما يمضي على الانقلاب سوى 13 يوماً .

 فقد تحرك اللواء العاشر المدرع بقيادة اللواء حماد شهاب نحو بغداد واحتل المرافق والنقاط الرئيسة فيها، وتمكن [ صدام حسين] وبمعيته مجموعة من الضباط من اعتقال النايف، وتسفيره على متن طائرة عسكرية إلى خارج العراق، وجرى حل مجلس الوزراء وتأليف وزارة بعثية جديدة ، كما تم تأليف مجلس دعوه [ مجلس قيادة الثورة ] ومنحوه صلاحيات واسعة تشريعية وتنفيذية.

قابل الشعب العراقي انقلاب 17ـ 30 تموز بالقلق وعدم الارتياح، بسبب التاريخ الدموي للبعثيين عندما جاءوا إلى الحكم إثر انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، واغرقوا البلاد بالدماء، واستباحوا حرمات المنازل، وزجوا بمئات الألوف من الوطنيين في غياهب السجون، ومارسوا أبشع أساليب التعذيب الجسدي والنفسي ضدهم، وفصلوا عشرات الألوف من أعمالهم ووظائفهم ومدارسهم وكلياتهم، وصفوا كل مكاسب ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة .

وفي الوقت نفسه شعر البعثيون بالضعف، بسبب ابتعاد جماهير الشعب عنهم، ودفعهم خوفهم من فقدان السلطة إلى اللجوء إلى الأساليب الوحشية والعنيفة لإخافة القوى العسكرية والسياسية، ومنعها من القيام بأي تحرك ضد سلطتهم، وقد توجوا عملهم ذلك بحملة إعدامات وحشية لعدد من المواطنين بتهمة التجسس للأجنبي !!، وتعليقهم في ساحة التحرير، فقد اعدم البعثيون 29 ضابطاً وضابط صف رمياً بالرصاص، بالإضافة إلى 12 مدنياً أُعدموا شنقاً. كما أقدم البعثيون على إعدام 77 ضابطاً في 7 شباط 1969، بتهمة الاشتراك فيما دعي بمحاولة انقلابية  بقيادة الزعيم الركن عبد الغني الراوي شريكهم في انقلاب 8 شباط 963 ، والذي تمكن من الهرب إلى إيران.

لقد جرت حملة الإعدامات بعد محاكمات صورية سريعة من قبل طه ياسين رمضان الملقب بالجزراوي، ولقبه الشعب العراقي بالجزار، وبمعيته عدد من أعضاء القيادة القطرية للحزب، فخلال دقائق معدودة كانت المحاكمات تجري وتصدر قراراتها، وتنفذ أحكام الإعدامات بالضباط المتهمين بالمحاولة الانقلابية المزعومة، وقد ظهر بعد ذلك أن العديد من أولئك المعدومين ثبت عدم تورطهم بالمحاولة المزعومة، وتم إرسال رسائل اعتذار إلى ذويهم !!. وبصرف النظر عن صحة أو كذب وقوع تلك المحاولة، فقد كان هدف البعثيين إفهام القوى السياسية والعسكرية أن حزب البعث سوف يضرب بيدٍ من حديد كل من يفكر بالتصدي لحكمهم .

 

ظهور صدام حسين على المسرح السياسي:

عُرف صدام لدي الشعب العراقي لأول مرة عند اشتراكه في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم  عام 1959، وكان لا يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، حيث فشلت المحاولة وهرب هو وعدد من زمرة الاغتيال إلى سوريا، ثم أنتقل منها إلى القاهرة بضيافة حكومة عبد الناصر، وبقي هناك حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، حيث عاد إلى العراق ليساهم مع زمر القتلة في عمليات التعذيب والقتل ضد الشيوعيين وسائر الوطنيين. وخلال فترة بقائه في القاهرة تلقفته السفارة الأمريكية لتجنيده لمصلحة المخابرات الأمريكية.

وفي بداية انقلاب 17 تموز بدأ نجم صدام بالظهور إلى جانب احمد حسن البكر حيث كان مسؤولاً عن [منظمة حنين] الإرهابية التي أخذت على عاتقها اغتيال كل العناصر التي تراها تمثل خطورة على حكم البعث، ولعب دوراً رئيساً في تنفيذ الانقلاب ضد عبد الرزاق النايف واعتقاله وتسفيره إلى لندن، واختاره احمد حسن البكر نائباً لمجلس قيادة الثورة الذي جرى تشكيله بعد إزاحة النايف، وبات صدام حسين الشخصية الثانية في سلم القيادة بحزب البعث والسلطة .

 

الصراع داخل قيادة حزب البعث:

لم تكد تمضِ غير مدة قصيرة على حكم حزب البعث حتى طغى الصراع داخل قيادة الحزب على سطح الأحداث، فقد سعى صدام حسين منذُ الأيام الأولى لانقلاب 30 تموز 968 إلى تعزيز سلطته على سائر قيادي الحزب بمختلف الأساليب، سواء منها تدبير حوادث السيارات أو الاغتيال أو السجن أو الإعفاء من المناصب.

ففي 15 تشرين الأول 1970 صدر مرسوم جمهوري بإعفاء حردان التكريتي من منصبه كقائد عام للقوات المسلحة، وانتهى فيما بعد بالقتل غيلة في الكويت.

وفي 28 أيلول 1971 صدر مرسوم جمهوري بإعفاء صالح مهدي عماش من منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع ، وانتهى فيما بعد إلى القتل بالسم .

 وفي نفس العام جرى طرد عبد الكريم الشيخلي وزير الخارجية، وعضو القيادة القطرية، وعضو مجلس قيادة الثورة وانتهى به المطاف إلى القتل غيلة في أحد شوارع بغداد.

ولم ينته مسلسل التنكيل والقتل الذي مارسه صدام حسين مع رفاق حزبه أبداً، وما هذه سوى أمثلة قليلة من تلك الجرائم التي توّجها صدام حين قام بالانقلاب على سيده وولي نعمته البكر بقتله ثلاثة وعشرين من قادة الحزب بأبشع أساليب التعذيب وحشية بتهمة التآمر مع سوريا، ومن ثم تصفية البكر نفسه، بعد أن خلعه من الرئاسة بقوة السلاح.

 

 

{36}

محاولة ناظم كزار الانقلابية

ناظم كزار،مدير الأمن العام ، الذي عينه الانقلابيون يوم 30 تموز وهو معروف جيداً لدى أبناء الشعب العراقي جميعاً كونه جزار البعث أيام حكم حزب البعث إثر انقلاب 8 شباط 1963،حيث كان هو وعمار علوش، وخالد طبرة يشكلون الهيئة التحقيقية التي اتخذت من بناية محكمة الشعب مقراً لها، ومارست أبشع أساليب التعذيب والقتل بحق الشيوعيين وسائر الوطنيين، وصارت جرائمهم تتردد على كل لسان حتى أن عبد السلام عارف أصدر كتاباً ضخماً تضمن بعضاً تلك الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية وسماه { المنحرفون }، وكان ناظم كزار في مقدمة أولئك المنحرفون.

كان لناظم كزار طموح لا حدود له، وكان هدفه الوصول إلى قمة السلطة، ووجد الفرصة سانحة له بعد توليه لرئاسة جهاز الأمن لكي ينتزع السلطة من الثنائي البكر وصدام، ولعب صدام دوراً في دفع ناظم كزار إلى المغامرة من خلال خطة خبيثة لضرب عصفورين بحجر واحدة، فإذا نجحت الخطة تولى هو الرئاسة، وإن فشلت تخلص من ناظم كزار الرجل القوي في الجهاز الأمني.  وهكذا جرى تدبير الخطة لاغتيال البكر مع مجموعة من الوزراء  30 حزيران،1973 إثناء استقبال البكر في المطار بعد عودته من بلغاريا، واستطاع كزار استدراج وزير الدفاع [حماد شهاب] ووزير الداخلية  [سعدون غيدان] واعتقالهما.

لكن الحركة الانقلابية لم تكن معدة بالشكل الذي يمكنها من النجاح، وسرعان ما تهاوت وفشلت، وحاول ناظم كزار الهرب إلى إيران، بعد أن اخذ الوزيرين كرهائن ، إلا أن قوات الحكومة لاحقته، مما دفعه اموقفه الصعب الذي وجد نفسه فيه، إلى قتل حماد شهاب، والشروع بقتل سعدون غيدان حيث أصيب بجروح ، وتم إلقاء القبض على اكزار، وعلى العديد من أعوانه وإعادتهم إلى بغداد، حيث جري تعذيبهم بصورة بشعة، تماماً كما كان كزار يفعل مع الشيوعيين، وتم قتلهم جميعا تحت التعذيب في 8 تموز 973، وبذلك تخلص صدام من أهم منافس له.

كما جرى أعدام أحد أعوانه المدعو [ محمد فاضل] الذي كان يشغل منصب رئيس المكتب العسكري للحزب، في اليوم التالي المصادف 9 تموز 1973. 

أستغل صدام حسين تلك المحاولة للتخلص من أقوى القيادات الحزبية منظّر الحزب، وانضج القيادات فيه [ عبد الخالق السامرائي ]، بدعوى كاذبة بعلاقته بمحاولة ناظم كزار،  حيث حكم عليه بالسجن لمدة عشرين عاماً، وأودع سجن أبو غريب، ثم أعدمه صدام حسين بعد قيامه بانقلابه ضد البكر، واستلامه السلطة بتهمة اشتراكه في مؤامرة لقلب حكمه رغم كونه يقبع في السجن منذُ عدة أعوام، فقد كان صدام يخشاه وهو في السجن بالنظر لمنزلته بين رفاق حزبه.

 

 

{37}

البعثيون يحاولون تبييض وجوههم

كان شعور حزب البعث بالضعف، وعدم تجاوب الشعب مع سياسته، لا بل كرهه لهذا الحزب، الذي أذاق الشعب المرارة يوم انقلاب 8 شباط الأسود، وبعد انقلاب 30 تموز 968. كان خوف البعثيين من أن يقوم الجيش بمحاولة الإطاحة بحكمهم، ولذلك فقد تفتق ذهن صدام حسين في إنشاء جيش حزبي، أطلق عليه اسم [ الجيش الشعبي ]، بدلاً من الحرس القومي السيئ الصيت.

 وقد مارس البعثيون مختلف وسائل الضغط والإكراه لإجبار المواطنين على الانخراط في صفوف الحزب أولاً، ومن ثم في صفوف جيشهم الشعبي !!، حتى أصبح واجباً على كل حزبي الانخراط فيه، وسعوا إلى تسليحه وإعطائه الصلاحيات الواسعة لملاحقة الوطنيين، وتقديم التقارير الحزبية عن أي نشاط مشكوك فيه ضد السلطة.

كما قام البعثيون بإدخال أعداد كبيرة من عناصرهم في دورات قصيرة لتخريجهم ضباطاً خلال ستة أشهر، في محاولة للسيطرة علي الجيش.

لقد دفع البعثيون المواطنين قسراً للانضمام لحزبهم، وتعرض الذين رفضوا الانتماء إلى ضغوط هائلة، وتهديدات واتهامات باطلة، فقد كان البعثيون يوجهون تهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، أو حزب الدعوة الإسلامية لكل من يرفض الانتماء لحزبهم، ومعلوم أن السلطة البعثية قد أصدرت قانوناً يحكم بالإعدام على كل من ينتمي إلى حزب غير مجاز.

 وهكذا فقد انضوى تحت جناح حزب البعث أعداد كبيرة من المواطنين خوفاً ورعباً من أساليب البعث القمعية والوحشية، كما أنضوي أعداد كثيرة من الناس حباً في نيل المكاسب والوظائف وجني الأرباح والمغانم الشخصية.

كما سيطر حزب البعث على كافة المنظمات الجماهيرية، والنقابات المهنية، وأجبروا أعضاءها على الانتماء لحزبهم، وأصدروا قانوناً يحكم بالإعدام على كل عضو في الحزب انتمى إلى حزب آخر وكان قد أنسحب من حزب البعث.

كما بدءوا بتغير المناهج والكتب المدرسية، مستهدفين غسل أدمغة الطلاب بشعارات البعث الكاذبة والبعيدة كل البعد عن الحقيقة ،ووجهوا وسائل الإعلام، من إذاعة وتلفزيون وصحافة، والكتب التي تمجد حزب البعث وشعاراته في الوحدة والحرية والاشتراكية، والتي عمل الحزب على الضد منها تماماً طيلة سنوات حكمه.

شعر البعثيون أن سياستهم الإرهابية تجاه جماهير الشعب، وإجبارها بمختلف أساليب الضغط والإكراه للانتماء إلى حزبهم جعلها تزداد نفوراً منهم، وتتمنى أن تشهد ساعة الخلاص من حكمهم  الفاشي، ولذلك فقد حاول حزبهم التخفيف من هذا الشعور وتبييض صفحتهم السوداء في عيون الشعب عن طريق القيام بعدد من الإجراءات التي يمكن أن تُكسبهم شيئاً من السمعة والتعاطف معهم، وكانت أهم تلك الإجراءات:

1ـ محاولة حل المشكلة الكردية التي كانت تقلقهم كثيراً، وتستنزف الكثير من موارد البلاد، إضافة إلى الخسائر البشرية الجسيمة، ولذلك فقد سارعوا إلى إصدار بيان 11 آذار المعروف،  وأعلنوا اعترافهم بحقوق الشعب الكردي، ولو نظرياً، فقد أثبت الأحداث فيما بعد عدم إيمانهم الجدي بهذه الحقوق إطلاقاً، ولجوئهم إلى أبشع الأساليب الإجرامية لكسر شوكة الأكراد، في حملات عسكرية متتالية ذهب ضحيتها الألوف من أبناء الشعب الكردي.                         

 2ـ حاول البعثيون كسب الفلاح العراقي إلى جانبهم، حيث قاموا ببعض الإجراءات التي تؤثر على وضعه الاقتصادي والاجتماعي، فقد أصدروا قرارا منع بموجبه طرد الفلاحين من أرضهم لأي سبب كان، كما ألغوا حق اختيار الإقطاعي للأرض، والغوا مبدأ التعويض للإقطاعي عن الأراضي المصادرة بموجب قانون الإصلاح الزراعي، وخفضوا الحد الأقصى لمساحة الأرض التي يحق للإقطاعي الاحتفاظ بها إلى 2000  دونم كحد أعلى، وادخلوا التأمين الصحي في الريف، وربطوا عدداً كبيراً من القرى بشبكة القوة الكهربائية، كما جرى استصلاح حوالي 4 ملايين دونم من الأراضي الزراعية، وخفضوا أسعار الآلات الزراعية والأسمدة، وأنشئوا الأسواق الشعبية للفواكه والخضروات دون وساطة وكان هدفهم من كل هذه الإجراءات جر الفلاح العراقي إلى صفوف حزبهم، حيث كان الفلاحون يدينون بالولاء لثورة 14 تموز وقائدها عبد الكريم قاسم الذي أصدر قانون الإصلاح الزراعي بعد قيام الثورة عام 1958، وحررهم من نير الإقطاع.                        

3 ـ وفي المجال القومي أخذ البعثيون يزايدون على القضية الفلسطينية معلنين رفضهم للقرار رقم 242،الصادر من مجلس الأمن الدولي عام  1967، كما أعلنوا رفضهم لمشروع [ روجرز] لوقف حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل عام 1970، واخذوا يتهجمون على الرئيس عبد الناصر عبر الإذاعة والتلفزيون والصحافة لقبوله بالمشروع، وإعطائه فرصة للحل السلمي، في الوقت الذي كان الرئيس عبد الناصر يعمل بأقصى جهده على تقوية الجيش المصري، وتهيئته للمعركة الفاصلة مع إسرائيل إذا لم تنسحب من جميع الأراضي العربية.

 4ـ حاول البعثيون كسب جماهير الشعب، من خلال مسألة النفط والعلاقات مع الشركات النفطية، ومسألة استغلال حقل الرميلة الشمالي وطنياً.  ففي نيسان 1972 بدأ العراق بالإنتاج في الحقل المذكور بمساعدة الاتحاد السوفيتي، مما أثار حنق الشركات النفطية الاحتكارية العاملة في العراق، والتي قررت معاقبة العراق بتخفيض الإنتاج في حقول كركوك من 57 مليون طن سنوياً إلى 30 مليون، وقد أدى ذلك الإجراء إلى انخفاض كبير في دخل العراق من واردات النفط، وكان له بالغ التأثير على الوضع الاقتصادي للبلاد.

حاول البعثيون إقناع شركات النفط بالرجوع عن قرار خفض الإنتاج دون جدوى، مما دفع حكومة البعث، بعد مفاوضات طويلة مع شركات النفط الاحتكارية، إلى الإقدام على تأميم شركة نفط العراق في الأول من  حزيران 1972، وأدى هذا القرار إلى تصاعد حمى الصراع، وإعلان مقاطعة النفط العراقي، مسببين للعراق أزمة اقتصادية خانقة عكست آثارها على حياة جماهير الشعب، حيث أقدمت حكومة البعث على اقتطاع 10 % من دخول الموظفين، وسائر العاملين في قطاعات الدولة  تحتسب كدين لهم على الحكومة، كما قامت الحكومة بالعديد من الإجراءات التقشفية، واستمر الحال على هذا الوضع حتى آذار 1973 حيث توصلت الحكومة وشركات النفط إلى نوع من التسوية، وبقى النفط تحت سيطرة العراق.

أثار اتفاق التسوية مع شركات النفط، مع بقاء النفط تحت سيطرة العراق  موجة عارمة من الفرح لدى القيادة البعثية، حيث أظهرتها الأحداث وكأنها قد نازلت شركات النفط الاحتكارية والدول التي تدعمها وانتصرت عليها، وحققت حلم الشعب العراقي في استغلال نفطه وطنياً، وادعى البعثيون لأنفسهم صفات الوطنية، واستطاعوا بالفعل جر أوساط عريضة من الشعب إلى جانبهم، لا بل استطاعوا خداع الحزب الشيوعي وجره للتعاون معهم في إطار ما سمي آنذاك {الجبهة الوطنية والقومية التقدمية}.

 لكن البعثيين لم يكونوا مؤمنين حقاً لا بالجبهة ولا بالتعاون، وأثبتت الأحداث أن خطوتهم تلك كانت تكتيكية، كي يتمكن الحزب من تثبيت أركان حكمه من جهة  ولكشف تنظيمات الحزب الشيوعي وقياداته وكوادره تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له.

وفي 11حزيران 1972 ولد ولدي الثاني [ ماجد ] وهو أصغر الأولاد في عائلتنا، وكان ميلاده مبعث سرور كبير لنا ، وبذلك اكتملت العائلة التي ضمت خمس بنات وولدين . 

 

 

{38}

البعثيون والقضية الكردية

كان استمرار الحرب في كردستان يشكل أحد المخاطر الجسيمة على السلطة البعثية في أيامها الأولى ، ولذلك فقد سعت هذه السلطة  للتفاوض مع القيادة الكردية للوصول إلى وقف القتال، وقد أثمرت اللقاءات التي جرت بين قيادة حزب البعث وزعيم الحركة الكردية السيد [ مصطفى البارزاني ] إلى عقد اتفاقية [11 آذار للحكم الذاتي ] عام 1970.

 تنفس البعثيون الصعداء في تلك الأيام، ووجدوا تعويضاً لهم عن العلاقة مع الحزب الشيوعي، وقد بدا في تلك الأيام وكأنه لا يوجد في الساحة السياسية غير حزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني، وتعرضت العلاقة بين البعثيين والشيوعيين إلى الانتكاسة عند إقدام حكومة البعث على تفريق تجمع للشيوعيين يوم 21 آذار احتفالاً بعيد النوروز بالقوة.

كما تم في تلك الليلة اغتيال الشهيد  [محمد الخضري ] عضو قيادة فرع بغداد للحزب في أحد شوارع بغداد .

 ورغم إنكار البعثيين صلتهم بالجريمة إلا أن كل الدلائل كانت تشير إلى أنهم هم مدبريها، وقد أتهمهم الحزب الشيوعي بالقيام بحملة اعتقالات ضد العديد من الشيوعيين في أنحاء البلاد المختلفة، ومع ذلك استمر الحزب الشيوعي في دعوته من أجل الديمقراطية للشعب العراقي  والحكم الذاتي لكردستان.

وجاء إعلان توصل الحزب الشيوعي وحزب البعث لقيام ما سمي بـ [الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ] تصدعاً في العلاقات بين قيادة الحركة الكردية والحزب الشيوعي ، فقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني  بزعامة الملا مصطفى البارزاني كانت قد أصيبت هي الأخرى بخيبة الأمل من سياسة البعثيين فيما يخص تطبيق اتفاقية الحكم الذاتي التي حُدد لتنفيذها مدة 4 سنوات .

وبالرغم من قيام حكومة البعث بتعين عدد من الوزراء الأكراد في الحكومة ، وإجازة الحزب الديمقراطي الكردستاني وتوسيع الدراسة الكردية، وزيادة البرامج الكردية في إذاعة بغداد وتلفزيون كركوك، وتشكيل وحدات حرس الحدود من قوات البيشمركة الكردية، أخذت العلاقات بين الأكراد وحكومة البعث تتباعد شيئاً فشيئاً حتى وصلت إلى أقصى درجات التقاطع، وعدم الثقة في تطبيق البعثيين لاتفاقية آذار، وبدا للقيادة الكردية أن البعثيين غير جادين في اتفاقهم، وأنهم يكسبون الوقت لتثبيت حكمهم، وتوجيه ضربة جديدة للحركة الكردية، وجاءت محاولة اغتيال الزعيم الكردي [الملا مصطفى البارزاني ]عام 971  لتهدم كل الجسور التي بناها الطرفان في 11 آذار عام 1970 .

ولهذه الأسباب اعتبرت القيادة الكردية أن دخول الحزب الشيوعي في جبهة مع حزب البعث في ذلك الوقت ضربة موجهة لهم، وأخذوا يوجهون اللوم والانتقاد للحزب، وتطور النقد على صفحات جريدة الحزب الرسمية [ خه بات ] في حين راح الحزب الشيوعي يحث القيادة الكردية على الانضمام للجبهة والنضال من خلالها، إلا أن جهوده لم تثمر في هذا الاتجاه، بل على العكس توترت العلاقات بينهما إلى درجة خطيرة، وتصاعدت بسرعة إلى حد التصادم المسلح بين الحزبين في كردستان، وشنت صحافة الحزبين حملات إعلامية ساخنة على بعضها البعض، ولعب حزب البعث دوراً كبيراً في إذكاء الصراع، وتسعير نيران الاشتباكات بين الطرفين في كردستان.

وفي آذار 1974 قام عملاء السلطة بتفجير سلسلة من القنابل في مدينة أربيل، مما جعل إمكانية تلاقي القيادة الكردية وحكومة البعث بعيد المنال. وعند انتهاء فترة السنوات الأربع المحددة لتطبيق الحكم الذاتي كان التباعد في وجهات نظر الطرفين حول تطبيق اتفاقية 11 آذار قد تباعدت كثيراً، وأصرّ البعثيون على تطبيقها بالشكل الذي يريدونه هم، ورفضت القيادة الكردية فرض الحلول البعثية، ولجأت إلى حمل السلاح مرة أخرى، وبدأ القتال من جديد، وشن الجيش حرب إبادة ضد الشعب الكردي مستخدماً الطائرات والدبابات  والصواريخ وكل الوسائل العسكرية المتاحة لديه، فدمروا مئات القرى، وشردوا مئات الألوف من أبناء الشعب الكردي، إضافة إلى عشرات الألوف من الضحايا. ألجأت تلك الأحداث القيادة الكردية إلى طلب الدعم من الولايات المتحدة وإيران، فانهالت عليهم الأسلحة والمعدات والتموين، وجرى علاج جرحى البيشمركة في المستشفيات الإيرانية، وقد أدى ذلك إلى اشتداد ضراوة القتال في كردستان  ووقف الاتحاد السوفيتي إلى جانب الحكومة في صراعها مع الأكراد، ولم تستطع حكومة البعث القضاء على الحركة الكردية إلا بعد توقيع صدام حسين وشاه  إيران على اتفاق الجزائر في 16 آذار 1975، وقدم صدام حسين الكثير من التنازلات لشاه إيران لكي يرفع يده عن الحركة الكردية التي انهارت بسرعة مذهلة بعد توقيع الاتفاق بأيام.

استسلمت معظم قوات البيشمركة لقوات الجيش ملقية سلاحها وهربت القيادة الكردية إلى إيران، وقامت حكومة البعث بنفي الألوف من أبناء الشعب الكردي إلى المناطق الجنوبية من العراق وفي الصحراء، وأفرغت مناطق الحدود من الوجود الكردي، وجمعت الأكراد في مجمعات سكنية إجبارية، وهدمت جميع القرى القريبة من الحدود الإيرانية والتركية وكذلك جميع القرى المحيطة بمدينة كركوك.

لقد شاهدت بأم عيني تلك القرى المحيطة بكركوك، وقد بدت وكأن هزة أرضية شديدة ضربت المنطقة، وتركت القرى الكردية أكواما من الأحجار.

كما زج البعثيون بعشرات الآلاف من الأكراد في السجون وجرى إعدام المئات منهم، ومات في أقبية التعذيب في مديرية الأمن العامة وزنزانات هيئة التحقيق الخاصة في كركوك والموصل ودهوك والسليمانية وأربيل المئات منهم، وتحول الألوف من الشعب الكردي من عناصر منتجة  إلى عناصر مستهلكة بعد أن تركت مزارعها ومواشيها، وانهار اقتصاد كردستان.

لم يهدأ الشعب الكردي على الضيم الذي ألحقه البعثيون بهم ، فلم يكد يمضِ عام واحد على انهيار الحركة الكردية عام 975 حتى بادروا إلى حمل السلاح من جديد ضد سلطة البعث، وشن البعثيون حرباً جديدة في كردستان بكل شراسة ووحشية منقطعة النظير.

 

 

 

 

 المقدمة

محتويات الكتاب

الفصل (4)

الفصل (3)

الفصل (2)

الفصل (1)

الفصل (8)

الفصل (7)

الفصل (6)

الفصل (5)

الفصل (12)

الفصل (11)

الفصل (10)

الفصل (9)

الفصل (16)

الفصل (15)

الفصل (14)

الفصل (13)