حامد الحمداني

 

احداث في ذاكرتي

 

الفصل الحادي عشر

 

 

32 ـ عبد السلام يقود انقلاباً عسكرياً ويسقط نظام البعث.

33 ـ اعتقالي في السليمانية وتسفيري للموصل ومحاكمتي.

34ـ  العودة للوظيفة في السليمانية

 

 

{32}

عبد السلام يقود انقلابا عسكريا

ويسقط نظام البعث

في 11 شباط 963 ، حدث بين قيادة البعث وعبد السلام عارف ، الذي نصبوه رئيساً للجمهورية  صِدامٌ مكشوف، مما دفع علي صالح السعدي  أمين سر القيادة القطرية للحزب ، إلى أن يطرح موضوع بقاء عبد السلام عارف ، أو إزاحته من منصبه قائلاً :

{ إن عبد السلام عارف سوف يثير لنا الكثير من المتاعب ، وربما يكون خطر علينا، إلا أن أغلبية القيادة لم تأخذ برأي السعدي خلال اجتماع القيادة في دار حازم جواد، وقد هدد السعدي بالاستقالة إذا لم تأخذ القيادة برأيه، لكنه عدل عن ذلك بعد قليل، وبعد نهاية الاجتماع سارع حازم جواد لمقابلة عبد السلام عارف، وأخبره بما دار في الاجتماع ، وحذره من أن السعدي ينوي قتله والتخلص منه}.

كان الخلاف الثاني بين أعضاء قيادة البعث ينصب حول الموقف من الحركات السياسية القومية [القوميون، والناصريون، والحركيون]، وقد أجرت قيادة الحزب نقاشات حادة حول الموقف منهم  و برز خلال النقاش فكرتان متعارضتان، الأولى تدعو إلى تحجيم القوى القومية، والأخرى تدعو للتعاون معها.

لكن القيادة البعثية لم تستطع حسم الأمر، بل على العكس من  ذلك أدى الأمر إلى تعميق الخلافات والصراعات فيما بين أعضاء القيادة .

وفي شهر حزيران 963  ظهرت أسباب أخرى للخلافات بين أعضاء قيادة الحزب حول الحرس القومي، فقد وجهت القيادة العليا للقوات المسلحة في 4 تموز 1963 برقية إلى قيادة الحرس القومي تحذرها وتهددها بحل الحرس القومي إذا لم تتوقف هذه القوات عن الإجراءات المضرة بالأمن العام  وراحة المواطنين.

 فقد كانت روائح الجرائم التي يقترفها الحرس القومي ضد أبناء الشعب  بشكل عام، والشيوعيين منهم بوجه خاص قد أزكمت الأنوف، وضجت الجماهير الواسعة من الشعب من تصرفاتهم وإجرامهم .

إلا أن القائد العام لقوات الحرس القومي [ منذر الونداوي ] لم يكد يتسلم البرقية حتى أسرع إلى الطلب من القيادة العليا للقوات المسلحة سحب وإلغاء البرقية المذكورة في موقف يبدو منه التحدي، مدعياً أن الحرس القومي قوة شعبية ذات قيادة مستقلة، وأن الحق في إصدار أوامر من هذا النوع، لا يعود إلى أي شخص كان، بل إلى السلطة المعتمدة شعبياً والتي هي في ظل ظروف الثورة الراهنة هي المجلس الوطني لقيادة الثورة ولا أحد غيره.

وهكذا وصل التناقض والخلاف بين البعثيين وضباط الجيش وعلى رأسهم عبد السلام عارف إلى مرحلة عالية من التوتر، وبدأ عبد السلام عارف يفكر في قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن.

وجاءت الحرب التي بدأها البعثيون في كردستان في 1 أيار 63 لتزيد وضعهم حراجة، وتعمق الخلافات فيما بينهم حتى أصبح حزب البعث في وضع لا يحسد عليه ، فقد تألبت كل القوى السياسية والعسكرية ضدهم ، وسئمت أعمالهم وتصرفاتهم.

حاول عبد السلام عارف، وأحمد حسن البكر، بالتعاون مع حازم جواد، وطالب شبيب، التخلص من علي صالح السعدي وإخراجه من الحكومة، ومجلس قيادة الثورة ، إلا أن الظروف لم تكن مؤاتية لمثل هذا العمل في ذلك الوقت.

ففي 13 أيلول عُقد المؤتمر القطري للحزب، وجرى فيه انتخاب ثلاث أعضاء جدد من مؤيدي علي صالح السعدي، وهم كل من: هاني الفكيكي، وحمدي عبد المجيد ، ومحسن الشيخ راضي ، فيما أُسقط طالب شبيب في الانتخابات، وبقي حازم جواد، كما فاز أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش، وكريم شنتاف بتلك الانتخابات.

 وهكذا بدا الانقسام ظاهراً أكثر فأكثر، فجماعة السعدي تتهم جماعة حازم جواد باليمينية، بينما تتهم جماعة حازم جواد السعدي وجماعته باليسارية، ووصل الأمر بعلي صالح السعدي إلى الإدعاء بالماركسية، وحاول أن يبرئ نفسه من دماء آلاف الشيوعيين. وفي الفترة ما بين 5ـ23 تشرين الأول جرى عُقد المؤتمر القومي لحزب البعث في دمشق، وجرى تعاون بين السعدي وحمود الشوفي، حيث ضمنا لهما أكثرية من أصوات المؤتمرين العراقيين والسوريين، وسيطرا على المؤتمر وقراراته، وبلغ بهم الحال أن شنوا هجوماً عنيفاً على جناح مؤسس وقائد الحزب  ميشيل عفلق، وطرحوا أفكاراً راديكالية فيما يخص التخطيط الاشتراكي وحول المزارع التعاونية للفلاحين.

ضاقت الدنيا بميشيل عفلق، حيث لم يتحمل الانقلاب الذي أحدثته كتلة [السعدي و الشوفي ] داخل المؤتمر، وجعلته يصرح علناً [ هذا لم يعد حزبي].

وبعد أن قوي علي صالح مركزه داخل القيادتين القطرية والقومية  بدأ هو وكتلته يطرحون أفكاراً راديكالية، وتحولا نحو اليسار، بدأ الضباط البعثيون يشعرون بعدم الرضا من اتجاهات السعدي وكتلته، و أخذت مواقفهم تتباعد شيئاً فشيئاً عن مواقفه، وانقسم تبعاً لذلك الجناح المدني للحزب.

 فقد وقف الونداوي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي  بالإضافة إلى الحرس القومي، واتحاد العمال، واتحاد الطلاب إلى جانب السعدي، فيما وقف حازم جواد، وطالب شبيب، وطاهر يحيى ـ رئيس أركان الجيش ـ وحردان عبد الغفار التكريتي ـ قائد القوة الجوية ، وعبد الستار عبد اللطيف ـ وزير المواصلات، ومحمد المهداوي ـ قائد كتيبة الدبابات الثالثة، إلى الجانب المعارض لجناح السعدي، بينما وقف أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش على الحياد.

 لكن السعدي أتهمهما بأنهما يدفعان الحزب نحو اليمين، وأنهما يؤيدان معارضيه في الخفاء.

كان أحد العوامل الرئيسية للصراع داخل قيادة حزب البعث هو الموقف من القوى القومية والناصرية والحركية، فقد انقسمت القيادة القطرية في مواقفها إلى كتلتين، فكتلة حازم جواد وطالب شبيب كانت تطالب بقيام جبهة واسعة تضم حزب البعث وكل الفئات القومية والناصرية والحركية، فيما كانت كتلة السعدي تعارض هذا التوجه، وقد أدى ذلك إلى تأزم الموقف واشتداد الصراع بين الجناحين وتصاعده حتى وصل الأمر إلى الموقف السعدي نفسه عندما حاول جناح [ جواد و شبيب] إزاحة السعدي متهمين إياه بالتهور والتطرف.

وتعاون احمد حسن البكر مع عبد السلام عارف على إزاحته، فكانت البداية قد تمثلت بإجراء تعديل وزاري في 11 أيار 963 1، جرى بموجبه إعفاء السعدي من منصب وزير الداخلية وتعيينه وزيراً للإرشاد، فيما عيين غريمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية، وكان ذلك الإجراء أول ضربة توجه إلى قيادة السعدي.

 ثم تطور الأمر إلى محاولة إخراجه من الوزارة، ومجلس قيادة الثورة، والسيطرة على الحرس القومي الذي يقوده منذر الونداوي، والذي يعتمد عليه السعدي اعتماداً كلياً.

وفي 1 تشرين الثاني  صدر مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي، وتعيين عبد الستار عبد اللطيف بدلاً عنه، غير أن الونداوي تحدى المرسوم وأصرّ على البقاء في منصبه في قيادة الحرس القومي، وقد أدى ذلك إلى تعقد الموقف، وتصاعد حمى الصراع الذي تفجر بعد عشرة أيام .

وفي11 تشرين الثاني عُقد مؤتمر قطري استثنائي لانتخاب ثمانية أعضاء جدد للقيادة القطرية لكي يصبح العدد 16 عضواً  بموجب النظام الداخلي الذي تبناه المؤتمر القومي السادس [المادة 38 المعدلة من النظام الداخلي]، غير أنه ما أن بُوشر بإجراء الانتخاب حتى داهم 15 ضابطاً مسلحاً قاعة الاجتماع بقيادة العقيد محمد المهداوي الذي بدأ يتحدث أمام المؤتمرين بعصبية قائلاً:

{لقد اخبرني فيلسوف الحزب الرفيق ميشيل عفلق أن عصابة استبدت بالحزب في العراق، ومثلها في سوريا، وأن العصابتين وضعتا رأسيهما معاً، وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس، ولذلك يجب القضاء عليهما }.

 كما هاجم المهداوي قرارات المؤتمر القومي السادس واصفاً إياه بمؤامرة ضد الحزب، وطالب بانتخاب قيادة قطرية جديدة  تحت تهديد أسلحة الضباط المرافقين له.

تظاهر المؤتمرون باختيار قيادة جديدة، واشترك الضباط بالتصويت، علماً بان بعضهم لم يكن بعثياً على الإطلاق، وجاء على رأس القيادة الجديدة [حازم جواد ] بالإضافة إلى فوز أنصاره.

غير أن المهزلة لم تنتهِ إلى هذا الحد، فقد أسرع الضباط إلى اعتقال علي صالح السعدي، ومحسن الشيخ راضي، وحمدي عبد المجيد، وهاني الفكيكي، وأبو طالب الهاشمي، الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للحرس القومي، وجرى تسفير الجميع على متن طائرة عسكرية إلى مدريد.

3 ـ امتداد الصراع إلى الشارع :

هكذا أنفجر الوضع المتأزم في ذلك اليوم، وامتد الصراع إلى الشارع، ففي صباح يوم 13 تشرين الثاني اندفعت أعداد غفيرة من مؤيدي علي صالح السعدي، ومن الحرس القومي إلى شوارع بغداد، وأقاموا الحواجز في الطرق، واحتلوا مكاتب البريد ، والبرق والهاتف ، ودار الإذاعة وهاجموا مراكز الشرطة، واستولوا على الأسلحة فيها، و أسرع الونداوي إلى قاعدة الرشيد الجوية ومعه طيار آخر، وامتطيا طائرتين حربيتين، وقاما بقصف القاعدة المذكورة، ودمرا [5 طائرات] كانت جاثمةعلى ارض المطار .

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم أذاع وزير الدفاع  صالح مهدي عماش بياناً من دار الإذاعة حذر فيه أحمد حسن البكر من أن هناك محاولة لجعل البعثيين يقتلون بعضهم بعضاً وهذا ما لا يفيد إلا أعداء الحزب، كما وجه نداءً للعودة إلى العلاقات الرفاقية وإلى التفاهم  والأخوة. وفي تلك الأثناء فرضت قوات الحرس القومي سيطرتها على أغلب مناطق بغداد، ورفض البكر وعماش إعطاء الأمر إلى الجيش بالتدخل، وأصبحت قيادة فرع بغداد للحزب هي التي تقود الحزب في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ حكم البعث، وطالبت تلك القيادة بإعادة السعدي ورفاقه إلى العراق وممارسة مهامهم الحزبية والرسمية، غير أنها لم تفلح في ذلك  واضطرت إلى الموافقة على إحالة القضية إلى القيادة القومية لتبت فيها.

وفي مساء ذلك اليوم  13 تشرين الثاني  وصل إلى بغداد مؤسس الحزب  [ميشيل عفلق ] والرئيس السوري [ أمين الحافظ] بالإضافة إلى عدد آخر من أعضاء القيادة القومية للحزب.

غير أن عبد السلام عارف لم يجر لهما استقبالاً رسمياً كما يقتضي البروتوكول والعرف الدبلوماسي، كما لم يحاول الالتقاء بالوفد، مما جعل الوفد يحس أن هناك جو غير طبيعي في بغداد، وأن لابد من أن يكون هناك أمراً يدبر ضد حكم حزب البعث.

حاول ميشيل عفلق ورفاقه في الوفد التصرف بشؤون العراق حيث أصدروا  قراراً بنفي حازم جواد، وزير الداخلية، وطالب شبيب، وزير الخارجية، متهمين إياهما بأنهما أساس الفتنة، كما أصدر الوفد قراراً آخر بحل القيادة القطرية التي جرى انتخابها تحت تهديد الضباط الخمسة عشرة، وكذلك القيادة القطرية التي كان يقودها علي صالح السعدي، وأعلن عن تسلم القيادة القومية للمسؤولية لحين انتخاب قيادة قطرية جديدة.

هكذا إذاً كان تصرف عفلق والوفد الموافق له تجاهلاً لعبد السلام عارف بصفته رئيساً للجمهورية، كما أن الرابطة التي كانت تجمع الضباط البعثيين بالقيادة المدنية قد تفككت، ودبت الخلافات العميقة بينهم، وسارع الجناح المدني في الحزب يتحدى من اسماهم بأعداء الحزب، ودعا اتحاد العمال الذي يسيطر عليه الحزب إلى سحق رؤوس البرجوازيين الذين خانوا الحزب، وإعدام أصحاب رؤوس الأموال الذين هربوا أموالهم إلى الخارج.

 كما دعوا إلى تأميم كافة المشاريع الصناعية في البلاد، وكانت تلك الاندفاعات لجناح الحزب المدني كلها  تصب في خانة عبد السلام عارف الذي صمم على إزاحة حزب البعث عن السلطة، وأحكام قبضته على شؤون البلاد دون منازع أو شريك، بعد أن وصلت حالة الحزب إلى أقصى درجات التمزق والتناحر، وبعد أن عمت الفوضى أرجاء البلاد، وبلغ استياء ضباط الجيش الممسكين بالمراكز القيادية في الجهاز العسكري من تصرف القيادة البعثية مداه، قرر عبد السلام عارف بالتعاون مع تلك العناصر العسكرية توجيه ضربته القاضية لحكم البعث، وإنهاء سيطرتهم على مقدرات البلاد،  فقد استغل عبد السلام تلك الظروف البالغة الصعوبة التي مرّ بها حزب البعث، وبالتنسيق مع عدد من أولئك الضباط  وكان منهم :

1-عبد الرحمن عارف، شقيقه ، قائد الفرقة الخامسة .

2 – الزعيم الركن عبد الكريم فرحان، قائد الفرقة الأولى .

3 – العقيد سعيد صليبي، آمر الانضباط العسكري.

4 – الزعيم الركن الطيار حردان التكريتي، قائد القوة الجوية.

5 – اللواء الركن طاهر يحيى، رئيس أركان الجيش .

هذا بالإضافة إلى العديد من الضباط الآخرين ذوي الميول القومية.

وفي فجر يوم 18 تشرين الثاني 963  قامت طائرات عسكرية بقصف مقر القيادة العامة  للحرس القومي في الأعظمية، ثم تقدمت الدبابات، والمصفحات لتستولي على كافة المرافق العامة في بغداد،  ومقرات الحرس القومي ، وحاول البعثيون مقاومة الانقلاب في بادئ الأمر، إلا أن الأمر كان قد حسم في نهاية النهار، فلم يكن باستطاعة الحرس القومي، وهو يحمل الأسلحة الخفيفة أن يقاوم الدبابات والمصفحات والصواريخ والطائرات.

 سارع أفراد الحرس  إلى إلقاء سلاحهم، والتخلص منه، برميه في الحقول والمزارع والمزابل بعد أن هددهم النظام العارفي بإنزال العقاب الصارم بهم  إن هم استمروا على حمل السلاح أو إخفائه، وأجرى الجيش مداهمات لمساكن أفراد الحرس القومي بحثاً عن السلاح.

 كما جرى إلقاء القبض على أعداد كبيرة من البعثيين لفترة محدودة من الزمن، حيث تمكن الجيش من إحكام سيطرته على البلاد، وأخذ النظام فيما بعد يطلق سراح البعثيين المعتقلين  في حين بقي السجناء والموقوفين الشيوعيين والديمقراطيين في السجون، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام، كانت قد أصدرتها المحاكم العرفية على عهد البعثيين، بعد تسلم عبد السلام عارف زمام الأمور في البلاد، فقد كان العداء للشيوعية هو الجامع الذي جمع البعثيين والقوميين دون استثناء، ربما شيء واحد فقط قد تغير، هو تخفيف حملات التعذيب أثناء التحقيقات مع المعتقلين، واستمرت المحاكم العرفية تطحن بالوطنيين طيلة عهد عارف.

وفي مساء يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 963 ، تلاشت مقاومة حزب البعث وحرسه القومي في أنحاء البلاد، وتم لعبد السلام عارف وقادته العسكريين السيطرة التامة على البلاد، وبدأ على الفور بترتيب البيت، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة لمدة سنة تتجدد تلقائياً إذا اقتضى الأمر ذلك، وعمد عبد السلام إلى الاعتماد على الروابط العشائرية، وخاصة عشيرة [الجميلات ]، فقد عين شقيقه [عبد الرحمن عارف] وكيلاً لرئيس أركان الجيش، رغم كونه ليس ضابط أركان . 

 كما عين صديقه، وأبن عشيرته [ سعيد صليبي ] قائداً لحامية بغداد، فيما أعلن عارف نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ثم رئيساً لمجلس قيادة الثورة. كما جاء عارف باللواء العشرين الذي كان يقود أحد أفواجه عند قيام ثورة 14 تموز، واتخذ منه حرسه الجمهوري الخاص به حيث اغلب عناصره من عشيرة الجميلات وغيرها من عشائر محافظة الأنبار المؤيدة له.

بدأ عبد السلام عارف حكمه معتمداً على ائتلاف عسكري ضم الضباط القوميين والناصريين، والضباط البعثيين الذين انقلبوا على سلطة البعث، فقد أصبح [ طاهر يحيى ] رئيساً للوزراء، و[حردان التكريتي] نائباً للقائد العام للقوات المسلحة، ووزيراً للدفاع، فيما عيين [أحمد حسن البكر] نائباً لرئيس الجمهورية والزعيم [ رشيد مصلح ] وزيراً للداخلية وحاكماً عسكرياً عاماً، ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً من منطقة تكريت، ومن العناصر البعثية.

أما العناصر القومية والناصرية التي شاركت في الحكم فكان على رأسها الزعيم الركن[محمد مجيد] مدير التخطيط العسكري والزعيم الركن[عبد الكريم فرحان] الذي عيين وزيراً للإرشاد و[عارف عبد الرزاق] الذي عيين قائداً للقوة الجوية،والعقيد الركن [هادي خماس] مديراً لجهاز الاستخبارات العسكرية، والمقدم [صبحي عبد الحميد] الذي عيين وزيراً للخارجية.

 

عبد السلام عارف يبعد العناصر البعثية عن الحكم:

رغم تعاون الضباط البعثيين مع عبد السلام عارف في انقلاب 18 تشرين الثاني 963 ، ضد قيادتهم المدنية، واشتراكهم في حكومته الانقلابية، إلا أن عارف لم يكن يطمأن لوجودهم في السلطة، ولم يكن إشراكهم في الحكم من قبله سوى كونه عمل تكتيكي من أجل نجاح انقلابه ضد سلطة البعث وتثبيت حكمه، لكنه كان في نفس الوقت يتحين الفرصة للتخلص منهم ، وقد ساعده في ذلك الكره الشعبي الواسع النطاق للحكام البعثيين بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق الوطنيين طيلة فترة حكمهم ، وهكذا وبعد أن تسنى لعارف تثبيت أركان حكمه بدأ بتوجيه الضربات للعناصر البعثية تلك.

 ففي 4 كانون الأول 964 أعفى عارف المقدم [عبد الستار عبد اللطيف] من وزارة المواصلات، وفي 16 منه أزاح عارف [ حردان التكريتي ] من منصبه كقائد للقوة الجوية. وفي 4 كانون الثاني 64 ألغي عارف منصب نائب رئيس الجمهورية وتخلص من [احمد حسن البكر] الذي كان يشغل المنصب، وعينه سفيراً بديوان وزارة الخارجية.

وفي 2 آذار 964، أعفى عارف [ حردان التكريتي ] من منصب وزير الدفاع، وعين محله طاهر يحيى، بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولم يبقَ إلا رشيد مصلح التكريتي، وزير الداخلية والحاكم العسكري العام، الذي ربط مصيره بمصير عارف، مهاجماً أعمال البعثيين وجرائمهم، وبذلك أصبح الحكم بقيادة عبد السلام عارف، وبرز الناصريون في مقدمة النظام، وبدأ النظام يقلد الجمهورية العربية المتحدة في أساليبها وخططها التنموية، حيث أقدمت الحكومة على تأميم المصارف، وشركات التأمين مع 32 مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة، وخصصت الدولة 25% من الأرباح للعمال والموظفين العاملين فيها، وقررت تمثيلهم في مجالس الإدارة، كما أقدم النظام الجديد على تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في 14 تموز 964 ، على غرار الاتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة، ودُعيت القوى السياسية في البلاد إلى الانضواء تحت راية هذا الاتحاد، وقد أستهوى هذا الإجراء، وتلك التحولات الاقتصادية جانباً من قيادة الحزب الشيوعي، حيث برزت دعوة لحل الحزب والانضمام إلى الاتحاد المذكور.

 لكن هذا الاتجاه لم ينجح في جر الحزب إليه  بعد أن وقفت العناصر الحريصة على مصلحة الحزب ضد دعوة الحل والانضمام للاتحاد الاشتراكي، وبسقوط حكم حزب البعث انزاح الكابوس الذي خيم على الشعب العراقي بمختلف أطيافه، وخفت الحملات الفاشية التي كان يمارسها الحرس القومي المنحل، وتنفس المواطنون الصعداء، فقد كان سقوط حكم البعث عيداً حقيقياً لنا بعد تلك الجرائم الوحشية التي ارتكبوها بحق الشيوعيين والديمقراطيين،  والتي ذهب ضحيتها عشرات الألوف، على الرغم من أن الانقلابيين الجدد هم في واقع الحال شركاء البعث في انقلاب 8 شباط وكل الجرائم التي ارتكبت في تلك الفترة من حكم البعث.

لكن موجة الإرهاب والملاحقات قد خفت وبات من الممكن أن اخرج من البيت وأتحرك في بغداد دون مخاطر كبيرة، وكان خروجي أمر ضروري لمحاولة البحث عن أي عمل أستطيع من خلاله سد حاجات العائلة الضرورية، حيث كنا نعيش بنصف إيجار البيت البالغ 7 دنانير، ولم يبق لدينا من أثاث إلا القليل حيث بعنا أغلبها لنعيش واستغنيا حتى عن الثلاجة والمراوح والسجاد والكثير من الأشياء الضرورية للعائلة ، فلم أكن أتلقى أي مساعدة مادية من أحد.

 

 

{33}

اعتقالي في السليمانية و تسفيري

إلى الموصل ومحاكمتي

في عام 1964 تدهور الوضع المعيشي للعائلة إلى درجة خطيرة، ولم يعد لدينا أي شئ يمكن أن نستغني عنه ونبيعه لتدبير مصاريف العائلة، ولاسيما بعد ولادة ولدي ناهض في الثالث عشر من أيلول 1963، وباتت العائلة تضم أربعة أطفال بالإضافة للوالدين وتتطلب مصاريف لا قبل لنا بها، وبعد تفكير عميق ومداولة مع زوجتي استقر الرأي على أن أسافر إلى السليمانية حيث كان مقر عملي قبل أن يتم فصلي من الوظيفة واختفائي في محاولة للعودة إلى عملي بعد أن حصلت على رسالة إلى محافظ السليمانية من أخيه. لكن الأمور جرت على عكس ما كنت أمني نفسي به ، فقد تم إلقاء القبض عليَّ، وجرى إيداعي سجن السليمانية انتظاراً لتسفيري مخفوراً إلى الموصل، حيث كانت اللجنة التحقيقية البعثية قد أصدرت أمراً بالقبض علي بعد الاعترافات التي حدثت من قبل العديد من الرفاق بعد انقلاب 8 شباط بكوني كنت أنظمهم.

كان قلقي في تلك الأيام على العائلة ومصيرها، وأوضاعها الصعبة جداً، فقد كانت تعيش بنصف الإيجار البالغ 7 دنانير طيلة الشهر، ولذلك فقد اضطرت زوجتي إلى ترك دارنا للمستأجر كاملاً، وأخذت أطفالها إلى بيت أهلها. أما أنا فقد مكثت بضعة أيام في سجن السليمانية، ثم جرى نقلي إلى كركوك حيث مكثت في السجن بضعة أيام أخرى، وكان ذلك السجن يضم نخبة من المناضلين المتهمين بأحداث كركوك، وقد كانت فرصة لي للحديث مع الرفاق حول حقيقة ما جرى في المدينة في الذكرى الأولى لثورة 14 تموز، وبعد بضعة أيام جرى نقلي إلى مدينة أربيل التي مكثت فيها عدة أيام أخرى قبل أن يتم تسفيري إلى الموصل، حيث نقلت إلى موقف مديرية شرطة المدينة البائس، والذي كان يضم عدداً كبيراً من الموقوفين الشيوعيين وأصدقائهم، ذلك الموقف الذي لا تتوفر فيه ابسط الشروط الصحية، وكانت معاملة الشرطة للموقوفين سيئة جدا،ً وتتعارض بشكل صارخ مع حقوق الإنسان.

كان الطعام رديئاً جداً، وكان الموقف اشبه بحمام بخار من شدة الحرارة، وبدون تبريد، وكانت رائحة العرق تفوح في الموقف حيث لا يمكن للسجناء الاستحمام .

مكثت في ذلك الموقف أكثر من أسبوعين، ثم جرى نقلي مع عشرة من الموقوفين إلى مركز شرطة الدواسة المجاور لدارنا السابق في الموصل، وقد أودعونا في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها  12 مترً مربعاً، أي متر مربع لكل موقوف في ذلك الجو الحار جداً من شهر حزيران، ومن المؤسف أن ابناء عمي وعمتي الذين كانوا يصولون ويجولون في الموصل آنذاك لم يحاولوا أن يقدموا لي أي مساعدة، عدا عمتي وفيقة، وكانت زوجتي تتابع باستمرار جلب الطعام لي بالموقف كلما سنحت لها الفرصة، وكان بإمكان أبناء عمتى الأخرى، وأبناء عمي، أن يفعلوا كل شئ، حيث كانوا من القوميين النشطاء، وذوي مراكز مهمة في الموصل، لكن حقدهم على الشيوعية أوصلهم إلى هذا الموقف اللا أخلاقي ضدي.

بعد أسبوع جرى نقلي إلى مقر الهيئة التحقيقية الخاصة بالمتهمين الشيوعيين للتحقيق معي، ورغم أن زوج بنت عمتي ضابط الشرطة المدعو عبد الله كشمولة كان احد ضباط التحقيق، لكنه لم يقدم لي أية خدمة، بل تجنب حتى لقائي.

ومن الصدف أن مفوض الشرطة الذي قام بالتحقيق معي كان احد طلابي في الحضر حيث كان شرطياً، وكان أميا لا يجيد القراءة والكتابة، و كنت قد فتحت صفاً لمكافحة الأمية، وكان هو احد طلابي، لكنه هو الآخر على الرغم من عدم إيذائي، لكنه أصر على كوني شيوعياً، وقد أنكرت ذلك قطعاً، وأنكرت كل الاعترافات التي أدلى بها العديد من رفاقي سابقاً حيث أعطيت تحت التعذيب، وتمت قراءتها من قبل مفوض التحقيق المدعو خليل، والذي قال لي بالحرف الواحد:

{استاذ صحيح أنا أعرفك جيداً كرجل طيب، لكنك شيوعي والاعترافات عليك عديدة، وبعد نهاية التحقيق معي تم تمديد توقيفي إلى أجل غير مسمى انتظاراً للمحاكمة أمام المجلس العرفي العسكري في كركوك.

أعادوني إلى مركز شرطة الدواسة حيث مكثت فيها أسبوعين  ثم جرى نقلي مع الموقوفين الآخرين إلى مركز شرطة خزرج حيث حشرنا في سرداب ملئ بالموقوفين المتهمين بالشيوعية وقد مكثت فيه خمسة اشهر، وهو كغيره لا تتوفر فيه ابسط الشروط الصحية سوى انه ابرد من المواقف السابقة التي كانت تغلي من شدة الحر في الصيف القائض، ولكن لم يتح لنا الاغتسال طيلة تلك المدة، كما كان الطعام رديئاً جداً. وفي تلك الأيام وقعت محاولة البعثيين القيام بانقلاب ضد نظام عبد السلام عارف، تلك المحاولة التي جرى كشفها قبل تنفيذها وجرى اعتقال كافة البعثيين، وجئ بأكثر من خمسين بعثياً إلى السرداب الذي كنا موقوفين فيه، مما سبب لنا احتكاكات كثيرة غالباً ما كانت تتطور إلى عراك بين الطرفين، فهؤلاء البعثيون كانوا أوباشا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، مما حول حياتنا إلى جحيم.

كان من بين كوادر البعثيين أحد زملائي في الدراسة منذ الابتدائية وحتى التخرج من الإعدادية هو عدنان عبد النافع ، إبن الإقطاعي الذي أصبح على أثر انقلاب 8 شباط المشؤوم آمراً للحرس القومي في الموصل، وجلاداً مارس التعذيب الوحشي ضد الشيوعيين، وفي مقدمتهم سكرتير اللجنة المحلية الشهيد طالب عبد الجبار، وما أن وقع بصره عليَّ حتى بادرني بالقول: كيف هربت ونجوت من الموت وغادرت الموصل ؟ فقد كان اسمك في مقدمة قائمة المرشحين للاغتيال.

الأمر المهم الذي جرى وأراحني كثيراً آنذاك كان قيام أخوتي وأخواتي ببيع دارنا في الموصل بملغ 2500 دينار، وكانت حصتي منه 500 دينار، حيث أنقذت العائلة في تلك الظروف البالغة القسوة، وتنفست الصعداء.

قضيت في سرداب شرطة خزرج حوالي 5 اشهر في ظل تلك الظروف البالغة الصعوبة انتظر مصيري، حتى جاءني بلاغ بترحيلي إلى كركوك للمثول أمام المجلس العرفي العسكري للمحاكمة عن قضية السليمانية،وجرى نقلي إلى موقف السراي في كركوك مخفوراً حيث مكثت 3 أيام بانتظار المحاكمة.

ولم تدخر وسعاً زوجتي لمتابعة قضيتي، واستطاعت الحصول على رسالة من عائلة رئيس المحكمة الزعيم حسين الزرقي، وهو احد جيرانهم، وكانت تربطه علاقة صداقة مع والدها وكان لتك الرسالة تأثير كبير على قرار الحكم المخفف حيث كان قرار الإحالة بموجب المادة 43 من قانون الأحزاب والجمعيات ، والتي عقوبتها القصوى 6 اشهر والمادة 31  من

من قانون العقوبات التي تحكم حتى 10 سنوات بالسجن، وحاول المدعي العام العسكري جهده في تثبيت التهمة ضدي بموجب المادة 31 .

ونودي على الشهود واحداً بعد الآخر وجميعهم من الرفاق الشيوعيين الذي كانوا قد اعترفوا أثناء التحقيق تحت التعذيب معهم بكونهم شيوعيين، واعترفوا عليَّ بكوني كنت أنظمهم ، وقد أنكرت وجود أية علاقة بهم ، وانتمائي للحزب الشيوعي ، وصدر الحكم ضدي بالسجن لمدة 6 اشهر بموجب المادة 43 من قانون الأحزاب والجمعيات، وبراءتي بموجب المادة 31 فلم أكن طيلة حياتي قد سببت أذى لأي انسان.

 وحيث أنني قد قضيت في التوقيف أكثر من هذه المدة، فقد قرر رئيس المحكمة أطلاق سراحي عن هذه القضية، لكني كنت موقوفاً في الوقت نفسه عن قضية أخرى بالموصل حيث الاعترافات عليَّ بالجملة، وهكذا جرى إعادتي مخفوراً إلى الموصل من جديد وفي نفس السرداب بمركز خزرج.

حاولت زوجتي جهدها لإطلاق سراحي بكفالة دون جدوى، وكان المحرض على عدم إطلاق سراحي هو أبن عمي طه حمو الذي تربينا معاً في بيت جدي، فقد كان حاقداً علي عندما اعتقل بعد فشل مؤامرة العقيد الشواف الذي اشترك فيها، وكان ملازماً في الجيش آنذاك، بدعوى أنني لم أقف إلى جانبه، و لم أتوسط  له، وبعد انقلاب 8 شباط أصبح طه حمو عضواً في الهيئة التحقيقية العسكرية إلى جانب الجلادين طه الشكرجي وحازم الصباغ، ومارس التعذيب بحق الضباط الشيوعيين والقاسميين السجناء كجلاد مثلهما.

 كان طه على صلة وثيقة مع رئيس الهيئة التحقيقية في الموصل الرائد[محمد سعيد قاسم] وقد حرضه على عدم الموافقة على إطلاق سراحي بكفالة، فكان كلما قدمت زوجتي عريضة لإطلاق سراحي بالكفالة يمزق العريضة ويلقيها في وجهها، فلما علمت عمتي بما فعله طه أخذت زوجتي وذهبت إلى بيت الزعيم [خليل جاسم] الذي كان قد عٌين آمراً لموقع الموصل بعد انقلاب عبد السلام عارف في 17 تشرين الثاني  ضد نظام البعث، وهو من ابناء محلتنا الطيبين، وكان على علاقة حيمية بوالدي وأعمامي، وقد استقبلهما استقبالاً طيباً جداً، وتحدثت إليه عمتي عن أفعال طه ورئيس الهيئة التحقيقية محمد سعيد قاسم، حيث تألم كثيراً لذلك، ووعدها بأن يحاسب طه على فعلته ويوبخه، وينقل محمد سعيد قاسم إلى مقر الفرقة في كركوك، ويطلق سراحي بكفالة.

وبالفعل استدعى في اليوم التالي طه ووبخه على فعلته اشد التوبيخ، وابرق إلى قائد الفرقة في كركوك طالباً بنقل رئيس الهيئة التحقيقية، وتعيين ضابط آخر مكانه، وبالفعل لم تمضِ إلا بضعة أيام حتى تغير كل شئ، وصدر قرار بإطلاق سراحي بكفالة من قبل الحاكم العسكري العام رشيد مصلح.

وسارعت زوجتي إلى عمي أمين،عضو المجلس البلدي، طالبة منه كفالتي، لكنه اعتذر عن طلبها، مما اضطرها إلى البحث عن كفيل، وقد طلبتُ منها الذهاب إلى صديق الطفولة أخي عبد المالك السيد محمد ليكفلني، وبالفعل استجاب الصديق بشكل فوري، وسارع إلى المحكمة حيث قام بالتوقيع على كفالتي لحين المحاكمة أمام المجلس العرفي العسكري في كركوك من جديد، وتم إطلاق سراحي من السجن، حيث سارعنا بالسفر إلى بغداد، وأنا بأشد الشوق لرؤية أطفالي.

كانت فرحة أطفالي باللقاء مؤثرة للغاية، كما تملك جيراني المسيحيين الفرح الغامر بإطلاق سراحي، وبدأت الدعوات تنهمر علينا وكأني واحداً من تلك العوائل الطيبة، والذين كنت اعتبرهم حقاً وصدقاً أهلي وإخوتي وأخواتي ولن انس ما حييت تلك المواقف الأخوية النبيلة هذه.  كان علي أن أفكر في وضع العائلة المعيشي من جهة، ومسألة الديون

 التي بذمتي والمتعلقة بداري، وكان قراري أن أعود للعيش  في دارنا بصورة مؤقتة، وعرضه للبيع، وتسديد كافة الديون، وبما يتبقى لدينا أفتتح لي مكتباً للمقاولات في الدورة بعد الانتهاء من المحاكمة الثانية.

وبالفعل تم الاتصال بالمستأجر، ورجوته أن يبحث له عن دار آخر لكي انتقل إلى البيت مع عائلتي، وقد استجاب الرجل الطيب لطلبي، ولم يمض سوى أسبوع حتى ابلغني بإخلاء الدار، وقد شكرته على ذلك، وعدنا إلى دارنا من جديد.

 بعد مضي شهر من انتقالنا وردني تبليغ من المجلس العرفي العسكري في كركوك بموعد المحاكمة في 27 تموز 1964، وكنت انتظر هذا اليوم لكي أستطيع أن أباشر بمشروع عملي الجديد، وقبل يوم من الموعد غادرت إلى كركوك حيث نزلت عند أحد الأصدقاء .

وفي اليوم التالي سارعت إلى مقر المحكمة مبكرا، وأبلغت بحضوري، وبعد ساعتين من الانتظار نودي علي بالدخول إلى قاعة المحكمة وباشر  المدعي العام بقراءة قرار الاتهام، وطلب محاكمتي بموجب المادتين 31 و 43 كما فعل في المحاكمة السابقة، ونودي على الشهود، ولكن لم يحضر سوى شاهد واحد، أما بقية الشهود فقد قرأ المدعي العام شهاداتهم المأخوذة عنوة تحت التعذيب، والتي اعترفوا فيها بكوني كنت أنظمهم حزبياً.

وبعد الانتهاء من تلاوة الشهادات، وبعد مداولات قصيرة لأعضاء المحكمة صدر القرار بإسقاط تهمة الإخلال بالأمن بموجب المادة 31 التي تحكم حتى 10 سنوات بالسجن، وحيث أن التهمة الثانية المتعلقة بالانتماء للحزب الشيوعي المادة 43 قد سبق أن حُكمتُ بموجبها في المرة السابقة، وحيث لا يجوز الحكم عن التهمة مرتين، فقد أخلت المحكمة سراحي حيث خرجت مسرعاً من المحكمة، وكانت زوجتي بانتظاري وقد غمرتها فرحة كبيرة، حيث باتت الظروف مهيأة لي لبداية مشروع عملي الجديد الذي كنت أتمناه قبل أن اعمل في التعليم.

عدنا عصر ذلك اليوم إلى بغداد، وقد استقبلنا الجيران بفرح غامر، وعادت دعواتهم لنا من جديد، وتقديم الهدايا، فقد كنا اشبه بعائلة واحدة.

وبدأت بالخطوة الأولى حيث اعلنت عن بيع الدار على الرغم من زعل الجيران، لكني أخبرتهم بأني لن أغادر المحلة، وسأستأجر داراً هنا ريثما أبني لي داراً جديداً.

ولم يمض وقت طويل حتى تم بيع الدار، وجرى تسديد ديوني كلها، وبقي لدي 1500 دينار لكي أبدأ بالعمل، حيث بادرت إلى استئجار محل على الشارع العام بالدورة وأثثته بما يلزم ووضعت لوحة {المقاول حامد الحمداني }.

ولم تمضِ سوى أيام معدودة حتى تعاقدت مع أحد المواطنين لبناء دار له، وبدأت العمل على الفور، وكانت تجربة ناجحة بكل المقاييس، ونالت رضا صاحب الدار الذي سلمته الدار كاملة قبل المدة المقررة، حيث شكرني كثيراً، وأصبح خير دعاية لي لإخلاصي بالعمل ودقة المواعيد، وبدأت العقود تتولى علي لدرجة كنت اعتذر عن بعضها لكثرة العمل وحرصاً على المواعيد.

لقد كنت رغم التعب المنهك سعيداً جداً في عملي الحر الذي كان يدر علي ربحاً لم أكن احلم به في الوظيفة، وكان علي أن ارتب شؤون العائلة، وفي المقدمة بناء بيت جديد وتأثيثه، وشراء سيارة.

 وبالفعل بادرت لشراء قطعة ارض ركن بمساحة 300 متر مربع في نفس المنطقة، وبنيت لي داراً يحتوي على ثلاث غرف نوم وغرفتي استقبال وطعام، وحمام ومطبخ، وتم إنجازه خلال 6 أشهر، وقمت بتأثيثه من جديد ، كما اشتريت لي سيارة مستعملة بسعر متواضع تسهيلاً لمتابعة عملي، وترفيهاً للعائلة تعويضاً عن تلك الأيام الصعبة والمضنية.

ومضيت في عملي منذ منتصف عام 1965 وحتى عام 1968عندما صدر قرار بإعادة المفصولين السياسيين إلى وظائفهم، واحتساب مدة الفصل[5 سنوات] خدمة فعلية لغرض الراتب والتقاعد، مما دفعني للتفكير بالعودة للوظيفة حيث كان لي في الخدمة 10 سنوات مضافاً إليها سنوات الفصل الخمسة لتصبح خدمتي 15 عاماً لكي اضمن لي تقاعداً في المستقبل، وكان في فكري أن استمر في عملي السابق، حيث أقوم ببناء دار أو دارين كل سنة لحسابي الخاص وأبيعها، وهذا ما جرى فعلاً حيث كنت احقق دخلاً لا بأس به يساعدني على تلبية متطلبات العائلة المؤلفة من 9 أفراد، واستطعت أن أعوض عائلتي وأطفالي عن تلك السنوات العجاف التي ذقنا فيها قسوة الحاجة وصعوبة العيش، وفقدان الحاجات الضرورية للعائلة كالثلاجة والمبردات والمراوح والمفروشات والسيارة، وغيرها من الحاجات المنزلية التي اضطررنا إلى بيعها كي نعيش عيشة الكفاف.

لقد كانت جريمة كبرى ارتكبها البعثيون بحق عوائلنا وأطفالنا الذي انقطع عنهم الراتب على اثر قرار الفصل الذي شمل الآلاف من الوطنيين فور وقوع انقلاب 8 شباط المشؤوم، دون أن يفكروا بأن الأجراء الذي أقدموا عليه يمثل عقوبة جماعية حقيقية للعوائل المنكوبة.

 

ميلاد ابنتنا الحان:

في العاشر من شباط 1966 ولدت طفلتنا الخامسة الحان، وكان سرورنا بولادتها كبير جداً، ولاسيما وأن وضع العائلة الاقتصادي كان قد تحسن جداً فكان ميلادها فاتحة خير لنا وللعائلة كافة.

 

 

{34}

العودة إلى الوظيفة في السليمانية

بعد أن صدر قرار إعادة المفصولين السياسيين إلى وظائفهم ، وبإلحاح من زوجتي للإسراع بالعودة للوظيفة فقد قررت السفر إلى مقر عملي السابق في مدينة السليمانية،وهكذا شددت الرحال إلى هناك حيث قابلت مدير التربية الرجل الطيب الذكر الأستاذ [موسى صمد] الذي رحب بي كثيراً، وأصدر قرار تعييني في نفس المدرسة التي كنت اعمل فيها قبل انقلاب 8 شباط المشؤوم، بمركز المدينة، وباشرت عملي على الفور، واتصلت بزوجتي طالباً منها تأجير الدار والقدوم إلى السليمانية بعد أن استأجرت لي داراً في حي العقاري، وما هي إلا يام حتى التأم شمل العائلة من جديد.

غير أن انتقالي إلى السليمانية من جديد حال دون ممارسة عملي في البناء، ولذلك بدأت أفكر في الانتقال إلى بغداد، واستطعت بعد بضعة اشهر أن أتعرف على أحد المعلمين من ابناء السليمانية الذي كان يعمل في بغداد في أحدى مدارس مدينة الثورة، وكان يسعى للعودة إلى السليمانية، وقد تم الاتفاق بيننا على التبادل، حيث قدمنا طلباً مشتركاً لوزارة الداخلية،  وبمساعدة الدكتور ناجي عبد القادر عميد كلية الهندسة حيث كلف زميله في الكلية الدكتور إحسان شيرزاد، والذي عُيّن وزيراً للأشغال، وبالفعل تحدث الوزير مع وزير الداخلية طالباً منه الموافقة على عملية التبادل، وصدر الأمر بالموافقة، وهكذا عدنا إلى بغداد من جديد، وبدأت بممارسة عملية البناء بالإضافة إلى عملي الوظيفي.

وفي السنة التالية انتقلت إلى مدرسة قدوري الحداد في حي  المنصور أحد الأحياء الراقية في بغداد، مما شجعني على بيع داري والانتقال إلى المنصور، وممارسة عملية البناء في هذا الحي حيث الدور الفخمة والتي تباع بأسعار عالية، وتدر ربحاً جيداً، حيث كان الجميع ينظرون إلي نظرة رجل الأعمال، وقد أفادتني تلك النظرة كثيراً حيث أبعدت عني شكوك السلطة حول ممارسة العمل السياسي،  فقد كنت منهمكاً في عملي الوظيفي  وفي البناء في الوقت نفسه،  وكانت نتائجي التدريسية وتقارير المفتشين ممتازة حيث كانت نسبة النجاح عندي في الامتحانات الوزارية 100% دائماً، واستطعت بتصرفي الهادئ والرزين فرض احترامي على إدارة المدرسة على الرغم من علم المدير فائق التكريتي أن خلفيتي شيوعية، وأنني كنت مفصولاً من الوظيفة لأسباب سياسية.

واستمريت على هذه الحال حتى عام 1978 عندما أصدرت حكومة البعث قراراً بتبعيث جهاز التعليم، ونقل من يرفض الانتماء للحزب إلى وظائف ثانوية خارج العاصمة.

ورغم كل الضغوط التي مارسها البعثيون رفضت بإصرار ذلك، وأخيراً تم اخذ تعهد مني بعدم ممارسة أي عمل سياسي، وفي حالة المخالفة فالعقوبة الإعدام، وعليه قررت التخلص من الوظيفة بشكل نهاني وقدمت طلباً بإحالتي على التقاعد، حيث أصبحت لي خدمة تتجاوز 25 عاماً،  ومن حقي أن أتقدم بطلب التقاعد. وتمت إحالتي على التقاعد في 5 تشرين الثاني 1978، وتنفست الصعداء، وتفرغت لعملي في البناء، وتحسن وضعي الاقتصادي بشكل كبير، حيث بنيت العديد من الدور الفخمة في المنصور وفي حي الجامعة الراقي، وكنت أبيعها بأسعار جيدة عادت علي بالربح الجيد، كما مارست عملية شراء وبيع العقارات، وهي أكثر راحة من عملية البناء، واستمريت بعملي حتى مغادرتي العراق في 21 أيلول 1991.

وللحقيقة والتاريخ فقد ابتعدت عن ممارسة أي عمل سياسي، أو الكتابة طيلة تلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق، فقد كان البعثيون يراقبون المثقفين في كل حركاتهم وسكناتهم، وبشكل خاص الذين كانت لهم خلفية سياسية، وخصوصاً الشيوعيين وكانوا ينفذون حكم الإعدام بكل من يشك النظام بممارسته العمل السياسي.

 كنت فقط أتابع الأحداث الجارية في العراق منذ خروجي من السجن، وأسجل بعض الملخصات عن أهم تلك الأحداث والتواريخ بعيداً عن ممارسة العمل السياسي، حيث كنت قد اتخذت قراري بمحض إرادتي منذ كانون الأول 1962 أن لا انتمي لأي حزب سياسي، وأن أكون مستقلاً بعد تلك التجربة التي خضتها في صفوف الحزب الشيوعي، حيث لم اعد قادراً على الالتزام بتنفيذ ما لا اقتنع به بصفتي عضواً عاملاً، مع كامل احترامي وتقديري للحزب الشيوعي ولتاريخه النضالي والتضحيات الجسام للألوف من رفاقه الشجعان الذين ضحوا بحياتهم من أجل حرية وطنهم، واعتزازي بتاريخي النضالي في صفوف الحزب خلال سنوات طويلة من عمري.

 

ولادة ابنتنا السادسة:

شهد يوم 28 آذار 1967 ولادة ابنتنا السادسة في السليمانية في يوم مثلج قارص البرد، وقد امتلأت الشوارع والطرق بالثلوج، وتم اختيار[ جوان] أسم لها حيث يمثل اسماً كرديا وعربياً وحتى عالميا، وهي اليوم قد اصبحت أم لخمسة بنات.

 

 

 

 

 

 المقدمة

محتويات الكتاب

الفصل (4)

الفصل (3)

الفصل (2)

الفصل (1)

الفصل (8)

الفصل (7)

الفصل (6)

الفصل (5)

الفصل (12)

الفصل (11)

الفصل (10)

الفصل (9)

الفصل (16)

الفصل (15)

الفصل (14)

الفصل (13)