حامد الحمداني

 

احداث في ذاكرتي

 

الفصل العاشر

 

 

30 ـ اشتعال الحرب في كردستان، وانتقالي إلى بغداد.

31 ـ انتفاضة الشيوعيين في معسكر الرشيد.

 

 

{30}

اشتعال الحرب في كردستان من جديد

وانتقالي إلى بغداد

على الرغم من قيام التعاون بين القيادة الكردية والانقلابيين قبيل سقوط نظام عبد الكريم قاسم، واغتيال ثورة 14 تموز، ومباركة قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني لذلك الانقلاب المشؤوم، وعلى الرغم من كل الوعود الشفوية التي قدمها الانقلابيون قبل نجاح الانقلاب للقيادة الكردية حول ضمان الحقوق القومية للشعب الكردي، إلا أنهم سرعان ما تنكروا  لكل وعودهم، وكشفوا عن وجوههم الحقيقة كأعداء شرسين يضمرون الكراهية الدفينة والشر للأكراد،وكان تظاهرهم في لقاءاتهم ومذكراتهم بحرصهم على تلك الحقوق بهدف تجميد الأكراد يوم الانقلاب، وضمان عدم التصدي لهم كما فعل الشيوعيون، ولاشك أن الأكراد كانت لهم كل الإمكانية للقيام بدور فاعل ضد الانقلابيين في كركوك والسليمانية والموصل وأربيل وسائر المناطق الكردية بالتصدي للانقلابيين وإفشال مؤامرتهم ضد ثورة تموز المجيدة.

لكن القادة الأكراد وقعوا في الفخ الذي نُصب لهم، وتنكّروا  لثورة 14 تموز شاءوا أم أبوا، وضيعوا ليس فقط حقوق الشعب الكردي فحسب بل الشعب العراقي كافة، فلم يكد يمضي سوى أربعة أشهر على الانقلاب حتى بادر الانقلابيون بدون سابق إنذار إلى شن حملة عسكرية واسعة النطاق على كردستان في 10 حزيران 1963 مستخدمين أبشع الوسائل والسبل للتنكيل بالشعب الكردي، وتهديم قراهم، وتقتيل الآلاف من أبنائهم.

لقد شهدت بأم عيني ماذا فعل الانقلابيون في مدينة السليمانية، ففي فجر اليوم الأول من حزيران 963 طافت سيارات عسكرية تحمل مكبرات الصوت تعلن منع التجول، و تدعوا الناس إلى عدم مغادرة منازلهم، وبنفس الوقت تحركت قطعانهم العسكرية لتداهم المنازل منزلاً بعد منزل حسب الأرقام، وتفتشها تفتيشاً دقيقاً، واعتقال كل شخص تجاوز السادسة عشرة من عمره. كنت في ذلك الوقت متخفياً في السليمانية مع عائلة موصلية تضم أخوين وشقيقتما المعلمة في السليمانية، وتمكنت بأعجوبة من الإفلات من قبضة الانقلابيين، فقد فاجأتنا ثلة من الجيش يقودها ضابط، وجرى كبس الدار، ولم يكن أمامي أي مجال للهروب.

 توجه الضابط نحوي بالسؤال قائلاً:  أنت من أين؟

وقد أجبته على الفور أنا من الموصل، وأعمل معلماً في السليمانية، وهذه هويتي. كان من حسن الصدف أن هذا الضابط قد وصل السليمانية بعد وقوع الانقلاب، ولا يعرف عني شيئاً، وكان رده الذي لم أكن أتوقعه أبداً قائلا: يا أهلا بإخواننا العرب، ثم غادر ومجموعته الدار، وهكذا نجوت من موت محقق لو أن آمر الانضباط العسكري هو مَنْ كبس الدار.

لقد أعتقل الانقلابيون الآلاف من أبناء الشعب الكردي، ولم يسلم من الاعتقال الحكام  والأطباء  والمحامون والمهندسون، وسائر الموظفين، وبدأ الانقلابيون يجرون عملية فرز للمعتقلين، فمن كان شيوعياً أو بارتياً أطلقوا عليه الرصاص في الحال دون محاكمة، حيث استشهد منهم المئات، وقام الانقلابيون بحفر خنادق كبيرة بالبلدوزرات العسكرية، وتم دفنهم بصورة جماعية في مكان قريب من معسكرهم.

 أما الذين بقوا رهن الاعتقال في معسكرات الجيش فقد أبقاهم الانقلابيون ثلاثة أيام متوالية دون طعام، ومنعوهم من أخذ أي شيء معهم إلى المعتقل، ومكثوا في الاعتقال عدة اشهر، ويوم خروجهم من المعتقلات كانت لحاهم وأظافرهم قد أصبحت طويلة جداً، فلم يسمح لهم الانقلابيون حتى بأخذ ماكنة الحلاقة. لقد قام الانقلابيون أثناء حملة التفتيش للمنازل بقتل العديد من الأكراد أمام عوائلهم، ومنعوا ذويهم من الخروج لدفنهم، مما اضطرهم إلى دفنهم في فناء منازلهم، كما جرى نهب العديد من المحلات التجارية وحرقها، وكل هذا ليس إلا قيض من فيض من الجرائم التي أرتكبها البعثيون الفاشست في كردستان.

 

الانتقال إلى بغداد:

بعد أن أصبحت الظروف في السليمانية صعبة للغاية، وازدياد المخاطر على حياتي، طلبت من الرفاق تأمين طريقة لخروجي من السليمانية والوصول إلى بغداد. وبالفعل فقد نظموا لي هوية مزورة باسم خالد حمدي الحمداني وعنواني الوظيفي موظف في مصرف الرافدين، ودبروا لي موافقة مزورة من المحافظة للخروج من السليمانية، حيث لا احد يستطيع الخروج إلا بموافقة المحافظة المستندة إلى موافقة مديرية الأمن، واستطاعوا إخراجي مع القافلة إلى بغداد حيث وصلتها بسلام.

 وانتقلت على الفور إلى بيت شقيقتي، وكان بصحبتي زوجتي وأطفالي،

لكن الصدمة الأولى التي واجهتها من شقيقتي كانت قاسية جداً حيث أعلمتني بعدم السماح ببقائنا في بيتها بحجة الخوف من الحرس القومي، وعليه طلبت من زوجتي الاتصال بوالدتها الساكنة في الصليخ الجديد لعلنا نجد ملجأً مؤقتاً لحين تدبير أمرنا.

وبالفعل استطاعت أن تدبر الأمر رغم المخاطر المحدقة بالجميع، فقد كان عم زوجتي الشهيد عبد الرحمن محمد لطيف مختفيا عندهم أيضاً، كما أن شقيقة زوجتي المتزوجة من ابن خال أبيها يسكن في البيت كذلك، وكان شديد القلق من وجودنا في البيت خوفاً من الحرس القومي، وقد افتعل مشكلة مع عمها طالباً منا الخروج من الدار، ومهدداً بالإبلاغ عنا.

كانت محنة كبرى بالنسبة لنا، فكل الأبواب باتت مغلقة أمامنا، ولم يبقى لنا إلا الاستعانة بالحزب لتدبير ملجأ لنا، وهكذا طلبت من زوجتي أن تتصل بزوج شقيقتها الشهيد [إبراهيم محمد علي] حيث كان مختفياً في بيت شقيقه [ إسماعيل محمد علي] لعله يدبر لنا ملجأَ.

وبالفعل استطاع أن يدبر لي مكاناً لدي عائلة مسيحية في الدورة هي عائلة الرفيق المناضل [منصور القس] الرجل الطيب الذي رحب بنا كل الترحيب. لكن الفرحة لم تتم سوى لساعتين، فقد فاجأتنا ثلة من الحرس القومي وأمن الكرخ بقيادة الملازم [ عطا] وضابط أمن الكرخ [لقمان الرواس]، وكان ذلك بالتأكيد نتيجة وشاية من أحد الجيران البعثيين. وقد جرى تفتيش الدار العائد لرجل الدين المسيحي، وطلبوا مني أن البس ملابسي وارافقهم.

 حاولت أن أفكر بطريقة تنقذني من هذا المأزق فقلت لهم: أنا لست سياسي، ولا علاقة لي بالسياسة والأحزاب،  وأنا من عائلة معروفة، أنا ابن عم الملازم الأول [طه حمو]، وكان طه حمو أحد ضباط الهيئة التحقيقية للانقلابيين بمعسكر الرشيد مع طه الشكرجي وحازم الصباغ، وأخرجت لهم هويتي ليتأكدوا من أقوالي.

نظر ضابط الأمن إلى الهوية بتمعن، ثم التفت إلى الملازم عطاً وسحبه بعيداً وتحدث إليه قائلاً: ما يقوله صحيح وأنا اعرف والده و كل عائلته.

 لم أكن أعلم بأن لقمان الرواس قريب أبن عمي من جهة والدته، عاد لقمان إليَّ قائلاً: اطمئن لقد وصلت، لكن سأخذ الهوية معي واتصل بطه حمو، ومن حسن الصدف أن طه لم يكن موجوداً في بغداد، حيث كان قد سافر مع وفد رياضي إلى اليونان، وغادر الجميع البيت.

 لم يعد أمامي متسع من الوقت لكي أبقى بعد ذلك في البيت خوفاً من ابن عمي طه بالذات إذا عاد، وقررت العودة إلى  إبراهيم محمد علي، وشرحنا له ما جرى.كان جوابه على  الفور:

 {لا تهتم سأحاول تأجير دار لنا سوية ، وبالفعل تمكن شقيقه من تأجير دار لنا في الصليخ الجديد قريباً من بيت أهل زوجتي وانتقلنا للدار، وكانت فرحتنا به كبيرة جداً، حيث استطعنا تحقيق الاستقلال دون أن نثقل على أحد أو نجلب المخاطر لأحد}. ورغم صعوبة تلك الظروف والمخاطر المحدقة بنا في كل لحظة، فقد عشنا أياماً كنت خلالها اكتشف كل يوم صفات وخلق وشجاعة ذلك الإنسان النبيل الذي اتصف بالبساطة، وسمو الخلق، والروح الجهادية العالية، والإيمان بالمبادئ، والاستعداد للتضحية اللامتناهي. كان الشهيد إبراهيم آنذاك يبذل أقصى الجهود في لملمة تنظيمات الحزب التي انقطعت صلاتها على اثر انقلاب 8 شباط ، والحملة الفاشية التي شنها البعثيون القتلة ضد عناصر الحزب  وفي الوقت نفسه إكمال الإعدادات الأخيرة لانتفاضة معسكر الرشيد التي قادها المناضل الجسور حسن سريع، والتي كان من المقرر تنفيذها في الخامس من تموز، وسأتناول تلك الانتفاضة بالتفصيل في الحلقة القادمة.

 

 

{31}

انتفاضة الشيوعيين في معسكر الرشيد

لقد حدثني الشهيد إبراهيم وزوجته رهبية عن تفاصيل الإعداد لحركة ثورية واسعة تطيح بحكم حزب البعث الفاشي كان من المقرر تنفيذها في 5 تموز، وتقتضي الخطة بالسيطرة على  معسكر الرشيد والقاعدة الجوية فيه، وإطلاق سراح الضباط المعتقلين في سجن رقم واحد في المعسكر المذكور، وهذا الدور كان قد أنيط سياسيا بمحمد حبيب، وتنفيذيا بقيادة المناضل الشجاع حسن سريع .

وكانت هناك مجموعة داعمة كان من المفترض إن تعمل خارج معسكر الرشيد، وكانت صلاتها مع الحزب، وكان صلة الوصل بينها وبين الحزب احد الرفاق من أهالي تلعفر يدعى عباس التركماني، وهو عامل في معمل الدرزي وبرايا للكاشي والموزائيك في منطقة النعيرية والقيارة قرب معسكر الرشيد وقاعدة الرشيد الجوية، وفي منطقة كمب سارة الملاصقة لمعسكر الرشيد التي كان يسكن فيها قائد الحزب الشهيد [جمال الحيدري] الذي كان يتابع بنفسه نشاط جماهير الحزب في منطقة الصرائف قرب نهر دجلة، ومعمل الزيوت النباتية شمال معسكر الرشيد، والتي كان يسكنها آلاف العوائل الفقيرة، وهم في غالبيتهم يشكلون جماهير الحزب، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من أبناء عشيرة البو عامر قرب المحمودية. كانت ساعة الصفر هي إذاعة البيان الأول للانتفاضة من إذاعة بغداد حيث كان لدى الحزب مجموعة من الجنود المكلفين بحراسة دار الإذاعة مستعدين للقيام بالسيطرة عليها فجر يوم 5/7/1963.

كما تم وضع خطة بديلة إذا تعذر السيطرة على دار الإذاعة، وكانت الخطة تقتضي بالاستيلاء على محطة الكهرباء المحاذية لمعمل الأسلحة والمعادن حيث يمكن إذاعة البيان من مرسلة إذاعية موجودة داخل محطة الكهرباء الوطنية.

كانت لدى الحزب خطة محكمة، وعلى نطاق واسع، ويشارك فيها رفاق ومناصرون من قطعات أخرى، وكان الجميع بانتظار أن يطلق سراح الضباط في سجن رقم واحد في معسكر الرشيد ليتولوا قيادة القطعات التي أبدت كامل استعداها للمشاركة في الانتفاضة.

لكن محمد حبيب بدأ يتهرب من اللقاء مع إبراهيم في الأيام الأخيرة التي سبقت تنفيذ الانتفاضة، وبات واضحا أنه أرد الانشقاق عن الحزب والاستئثار بالحركة لنفسه، ومن وراء ظهر المجموعة المنفذة بقيادة الشهيد حسن سريع، فأقدم على تغيير موعد تنفيذ الانتفاضة المقرر في 5 تموز إلى يوم 3 تموز، مدعيا أن ذلك قد تم بأمر الحزب، وقد تسبب محمد حبيب بعمله هذا إلى تصفيه خيرة قيادات وكوادر وقواعد الحزب.

كان على رأس تلك المجموعة المناضلة والمفعمة بالأيمان بقدرتها على خلق المعجزات، والتصدي لطغيان العصابة التي اغتصبت السلطة في انقلاب 8 شباط الفاشي في ذلك العام 1963 ودحرها، وعلى الرغم من كونها مجموعة من بقايا خلايا الحزب الشيوعي التي سلمت من الانكشاف والاعتقال والسجون والقتل، آلت على نفسها أن تناضل لإسقاط  سلطة البعث، ذلكم هو الرجل الشجاع أبن الخامسة والعشرين الشهيد البطل [حسن سريع] ذلك الشاب النحيف المتوسط البنية ذو السحنة السمراء والعينان الصغيرتان السوداوان، من مواليد قضاء شثاثة [عين التمر] في أوائل الأربعينات، و ينتمي إلى عائلة من بني حجام القادمة من مدينة السماوة، ويرى البعض من رفاقه أنه من آل الأزيرج المعروفة بمواقفها الوطنية الشجاعة.

ويصفونه رفاقه الذين ساهموا في انتفاضة معسكر الرشيد أنه كان ذو شخصية فذة، ومحترم جداً في وحدته العسكرية من قبل الجميع بما فيهم الأعلى منه رتبة حيث تمييز بالقدرة الفائقة على الحوار والإقناع، والتمسك بالصدق في القول والعمل، حافظاً لوعوده، حريصاً على أسرار حزبه ورفاقه الذين شاركوه في تلك الانتفاضة الشجاعة.

درس الشهيد حسن سريع الابتدائية في شثاثة، وبسبب الوضع الاقتصادي الصعب لعائلته الكادحة  تطوع للجيش بمدرسة قطع المعادن المهنية بمعسكر الرشيد في بغداد، ولذكائه الوقاد، وخلقه العالي جرى اختياره معلماً في نفس المدرسة، ورُفع على رتبة نائب عريف ، وفي لوقت نفسه التحق بالثانوية المسائية لإكمال دراسته وتطوير مستواه.

 كان القائد الثوري الميداني الشهيد حسن سريع قد استطاع بجهاديته ونشاطه الدؤوب تجميع وتهيئة العناصر التي أبدت استعدادها للمشاركة في الانتفاضة مع علمها الأكيد بالمخاطر التي تنتظرهم سواء خلال تنفيذ الانتفاضة  التي لا بد أن يسقط فيها الضحايا، أو في حالة فشلها، لكن الروح الثورية التي كانت عامرة بها نفوسهم الجريئة هي التي قادت اندفاعهم لتنفيذ الانتفاضة بكل جرأة ورباطة جأش.

لقد كانت الانتفاضة تحرك ثوري جرئ ينطوي على مهاجمة معسكر الرشيد القريب من بغداد والسيطرة عليه، وإطلاق سراح الضباط الشيوعيين والقاسميين والديمقراطيين المعتقلين في سجن رقم واحد داخل المعسكر، وكان عددهم يقدر بأكثر من 1300 ضابط من مختلف الرتب والأصناف، بينهم مجموعة كبيرة من الطيارين، وكان إطلاق سراحهم وسيطرتهم على المعسكر وقاعدته الجوية  يمكن أن يقلب موازين القوى ويقتلع حكم البعث، ذلك أن الجنود وضباط الصف ، كانوا لا يدينون بالولاء لتلك السلطة الغاشمة، التي أغرقت العراق بالدماء، بل كانوا على العكس من ذلك يدينون بالولاء لثورة الرابع عشر من تموز التي أغتالها الانقلابيون، وقتلوا قائدها الزعيم عبد الكريم قاسم.

كان تحرير الضباط من السجن، وقيادتهم للجنود وضباط الصف، والعديد من الضباط ذوي الرتب الصغيرة الذين لم يكشفهم الانقلابيون،  والاستيلاء على قاعدة الرشيد الجوية، يشكل تهديداً خطيراً لسلطة الانقلابيين. وبالفعل تهيأت تلك المجموعة للعمل في فجر 3 تموز  1963، وتحت جنح الظلام تحرك قائد المجموعة ورفاقه من جنود وضباط صف المدرسة المهنية العسكرية، ومجموعة من المدنيين الذين كانوا قد لبسوا الملابس العسكرية، وحمل بعضهم رتب الضباط، والتحق بهم مجموعة أخرى من الجنود وضباط الصف من وحدات أخرى منطلقين نحو كتيبة الهندسة، وعندما أصبحت المجموعة قريبة جداً من باب الحرس صرخ حسن سريع بأعلى صوته داعياً الحرس إلى إلقاء أسلحتم، وفوجئ الحرس بمشاهدة مجاميع من الجنود المسلحين تتقدم نحوهم فأسرعوا إلى إلقاء السلاح وأعلنوا استسلامهم.

 واندفعت القوة التي يقودها حسن سريع لتسيطر بسرعة خاطفة على كتيبة الهندسة، ومن ثم السيطرة على أغلب أقسام معسكر الرشيد حيث يضم أكبر قوة عسكرية في بغداد، وحيث تضم القاعدة الجوية بطائراتها،  وأعداداً كبيرة من الدبابات والمدرعات، وتمكنت المجموعة  من اعتقال وزير الخارجية [طالب شبيب] ووزير شؤون رئاسة الجمهورية [حازم جواد] والقائد العام للجيش الشعبي [منذر الونداوي ]،حيث كانوا متواجدين داخل المعسكر آنذاك، واعتقال عدد من الضباط الموالين لسلطة البعث، وقاموا بتجهيز عدد من الطائرات بالعتاد انتظاراً لتحرير الضباط الشيوعيين والقاسميين من سجن رقم واحد ، وكان من بينهم العديد من الطيارين، و ضباط من مختلف الصنوف العسكرية.

كانت المجموعة الشجاعة تلك تعوّل على  تحرير الضباط السجناء ليتولوا قيادة  القطعات العسكرية في معسكر الرشيد والمعسكرات الأخرى في التاجي وأبو غريب والمحاويل، وكان في تلك المعسكرات مجموعات كبيرة من الجنود وضباط الصف المستعدين للقيام بمهماتهم في اللحظة الحاسمة، وكان قد جرى تبليغهم بساعة الصفر التي تبدأ حال وصول الضباط المطلق سراحهم من السجن لتلك الوحدات. كما أجرت الحركة اتصالات مع العديد من التنظيمات الشيوعية في بغداد والفرات الأوسط ، وبعض المحافظات الأخرى، وكانت المجموعة يحدوها الأمل الكبير في انضمام الجنود وضباط الصف الذين كانوا يدينون بالولاء لثورة 14 تموز، وللزعيم عبد الكريم قاسم، وكانت الحركة من التنظيم والتصميم والاندفاع والشجاعة ما يؤهلها لتحقيق النصر لو تمكنت من تحرير الضباط من السجن داخل المعسكر.

 لكن تخاذل قائد الدبابة الوحيدة المتقدمة نحو باب السجن، والتي كان يقودها الجندي [ خلف شلتاغ]، ودفاع قوة حراسة السجن المستميتة هي التي أخرت كسر أبواب السجن وإطلاق سراح الضباط ، وأعطت الفرصة للسلطة  لجلب قوات كبيرة مجهزة بأسلحة ثقيلة من خارج المعسكر، حيث اشتبكت تلك القوات مع المجموعة الثورية المهاجمة ودارت معركة شرسة بينهما قبل تمكن المجموعة من كسر باب السجن، وتحرير الضباط .

 و بسبب عدم وجود أي تكافئ بين الطرفين من جهة، واعتماد المجموعة على الأسلحة الخفيفة من جهة أخرى استطاع انقلابيو شباط إجهاض الانتفاضة، بعد استشهاد عدد كبير منهم، وتم اعتقال ما تبقى من المجموعة، حيث نقلوا إلى مقر هيئة الحقيق لزمرة وناظم كزار، وعمار علوش، وخالد طبرة وغيرهم من القتلة حيث تعرضوا لصنوف من  التعذيب الوحشي على أيديهم، واستشهد قسم منهم، وأحيل القسم الآخر إلى المجلس العرفي العسكري الذي حكم عليهم بالإعدام، وتم تنفيذ الحكم بهم،  وكان على رأس  المعدومين القائد الشجاع حسن سريع. وعلى أثر فشل انتفاضة معسكر الرشيد جرت المداولات بشأن الضباط المعتقلين، وقد أصر عبد الغني الراوي، وصالح مهدي عماش والعديد من الضباط  على تنفيذ حكم الإعدام بهم والتخلص منهم مرة وإلى الأبد. إلا أن الرأي استقر في النهاية على قتلهم بطريقة إجرامية أخرى، حيث بادرت السلطة الفاشية بنقل كافة الضباط المعتقلين إلى سجن [نقرة السلمان] الواقع في البادية الجنوبية حيث تم حشرهم في عربات الحمل الحديدية التي ليس فيها أي تهوية، وفي ذلك الشهر الشديد الحرارة من أشهر الصيف، وكان الفاشيون يرمون بذلك إلى القضاء عليهم بسبب شدة الحرارة، وفقدانهم للسوائل، ولولا شهامة سائق القطار الذي علم  بأن ما تحمله عربات النقل هم الضباط المعتقلين من شيوعيين وقاسميين، وقاد القطار بأسرع ما يمكن حتى مدينة السماوة لكان هلك الجميع .

كما كان للموقف الوطني البطولي لأبناء السماوة، رغم أنف جلاوزة السلطة، الذين استقبلوا المعتقلين، وقدموا لهم المياه واللبن والملح للتعويض عن السوائل المفقودة لكان الكثير منهم قد هلك، فقد كان المعتقلون في وضع خطير جداً، وقد تم بعد ذلك نقل المعتقلين بواسطة السيارات إلى سجن نقرة السلمان، في وسط الصحراء بعيداً عن أهلهم وذويهم .

اندفعت قطعان الفاشست من عصابات الحرس القومي بعد إجهاض انتفاضة الرشيد ضد انقلابيي 8 شباط في حملة محمومة ضد العناصر الشيوعية التي ساهمت في الإعداد وتنفيذ الانتفاضة في الثالث من  تموز من ذلك العام ، وضد من تبقى من العناصر القيادية والكوادر الحزبية، فقد تمكنت تلك العصابات من الوصول إلى الشهداء [ جمال الحيدري ] و [محمد صالح العبلي ] [عبد الجبار وهبي]ـ أبو سعيد ، وتمت تصفيتهم تحت التعذيب الشنيع.

كنا في تلك الليلة أنا وزوجتي وأطفالي الثلاثة والشهيد إبراهيم وزوجته جالسين أمام التلفاز نستمع إلى الأخبار، وقد اشتد بنا الحزن لفقد الرفاق، وقد تصاعدت بنا المخاطر من كل جانب. كانت ليلة الثامن عشر من تموز عام 1963 أشبه بكابوس رهيب، فقد اشتدت الحملة الفاشية ضد الشيوعيين، ولاسيما أن كلانا بالإضافة إلى زوجة إبراهيم ملاحقين منذ اليوم الأول لوقوع الانقلاب المشؤوم.

ورغم صعوبة تلك الظروف والمخاطر المحدقة بنا في كل لحظة، أبلغني الشهيد إبراهيم في تلك الليلة بأنه سوف يخرج في الصباح لمدة ساعتين في مهمة عاجلة، ثم سكت برهة، وعاد ليقول لي أن خروجي كما تعلم فيه الكثير من المخاطر، أنا معروف في بغداد، ولاسيما من بعض العناصر التي انهارت وتعاونت مع البعثيين، أما أنت فلست معروفاً هنا، ولم يسبق لك العمل الحزبي في بغداد، ولذلك ومن أجل الصيانة فيما إذا حدث أمر ما لي فإني سأقول أنكم جئتم إلى بغداد كضيوف عندنا لتباركوا لنا زواجنا، أرجو أن تؤكد كلامي هذا وتصر عليه. في تلك اللحظة شعرت لأول مرة أن الخطر سيداهمنا، وشعرت بثقل تلك الليلة، ويبدو أن الشهيد كان لديه نفس الشعور.

التفت إلى إبراهيم قائلاً: أرجوك يا إبراهيم إن لم تكن هناك ضرورة ملحة للخروج أن لا تخرج، فالظرف عصيب، والحملة البعثية على أشدها لملاحقة الشيوعيين الذين لا زالوا طليقين، لكنه أجابني على الفور أنه لا بد من الخروج لأمر ضروري، وأرجو أن لا تقلق أبداً، وكل ما قلته لك هو من باب الاحتياط ليس إلا.

وفي صباح اليوم التالي خرج إبراهيم مبكراً، وقد استبد بنا القلق، وحاولت أن أكتم قلقي عن زوجتي، لكني لم استطع إخفاء ذلك، ومرت الساعتين ولم يعد إبراهيم، وهو المعروف بدقة مواعيده، وبدأنا أنا وزوجتي، حيث كانت زوجته قد خرجت لمراجعة الطبيب، نعد الدقائق والثواني ونحن على أحر من الجمر، ومرت ساعة أخرى ولم يعد إبراهيم، كانت تلك الساعة كأنها سنوات طويلة، وتصاعد شعورنا بالقلق عليه، إن مواعيده مضبوطة، لا بد أن أمراً ما قد حصل له، وبينما نحن على تلك الحال وإذا بطرقات شديدة ومتتالية على الباب، واشتد القلق بنا من يا ترى هو الطارق؟                                 

 تقدمت نحو الباب قائلاً من الطارق؟ وإذا بصوت إبراهيم يخرج من فمه بصعوبة بالغة دلت على أنه في وضع سيئ جداً، وفتحت الباب ويالهول ما رأيت، إبراهيم مكبل بالحديد، وقد غطت جسمه  الدماء من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، وهو لا يقوى على الوقوف والكلام، وحوله ما يزيد على عشرة من قطعان الفاشست أفراد الحرس القومي، وقد شهروا رشاشاتهم بوجوهنا مما أرعب أطفالي، وجعلهم يصرخون عندما شاهدوا إبراهيم على تلك الحال.

سارعت زوجتي للتخلص من هويتي المزورة حيث استطاعت تمزيقها ورميها في المرافق، وأخذ الفاشست يفتشون الدار حيث قلبوا أثاثه رأساً على عقب بحثاً عن أية أدلة أو مستمسكات حزبية، وطلبوا مني أن أرافقهم مع إبراهيم، وهكذا أصبحت حياتنا معلقة على شعرة دقيقة.

 وفي تلك الأثناء صادفت عودة زوجة إبراهيم من المستشفى، وما أن اقتربت من الدار، ووجدت أن الوضع غير طبيعي حوله حتى استدارت عائدة لكي لا يراها أحد، فقد كانت هي الأخرى مطلوبة للقبض عليها.

 لكن عصابة الفاشست لمحتها وهي ترجع هاربة من براثنهم فلحقوا بها واستطاعت الإفلات منهم في بادئ الأمر حيث تمكنت من ركوب حافلة الركاب.

لكنهم لحقوا بالحافلة، وأمروا السائق بالتوقف، وصعدوا إلى الحافلة والقوا القبض عليها، وقد تعرضت للتعذيب الشنيع على أيديهم القذرة لفترة طويلة في ملعب الإدارة المحلية بالمنصور الذي اتخذه البعثيون سجنا، وفقدت على أثرها الجنين الذي كان سيحمل اسم الشهيد إبراهيم، فقد أجهضت بسبب التعذيب الذي تعرضت له، وأحيلت إلى المجلس العرفي العسكري الذي حكم عليها بالسجن لمدة 7 سنوات ومراقبة الشرطة لمدة سنتين، ولم يطلق سراحها إلا في عهد عبد الرحمن عارف حيث استدعاها رئيس الوزراء آنذاك طاهر يحيى، وبعد نقاش حامٍ معها أوعز طاهر يحيى بإطلاق سراحها على أن تخضع لمراقبة الشرطة المحكومة بها وأمدها سنتين.                        

  وقبل أن يأخذنا الحرس القومي معهم، طلبوا من زوجتي إخلاء الدار وتسليم مفاتيحه لهم، حيث أمروا اثنان من المجموعة البقاء والمبيت في الدار ظننا منهم أن الدار وكر حزبي، على أمل إلقاء القبض على من يتردد على الدار، ثم  جرى نقلنا إلى مقر هيئة التحقيق البعثية التي كان يشرف عليها[ ناظم كزار] و[عمار علوش] و[خالد طبرة] و[عباس الخفاجي] الشيوعي المرتد والذي تعاون مع البعثيين، ومارس أشد أنواع التعذيب مع رفاق حزبه، وكان البعثيون قد اتخذوا مقر محكمة الشعب لتكون مقراً للهيئة التحقيقية، ومركزاً للتعذيب والقتل الذي مارسوه ضد العناصر الشيوعية .

عند وصولنا إلى المقر استقبلنا الجلاد[ ناظم كزار] الذي عرفت اسمه من المعتقلين، حيث تم إدخالنا غرفة التعذيب.

 كان في وسط الغرفة رجل فاقد الوعي ممداً على الأرض، وفي الحال التفت نحوي ناظم كزار قائلاً: هل تعرف هذا؟ مشيراً للشخص الممد على الأرض، وقد أجبته على الفور: ومن أين لي بمعرفته؟ لكنه فأجابني بأن هذا هو [أبو سلام]، وقد أجبته على الفور: ومن هو أبو سلام؟ وجاء جوابه ضربة شديدة على رأسي وهو يصرخ كالثور الهائج:ألا تعرف من هو أبو سلام ؟ ألم تسمع بحركة الرشيد؟ وقد أجبته نعم لقد سمعت بما جرى في معسكر الرشيد، لكني لا أعرف من هو أبو سلام، ولا اسكن أنا في بغداد، وليس عندي أي علاقة بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد، وكل ما في الأمر أن شقيقة زوجتي قد تزوجت، وقد جئت بصحبة زوجتي مع أطفالنا لمباركة زواجها والعودة من حيث أتينا.

كان علي أن أعمل جهدي على إقناعهم بأني لا صلة لي بالسياسة للنفاذ بجلدي من مجزرة هؤلاء المجرمين، وفي حقيقة الأمر كان قد صدر أمراً بإلقاء القبض ضدي، ولوا أنهم سألوا عني من أي جهة أمنية لكان مصيري كمصير إبراهيم. في تلك اللحظة التفت ناظم كزار إلى عباس الخفاجي قائلاً له: خذه إلى الموقف فإن قضيته متعلقة بقضية إبراهيم محمد علي، وتم نقلي إلى إحدى غرف التوقيف.

كان هناك ثلاثة غرف وكل غرفة تضم ما يزيد على الأربعين موقوفاً وهم جميعاً من المشاركين في انتفاضة الرشيد، وأنا الشخص الغريب بينهم، وكل ما يعرفونه عني أنني قد اعتقلت مع إبراهيم محمد علي.

كانت الغرفة مكتظة بالموقوفين في ذلك الصيف الحار، حيث يتعذر على الإنسان أن يجد له مكاناً كافياً لكي يتمدد أو ينام، وكانوا يخرجونا مرة واحدة يومياً للمرافق على أن لا تتجاوز حصة كل واحد في المرافق عن الخمس دقائق، حيث يهجم الحرس على من يتأخر بأعقاب البنادق، ويمعنون بنا ضرباً.           

 أما الشهيد إبراهيم فقد أبقوه في غرفة التعذيب الرهيبة وهو في حالة يرثى لها، وبدءوا بممارسة أشد أنواع التعذيب بغية الحصول منه على أي اعترافات حول الحركة وحول تنظيمات الحزب، ولاسيما وأن محمد حبيب [أبو سلام ] كان قد اعترف لهم أنه مسئوله الحزبي، واستمروا في ضربه حتى فقد الوعي.

كان هناك أحد أفراد الحرس، وعلى ما أعتقد كان اسمه صبار، يتردد علينا في الموقف، وأثناء خروجنا إلى المرافق، كان يبدوا عليه الطيب، لكنه كان حذراً جداً من الحديث مع الموقوفين، حيث استطاع أن يحدثني بضع كلمات فقط عن إبراهيم قائلا لي: [إنه صلب وشجاع و لم يحصلوا منه على كلمة واحدة لكن حياته في خطر، لقد كسروا أضلاعه وأطرافه. وفي اليوم الثالث استطاع الهمس في أذني: [إبراهيم قضى بطلاً وقطعت أوصاله، والقيت في نهر دجلة]. لم استطع تحمل الصدمة، وبدأت الأرض تدور من حولي، وانهالت الدموع من عيناي وأنا لا أستطيع أن افعل شيئاً، يا لهول الصدمة، ويا لعظم الخسارة، أي نوع من الوحوش هذه الزمرة التي لا تعرف معنى لحقوق الإنسان!!.

لقد انقطع الخيط الذي كان القتلة يريدون من خلاله التوصل إلى حقيقة علاقتي بإبراهيم فكان صموده وبطولته الخارقة هي العامل الحاسم في إنقاذي من أيدي الجلادين البعثيين الفاشست، وبقائي على قيد الحياة. أما الشهيد إبراهيم فستبقى ذكراه خالدة في ذاكرتي ما حييت كإنسان نبيل، ومناضل شجاع صمد تحت أيدي جلاديه حتى الموت دون أن ينطق بكلمة واحدة عن أسرار الحزب، وبذلك أنقذ الكثير من رفاق الحزب من الوقوع في أيدي الجلادين.

بقيت موقوفاً حوالي الأسبوعين دون أي تحقيق، ودون أن اعرف مصيري، وبينما كنا على تلك الحال حضر عباس الخفاجي وابلغ المعتقلين بأنه قد تقرر نقل الموقوفين الذين اكتمل التحقيق معهم وعليهم الاستعداد لنقلهم إلى السجن رقم واحد، وبدأ يقرأ معظم أسماء الموقوفين حيث لم يبق من مجموع الموقوفين في الغرف الثلاث سوى 18 شخصاً  وكنت احدهم ، وقد جرى جمعنا في غرفة واحدة.

وفي المساء حضر ناظم اكزار إلى الغرفة وبمعيته عباس الخفاجي، وبدأ يسأل كل واحد منا عن قضيته، وعندما جاء دوري في السوأل أجبته على الفور أن قضيتي غريبة جدا فأنا لست سياسياً ولا أعيش في بغداد ، وأنا من الموصل واعمل مدرساً في السليمانية، وكل ما في الأمر أن شقيقة زوجتي قد تزوجت إبراهيم محمد علي ، وقد جئت بمعية زوجتي وأطفالي إلى بغداد لمباركة زواجهم والعودة من حيث أتينا وللمزيد من التعريف فأنا شقيق الأستاذ في كلية الهندسة محمود شريف نسيب عميد الكلية الدكتور ناجي عبد القادر.

لقد تعمدت بحديثي هذا بعد أن علمت من الموقوفين أن ناظم اكزار طالب في كلية الهندسة، وما أن استمع اكزار إلى حديثي حتى تغيرت لهجته معي ، فشقيقي هو احد مدرسيه في الكلية ، وهو شخص لا يعمل في السياسة إطلاقا ، ثم التفت إلى عباس الخفاجي قائلاً : دعه يلبس ملابسه ويجمع أغراضه واجلبه معك إلى غرفتي، وفي الحال لبست ملابسي وجمعت منامي، وقد انتابني القلق عما سيتخذه من إجراء معي، وأخذني عباس إلى غرفة ناظم اكزارالذي أشار علي بالجلوس.

 ثم بدأ بعد برهة بالحديث معي قائلاً:  أنا اعرف شقيقك وهو مدرسي في الكلية واعرف أنه لا يعمل في السياسة، وسمعته جيدة وعليه فإني قررت إطلاق سراحك على أن تعطينا عنوانك، ونحن إذا وجدنا أي معلومات عنك فسنجلبك مرة أخرى. وقد أجبته على الفور تستطيعون أن تسألوا عني في السليمانية وفي الموصل لتتأكد من كل أقوالي قبل إطلاق سراحي، لكي ابعد أي شبهة عني، لكنه أجابني قائلاً: نحن نعرف شغلنا ولا داعي لذلك، ثم نادى على عباس الخفاجي وطلب منه أن يوصلني إلى الباب الرئيسي.  خرجت من المعتقل وأنا لا أصدق نفسي هل أنا في حلم أم في الحقيقة، وأسرعت إلى بيت أهل زوجتي، وما أن طرقت الباب وشاهدتني زوجتي حتى أصيبت بصدمة من شدة فرحها فقد كانت قد فقدت الأمل في نجاتي من أيدي الجلاد ناظم كزار وزمرته الملطخة أياديهم  بالدماء.  لم استطع العودة إلى البيت الذي كنا وعائلة عديلي إبراهيم، قد استأجرناه، فقد استشهد إبراهيم، واعتقلت زوجته رهبية، هذا بالإضافة إلى كونه بات يشكل خطراً عليَّ، وعليه تحدثت زوجتي مع والدتها عن إمكانية الانتقال في بيتهم بالصليخ الجديد، وقد رحبت بنا على الفور.

 لكني لم أستطع البقاء هناك سوى فترة قصيرة بسبب موقف عديلي الآخر عبد الجبار مصطفى ، حيث قررت الذهاب وحدي إلى بيت أهلي مضطراً، وتركت زوجتي وأولادي عند أهلها، إما عمها فقد غادر العراق إلى إيران في محاولة للوصول إلى الاتحاد السوفيتي، لكن السلطات الإيرانية اعتقلته، ثم ما لبثت أن سلمته للسلطات العراقية التي اقتادته إلى السجن حيث توفي فيه.

كان وجودي في بيت أهلي غير مريح إطلاقا، ولاسيما وأن زوجتي وأولادي كانوا بعيدين عني، ولذلك فكرت بمغادرة العراق إلى لبنان بمساعدة ابناء عمومتنا في البو كمال بسوريا، وقد تم تدبير هوية مزورة لي بكوني موظفاً في احد مذاخر الأدوية، وغادرت بغداد إلى البو كمال برفقة أحد ابناء عمومتنا المرحوم علي الحاج محمود موصلي، حيث كان قد حظر إلى بغداد، ووصلت البو كمال بسلام، وبدأت أفكر في المرحلة التالية، وهي عبور الحدود إلى لبنان، وحاول أحد ابناء عمومتي تدبير الأمر، وبالفعل سافرت معه إلى حمص حيث كان لديه صديقاً يتردد دائماً على لبنان ، لكن سوء الطالع ظل يلاحقني، فقد أغلقت الحدود بين سوريا ولبنان وساءت العلاقة بين البلدين منذ انقلاب 6 آذار البعثي ، وبات من المتعذر عليَّ تدبير العبور، ولذلك قررت العودة مرة أخرى إلى البو كمال، ولكون المدينة صغيرة، والبعثيون يتحركون باستمرار، ويراقبون الغرباء، فقد انتابني القلق أن يكتشفوا أمري، ولذلك قررت العودة إلى العراق من جديد وليكن ما يكون.        

  لم أكن امتلك جواز سفر بل فقط  هويتي المزورة، وقد انتابني القلق من أن يتم اعتقالي على الحدود ، لكن أحد ابناء عمومتي طمأنني بأنه سينقلني إلى حصيبة، وأن لديه معارف في شرطة الحدود وسيبلغهم أنني قد دخلت بهويتي في زيارة عائلية، وهكذا جرى تدبير الأمر معهم بسلام حيث نقلني إلى حصيبة واستطاع امراري من شرطة الحدود، واستأجر لي مقعداً في سيارة الأجرة إلى حديثة.  كان تصرف احد ركاب السيارة مثيراً لقلقي، فقد حاول طول الطريق التحدث معي يسألني عن عائلتي وعشيرتي، وعن سبب وجودي في البو كمال، وكنت حذراً جداً منه في حديثي،  وابلغته أنني جئت في زيارة لأبناء عمومتي المعروفين جيداً في البو كمال بعائلة الحاج محمود الموصلي، ومن حسن الصدف انه بادرني بالقول ونعم العائلة، وأنه على معرفة بها، وبدأ يكشف لي أوراقه فإذا به شرطياً في جهاز الأمن، وان مهمته مراقبة حركة السفر في هذا الخط ، وانتهت سفرتنا التي امتدت بضع ساعات وكأنها دهراَ، لكني وصلت بغداد بسلام، وعدت إلى بيت أهل زوجتي وطلبت منها أن تذهب على الفور إلى مستأجر دارنا والطلب منه إخلائه كي نسكن فيه، وإذا تعذر عليه ذلك فلا بأس أن يعطينا غرفتين من الدار، ويدفع نصف الإيجار، فقد كان من الضروري أن أغادر بيت أهلها بعد أن كنت قد أعطيت عنواني عندهم. وبالفعل ذهبت زوجتي إلى بيتي وتحدثت مع عائلة المستأجر وهي عائلة آشورية طيبة جداً وجرى الاتفاق معها على اقتسام الدار والإيجار.

وانتقلنا إلى دارنا لكي نكون أكثر اطمئنانا من جهة ، ولكي لا نثقل على احد من جهة أخرى، وقد كان معظم جيراننا من العوائل المسيحية الطيبة الذين غمروني بكرمهم ومساعداتهم، وبالحفاظ على أسرارنا، وقد كانوا في تعاملهم معنا خير الأهل وأطيب الأصدقاء.

لقد غمرونا بمحبتهم وعنايتهم بشكل لا يصدق، ووفروا لنا كل ما احتجنا إليه حيث كانت ظروفنا المادية صعبة جداً، حتى أنهم وفروا لي العديد من أبنائهم الطلاب لكي أدرسهم دروساً خصوصية لقاء أجور نستعين بها على العيش،وكانوا يتسوقون لنا كل ما نحتاجه من المواد الغذائية، ويحتفظون بطعامنا في ثلاجاتهم كي لا تتلف، ويجهزوننا بالثلج والماء المبرد يومياً، وهكذا فقد عشنا فيما بينهم كعائلة واحدة، وكانوا يوجهون لنا الدعوات في كثير من الأحيان للغداء أو العشاء بعد أن عرفوا حقيقة أوضاعنا . إن ما فعلوه تجاهنا من حرص على حياتي، وكرم ومساعدة أمر لا ننساه أبداً وسيبقى في ذاكرتي وذاكرة زوجتي ما حيينا، نتذكرهم كلما تذكرنا ذلك الانقلاب البعثي الفاشي المشؤوم، وما اقترفه البعثيون من جرائم القتل والسجن والتشريد، وما تعرض له الشعب العراقي من الويلات والمصائب التي لا تعد ولا تحصى، ونتذكر في الوقت نفسه كل ما فعلوه هؤلاء الجيران الطيّبون تجاهنا من خدمة.