حامد
الحمداني
احداث في ذاكرتي
الفصل الأول
1ـ طفولتي
2 ـ مقتل الملك غازي
3 ـ حركة رشيد عالي الكيلاني
{1}
طفولتي
في فجر السادس عشر من شهر شباط عام
1932، وفي يوم من أشد أيام الشتاء قساوة، أبصرت عيناي النور لأول مرة.
كانت مدينة الموصل مسقط رأسي قد أشتد بها البرد، وتجمدت مياه نهر دجلة حتى أن
بعض الناس أخذوا يعبرون من ضفة إلى الضفة الأخرى مشياً فوق النهر المتجمد، كما
حدثتني أمي فيما بعد، وكان ذاك أمر غريب بالنسبة للموصليين.
في تلك الأيام كانت العائلة المؤلفة من أبي شريف سليمان الحمداني، وأمي وفيقة
عبد الغني الدباغ ، وشقيقتيَّ وهبية
وثامرة، وأشقائي َعبد الهادي ومحمود وسالم ، نعيش مع جدتي وأعمامي وعماتي،
العم حمو وعائلته، والعم عبد القادر، والعم أمين والعمة وفيقة، والعمة خديجة
وولديها رمزية وعبد الستار نعيش جميعاً في دار جدي سليمان والواقعة في محلة باب
لكش، والذي توفي قبل عدة سنين من ولادتي، حيث كانت مدينة الموصل محاطة بسور
لحمايتها من الغزو والحروب، ولها عدة أبواب منها باب لكش وباب البيض وباب القلعة،
وباب الجديد، وباب سنجار، وباب الطوب، وغيرها من الأبواب العديدة الأخرى.
كانت الدار واسعة تضم غرفاً عديدة، وفناءً كبيراً، وسرداباً واسعاً أستخدم من
قبل جدي، ومن ثم من قبل والدي وأعمامي لتربية الخيول العربية الأصيلة، والمتاجرة
بها داخل وخارج العراق. كان السرداب يضم
ما بين عشرة إلى خمسة عشر حصاناً من أجود الخيول العربية الأصيلة ذات القيمة
العالية جداً آنذاك.
كانت عائلتنا تعيش في غرفة كبيرة وبداخلها مخزن كبير لخزن المواد الغذائية
التي أعتاد الموصليون خزن ما يكفي منها لمدة سنة كاملة من شتى أنواع الحبوب
كالحنطة ومشتقاتها من البرغل والحبية والرشتة والرز والعدس والتمر والحمص
والباقلاء والسمن والأجبان والجوز وغيرها من المواد الغذائية الأخرى.
فقد تأصلت عادة الخزن عند الموصليين
بعد المحنة التي مروا بها أبان الحرب العالمية الأولى، حيث جمع الجيش التركي كل ما
وقعت عليه يده من المواد الغذائية في مخازنه لتأمين حاجة الجيش التركي وإدامة
الحرب، تاركين أبناء الشعب يتضورون جوعاً، حيث عمَّ الغلاء الفاحش الذي لم يعرف
الموصليون مثله من قبل، وقد مات الكثيرون من أبناء الشعب جوعاً حيث لم يعد لديهم
ما يأكلون، وقد روى لنا والدي كيف أن الكثير من الناس كانوا يموتون في الشوارع
وليس هناك من يدفن جثثهم، وحيث لم يبق كلب، أو قطة إلا وأكلها الناس لسد رمقهم.
وهكذا بقيت عادة خزن المواد الغذائية
لمدة سنة لدى الموصليين، وقد توارثوها الناس عن آبائهم وأجدادهم حتى يومنا هذا.
كانت الحياة آنذاك صعبة جداً إذا ما قيست بيومنا هذا، فلا كهرباء ولا إسالة
ماء، ولا حمام خاصة في البيت، ناهيك عن التدفئة والتبريد، وليس هناك أجهزة
كهربائية، ولا يوجد سوى أثاث بسيط، كان الناس يستعملون المصباح النفطي[الفانوس]
أو[اللمبة]وكان[السقا] يجلب الماء من النهر للبيوت دون تعقيم كما كان الناس
يستعملون ماء الآبار المالحة لغسل الأواني، ويغتسلون في الحمامات العامة أسبوعياً.
لم يكن هناك مطابخ في البيوت، كما هو
معروف اليوم، بل عبارة عن غرف صغيرة تحتوي على القدور والموقد النفطي أو الخشبي
حيث يستخدم الناس قطع الخشب لطبخ الطعام، أما التدفئة في الشتاء فكانت تقتصر على
إشعال الفحم في [المنقل].
و في فصل الصيف كان الناس يستعملون المراوح اليدوية، وكان الأغنياء من الناس
يستخدمون الثلاجات الخشبية لحفظ الطعام وتبريد الماء، ويشترون الثلج لتبريد
الثلاجة والطعام الذي فيها.
أما أغلبية الناس فكانوا يضعون طعامهم
في أقفاص محاطة بطبقة من الأسلاك المشبكة لتكون معرضة للهواء، وأما ماء الشرب فكان
يوضع في الزير[الحب] والأواني الفخارية.
كان الجهل يعم البلد كله، وتكاد الأمية تصل نسبة 98% من أبناء الشعب، وهكذا
فقد كان أبي وأمي أميان يجهلان القراءة
والكتابة، وكان والدي يقضي أيامه في عمله حيث كان
يعمل بيطاراً، بالإضافة إلى المتاجرة بالخيول، كما قام بتأسيس محل لشقيقي
الكبير عبد الهادي لبيع مختلف أنواع السجائر والتبوغ.
نشأتي :
نشأتُ وكبرتُ في أحضان عائلة طيبة جداً، متدينة ومسالمة، ولم أرَ في حياتي
كلها أن أبي و أمي تخاصما يوما ما فيما بينهما أو مع الآخرين من الأهل والأقارب أو
الجيران، وكانا يتمتعان بسمعة طيبة جداً لدى كل من عرفهما، وهكذا فقد تربينا أنا
وأخوتي على عاداتهما، وأخلاقهما وسلوكهما، حيث تلعب البيئة التي ينشأ فيها الطفل
دوراً كبيراً في التربية.
كانت الحالة الصحية آنذاك متدنية جداً، وكان اهتمام الدولة ضئيلا لا يتناسب
وسوء تلك الأوضاع، فلا يوجد سوى عدد قليل جداً من المستشفيات والأطباء، وقد زاد في
الطين بله الجهل الذي يعم البلد من أقصاه إلى أقصاه. فقد كان الناس يعتمدون على
الحلاقين الذين كانوا يمارسون الطب إلى جانب الحلاقة كالطهور، ومداواة الجروح
ومعالج الأمراض الشائعة آنذاك، هذا بالإضافة إلى الكثير من الأشخاص نساءً ورجالاً
الذين كانوا يدعون القدرة على معالجة المرضى بالأدعية!!، وحمل ما يسمى [الحجاب]
وغيرها، وهكذا فقد كانت الوفيات في صفوف الأطفال بشكل خاص عالية جداً ويندر أن لا تفقد العائلة ولو واحداً من
أولادها بسبب تلك الأمراض.
لقد فقدت عائلتنا أخي [ صالح ] قبل
ولادتي، وكان عمره ثمان سنوات، بسبب مرض التيفوئيد، كما توفيت شقيقتي [كتبيه] قبل
ولادتي أيضا بنفس المرض، وكان عمرها أربع سنوات، وكان لوفاة أخي صالح تأثيرٌ كبيرُ
على صحة والدي، كما كانت تحدثني والدتي، فقد وقع والدي طريح الفراش لفترة طويلة من
الزمن.
أما أخي الكبير عبد الهادي فقد أصيبت
عيناه بالرمد، وبسبب الإهمال وعدم وجود الرعاية الصحية، حيث فَقَدَ عينه اليمنى
تماماً، كما أصيبت العين اليسرى أصابة شديدة بحيث فقد أكثر من 75 % من قوة النظر
فيها. أما أنا فقد أصيبت قدمي جراء سقوط صخرة عليها، وكنت آنذاك في السنة الثالثة
من عمري، وبقيت أعاني منها سنتان بسبب ذلك التخلف، والاعتماد على الجهلة في
معالجتي، وقد نذرت أمي إذا ما شفيت قدمي أن تذبح خروفاً، وتطبخ الشوربة لتوزعها على الفقراء قرباناً لله إذا شافاني.
وبالفعل حل ذلك اليوم، ووفتْ أمي بنذرها، وطبخت الشوربة ووزعتها. لكن الذي حدث فور
الانتهاء من تفريغ القدر الكبير ورفعه من موقعه في فناء الدار أن وقعت فوق تلك
النار لتحترق رجليّ، ولينقلب الفرح إلى حزن وهلع، فقد تم نقلي إلى المستشفى بسبب
تلك الحروق التي أصابتني، وبقيت أعاني من الحروق مدة طويلة.
استقلال العائلة:
لم تكن العلاقة بين عمي [ أمين ] ووالدي على ما يرام، فقد كان عمي على عكس
والدي وأخويه عبد القادر وحمو يتصف
بالأنانية وحب الذات، وقد حاول بكل الوسائل والسبل إجبار والدي على بيع حصته من
البيت الذي ورثه الجميع عن جدي له، وكثيراً ما كان يضغط على والدي مما حدا بأعمامي
إلى الوقوف بجانب والدي ضده.
لكن والدي قرر أخيراً حسماً للمشاكل بيع حصته له
بثمن بخس قدره ثمانون دينار آنذاك، في عام 1938، واشترى لنا داراً كبيرة في منطقة
الدواسة بجانب حديقة الشهداء العامة، وهي من أجمل وأحدث مناطق الموصل آنذاك، وكان
ثمن الدار300 دينار على ما أذكر، وقد تم ترميم وصبغ الدار بعد استلامه من صاحبه
السابق، وجرى تأسيس الأسلاك الكهربائية
التي بلغت تكاليفها خمسون ديناراً.
وخلال مدة الانتظار لاستلام الدار التي استغرقت ستة أشهر كان عمي أمين يفتعل
المشاكل معنا كل يوم، ويضغط على والدي لمغادرة الدار، لكن عمي عبد القادر تحداه،
وهدده بالكف عن إزعاجنا، وتسبب ذلك في وقوع مشاحنات بينهما تحولت إلى العراك
بالأيدي، وتطور العراك إلى الحد الذي كاد عمي عبد القادر يقتل أمين، فقد لحق به
وبيده السكين، ولولا إخفائه في إحدى الغرف وقفلها عليه لكانت حدثت مصيبة.
لم يمضي سوى شهر واحد على ذلك الحدث حتى أصيب بالمرض أحب الأعمام إلينا عبد
القادر، ولم يمهله المرض سوى أيام معدودة حيث فارق الحياة وهو في عز شبابه، وكان
على وشك الزواج حيث كان قد عقد، وجهز كل ما يقتضيه الزواج من أثاث ومفروشات
وغيرها، وهكذا فقد كانت وفاته صدمة كبرى لنا جميعاً بشكل عام، ولجدتي بشكل خاص،
وكذلك لكل من عرفه، لما يتمتع به من خلق حميد، وذكاء حيث كانوا يطلقون عليه لقب
قدوري المكتبلي لأنه كان يجيد القراءة والكتابة.
دخولي المدرسة:
في الخامس عشر من أيلول عام [ 1938 ] أدخلني والدي المدرسة الابتدائية [مدرسة
الأحداث الرابعة] المختلطة الواقعة في محلة باب الجديد، وكنت قد أكملت العام
السادس من عمري منذ السادس عشر من شباط من ذلك العام، وكان أخي محمود قد سبقني في
دخول المدرسة بثلاث سنوات، وهو فارق العمر بيني وبينه.
قضيت الصفوف الثلاثة الأولى في هذه المدرسة التي كانت بإدارة السيدة [اليزا]،
وكان علي الانتقال إلى مدرسة أخرى لإكمال الدراسة الابتدائية حيث انتقلت إلى مدرسة
الوطن التي كان يديرها الأستاذ [بشير الدليمي]حيث أكملت الدراسة الابتدائية فيها،
ومن ثم انتقلت إلى المدرسة الثانوية الشرقية ذات الثلاث سنوات قبل الانتقال إلى
المدرسة الإعدادية، وهي الإعدادية الوحيدة في الموصل آنذاك، والتي كان يديرها
الأستاذ [عزيز جاسم] حيث أكملت دراستي الثانوية، والاستعداد للمرحلة التالية.
{2}
مقتل الملك غازي
لم تكد تمضي سوى بضعة أشهر على دخولي مدرسة الأحداث الرابعة في أيلول من عام
1938 حتى وقع حدث خطير في البلاد، فقد قتل الملك غازي في 4 نيسان 1939بظروف غامضة،
وقد ادعت حكومة نوري السعيد أن الملك قتل في حادث اصطدام سيارته التي كان يقودها
بنفسه بعمود الكهرباء.
ففي صباح يوم الخامس من نيسان 1939
فوجئ الشعب العراقي ببيان رسمي صادر عن الحكومة نقلته إذاعة بغداد وجاء فيه:
{ بمزيد من الحزن والألم ، ينعي مجلس
الوزراء إلى الأمة العراقية انتقال المغفور له سيد شباب البلاد جلالة الملك غازي
الأول إلى جوار ربه، على اثر اصطدام السيارة التي كان يقودها بنفسه بالعمود
الكهربائي الواقع في منحدر قنطرة [نهر الخر]، بالقرب من [قصر الحارثية] في الساعة
الحادية عشرة والنصف من ليلة أمس، وفي الوقت الذي يقدم فيه التعازي الخالصة إلى
العائلة المالكة على هذه الكارثة العظمى التي حلت بالبلاد، يدعو الله سبحانه
وتعالى أن يحفظ للمملكة نجله الأوحد جلالة الملك فيصل الثاني، ويلهم الشعب العراقي
الكريم الصبر الجميل، وإننا إلى الله وإننا إليه راجعون}.
بغداد في 4 نيسان 1939
لم يكد خبر مقتل الملك غازي يصل إلى
أسماع الشعب حتى هبت الجماهير الغاضبة في مظاهرات صاخبة اتجهت نحو السفارة
البريطانية، وهتافات التنديد بالإمبريالية البريطانية وعميلها نوري السعيد تشق عنان السماء، وامتدت المظاهرات الشعبية
الهادرة إلى سائر المدن العراقية من أقصاه إلى أقصاه، وظهرت المنشورات التي وزعتها الجماهير، والتي
تقول أن الملك لم يصطدم بالسيارة كما تدعي حكومة نوري السعيد، وإنما قتل بعملية
اغتيال دبرتها الإمبريالية البريطانية وعملائها
وعلى رأسهم نوري السعيد وعبد الإله.
وكانت الجماهير بحالة من الغضب الشديد
بحيث أنها لو ظفرت بنوري السعيد في تلك اللحظات لفتكت فيه ومزقته إرباً، ولذلك فقد
هرب نوري السعيد بعد إتمام مراسيم دفن الملك غازي في المقبرة الملكية في الأعظمية،
حيث استقل زورقاً بخارياً من المقبرة إلى
داره في جانب الكرخ.
حاول الإنكليز إبعاد التهمة عنهم، وادعوا أن الدعاية الألمانية هي التي تروج
مثل هذه الدعاية ضد بريطانيا، كما ادعوا أن موظفي السفارة الألمانية، والأساتذة
الجامعيين هم الذين يحرضون جماهير الشعب ضد بريطانيا، وضد حكومة نوري السعيد .
في الموصل كان رد فعل الجماهير الشعبية شديداً جداً، حيث خرجت مظاهرة ضخمة توجهت
نحو القنصلية البريطانية وهاجمتها، وقتلت القنصل البريطاني في الموصل [ مونك
ميسن]، وكانت الجماهير تهتف بسقوط الاستعمار البريطاني، وحكومة نوري السعيد.
كنت ذلك اليوم في المدرسة، عندما مرت المظاهرة الكبرى من أمام المدرسة، في
طريقها إلى دار القنصلية البريطانية، وقد حمل المتظاهرون السكاكين والمكاوير،
وكانوا يهتفون بسقوط بريطانيا، وعقاب القتلة. لقد أصبنا نحن الأطفال في تلك
اللحظات بذهول ورعب شديدين، فلم يسبق لنا أن شاهدنا هذا المنظر من قبل، ولم نكن
ندرك ماذا جرى، و أخذ الأطفال يصرخون ويبكون ظناً منهم أن المتظاهرين سيذبحونهم.
وكانت مديرة المدرسة والمعلمات يهدئن من روعنا، وأخذ أولياء التلاميذ يصلون إلى
المدرسة لاصطحاب أولادهم، واخذ الناس يدخلون بيوتهم، ويقفلون أبوابها بعد أن بلغهم
نبأ الهجوم على محلة اليهود في الموصل وبغداد، ووقوع عمليات نهب وحرق فيها.
استغل نوري السعيد الأحكام العرفية
التي كانت قد أعلنت في البلاد قبل شهر من مقتل الملك، وقام بنشر أعداد كثيفة من
قوات الشرطة لقمع المظاهرات، وجرى اعتقال الكثير من المتظاهرين، وإحالة العديد
منهم إلى المحاكمة والحكم عليهم بعقوبات مختلفة وصلت حد الإعدام.
ولتغطية جريمة الاغتيال سارعت حكومة نوري السعيد إلى إصدار بيان رسمي ،
يتضمن تقريرا طبيا صادراً عن هيئة من
الأطباء عن سبب وفاة الملك غازي، وجاء في البيان ما يلي:
{ ننعي بمزيد من الأسف وفاة صاحب الجلالة الملك غازي الأول، في الساعة الثانية
عشرة والدقيقة الأربعين من ليلة 3 / 4 نيسان 1939، متأثراً من كسر شديد للغاية في
عظام الجمجمة، وتمزق واسع في المخ، وقد حصلت هذه الجروح نتيجة أصطدم سيارة صاحب
الجلالة، عندما كان يسوقها بنفسه بعمود كهرباء بالقرب من قصر الزهور، في الساعة
الحادية عشرة والنصف ليلاً ، وفقد الملك شعوره مباشرة بعد الاصطدام، ولم يسترجع
وعيه حتى اللحظة الأخيرة}.
بغداد 3 /4 نيسان 1939
د . جلال حمدي د . صبيح وهبي د . صائب شوكت د .أبراهام د .سندرسن
وعلى اثر إعلان وفاة الملك غازي، تولى
مجلس الوزراء حقوق الملك الدستورية، وفقاً للمادة 22 من الدستور، وجرى الإعلان عن
تولى الملك فيصل الثاني المُلك، على أن يسمى وصياً عليه، نظراً لصغر سنه، بعد دعوة مجلس النواب الذي سبق أن
صدرت الإرادة الملكية بحله، وقرر مجلس الوزراء تعين الأمير عبد الإله وصياً على
العرش، وادعى نوري السعيد أن ذلك القرار كان
بموجب وصية الملك غازي نفسه، غير أنه لم يثبت أن هناك أي وصية من هذا
القبيل.
كان معروفاً آنذاك أن الملك غازي كان
يكره عبد الإله كرهاً شديداً ولذلك فلا يعقل أن يوصي بالوصاية لعبد الإله، ويأتمنه
على طفله، كما أن الملك غازي كان حسبما ورد في التقرير الطبي قد فقد شعوره فوراً،
ولم يسترجعه حتى وفاته. والحقيقة أن وصاية عبد الإله قد رتبت من قبل السفارة
البريطانية وحكومة نوري السعيد.كما أن أحداً لم يقتنع بما أذاعته الحكومة عن
اصطدام سيارة الملك ومقتله في الحادث، وهناك شواهد عديدة على أن الملك قد قتل
نتيجة تدبير مؤامرة حبكتها السفارة البريطانية، وجرى تنفيذها من قبل نوري السعيد
وعبد الإله، وأهم الشواهد على ذلك ما يلي:
1ـ قبل مقتل الملك بتسعة أشهر، وبالتحديد في 18 حزيران 1938، وُجد خادم الملك
غازي الشخصي مقتولاً داخل القصر وجاء
تقرير خبير التحريات الجنائية البريطاني
أن القتل كان نتيجة إطلاق النار بالصدفة من مسدس القتيل نفسه !!.
سبّب قتل الخادم رعباً في نفس الملك غازي لازمه لأيام، وبدأت الشكوك تنتابه
حول مؤامرة لقتله فيما بعد، وكان شكّ الملك يحوم حول عبد الإله ونوري السعيد،
وزوجته الملكة عالية ـ شقيقة عبد الإله ـ المنفصل عنها بصورة غير رسمية حيث كانت
تضمر له الكراهية والحقد.
2ـ إن أي حادث لسيارة يؤدي إلى الوفاة، لابد أن تكون إصابة السيارة شديدة
وكبيرة، إلا أن الواقع كان عكس ذلك تماماً، فقد كانت الأضرار التي لحقت بالسيارة
طفيفة جداً، وهذا ما يثير الشكوك حول حقيقة مقتل الملك.
3ـ كان بمعية الملك في السيارة كل من خادمه وهوشقيق الخادم السابق القتيل،
وعامل اللاسلكي ، جالسين في المقعد الخلفي بالسيارة، ولكنهما اختفيا في ظروف
غامضة، ولم يعرف أحد عن مصيرهما نهائياً، وقد أثارت عملية اختفائهما شكوكاً كبيرة
حول مقتل الملك، وحول صدقيه حادث الاصطدام، واستمرت تلك الشكوك تحوم حول عبد الإله
ونوري السعيد وبريطانيا.
وقد ذكرالفريق نور الدين محمود، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش، ثم رئيساً
للوزراء عام 1952، حول حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي: { أنه اصطدام غامض وعويص، لا
يسع الإنسان مهما كان بسيطاً في ملاحظته إلا أن يكذّب زعم الحكومة وهو يقارنه
بالأدلة التي يراها في مكان الحادث}. أما العقيد صلاح الدين الصباغ فيقول في
مذكراته :
{ قضت المصالح البريطانية اغتيال الملك غازي، فتم في ليلة 3 / 4 نيسان
1939 وهو في السابعة والعشرين من عمره }.
ويقول الأستاذ [ جان ولف ] في كتابه [ يقظة العالم العربي ] :
{ مات الملك غازي على أثر حادث غريب، فقد اصطدمت سيارته دون ما سبب وجيه،
بينما كان يقودها بسرعة معقولة، فتعالى الهمس في بغداد متهماً بعض الجهات بتدبير
الحادث }.
وقال الأستاذ [كارتاكوز ] في كتابه [
ثورة العراق ] ما يلي:
{ لعل مأثرته الرئيسية ـ يقصد الملك غازي ـ انه قد لاقى حتفه بشكل عنيف، في
حادث سيارة يُعتقدْ أن البريطانيين
وأعوانهم من العراقيين هم الذين فعلوه }.
وجاء الدليل القاطع بعد سنوات طويلة، عندما التقى الأستاذ عبد الرزاق
الحسني مؤلف تاريخ الوزارات العراقية في 8 نيسان 1975 بالدكتور [ صائب شوكت ] طبيب
الملك غازي الخاص، وأول من قام بفحصه قبل
وفاته، وسأله عن حقيقة مقتله فأجابه بما يلي : { كنت أول من فحص الملك غازي بناء على طلب السيدين [نوري السعيد ] و [رستم
حيدر ] لمعرفة درجة الخطر الذي يحيق
بحياته، وأن نوري السعيد طلب إليّ أن أقول في تقريري أن الحادث كان نتيجة اصطدام
سيارة الملك بعمود الكهرباء، وأنا أعتقد أنه قد قتل نتيجة ضربة على أم رأسه بقضيب
حديدي بشدة، وربما استُخدم شقيق الخادم الذي قُتل في القصر حيث كان معه في السيارة لتنفيذ عملية الاغتيال، فقد جيء بالخادم فور
وقوع العملية إليّ وكان مصاباً بخلع في ذراعه ، وقمت بإعادة الذراع إلى وضعه الطبيعي، ثم اختفي الخادم ومعه عامل
اللاسلكي منذ ذلك ليوم وإلى الأبد، ولا
أحد يعرف عن مصيرهما حتى يومنا هذا.
كما التقى السيد عبد الرزاق الحسني بالسيد [ ناجي شوكت ] الذي كان وزيراً
للداخلية آنذاك، وقد سأله عن حقيقة مقتل الملك غازي فأجابه بما يلي :
{ لقد احتفظت بسر دفين لسنين طويلة، وها قد جاء الآن الوقت لإفشائه، كانت آثار
البشر والمسرة طافحة على وجوه نوري
السعيد، ورستم حيدر، ورشيد عالي الكيلاني، وطه الهاشمي، بعد أن تأكدوا من وفاة
الملك، وكان هؤلاء الأربعة قد تضرروا من انقلاب بكر صدقي، واتهموا الملك غازي بأنه
كان على علم بالانقلاب، وأنا أعتقد أن لعبد الإله ونوري السعيد مساهمة فعلية في
فاجعة الملك غازي }.
وهكذا أسدل الستار على مقتل الملك غازي، وتم نقل جثمانه إلى المقبرة الملكية
في الاعظمية، في الساعة الثامنة من صباح يوم الخامس من نيسان على عربة مدفع، وسط
موجة من الهياج اجتاحت جماهير بغداد الغاضبة، والمنددة بالاستعمار البريطاني
وأعوانه القتلة. وانهمك المتآمرون بعد دفنه بترتيب الأمور لتنصيب عبد الإله وصياً
على العرش.
كان مقتل الملك غازي هو الجانب الأول من مؤامرة نوري السعيد وأسياده الإنكليز،
وكان الجانب الثاني يتمثل بتنصيب عبد الإله وصياً على العرش، وولياً للعهد.
ومنذ الساعات الأولى لمقتل الملك
غازي، عمل نوري السعيد جاهداً ليقنع مجلسي النواب والأعيان والشعب العراق بما ادعاه بوصية مزعومة للملك
غازي، بتكليف عبد الإله بالوصاية على العرش فيما إذا حصل له أي مكروه.
إلا أن [طه الهاشمي] قال في مذكراته:
{أن الوصية التي عزاها نوري السعيد إلى الملك غازي كانت مزيفة دون شك}.
أما وزير الدولة السيد [ علي الشرقي ]
فيقول في كتابه [الأحلام ] ما يلي: { أوعز نوري السعيد إلى الملكة عالية أن ترفع
كتاباً إلى مجلس الوزراء المنعقد للنظر في إقامة وصي على العرش تشهد فيه أن الملك غازي قد أوصاها أن يكون عبد
الإله وصياً على العرش إذا ما حدث له أي مكره}.
أما السفير البريطاني [ سندرسن] فقد ذكر في كتابه [Both
Side of Curtain] ما يلي:
{ كان معروفاً أيضاً أن الإنكليز كانوا يميلون إلى عبد الإله، أكثر من ميلهم
إلى الملك غازي}.
ويقول الدكتور[ صائب شوكت] طبيب الملك غازي الخاص ما يلي :
{إنه عندما تأكد من وفاة الملك
غازي كان عبد الإله وتحسين قدري بالقرب
مني، حيث دنا تحسين قدري مني، وهمس في آذني أن الأمير عبد الإله يرجوك بأن تقول
بأن الملك أوصاك قبل وفاته بأن يكون عبد الإله وصياً على ولده الصغير فيصل، ولكني رفضت ذلك رفضاً قاطعاً قائلاً له: إن الملك
غازي كان قد فقد وعيه فور وقوع الحادث وحتى وفاته }.
أما طبيب الملك البريطاني [ سندرسن ] فقد ذكر في كتابه [Thousand
and One Night] حول مقتل الملك:
{ في خلال 20 دقيقة من وفاة الملك غازي، طلب إليّ رستم حيدر أن أعلن أن الملك
غازي قبل أن يموت قد عّبر عن رغبته بأن يتولى عبد الإله السلطة كوصي على العرش،
غير أني رفضت أن أفعل ذلك، لأن الملك لم يستعيد وعيه لحظة واحدة، وحتى لو ارتكبت جريمة مثل هذا الإدعاء الكاذب،
فلابد أن يكون هناك الكثير من المستعدين لتكذيبه}.
ورغم كل ذلك فقد اجتمع مجلس الوزراء، واتخذ قراره بتولي عبد الإله الوصاية على
العرش، وولاية العهد، ودعا نوري السعيد مجلسي النواب والأعيان إلى عقد جلسة مشتركة
في يوم الخميس المصادف 6 نيسان 1939.
كان عدد النواب الحاضرين في الجلسة
122 عضواً فقط من مجموع المجلسين، وكلهم من مؤيدي نوري السعيد، حيث قاطع الجلسة
عدد كبير من النواب والأعيان، لكي لا يكونوا شاهدي زور على جريمة الاغتيال، وقد
عرض عليهم نوري السعيد قرار مجلس الوزراء، وتمت الموافقة عليه بإجماع الحاضرين،
وبذلك تم تنصيب عبد الإله وصياً على العرش، واكتملت تلك المؤامرة الوحشية.
انتقالنا إلى بيتنا الجديد:
في أواخر نيسان من هذا العام انتقلنا إلى دارنا الجديد، وشعرنا بالحرية لأول
مرة، فقد استقلت العائلة، ولم يعد هناك من ينغص عيشتها، هذا بالإضافة إلى أن الدار
الجديد كان يحتوي على أربعة غرف وسرداب وإيوانين وبالكون، بالإضافة إلى الحمام
والمطبخ، وتوزعت العائلة على الغرف، بعد أن عشنا لسنوات عديدة في غرفة واحدة.
كما تمتعنا لأول مرة بنعيم الكهرباء، والماء
الصافي النقي، إضافة إلى الموقع الرائع بجوار حديقة الشهداء التي كان الناس
يأمونها كل يوم للترويح عن النفس، حيث لم يكن في دورهم الحدائق، فقد كانت معظم
الدور في درابين [طرق ضيقه بلا منفذ] لا تدخلها سيارة ولا عربة، ولا يوجد فيها
حدائق.
لكن هذا العام [1939] لم يمضي دون منغصات، فقد توفي عمي الأكبر [حمو] فجأة،
مما سبب لنا صدمة كبيرة جداً، وكان قد سبقه عمي داود، وهو أكبر أعمامي، حيث جنده
الأتراك في الجيش وأرسلوه إلى الحرب في جبهة القفقاس أبان الحرب العالمية الأولى،
ولم يعد منها بعد ذلك حيث قُتل ودُفن هناك.
اندلاع الحرب العالمية الثانية:
وفي نفس هذا العام 1939 اندلعت الحرب العالمية الثانية في أوربا والتي امتدت
لتشمل الشرق الأقصى والعالم فيما بعد، بين دول المحور التي ضمت ألمانيا وإيطاليا
واليابان، ودول الحلفاء بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ومن ثم الاتحاد
السوفيتي بعد أن هاجمه هتلر دكتاتور ألمانيا، واضطر لدخول الحرب ضد دول المحور.
بدأ هتلر منذ عام 1938 ينفذ خططه للتوسع ،حيث أقدم على احتلال [النمسا]
و[جيكوسلوفاكيا] وأعلن ضمهما إلى المانيا دون أن يلقى أي ردع من جانب الدول
الغربية.
وهكذا أخذت شهية هتلر تتصاعد لضم المزيد من الأراضي، فطالب بضم مقاطعة [ دانزج
]البولندية إلى المانيا ، مدعياً أنها مقاطعة ألمانية، ولما لم ترضخ حكومة بولندا
إلى ضغوطه أقدم هتلر على مهاجمة بولندا عام ،1939 دافعاً بقوات كبيرة برية وجوية،
واستطاع ابتلاعها خلال أسبوع .
عند ذلك أدرك حكام بريطانيا وفرنسا أن
أطماع هتلر لن تقف عند حد، وأن الخطر الألماني سوف يصل إليهما عاجلاً أم عاجلاً،
حيث سارعا إلى إعلان الحرب على المانيا في 3 أيلول 1939، وبذلك اشتعل لهيب الحرب
ليشمل أوربا بأسرها ثم توسعت بدخول إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا، وإقدام
اليابان على قصف ميناء [ بيرل هاربر] الأمريكي، ودخول الولايات المتحدة الحرب إلى
جانب الحلفاء، وبذلك امتدت الحرب لتشمل العالم أجمع، ولم ينجُ من نارها سوى تركيا
والسويد،وسويسرا، حيث بقيت هذه الدول على الحياد.
العراق والحرب
العالمية الثانية :
لم تكد بريطانيا تعلن الحرب على المانيا، واشتعال لهيب الحرب في أنحاء أوربا،
حتى بادر السفير البريطاني للاتصال بنوري السعيد على الفور طالباً منه تطبيق معاهدة
التحالف المبرمة بين البلدين في 30 حزيران 1930، وإعلان الحرب على المانيا، وقد طمأن نوري السعيد السفير
البريطاني، ووعده بقطع العلاقات مع ألمانيا، وإعلان الحرب عليها بأسرع وقت.
وعلى الفور أبلغ نوري السعيد الوصي عبد الإله برغبة بريطانيا بإعلان الحرب على
المانيا، وتقرر عقد اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة عبد الإله، في 5 أيلول 1939، وطرح
نوري السعيد أمام مجلس الوزراء الطلب البريطاني.
لكن خلافاً حاداً حدث داخل مجلس
الوزراء، فقد رفض وزير الدفاع طه الهاشمي،
ووزير العدلية محمود صبحي الدفتري، فكرة إعلان الحرب على المانيا، والاكتفاء بقطع
العلاقات الدبلوماسية معها، و أعلنا أنهما سيقدمان استقالتهما إذا ما أصر نوري
السعيد على إعلان الحرب.
وإزاء ذلك الموقف اضطر نوري السعيد
للتراجع مؤقتاً والاكتفاء بقطع العلاقات الدبلوماسية، وسارع بالطلب من السفير
الألماني [الدكتور كروبا] بمغادرة البلاد تحت حراسة الشرطة نحو سوريا، كما قام
نوري السعيد باعتقال كافة الرعايا الألمان، وسلمهم للقوات البريطانية المتواجدة في
قاعدة الحبانية، حيث قامت بتسفيرهم إلى الهند كأسرى حرب. أما عبد الإله فقد سارع
إلى إرسال برقية إلى ملك بريطانيا جورج يبلغه
أن العراق سوف يلتزم تماماً بمعاهدة الصداقة والتحالف المعقودة مع بريطانيا عام
1930، وسوف يقدم العراق كل ما تتطلبه المعاهدة.
كما أذاع نوري السعيد بياناً للحكومة في 17 أيلول، أعلن فيه التزام العراق
بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، واستعداد الحكومة للقيام بما تمليه تلك المعاهدة من
واجبات تجاه الحليفة بريطانيا، وقد سبب موقف نوري السعيد وحكومته موجة من السخط
العارم على تلك السياسة اللاوطنية، والتي تهدف إلى زج العراق في الحرب
الإمبريالية.
أما نوري السعيد فقد أقدم على تعطيل مجلس النواب، الذي نظمت وزارته انتخابه قبل
مدة وجيزة، ولجأ إلى إصدار المراسيم المخالفة للدستور، والهادفة إلى قمع كل معارضة
لسياسته الموالية لبريطانيا، وكان من بين تلك المراسيم مرسوم مراقبة النشر رقم 54
لسنة 1939، ومرسوم الطوارئ رقم 57 لسنة 1939، منتهكاً بذلك الحقوق والحريات التي
كفلها الدستور للشعب.
وتطبيقاً لمعاهدة 1930، فتح نوري السعيد الباب على مصراعيه للقوات البريطانية
لكي تحتل العراق من جديد، وليصبح العراق طرفاً في حرب استعمارية لا ناقة له فيها
ولا جمل. لم تترك الحرب العالمية الثانية،
بعد أن أمتد لهيبها، بلداً إلا وكان لها تأثير كبير عليه سواء كان ذلك
التأثيرعسكرياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً ، وكان العراق غارقاً في خضم تلك الحرب
بعد أن احتلته القوات البريطانية احتلالاً كاملاً لمنع القوات الألمانية من الوصول
إليه، حيث يمتلك العراق مصادر الطاقة [النفط] التي كانت ألمانيا بأمس الحاجة لها
لإدامة ماكنتها الحربية.
لقد عانى الشعب العراقي الأمرّين من تلك الحرب حيث أفتقد المواد الغذائية،
والملابس، وغيرها من الحاجات المادية وأصبحت تلبية تلك الحاجات أمر صعب للغاية،
واضطرت الحكومة إلى تطبيق نظام الحصص [ الكوبونات] لكي تحصل العوائل على حاجتها من
المواد الغذائية والأقمشة لصنع الملابس، واشتهرت تلك الأيام ب[ أيام الخبز الأسود
] بسبب النقصان الخطير في الحبوب، ورداءة نوعية الطحين، كما أن حكومة نوري السعيد
كانت قد سخرت كل موارد البلاد لخدمة الإمبريالية البريطانية وحربها، مما أثار غضب
الشعب العراقي وحقده على الإنكليز، والنظام الملكي.
وفي 18 كانون الثاني 1940 ، أقدم أحد منتسبي الشرطة، المفوض [حسين فوزي توفيق] على إطلاق النار على وزير
المالية [ رستم حيدر] في مكتبه بالوزارة، وأصابه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى
المستشفى، حيث فارق الحياة بعد أربعة أيام ، متأثراً بجراحه، وقد تم اعتقال
القاتل.
حاول نوري السعيد أن يستغل الحادث
لتوجيه تهمة التحريض على القتل لعدد من الشخصيات السياسية المعارضة، حيث أقدم على
اعتقال كل من الوزيرين السابقين [صبيح نجيب ] و [إبراهيم كمال ]، والمحاميين
المعروفين [ نجيب الراوي ] و [شفيق السعيدي ] موجهاً لهم تهمة التحريض على قتل
الوزير.
وقام نوري السعيد بمقابلة القاتل في
السجن وضغط عليه، ووعده بالتخفيف عنه لكي يعترف بأن صبيح نجيب، وإبراهيم كمال قد
حرضاه على قتل رستم حيدر.
أثار تصرف نوري السعيد هذا حفيظة العديد من رؤساء الوزارات والوزراء السابقين،
بالإضافة إلى وزير الداخلية في حكومة السعيد [ ناجي شوكت] حيث وجدوا أن نوري
السعيد يريد استخدام حادث القتل لتصفية عدد من خصومه السياسيين، ولذلك فقد لجئوا
إلى الوصي عبد الإله، مستنكرين أعمال نوري السعيد بزج أسماء أولئك الذين اتهمهم
بالتحريض على قتل رستم حيدر، وكان من بين أولئك الذين قابلوا الوصي وشكوه من
تصرفات نوري السعيد كل من ناجي السويدي،
وجميل المدفعي، وتوفيق السويدي، وكلهم من رؤساء الوزارات السابقين.
ورغم كل تلك الاحتجاجات حاول نوري
السعيد إحالة هؤلاء المعتقلين إلى المجلس العرفي العسكري لمحاكمتهم بتهمة التحريض،
إلا أن وزير الخارجية [ علي جودت الأيوبي] ووزير المواصلات والأشغال [ جلال بابان]
عارضا بشدة محاولة نوري السعيد، وطالبا بإحالة القضية إلى محكمة مدنية، كما هدد
وزير العدلية [ محمود صبحي الدفتري ]
بالاستقالة إذا ما مضى السعيد بخططه، وقد أيد موقف الوزير اثنان آخران من
الوزراء، وبذلك فشلت مساعي نوري السعيد وأصبح من المتعذر عليه الاستمرار في الحكم
بتلك التشكيلة الوزارية حيث قدم استقالة حكومته إلى الوصي في 18 شباط 1940، وتم
قبول الاستقالة.
تأثري بالفكر القومي والوطني:
في عام 1941 تزوجت شقيقتي الكبرى من أحد أبناء عمومتنا المرحوم [شفيق مصطفى]
وقد كان شفيق اسماً على مسمى، رجل دمث الأخلاق، طيب القلب، حلو المعشر، اتصف
بالعفة والرزانة، وكان على درجة عالية من الثقافة، ويحمل شعورا وطنيا فياضاً، كان
يكره الاستعمار البريطاني والصهيونية المغتصبة للأراضي الفلسطينية، وقد ساهم في
القتال ضد الصهيونية، وضد الاحتلال البريطاني لفلسطين إلى جانب القائد الوطني
المعروف آنذاك [فوزي القاغوقجي] الذي خاض العديد من المعارك من أجل حرية واستقلال
فلسطين، وسائر البلاد العربية.
انتقل شفيق إلى العراق من سوريا،
وانتسب إلى القوة الجوية العراقية بصفة مخابر لاسلكي بدرجة نائب ضابط عام 1938،
وتزوج من شقيقتي في كانون الثاني 1941، فكان أخاً كبيراً لنا تعلمت منه حب الوطن
والدفاع عنه ضد المستعمرين الذين ابتلى بهم عالمنا العربي، الذي ما كاد يخرج من
نير الاحتلال العثماني الغاشم الذي دام أربعة قرون ليقع فريسة الامبرياليين
البريطانيين والفرنسيين الذين تقاسموا فيما بينهما بلدان العالم العربي بموجب
اتفاقية [سايكس بيكو] السرية والسيئة الصيت، وتنكروا لكل مواعيدهم التي قطعوها
للملك حسين بن علي بمنح البلاد العربية حريتها واستقلالها.
وهكذا بات على الشعوب العربية خوض
النضال الطويل من جديد من أجل التحرر من نير المستعمرين الجدد، وبذل المزيد من
التضحيات، وتحمل المزيد من المعانات لسنوات طويلة .
{3}
حركة رشيد عالي الكيلاني
والعقداء الأربعة
في الأول من نيسان1941 قامت حركة انقلابية قادها [ رشيد عالي الكيلاني] بدعم
من العقداء الأربعة قادة الجيش [صلاح الدين الصباغ] و[محمود سلمان] و[كامل شبيب]
و[فهمي سعيد]، حيث هرب الوصي وولي العهد [عبد الإله] وأعضاء الحكومة، وتشكلت حكومة
الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني. وقد جرى خلع الأميرعبد الإله من وصاية
العرش وولاية العهد، وجرى تعيين السيد [شريف شرف] وصيا على العرش.
لقيت حركة رشيد عالي الكيلاني دعماً وإسناداً شعبياً عارماً بسبب كره الشعب
العراقي للاستعمار البريطاني، وعملائه زمرة نوري السعيد وعبد الإله، وجرى تشكليل
فرق الفتوة من طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة، والكشافة في المدارس الابتدائية
من أجل دعم وإسناد حركة الكيلاني، فقد كانت أحداث ثورة عام 1920 ضد الاحتلال
البريطاني، والقسوة التي استعملها الجيش البريطاني في قمعها ماثلة أمام ناظرهم،
فكان الحقد الشعبي على المحتلين البريطانيين مكبوتاً في نفوس أبناء الشعب.
ولم يدرك الشعب العراقي آنذاك أن
الاستعمار الألماني والنظام الهتلري هو أسوأ بكثير من الاستعمار البريطاني، واشد
وحشية وقسوة، ولو قُدر للنظام الهتلري الانتصار في تلك الحرب لكانت الكارثة التي
ستحل بالعالم أبشع، وقد أثبتت وقائع
الحرب، والجرائم التي اقترفتها قطعان النازية ذلك. لم يترك الإنكليز الكيلاني يهدد
مصالحهم في العراق، حيث سارعوا إلى إنزال قواتهم العسكرية الكبيرة في البصرة مدعين
بأن إنزال القوات المذكورة هو لضرورات الحرب، وبموجب المعاهدة العراقية البريطانية
[ معاهدة 1930] التي تعطيهم ذلك الحق.
لكن الكيلاني شعر بعد فوات الأوان أن
الهدف الحقيقي لإنزال القوات البريطانية هو القضاء على حركته، وإعادة عبد الإله
والحكومة السابقة إلى الحكم من جديد، فحاول الحصول على دعم ألمانيا للوقوف بوجه
القوات البريطانية.
لكن ألمانيا لم يتسنَ لها إيصال
قواتها إلى العراق حيث اكتفت بالدعم الجوي حيث أرسلت عدة أسراب من الطائرات
الحربية المقاتلة للدفاع عن المدن العراقية، ودعم الجيش.
كنا نشاهد الطائرات البريطانية المغيرة، وتصدي الطائرات الألمانية لها، والمعارك
الجوية فوق سماء الموصل، وكان الرعب قد تملكنا، ولاسيما عندما سقطت إحدى قنابل
الإنكليز في منطقة [رأس الجادة] وأدت إلى مقتل وجرح العديد من المواطنين، وكانت
قوات الفتوة تسير في الشوارع وهي تنشد الأناشيد الوطنية، وتدعو للنضال ضد
الاستعمار البريطاني. باشرت القوات البريطانية بالزحف نحو العاصمة بغداد من
البصرة، ومن قاعدة [سن الذبان] وأبدى الجيش العراقي بطولة نادرة دفاعاً عن حرية
الوطن، واستشهد الكثير من الجنود والضباط في تلك المعارك. وبسبب عدم تكافؤ القوى،
وضعف تسليح الجيش العراقي، استطاع الإنكليز قمع حركة الكيلاني، وإعادة عبد الإله
ونوري السعيد وأزلامهم إلى الحكم من جديد، وهرب الكيلاني إلى ألمانيا، بينما هرب
قادة الجيش العقداء الأربعة [محمود سلمان] و[ كامل شبيب] و[ فهمي سعيد ] إلى إيران
حيث استطاع الإنكليز اعتقالهم هناك وإرسالهم إلى جنوب أفريقيا معتقلين، ثم جرى
تسليمهم بعد ذلك للحكومة العراقية التي أحالتهم للمحاكم العسكرية التي حكمت عليهم
بالإعدام، وتم تنفيذ الأحكام فيهم في الساحات العامة.كما تم إعدام السيد يونس
السبعاوي الذي شغل منصب وزير الاقتصاد في حكومة الكيلاني كذلك.
أما العقيد صلاح الدين الصباغ فقد
اعتقل فيما بعد وجرى إعدامه أمام وزارة الدفاع بحضور عبد الإله ونوري السعيد. حاول
زوج شقيقتي شفيق مصطفى الذي شارك مشاركة فعالة في حركة الكيلاني الهرب إلى ألمانيا
عن طريق تركياـ بعد قمع الحركة، لكن الأتراك القوا القبض عليه وسلموه للحكومة
العراقية، حيث جرى اعتقاله لعدة أشهر، ثم أطلق سراحه، بعد أن تم فصله من الجيش.
لكنه أصيب فيما بعد بمرض عضال لم يمهله طويلاً حيث فارق الحياة عام 1947، تاركاً
طفلته جنان، وزوجته التي كانت على وشك الولادة، حيث ولدت بنتها الثانية أحلام في
اليوم السابع لوفاته، وكانت وفاته تمثل خسارة كبرى ليس لزوجته وأطفاله فقط بل
خسارة لنا جميعاً حيث كان المرشد والمثال.
|
|
|
||
|
الفصل (1) |
|||