المقدمة
تناول العديد من الكتاب ثورة 14 تموز 1958 منذ قيامها وحتى يومنا هذا ،
واختلفت الكتب التي ظهرت منذ ذلك التاريخ عن بعضها البعض
تبعاً لتوجهات كتابها ، فمنهم من تناول الثورة وقائدها بالتسفيه والتجريح وخاصة تلك الكتب التي ظهرت بعد انقلاب 8
شباط 1963الرجعي الفاشي المرتبط بالإمبريالية ، وكان واضحاً أن أولئك الكتاب كانوا
إما من العناصر البعثية أو القومية التي شاركت في الانقلاب المذكور ، أو من وعاظ
السلاطين الساعين للكسب المادي أو الوظيفي ، وجرى على أيديهم تزييف الحقائق عن تلك
الثورة الوطنية التي حققت الكثير والكثير من المكاسب للشعب والوطن مما سأتعرض لها
في فصول هذا الكتاب .
وتناولت مجموعة أخرى من الضباط المشاركين في الثورة ،
بعد اغتيالها على أيدي البعثيين والقوميين المدعومين من قبل الإمبريالية وحاول
معظمهم ادعاء أدوار وبطولات لنفسهم ، كما حاول البعض الآخر من الضباط الإساءة
لزعيم الثورة الشهيد عبد الكريم قاسم ، مما أفقد تلك الكتب المصداقية والأمانة في كتابة
التاريخ ونقل الوقائع كما هي دون تغيير أو تزييف .
لكن كان هناك العديد من الكتاب المنصفين الأمناء الذين
تناولوا تلك الثورة الوطنية وسجلوا للتاريخ أحداثها ومنجزاتها بأمانة على الرغم من
أن بعضهم لم يكن قد عاصر الثورة وعاش أحداثها .
ولقد آليت على نفسي أن أتناول تلك الثورة في هذا الكتاب
بكل أمانة وتجرد لكي أضيف إلى جهود أولئك الكتاب المنصفين الأمناء ، ولاسيما وأني
قد عايشتها منذ قيامها يوماً بيوم وساعة بساعة ، حيث كنت أمارس العمل السياسي ضمن
صفوف الحركة الوطنية آنذاك .
لقد كانت ثورة الرابع عشر من تموز ثورة وطنية خالصة ،
كان في مقدمة أهدافها تحرير العراق من الهيمنة الإمبريالية ، والتخلص من قيود حلف
بغداد ، واستعادة ثروات البلاد النفطية من شركات النفط الاحتكارية ، واستغلالها
وطنياً ، والسعي للنهوض بالاقتصاد العراقي الضعيف ، وتخليصه من التبعية البريطانية
والأمريكية، من أجل تحقيق حياة كريمة للشعب العراقي . ورغم المؤامرات التي حيكت ضد
الثورة منذ أيامها الأولى ، والتي سأتناولها بالتفصيل في فصول هذا الكتاب ، وعلى
الرغم من الصراعات الخطيرة التي ميزت العلاقات بين الأحزاب السياسية ، وتركت
آثاراً مدمرة على الوضع السياسي في البلاد ، ورغم قصر عمر الثورة الذي لم يتجاوز
الأربعة أعوام ، فقد قدمت من الإنجازات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والصحية والثقافية والخدمات العامة والسكن الشيئ الكثير، ويعتبر قانون الإصلاح الزراعي ثورة اجتماعية
حقيقية حررت 70% من أبناء شعبنا الفلاحين من نير الإقطاع والعبودية ، كما كان
قانون الأحول الشخصية رقم 188 لسنة 1959 ثورة اجتماعية أخرى لتحرير المرأة
العراقية التي تمثل نصف المجتمع من عبودية الرجل ، مما سأتناوله في هذا الكتاب
بالتفصيل .
لكن المؤسف أن تتعرض تلك الثورة للانتكاسة التي يتحمل وزها بكل تأكيد الأحزاب السياسية
وصراعاتها من جهة ، والمؤامرات العديدة التي واجهتها من جهة أخرى ، وأخطاء الزعيم
الشهيد عبد الكريم قاسم الذي كان يمتلك كامل السلطة من جهة ثالثة هي التي أدت في
نهاية المطاف إلى نجاح انقلابيي 8 شباط في اغتيالها .
ألكن الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم قد دخل التاريخ
كقائد وطني لا شائبة في وطنيته ، أميناً على ثروات العراق ، نظيف اليد ، لم يسعَ
لتحقيق أي كسب مادي أو غير مادي لنفسه أو لعائلته ، أقول هذا بحقه على الرغم من
تعرضي للاعتقال والتعذيب على عهده ، على أيدي أولئك الضباط الذين ائتمنهم وبوأهم
أعلى المناصب العسكرية والمدنية فأساءوا للثورة وقائدها إساءة كبرى ، وكان ذلك يقع
ضمن المخطط الرجعي لعزل عبد الكريم قاسم عن الشعب وقواه الوطنية التي تعرضت
للاضطهاد والسجون ، وبالتالي لكي يسهل عليهم اغتيال الثورة على أيديهم التي تلطخت
بدماء كل الوطنيين الشرفاء ، وفي مقدمتهم الشهيد عبد الكريم قاسم نفسه ، ورفاقه
المخلصين للثورة ، والمضحين من اجلها ، وسأتعرض لكل تلك الأحداث والأخطاء التي
ارتكبتها الأحزاب السياسية ، والأخطاء التي ارتكبها الزعيم عبد الكريم قاسم بكل
أمانة وتجرد لكي تدخل في سجل التاريخ ، تلك الأخطاء التي أدت في نهاية المطاف إلى
تلك النهاية الدموية البشعة على أيدي انقلابيي 8 شباط أعداء الشعب العراقي ،
وأعداء الحرية والديمقراطية ، الذين اغتالوا الثورة وقائدها الشهيد عبد الكريم
قاسم وصحبه الأبرار، والآلاف من
الوطنيين الأبطال الذين تصدوا للانقلابيين بصدورهم دفاعاً عن الثورة ومنجزاتها وعن
حرية واستقلال العراق .
وأخيراً لا بد أن أشير إلى أمر هام جداً وهو أن وحدة
القوى الوطنية في إطار اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار من جهة ، وجبهة الاتحاد
الوطني التي ضمت الأحزاب الوطنية من جهة أخرى ، وتلاقيها وتنسيقها مع اللجنة
العليا للضباط الأحرار كانت العامل الحاسم في نجاح الثورة ، وفي تحقيق منجزاتها .
وعلى العكس من ذلك كان احتراب القوى السياسية الوطنية ،
ومحاولات العديد من الضباط المشاركين في الثورة التآمر من أجل سرقتها حباً بالسلطة
والزعامة هي التي أدت في النهاية إلى اغتيال الثورة ، وإغراق العراق بالدماء ،
وامتلاء السجون بالوطنيين الأحرار ، ومجئ حزب البعث إلى السلطة ، وما نتج عن
استعادتهم السلطة عام 1968 ، بعد أن
أُسقط حكمهم على يد شريكهم في الانقلاب عبد السلام عارف ، وما حل بالعراق وشعبه
منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا من الويلات والمآسي والحروب المدمرة والحصار
الظالم ، وما سببه من جوع وفقر
وحرمان للشعب العراقي ، وانهيار البنية الاجتماعية والاقتصادية ، كل ذلك كان
نتاجاً لاغتيال ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة وقائدها الوطني المخلص الشهيد عبد
الكريم قاسم وصحبه الأبرار .