الفصل السابع

 

أحداث كركوك في  الذكرى الأولى

لثورة 14 تموز

 

 

أولاً : التركيب السكاني في كركوك ودوره في الأحداث .

  ثانياً : احتفالات الذكرى الأولى للثورة ووقوع الأحداث .

  ثالثاً : نتائج أحداث كركوك وانعكاساتها ,

 رابعاً : قاسم يهاجم الحزب الشيوعي ويتوعد بمعاقبة المسؤولين عن الأحداث .

خامساً : ما هو رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات قاسم ؟

 

 أولاً : التركيب السكاني لمدينة كركوك  ودوره في الأحداث

 

 قبل الولوج في تلك الأحداث التي وقعت في كركوك، في الذكرى الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 958 ، لابد أن نستعرض أحوال المدينة ، والظروف التي كانت سائدة فيها ، والمشاكل التي كانت تعاني منها ، والتي كان لها الدور الأكبر في تلك الأحداث .

إن مدينة كركوك تضم ثلاث قوميات رئيسية هي التركمانية ، والكردية  والعربية ، وبالإضافة إلى ذلك أقلية آشورية .

 كانت العلاقة بين القوميتين ، الكردية والتركمانية  يسودها جوٌ من التوتر والريبة منذُ زمن طويل ، يمتد إلى أيام الحكم العثماني ، وكان هناك صراعٌ بين القوميتين للسيطرة على المدينة ، ولا سما وأن التركمان كانوا يعتبرون أنفسهم يمثلون الأغلبية فيها ، في حين يعبر الأكراد أن كركوك هي جزء من منطقة كردستان .

ولما قامت ثورة 14 تموز 958 1، وقف الأكراد  إلى جانب الثورة وساندوها بشكل حاسم ، بعد تلك المعانات التي قاسوا منها أيام الحكم الملكي الذي قمع ثوراتهم المتتالية ، واعدم عدد من قياداتهم ، وخرب قراهم ، واضطر زعيمهم الملا مصطفى البارزاني إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي منذ عام 945 ا وحتى قيام ثورة 14 تموز 58، حيث  سمح الزعيم عبد الكريم قاسم بعودته مع رفاقه البيشمركة ، وكرمهم ، واسكن البارزاني في قصر نوري السعيد ومنحه راتب وزير، فيما وقف التركمان بعيدين عن تلك الثورة ، على أقل تقدير .

وكان لاصطفاف الأكراد مع جبهة الاتحاد الوطني ودفاعهم عن الثورة أثرٌ كبير في ازدياد حنق التركمان على الأكراد ، كما أن الأكراد لم يشعروا يوماً بالاطمئنان للتركمان ، الذين اتهموا بالولاء لتركيا ، ولم ينسى الأكراد ما فعلته الدولة العثمانية بهم ، وقد أستمر تنامي الكره لتركيا ، بسبب موقفها من الشعب الكردي في جنوب تركيا والذي يشكل حوالي 15 مليون نسمة .

لقد وقعت أحداث عديدة في كركوك ، وكانت مؤشراً على عمق الهوة بين التركمان والأكراد ، بتحريض من عملاء شركات النفط ، حيث قام التركمان باغتيال عدد من الأكراد ، أذكر من بينهم [ سيد ولي] و[ محمد الشربتجي] ومهاجمة [احمد رضا] بماء النار [حامض الكبريتيك ] .

 كما قامت زمرة منهم بزرع قنبلة تحت سيارة الزعيم الكردي [مصطفى البارزاني]  لمحاولة اغتياله ، ولحسن الحظ تم اكتشاف القنبلة وتعطيلها قبل انفجارها ، فقد كانت تلك المحاولة ستؤدي إلى مذبحة لا أحد يعرف مداها . (1)

 

 ثانياً : احتفالات الذكرى الأولى للثورة ووقوع الأحداث :

 

 أقترب موعد الذكرى الأولى لقيام ثورة الرابع عشر من تموز ، وجرت الاستعدادات اللازمة للاحتفال بهذه المناسبة ، في مختلف أنحاء البلاد ، وجرت اتصالات في كركوك مع الجانب التركماني ، من أجل أن يكون الاحتفال بهذه الذكرى مشتركاً بين كل القوى السياسية ، وكل القوميات ، فثورة 14 تموز ، ثورة الشعب العراقي كله ، بمختلف فئاته وانتماءاته وقومياته ،  غير أن التركمان المتعصبين رفضوا ذلك رفضاً قاطعاً ، وأصروا على أن تكون احتفالاتهم منفردة ، وفشلت كل المحاولات للجمع بين الأطراف . (2)

 وعلى هذا الأساس ، تقرر أن تأخذ مسيرة الاحتفال خط سيرٍ بعيدٍ عن منطقة تجمع التركمان المتعصبين ، حرصاً على عدم وقوع  أي احتكاك بين الطرفين .

 نظمت المسيرة من قبل الحزب الشيوعي ، والحزب الديمقراطي الكردستاني ، ودعيت  [مسيرة الجبهة الوطنية ] ، وتقرر أن تكون ساحة المدرسة الثانوية ، مكان تجمع المسيرة ، ثم تنطلق إلى الشارع الرئيسي في [ قورية ] ، ثم تمر أمام الثكنة العسكرية قرب الجسر ، بالقرب من القلعة القديمة ، ثم إلى الجسر الثاني ، حيث تتجه إلى شارع أطلس ، ومن ثم تعود المسيرة إلى المكان الذي انطلقت منه ، في ساحة الثانوية ، وقد قررت قيادة المسيرة عدم العبور إلى [ الصوب الصغير ]  منطقة تجمع التركمان ، تجنباً لأي احتكاك .

بدأت المسيرة بصورة نظامية ، تعلوها الشعارات المقررة سلفاً ، والتي تدعوا إلى وحدة القوى الوطنية ، من أجل دعم مسيرة الثورة ، وكان يتقدمها مجموعات كبيرة من الأطفال ، يحملون حمامات السلام ، وهذا دليل على أنه لم تكن في نية القائمين بالمسيرة ولا في تفكيرهم  الاحتكاك  أو التصادم مع القوميين التركمان ، وكل ما قيل عن تصميم مسبق للمسيرة لمهاجمة التركمان ، أمرٌ عارٍ عن الصحة ، اختلقته الرجعية ، وعملاء شركات النفط ، من أجل الإساءة للشيوعيين والبارتيين .

تقدمت  مجموعة الأطفال في المسيرة مجموعة النساء ، من رابطة الدفاع عن حقوق المرأة ، ثم بقية المنظمات ، والنقابات المهنية والعمالية  والجمعيات الفلاحية  والتحق بالمسيرة عدد كبير من الجنود ، ومن المقاومة الشعبية .

  وما أن دخلت المسيرة  [شارع أطلس] ، ومرت قرب [كازينو14  تموز ] ، حتى انهال عليها القوميون التركمان المتعصبون  بالحجارة وقطع الطابق  من سطح الكازينو ، ثم ما لبثوا أن انهالوا عليهم الرصاص من كل جانب ، وحلت الفوضى بالمسيرة ، وأخذ المشاركون يتزاحمون ، ويندفعون للخروج من الشارع الضيق ، وديس عدد منهم تحت الأرجل ، واستطاع بعض المشاركين في المسيرة شق طريقهم نحو مصدر النيران والحجارة ، فيما راحت الجموع تزحف فوق بعضها البعض ، في جو من الفزع والفوضى ، وكان منظر الأطفال ، والأقدام تدوسهم مؤلم جداً ، كما سقط العديد من النساء بين الأرجل . (3)

 لم يكن في تلك اللحظة من الممكن السيطرة على جموح وغضب الجماهير الشعبية  بينما الرصاص والحجارة ما زالت تنهمر عليهم من القلعة القديمة ، لكن رد الفعل لدى المشاركين في المسيرة من المواطنين الكرد كان اشد بكثير من الفعل سواء كانوا من العناصر المحسوبة على الحزب الديمقراطي الكردستاني أم الحزب الشيوعي ، فقد تغلبت الدوافع القومية لدى الأكراد بما فيهم الشيوعيين منهم ، والمعبأة بالكراهية بين القوميتين الكردية والتركمانية ، مما أفقد القدرة لدى قيادة المسيرة على السيطرة على جموح المشاركين فيها ، والذين اندفعوا للانتقام من العناصر التركمانية ، وخاصة المعروفة منهم بعدائها للكرد ، وللشيوعيين.

 

وهكذا انفلت الوضع ، وباتت السيطرة عليه شبه مستحيلة ، وسيطرة روح الانتقام  ووقعت الواقعة التي كان يخشى من حدوثها، وانطلقت لغة الرصاص الذي ستمر ثلاثة أيام متتالية ، ولم يسكت إطلاق الرصاص إلا بعد أن نزلت قوات الجيش والمقاومة الشعبية ، وجرت مصادمات عنيفة بين قوات الجيش والمقاومة الشعبية وبين العناصر التركمانية ، وجرى تمشيط القلعة للبحث عن المسلحين ، وقد جرت مشاركة المقاومة الشعبية بطلب من قيادة الفرقة الثانية ، بموجب توجيهات وصلتها من بغداد ، وكان حصيلة تلك الأحداث ،مقتل [ 32 ] فرداً معظمهم من التركمان ، وتم اعتقال عدد آخر منهم وضعوا رهن التحقيق .

 ثالثاً : نتائج أحداث كركوك وانعكاساتها :

 إن  احداث  كركوك ، لم تكن إلا مؤامرة  ، دبرتها القوى الرجعية المعادية لثورة 14 تموز ومسيرتها ، ولم يكن عملاء شركات النفط بعيدين عن تلك الأحداث ، ومحرضين عليها .

لقد جرى تضخيم تلك الأحداث ، وفبركة وقائع لم تقع إطلاقاً ، وظهرت شائعاتهم التي كانت تقول أنه كانت هناك مجزرة  أُعد لها مسبقاً ، وذهب ضحيتها المئات ، بل الألوف ، ملصقين أشنع التهم بالحزب الشيوعي ، من أجل استعداء السلطة عليه ، وجرى تصوير جثث عدد من القتلى من جهات مختلفة ، وكانت الوجوه مشوهة ، لكي يقال أن عدد القتلى كان كبيراً ، كما تكّشف فيما بعد ، أن كثيراً من صور حرب التحرير الجزائرية ، وجرائم المستعمرين الفرنسيين ، ضد الشعب الجزائري ، قد استخدمت في ذلك التزييف ، لكي يصوروا ما حدث وكأنه مجزرة كبرى قام بها الشيوعيون ضد التركمان ، في حين كان الحزب دائم الحرص على تمتين عرى الاخوة العربية ، التركمانية ، وبيانات الحزب المنشورة في صحيفته [اتحاد الشعب] خير دليل على ذلك ، فقد ورد في الصحيفة في عددها الصادر في 3 آب 959 ما يلي : (4)

{ إننا ننبه أولئك الرجعيين ، الشوفينيين ، الذين يوغرون صدور التركمان ، ويثيرون المخاوف بين الكردي والعربي والتركماني ، ويزرعون في عين الوقت بذور الفتن  ، ويبثون الشكوك والأكاذيب بين الجماهير الكردية ، ضد إخواننا التركمان ، إننا ندعو المواطنين الكرام إلى التزام جانب الحذر واليقظة ، والتمسك بعرى الاخوة  والاتحاد بين مختلف القوميات } . وفي شهادة مدير شرطة كركوك أمام المجلس العرفي العسكري حول الأحداث قال :

 [ إنه بسبب العداء المستحكم بين التركمان والأكراد ، وبالنظر إلى الاستفزازات التي قام بها التركمان ، والتي سبقت المسيرة ، وفي أثنائها  اتخذت التدابير المقتضية من قبلنا ، وفي حوالي الساعة السابعة ، عندما وصلت المسيرة إلى الجسر القديم ، وهي في طريقها إلى القلعة ، اقتربت منها تظاهرة للتركمان ، وكان أهلها يركبون سيارات تابعة للجيش ، فتدخلت الشرطة ، وحجزت بين الطرفين ، وتقدمت المسيرة حتى وصلت إلى مقهى 14 تموز ، وهي مقهى يرتادها التركمان ، وعلى حين غرة انهالت الأحجار فوق رؤوس المشاركين في المسيرة ، وصار هرج ومرج ، ثم تطور ذلك إلى استخدام السلاح ، ودوى صوت إطلاق الرصاص على المسيرة .

 أخذ الجنود وقوات المقاومة الشعبية يطلقون الرصاص ، باتجاه مصدر النيران والحجارة ، وكانت غالبيتهم من العناصر الكردية ، وقد تمللكم  الحنق والكراهية وُقتل نتيجة ذلك 20 فرداً من التركمان ، وجرى سحل بعضهم ، وكان ذلك العمل بشعاً ومرفوضاً ، وكان من بينهم[عطا خير الله] و[عثمان الجايجي]  صاحب المقهى ، واثنان من أبناء مختار محلة الخاصة [فؤاد عثمان] ، وبلغ عدد الجرحى من الطرفين [ 130] فرداً ، وقد جرى خلال تلك الأحداث مهاجمة 70  مقهى ومحل تجاري عائدة للتركمان ، وجرى نهبها أو إحراقها . ( 5)

 

 رابعاً:قاسم يهاجم الشيوعيين ويتوعد بمعاقبة المسؤولين عن الأحداث:

 

 بدأت التقارير والصور والعرائض من قبل التركمان ، تنهال على عبد الكريم قاسم  تتهم الشيوعيين بتدبير مجزرة في كركوك ضدهم ،  وصدّق قاسم تلك التقارير والصور ، قبل أن يجري أي تحقيق .

 ربما لم يدرك ألاعيب الرجعية ، وعملاء شركات النفط ، التي غذت تلك الأحداث وضخمتها من أجل تمزيق وحدة القوى الوطنية ، وبالتالي إضعاف السلطة وعزلها عن أشد المدافعين عنها .

 وربما أراد قاسم نفسه بالذات ، تضخيم تلك الأحداث واتخاذها مبرراً لإضعاف الحزب الشيوعي وتحجيمه ، ومن ثم ضربه ، بعد أن تنامت قوته ، وتوسع تأثيره على  مجرى الأحداث في البلاد ، فلقد سارع قاسم إلى عقد مؤتمر صحفي تحدث فيه عن الأحداث قائلاً :

 { إن الفوضويون يتوجهون إلى المنازل التي أُشروا عليها سابقاً في خرائطهم  ، فأخرجوا أصحابها ، وفتكوا بهم } . (6)

 وقد تبين فيما بعد ، أن دائرة الكهرباء هي التي قامت بوضع إشارات على الدور ، لأسباب فنية وإدارية تتعلق بعملها . (7)

  وفي 2 آب 959 ، ذكر قاسم أن عدد القتلى كان ( 79 ) فرداً ، ثم عاد في 2 كانون الثاني  وأكد أن عدد القتلى لا يتجاوز (32 ) فرداً ، وقد تأكد للمجلس العرفي العسكري أن عدد القتلى كان ( 32 ) فرداً منهم (29 ) تركمانياً ،و( 3 ) أكراد ، وجرح ( 130 ) فرداً بينهم (6) أكراد أستمر قاسم في مهاجمة الحزب الشيوعي ، وكانت خطاباته عنيفة جداً ، وتصريحاته لا تخلو من التهديد والوعيد ، وكان رد فعله عنيفاً أثناء خطابه في كنيسة مار يوسف ، وفي مؤتمره الصحفي  وفي حديثه مع وفد اتحاد نقابات العمال في 4 آب 959 . (8)

 ففي خطابه في كنيسة مار يوسف ، قال عبد الكريم قاسم :

 { إن ما حدث أخيراً في كركوك ، فأني اشجبه تماماً ، وباستطاعتنا أيها الاخوة ، أن نسحق كل من يتصدى لأبناء الشعب بأعمال فوضوية ، نتيجة للحزازات ، والأحقاد ،والتعصب الأعمى . أنني سأحاسب حساباً عسيراً أولئك الذين اعتدوا على حرية الشعب في كركوك ، بصورة خاصة ، ثم أضاف قاسم قائلاً : أولئك الذين يّدعون بالحرية ، ويدّعون بالديمقراطية ، لا يعتدون على أبناء الشعب ، اعتداءً وحشياً . إن أحداث كركوك ، لطخة سوداء في تاريخنا ، ولطخة سوداء في تاريخ ثورتنا . هل فعل ذلك جنكيز خان ، أو هولاكو من قبل ؟ ، هل هذه هي مدنية القرن العشرين ؟ ، لقد ذهب ضحية هذه الحوادث 79 قتيلاً ، يضاف إليهم 46 شخصاً دُفنوا أحياء ، وقد تم إنقاذ البعض منهم } . (9)

لكن قاسم ما لبث أن تراجع قليلاً عن كلامه قائلاً :

{ إننا لا نلقي اللوم  والمسؤولية على مبدأ ، أو حزب معين ، الأفراد هم المسؤولون عن هذه  وسنحاسبهم كأفراد ، ولا نريد اضطهاد المنظمات }!!!. (10)

 لقد كان قاسم في تلك الأيام على غير عادته ، قد فقد توازنه ، وانساق بشكل عاطفي ، أنساه ما أعتاد عليه من حذر ، وصبر ، وأناة ، فكانت خطاباته تلقي الحطب على الحريق ، وتبين أن ما ورد حول دفن الأحياء لا أساس له من الصحة  كما ورد في محاكمات المجلس العرفي العسكري . (11)

  وتبين فيما بعد أن قاسم أراد استغلال تلك الأحداث كذريعة لتحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه ، وضربه ، بعد أن توسع نفوذه في صفوف الجماهير ، وقد أرعبته مسيرة الأول من أيار 959 ، والتي رفع خلالها الحزب الشيوعي شعار إشراكه في السلطة  { عاش الزعيم عبد الكريمٍ، الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم }  . هكذا إذاً وجد قاسم أن استخدام أحداث الموصل وكركوك خير ذريعة لتوجيه ضربته للحزب . ولا بد لكل منصف ، وحيادي أن يسأل :

  1 ـ مْن بدأ الاعتداء على المسيرة ؟ ومن أطلق النار وقذف الحجارة ؟

  2ـ منْ زور الصور ،وصوّر الأحداث كأنها مجزرة كبرى قالت عنها أذاع راديو [ صوت العرب ] بأن عدد القتلى بلغ [ 3500 فرداً ] ؟ (12)

  3 ـ هل خُدع قاسم بالتقارير التي نُقلت له عن تلك الأحداث ؟ وهل كان من الصعب عليه الوصول للحقيقة ؟

 4 ـ هل كان قاسم يعرف الحقيقة ، لكنه أراد استخدام تلك الأحداث  لتوجيه ضربته للحزب الشيوعي ؟

5 ـ هل كان بمقدور الحزب الشيوعي ، خلال تلك الأحداث ، السيطرة على الجماهير الغاضبة ، ومنع القتولات التي حصلت، وما رافقها من سحل للجثث؟

6 ـ ما هو دور عملاء شركات في تلك الأحداث ؟

 إن الإجابة على هذه الأسئلة تلقي الضوء على تلك الأحداث التي كانت تمثل بداية الانتكاسة لثورة الرابع عشر من تموز ، واستمرت في تراجعها حتى وقوع انقلاب  الثامن شباط 963 1.

 لقد قام قاسم بتشكيل لجنتين للتحقيق ، ومنحهما صلاحيات واسعة ، وأرسل الأولى إلى الموصل والثانية إلى كركوك ، وزودها مسبقا بأسماء ابرز الشيوعيين المعروفين في المدينتين المذكورتين ، مع مذكرات بإلقاء القبض عليهم ، حيث جرى اعتقالهم ، مما يشير إلى قرار مسبق من الزعيم عبد الكريم قاسم بتقليم أظافر الشيوعيين تمهيداً لضرب حزبهم وإخراجه من الساحة السياسية ، بعد أن حصلت لديه القناعة أن الحزب الشيوعي بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع السلطة !!.

وطافت سيارات عسكرية مجهزة بمكبرات الصوت ، داعية الناس إلى التقدم للشهادة ضد المعتقلين ، المتهمين بأحداث الموصل وكركوك ، وأُحيل المعتقلون إلى المجالس العرفية  العسكرية لتحكم عليهم بأحكام قاسية وطويلة ، وسيق المحكومون إلى سجن [ نقرة السلمان ] السيئ الصيت ، والذي أنشأه نوري السعيد في وسط الصحراء بعيداً عن أهلهم وذويهم  ، وحينما وقع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963 ، وجد الانقلابيون ، الصيد في القفص ، حيث أسرعوا إلى إعادة محاكمتهم من جديد ، خلافاً للقانون ، بعد أن استخدموا معهم أبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي ، وأصدروا بحق العديد منهم  أحكام الموت ، ونفذوها في شوارع الموصل وكركوك .

 خامساً: ما هو رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات قاسم ؟

 

جاء رد فعل الحزب الشيوعي على الهجوم الذي شنه قاسم عليه سريعاً ، حيث أعلن الحزب في مقال افتتاحي لصحيفة الحزب [ اتحاد الشعب ] وجاء فيه :

 { قيل عنا بأننا نؤمن بالعنف ، ضمن إطار الحركة الوطنية ، وبعلاقاتنا مع القوي الوطنية الأخرى  إن هذا محض دس وافتراء ، يقصد به التشهير ليس إلا، وكنا قد أكدنا في مقال افتتاحي معروف ، نُشر منذُ زمن بعيد ، بأن الأسلوب هو المحك ، ولكن يبدو الآن أن هناك نية متقصدة لُيقرن هذا الموقف الصحيح الثابت باندفاع بعض البسطاء ، وغير الحزبيين من جماهير الشعب .

نحن نرفض وندين بصورة مطلقة كل أشكال الاعتداء على الناس الأبرياء ، وأي عمل من أعمال التعذيب حتى بحق الخونة ، إن إدانتنا لهذه الممارسات ، هي إدانة مبدأية}. (13)

وفي الثالث من آب 959 ، نشر الحزب موجز التقرير الموسع لاجتماع اللجنة المركزية للحزب  الذي أكد على إدانة كل شكل من أشكال الاعتداء ، والعنف ضد الخصوم السياسيين ، وكل أعمال القتل ، أو السحل ، أو النهب والحرق ، التي حدثت في كركوك والموصل ، مؤكداً على أهمية الحلف بين الحزب والسلطة ، وكافة القوى الوطنية من أجل دفع مسيرة الثورة إلى أمام لتحقيق أماني الشعب ، مؤكداً السير بخطى ثابتة مع قيادة الثورة ، وحماية مكتسباتها ، التي هي ثمرة تضحيات كبيرة عبر السنين . (14)

لقد كانت أحداث كركوك تمثل القشة التي قصمت ظهر البعير ، كما تقول الأمثال ، بالنسبة للحزب الشيوعي ، وقد اتخذها عبد الكريم قاسم ذريعة لشن هجومه على الحزب واصفا تصرفاته بأنها أسوأ من تصرفات هولاكو ، ولا شك في أن تلك التشبيهات لا صلة لها بالواقع .

لكن موقف الحزب الشيوعي أتسم بعد أحداث كركوك بالتراجع ، والتخاذل ، ولم يتخذ موقف الدفاع عن نفسه ضد الهجمة الشرسة التي شنتها القوى الرجعية ضده ، وساعدها جهاز السلطة الموروث عن العهد الملكي ، وكان لموقف قاسم من الحزب الأثر الحاسم في دعم تلك الهجمة  من أجل تقليص دور الحزب وتحجيمه ، وتوجيه الضربات المتتالية له ، كما سيرد فيما بعد .

 

توثيق الفصل السابع

  (1)سلام عادل ـ سيرة مناضل ـ ثمينة ناجي يوسف ونزار خالد ـ ص 66 ـ67 .

 (2) العراق ـ الكتاب الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 226

 (3) نفس المصدر السابق

 (4) بيان صادر من ا الشيوعي العراقي في 3 أيلول 1958

 (5) تقرير الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ـ أواسط تموز 1959 .

 (6) العراق ـ الجزء الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 269 .

 (7) صحيفة اتحاد الشعب ـ العدد 131 ـ 29 حزيران 959 .

 (8) ثورة 14 تموز ـ د . ليث الزبيدي ـ ص 252 .

 (9) نفس المصدر ـ ص 253 .

 (10) المصدر السابق ـ ص 255 .

 (11)محاكمة المتهمين بأحداث كركوك أمام المجلس العرفي العسكري في أيلول 1959 .

 (12)إذاعة صوت العرب من القاهرة

 (13) افتتاحية اتحاد الشعب في 2 آب 1959 .

 (14) صحيفة اتحاد الشعب في 23 آب 1959 .

 

الفصل الثاني الفصل الأول المقدمة محتويات الكتاب
الفصل السادس الفصل الخامس الفصل الرابع الفصل الثالث
الفصل العاشر الفصل التاسع الفصل الثامن الفصل السابع