الفصل السابع
أحداث كركوك في الذكرى الأولى
لثورة 14 تموز
أولاً : التركيب السكاني في كركوك ودوره في الأحداث .
ثانياً : احتفالات الذكرى
الأولى للثورة ووقوع الأحداث .
ثالثاً : نتائج أحداث
كركوك وانعكاساتها ,
رابعاً : قاسم يهاجم الحزب
الشيوعي ويتوعد بمعاقبة المسؤولين عن الأحداث .
خامساً : ما هو رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات قاسم ؟
أولاً : التركيب السكاني لمدينة كركوك ودوره في الأحداث
قبل
الولوج في تلك الأحداث التي وقعت في كركوك، في الذكرى الأولى لثورة الرابع عشر من
تموز 958 ، لابد أن نستعرض أحوال المدينة ، والظروف التي كانت سائدة فيها ،
والمشاكل التي كانت تعاني منها ، والتي كان لها الدور الأكبر في تلك الأحداث .
إن مدينة كركوك تضم ثلاث قوميات رئيسية هي التركمانية ، والكردية
والعربية ، وبالإضافة إلى ذلك أقلية آشورية .
كانت
العلاقة بين القوميتين ، الكردية والتركمانية يسودها جوٌ من التوتر والريبة منذُ زمن طويل ، يمتد إلى أيام
الحكم العثماني ، وكان هناك صراعٌ بين القوميتين للسيطرة على
المدينة ، ولا سما وأن التركمان كانوا يعتبرون أنفسهم
يمثلون الأغلبية فيها ، في حين يعبر الأكراد أن كركوك هي جزء من منطقة كردستان .
ولما قامت ثورة 14 تموز 958 1، وقف الأكراد إلى جانب الثورة وساندوها
بشكل حاسم ، بعد تلك المعانات التي قاسوا منها أيام الحكم
الملكي الذي قمع ثوراتهم المتتالية ، واعدم عدد من قياداتهم ، وخرب قراهم ، واضطر
زعيمهم الملا مصطفى البارزاني إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي منذ عام 945 ا وحتى
قيام ثورة 14 تموز 58، حيث سمح الزعيم
عبد الكريم قاسم بعودته مع رفاقه البيشمركة ، وكرمهم ، واسكن البارزاني في قصر
نوري السعيد ومنحه راتب وزير، فيما وقف التركمان بعيدين عن تلك الثورة ، على أقل
تقدير .
وكان لاصطفاف الأكراد مع جبهة الاتحاد الوطني ودفاعهم
عن الثورة أثرٌ كبير في ازدياد حنق التركمان على الأكراد ، كما أن الأكراد لم
يشعروا يوماً بالاطمئنان للتركمان ، الذين
اتهموا
بالولاء لتركيا ، ولم ينسى الأكراد ما فعلته الدولة العثمانية بهم ، وقد أستمر تنامي الكره لتركيا ، بسبب موقفها من الشعب الكردي في جنوب تركيا
والذي يشكل حوالي 15 مليون نسمة .
لقد وقعت أحداث عديدة في كركوك ، وكانت مؤشراً على عمق
الهوة بين التركمان والأكراد ، بتحريض من عملاء شركات
النفط ، حيث قام التركمان باغتيال عدد من الأكراد ، أذكر من بينهم [ سيد ولي] و[ محمد الشربتجي] ومهاجمة [احمد رضا] بماء النار [حامض الكبريتيك ] .
كما
قامت زمرة منهم بزرع قنبلة تحت سيارة الزعيم الكردي [مصطفى البارزاني] لمحاولة اغتياله ، ولحسن الحظ تم اكتشاف القنبلة وتعطيلها قبل انفجارها ، فقد كانت تلك المحاولة ستؤدي إلى مذبحة لا أحد يعرف مداها . (1)
ثانياً : احتفالات الذكرى الأولى للثورة ووقوع الأحداث
:
أقترب
موعد الذكرى الأولى لقيام ثورة الرابع عشر من تموز ، وجرت الاستعدادات اللازمة
للاحتفال بهذه المناسبة ، في مختلف أنحاء البلاد ، وجرت اتصالات في كركوك مع
الجانب التركماني ، من أجل أن يكون الاحتفال بهذه الذكرى مشتركاً بين كل القوى
السياسية ، وكل القوميات ، فثورة 14 تموز ، ثورة الشعب العراقي كله ، بمختلف فئاته
وانتماءاته وقومياته ، غير أن التركمان المتعصبين رفضوا ذلك رفضاً قاطعاً ، وأصروا على أن تكون احتفالاتهم
منفردة ، وفشلت كل المحاولات للجمع بين الأطراف . (2)
وعلى
هذا الأساس ، تقرر أن تأخذ مسيرة الاحتفال خط سيرٍ بعيدٍ عن منطقة تجمع التركمان
المتعصبين ، حرصاً على عدم وقوع أي
احتكاك بين الطرفين .
نظمت
المسيرة من قبل الحزب الشيوعي ، والحزب الديمقراطي الكردستاني ، ودعيت [مسيرة الجبهة الوطنية ] ، وتقرر أن تكون ساحة المدرسة الثانوية ، مكان تجمع المسيرة ، ثم تنطلق إلى
الشارع الرئيسي في [ قورية ] ، ثم تمر أمام الثكنة العسكرية قرب الجسر ، بالقرب من
القلعة القديمة ، ثم إلى الجسر الثاني ، حيث تتجه إلى شارع أطلس ، ومن ثم تعود
المسيرة إلى المكان الذي انطلقت منه ، في ساحة الثانوية ، وقد قررت قيادة المسيرة
عدم العبور إلى [ الصوب الصغير ]
منطقة تجمع التركمان ، تجنباً لأي احتكاك .
بدأت المسيرة بصورة نظامية ، تعلوها الشعارات المقررة
سلفاً ، والتي تدعوا إلى وحدة القوى الوطنية ، من أجل دعم مسيرة الثورة ، وكان
يتقدمها مجموعات كبيرة من الأطفال ، يحملون حمامات السلام ، وهذا دليل على أنه لم
تكن في نية القائمين بالمسيرة ولا في تفكيرهم الاحتكاك أو
التصادم مع القوميين التركمان ، وكل ما قيل عن تصميم مسبق للمسيرة لمهاجمة
التركمان ، أمرٌ عارٍ عن الصحة ، اختلقته الرجعية ، وعملاء شركات النفط ، من أجل
الإساءة للشيوعيين والبارتيين .
تقدمت مجموعة الأطفال في المسيرة مجموعة النساء
، من رابطة الدفاع عن حقوق المرأة ، ثم بقية المنظمات ، والنقابات المهنية
والعمالية والجمعيات الفلاحية والتحق بالمسيرة عدد كبير من الجنود ،
ومن المقاومة الشعبية .
وما أن
دخلت المسيرة [شارع أطلس] ، ومرت
قرب [كازينو14 تموز ] ، حتى انهال
عليها القوميون التركمان المتعصبون
بالحجارة وقطع الطابق من سطح
الكازينو ، ثم ما لبثوا أن انهالوا عليهم الرصاص من كل جانب ، وحلت الفوضى
بالمسيرة ، وأخذ المشاركون يتزاحمون ، ويندفعون للخروج من الشارع الضيق ، وديس عدد
منهم تحت الأرجل ، واستطاع بعض المشاركين في المسيرة شق طريقهم نحو مصدر النيران
والحجارة ، فيما راحت الجموع تزحف فوق بعضها البعض ، في جو من الفزع والفوضى ،
وكان منظر الأطفال ، والأقدام تدوسهم مؤلم جداً ، كما سقط العديد من النساء
بين الأرجل . (3)
لم يكن
في تلك اللحظة من الممكن السيطرة على جموح وغضب الجماهير الشعبية بينما الرصاص والحجارة ما زالت تنهمر عليهم من القلعة القديمة ، لكن رد الفعل لدى
المشاركين في المسيرة من المواطنين الكرد كان اشد بكثير من الفعل سواء كانوا من
العناصر المحسوبة على الحزب الديمقراطي الكردستاني أم الحزب الشيوعي ، فقد تغلبت
الدوافع القومية لدى الأكراد بما فيهم الشيوعيين منهم ، والمعبأة بالكراهية بين
القوميتين الكردية والتركمانية ، مما أفقد القدرة لدى قيادة المسيرة على السيطرة
على جموح المشاركين فيها ، والذين اندفعوا للانتقام من العناصر التركمانية ، وخاصة
المعروفة منهم بعدائها للكرد ، وللشيوعيين.
وهكذا انفلت الوضع ، وباتت
السيطرة عليه شبه مستحيلة ، وسيطرة روح الانتقام ووقعت الواقعة التي كان يخشى من حدوثها، وانطلقت لغة الرصاص
الذي ستمر ثلاثة أيام متتالية ، ولم يسكت إطلاق الرصاص إلا بعد أن نزلت قوات الجيش والمقاومة الشعبية ، وجرت مصادمات
عنيفة بين قوات الجيش والمقاومة الشعبية وبين العناصر التركمانية ، وجرى تمشيط القلعة للبحث عن المسلحين ، وقد جرت مشاركة المقاومة الشعبية بطلب من قيادة
الفرقة الثانية ، بموجب توجيهات وصلتها من بغداد ، وكان حصيلة تلك الأحداث ،مقتل [
32 ] فرداً معظمهم من التركمان ، وتم اعتقال عدد آخر منهم
وضعوا رهن التحقيق .
ثالثاً : نتائج أحداث كركوك وانعكاساتها :
إن احداث كركوك
، لم تكن إلا مؤامرة ، دبرتها القوى الرجعية
المعادية لثورة 14 تموز ومسيرتها ، ولم يكن عملاء شركات النفط بعيدين عن تلك
الأحداث ، ومحرضين عليها .
لقد جرى تضخيم تلك الأحداث ، وفبركة وقائع لم تقع
إطلاقاً ، وظهرت شائعاتهم التي كانت تقول أنه كانت هناك مجزرة أُعد لها مسبقاً ، وذهب ضحيتها المئات ،
بل الألوف ، ملصقين أشنع التهم بالحزب الشيوعي ، من أجل استعداء السلطة عليه ،
وجرى تصوير جثث عدد من القتلى من جهات مختلفة ، وكانت الوجوه مشوهة ، لكي يقال أن
عدد القتلى كان كبيراً ، كما تكّشف فيما بعد ، أن كثيراً من صور حرب
التحرير الجزائرية ، وجرائم المستعمرين الفرنسيين ، ضد الشعب الجزائري ، قد
استخدمت في ذلك التزييف ، لكي يصوروا ما حدث وكأنه مجزرة كبرى قام بها الشيوعيون
ضد التركمان ، في حين كان الحزب دائم الحرص على تمتين عرى الاخوة العربية ،
التركمانية ، وبيانات الحزب المنشورة في صحيفته [اتحاد الشعب] خير
دليل على ذلك ، فقد ورد في الصحيفة في عددها الصادر في 3 آب 959 ما يلي : (4)
{ إننا ننبه أولئك الرجعيين ، الشوفينيين ، الذين يوغرون صدور التركمان ، ويثيرون المخاوف
بين الكردي والعربي والتركماني ، ويزرعون في عين الوقت بذور الفتن ، ويبثون الشكوك والأكاذيب بين الجماهير
الكردية ، ضد إخواننا التركمان ، إننا ندعو المواطنين الكرام إلى التزام جانب
الحذر واليقظة ، والتمسك بعرى الاخوة والاتحاد بين مختلف القوميات
} . وفي شهادة مدير شرطة كركوك أمام المجلس العرفي العسكري حول الأحداث قال :
[ إنه
بسبب العداء المستحكم بين التركمان والأكراد ، وبالنظر إلى الاستفزازات التي قام
بها التركمان ، والتي سبقت المسيرة ، وفي أثنائها اتخذت التدابير المقتضية من قبلنا ، وفي حوالي الساعة السابعة
، عندما وصلت المسيرة إلى الجسر القديم ، وهي في طريقها إلى القلعة ، اقتربت منها
تظاهرة للتركمان ، وكان أهلها يركبون سيارات تابعة للجيش ، فتدخلت الشرطة ، وحجزت
بين الطرفين ، وتقدمت المسيرة حتى وصلت إلى مقهى 14 تموز ، وهي مقهى يرتادها
التركمان ، وعلى حين غرة انهالت الأحجار فوق رؤوس المشاركين في المسيرة ، وصار هرج
ومرج ، ثم تطور ذلك إلى استخدام السلاح ، ودوى صوت إطلاق الرصاص على المسيرة .
أخذ
الجنود وقوات المقاومة الشعبية يطلقون الرصاص ، باتجاه مصدر النيران والحجارة ، وكانت غالبيتهم من العناصر
الكردية ، وقد تمللكم الحنق
والكراهية وُقتل نتيجة ذلك 20 فرداً من التركمان ، وجرى سحل بعضهم ، وكان ذلك العمل بشعاً ومرفوضاً ، وكان من بينهم[عطا خير الله] و[عثمان الجايجي]
صاحب المقهى ، واثنان من أبناء مختار محلة الخاصة [فؤاد عثمان] ، وبلغ عدد
الجرحى من الطرفين [ 130] فرداً ، وقد جرى خلال تلك الأحداث مهاجمة 70 مقهى ومحل تجاري عائدة للتركمان ، وجرى
نهبها أو إحراقها . (
5)
رابعاً:قاسم يهاجم
الشيوعيين ويتوعد بمعاقبة المسؤولين عن الأحداث:
بدأت
التقارير والصور والعرائض من قبل التركمان ، تنهال على عبد الكريم قاسم تتهم الشيوعيين بتدبير مجزرة في كركوك
ضدهم ، وصدّق قاسم تلك التقارير
والصور ، قبل أن يجري أي تحقيق .
ربما لم
يدرك ألاعيب الرجعية ، وعملاء شركات النفط ، التي غذت تلك الأحداث وضخمتها من أجل
تمزيق وحدة القوى الوطنية ، وبالتالي إضعاف السلطة وعزلها عن أشد المدافعين عنها .
وربما
أراد قاسم نفسه بالذات ، تضخيم تلك الأحداث واتخاذها مبرراً لإضعاف الحزب الشيوعي
وتحجيمه ، ومن ثم ضربه ، بعد أن تنامت قوته ، وتوسع
تأثيره على مجرى الأحداث في البلاد
، فلقد سارع قاسم إلى عقد مؤتمر صحفي تحدث فيه عن
الأحداث قائلاً :
{ إن
الفوضويون يتوجهون إلى المنازل التي أُشروا عليها سابقاً في خرائطهم ، فأخرجوا أصحابها ، وفتكوا بهم } . (6)
وقد
تبين فيما بعد ، أن دائرة الكهرباء هي التي قامت بوضع إشارات على الدور ، لأسباب
فنية وإدارية تتعلق بعملها . (7)
وفي 2
آب 959 ، ذكر قاسم أن عدد القتلى كان ( 79 ) فرداً ، ثم عاد في 2 كانون
الثاني وأكد أن عدد القتلى لا
يتجاوز (32 ) فرداً ، وقد تأكد للمجلس العرفي العسكري أن عدد القتلى كان ( 32 )
فرداً منهم (29 ) تركمانياً ،و( 3 ) أكراد ، وجرح ( 130 ) فرداً بينهم (6) أكراد
أستمر قاسم في مهاجمة الحزب الشيوعي ، وكانت خطاباته عنيفة جداً ، وتصريحاته لا
تخلو من التهديد والوعيد ، وكان رد فعله عنيفاً أثناء خطابه في كنيسة مار يوسف ،
وفي مؤتمره الصحفي وفي حديثه مع وفد
اتحاد نقابات العمال في 4 آب 959 . (8)
ففي
خطابه في كنيسة مار يوسف ، قال عبد الكريم قاسم :
{ إن ما
حدث أخيراً في كركوك ، فأني اشجبه تماماً ، وباستطاعتنا أيها الاخوة ، أن نسحق كل
من يتصدى لأبناء الشعب بأعمال فوضوية ، نتيجة للحزازات ، والأحقاد ،والتعصب الأعمى
. أنني سأحاسب حساباً عسيراً أولئك الذين اعتدوا على حرية الشعب في كركوك ، بصورة
خاصة ، ثم أضاف قاسم قائلاً : أولئك الذين يّدعون بالحرية ، ويدّعون بالديمقراطية
، لا يعتدون على أبناء الشعب ، اعتداءً وحشياً . إن أحداث كركوك ، لطخة سوداء في
تاريخنا ، ولطخة سوداء في تاريخ ثورتنا . هل فعل ذلك جنكيز خان ، أو هولاكو من قبل
؟ ، هل هذه هي مدنية القرن العشرين ؟ ، لقد ذهب ضحية هذه الحوادث 79 قتيلاً ، يضاف
إليهم 46 شخصاً دُفنوا أحياء ، وقد تم إنقاذ البعض منهم } . (9)
لكن قاسم ما لبث أن تراجع قليلاً عن كلامه قائلاً :
{ إننا لا نلقي اللوم والمسؤولية على مبدأ ، أو حزب معين ، الأفراد هم المسؤولون عن
هذه وسنحاسبهم كأفراد ، ولا نريد
اضطهاد المنظمات }!!!. (10)
لقد كان
قاسم في تلك الأيام على غير عادته ، قد فقد توازنه ، وانساق بشكل عاطفي ، أنساه ما
أعتاد عليه من حذر ، وصبر ، وأناة ، فكانت خطاباته تلقي الحطب على الحريق ، وتبين
أن ما ورد حول دفن الأحياء لا أساس له من الصحة كما ورد في محاكمات المجلس العرفي العسكري .
(11)
وتبين
فيما بعد أن قاسم أراد استغلال تلك الأحداث كذريعة لتحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه ،
وضربه ، بعد أن توسع نفوذه في صفوف الجماهير ، وقد أرعبته مسيرة
الأول من أيار 959 ، والتي رفع خلالها الحزب الشيوعي شعار إشراكه في السلطة { عاش الزعيم عبد الكريمٍ،
الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم } .
هكذا إذاً وجد قاسم أن استخدام أحداث الموصل وكركوك خير ذريعة لتوجيه ضربته للحزب
. ولا بد لكل منصف ، وحيادي أن يسأل :
1 ـ مْن
بدأ الاعتداء على المسيرة ؟ ومن أطلق النار وقذف الحجارة ؟
2ـ منْ
زور الصور ،وصوّر الأحداث كأنها مجزرة كبرى قالت عنها أذاع راديو [ صوت العرب ] بأن عدد القتلى بلغ [ 3500 فرداً ] ؟ (12)
3 ـ هل
خُدع قاسم بالتقارير التي نُقلت له عن تلك الأحداث ؟ وهل كان من الصعب عليه الوصول
للحقيقة ؟
4 ـ هل
كان قاسم يعرف الحقيقة ، لكنه أراد استخدام تلك الأحداث لتوجيه ضربته للحزب الشيوعي ؟
5 ـ هل كان بمقدور الحزب الشيوعي ، خلال تلك الأحداث ، السيطرة على الجماهير الغاضبة ، ومنع القتولات التي
حصلت، وما رافقها من سحل للجثث؟
6 ـ ما هو دور عملاء شركات في
تلك الأحداث ؟
إن
الإجابة على هذه الأسئلة تلقي الضوء على تلك الأحداث التي كانت تمثل بداية
الانتكاسة لثورة الرابع عشر من تموز ، واستمرت في
تراجعها حتى وقوع انقلاب الثامن
شباط 963 1.
لقد قام
قاسم بتشكيل لجنتين للتحقيق ، ومنحهما صلاحيات واسعة ، وأرسل الأولى إلى الموصل والثانية إلى كركوك ، وزودها مسبقا بأسماء ابرز الشيوعيين المعروفين في المدينتين المذكورتين ،
مع مذكرات بإلقاء القبض عليهم ، حيث جرى اعتقالهم ، مما يشير إلى قرار مسبق من الزعيم عبد الكريم
قاسم بتقليم أظافر الشيوعيين تمهيداً لضرب حزبهم وإخراجه من الساحة السياسية ، بعد
أن حصلت لديه القناعة أن الحزب الشيوعي بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع السلطة
!!.
وطافت سيارات عسكرية مجهزة بمكبرات الصوت ، داعية
الناس إلى التقدم للشهادة ضد المعتقلين ، المتهمين بأحداث الموصل وكركوك ، وأُحيل
المعتقلون إلى المجالس العرفية
العسكرية لتحكم عليهم بأحكام قاسية وطويلة ، وسيق المحكومون إلى سجن [ نقرة
السلمان ] السيئ الصيت ، والذي أنشأه نوري السعيد في وسط الصحراء بعيداً عن أهلهم
وذويهم ، وحينما وقع
انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963 ، وجد الانقلابيون ، الصيد في القفص ، حيث أسرعوا
إلى إعادة محاكمتهم من جديد ، خلافاً للقانون ، بعد أن استخدموا معهم أبشع أنواع
التعذيب الجسدي والنفسي ، وأصدروا بحق العديد منهم أحكام الموت ، ونفذوها في شوارع الموصل وكركوك .
خامساً: ما هو رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات قاسم
؟
جاء رد فعل الحزب الشيوعي على الهجوم الذي شنه قاسم
عليه سريعاً ، حيث أعلن الحزب في مقال افتتاحي لصحيفة الحزب [ اتحاد الشعب ] وجاء
فيه :
{ قيل
عنا بأننا نؤمن بالعنف ، ضمن إطار الحركة الوطنية ، وبعلاقاتنا مع القوي الوطنية
الأخرى إن هذا محض دس وافتراء ،
يقصد به التشهير ليس إلا، وكنا قد أكدنا في مقال افتتاحي معروف ، نُشر منذُ زمن
بعيد ، بأن الأسلوب هو المحك ، ولكن يبدو الآن أن هناك نية متقصدة لُيقرن هذا
الموقف الصحيح الثابت باندفاع بعض البسطاء ، وغير الحزبيين من جماهير الشعب .
نحن نرفض وندين بصورة مطلقة
كل أشكال الاعتداء على الناس الأبرياء ، وأي عمل من أعمال التعذيب حتى بحق الخونة
، إن إدانتنا لهذه الممارسات ، هي إدانة مبدأية}. (13)
وفي الثالث من آب 959 ، نشر الحزب موجز التقرير الموسع
لاجتماع اللجنة المركزية للحزب الذي
أكد على إدانة كل شكل من أشكال الاعتداء ، والعنف ضد الخصوم السياسيين ، وكل أعمال
القتل ، أو السحل ، أو النهب والحرق ، التي حدثت في كركوك والموصل ، مؤكداً على أهمية الحلف بين الحزب والسلطة ، وكافة القوى الوطنية من أجل
دفع مسيرة الثورة إلى أمام لتحقيق أماني الشعب ، مؤكداً السير بخطى ثابتة مع قيادة
الثورة ، وحماية مكتسباتها ، التي هي ثمرة تضحيات كبيرة عبر السنين . (14)
لقد كانت أحداث كركوك تمثل القشة التي قصمت ظهر البعير ،
كما تقول الأمثال ، بالنسبة للحزب الشيوعي ، وقد اتخذها عبد الكريم قاسم ذريعة لشن
هجومه على الحزب واصفا تصرفاته بأنها أسوأ من تصرفات هولاكو ، ولا شك في أن تلك
التشبيهات لا صلة لها بالواقع .
لكن موقف الحزب الشيوعي أتسم بعد
أحداث كركوك بالتراجع ، والتخاذل ، ولم يتخذ موقف الدفاع عن نفسه ضد الهجمة الشرسة
التي شنتها القوى الرجعية ضده ، وساعدها جهاز السلطة الموروث عن العهد الملكي ،
وكان لموقف قاسم من الحزب الأثر الحاسم في دعم تلك الهجمة من أجل تقليص دور الحزب وتحجيمه ، وتوجيه
الضربات المتتالية له ، كما سيرد فيما بعد .
توثيق الفصل السابع
(1)سلام عادل ـ سيرة مناضل ـ ثمينة ناجي
يوسف ونزار خالد ـ ص 66 ـ67 .
(2) العراق ـ الكتاب الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 226
(3) نفس المصدر السابق
(4) بيان صادر من ا الشيوعي العراقي في 3
أيلول 1958
(5) تقرير الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب
الشيوعي العراقي ـ أواسط تموز 1959 .
(6) العراق ـ الجزء الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 269 .
(7) صحيفة اتحاد الشعب ـ العدد 131 ـ 29 حزيران 959 .
(8) ثورة 14 تموز ـ د . ليث الزبيدي ـ ص
252 .
(9) نفس المصدر ـ ص 253 .
(10) المصدر السابق ـ ص 255 .
(11)محاكمة المتهمين بأحداث
كركوك أمام المجلس العرفي العسكري في أيلول 1959 .
(12)إذاعة صوت العرب من
القاهرة
(13) افتتاحية اتحاد الشعب
في 2 آب 1959 .
(14) صحيفة اتحاد الشعب في
23 آب 1959 .