الفصل الأول

 

العراق

من الاحتلال العثماني إلى الاحتلال البريطاني

 

 

  أولاً ـ الاحتلال العثماني للعراق

 

  ثانياً ـ الاحتلال البريطاني للعراق 

 

 ثالثاً ـ المقاومة الوطنية للاحتلال البريطاني

 

 رابعاًً ـ  تصاعد الصراع مع المحتلين واندلاع ثورة العشرين

 

 خامسا ـ مؤتمر القاهرة يبحث مستقبل العراق

 

أولاً ـ الاحتلال العثماني للعراق

رزح العراق كما هو معروف تاريخيا تحت نير الاستعمار العثماني زهاء الأربعة قرون ، و كانت الحقبة التي حكم فيها العثمانيون العراق من أسوأ الحقب في تاريخه ، فقد كان عصر من التخلف قاتم الظلمة عانى خلاله الشعب العراقي صنوفاً من الاضطهاد البشع تجلى في سياسة التتريك ، ومحاولة طمس اللغة العربية ، وتجنيد شبابه في حروب استعمارية لا مصلحة للشعب العراقي فيها ، واستغلال خيرات البلاد وثرواتها أبشع استغلال ، مما أعاد العراق إلى القرون الوسطى بعد أن كان قبلة العالم في تطوره وتقدمه ، في الوقت الذي كانت أوربا تغوص في ظلامها الدامس .

ومنذُ أسست الدولة العثمانية الجيش الانكشاري على يد السلطان  [أورخان ] الذي تولى السلطة عام 1326 ، وبعد أن قوي عود ذلك الجيش الذي جرى إشباع أفراده بالعقيدة الدينية البكداشية ، بدأت الدولة تتطلع للتوسع بما دعي بالفتوحات الإسلامية بدعوى نشر الدين الإسلامي ، واستطاع جيشها الإنكشاري في 29 أيار 1453احتلال القسطنطينية التي كانت تعتبر أكبر مدن العالم في ذلك العصر وكانت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية لأكثر من ألف عام ، وقد استباح الجيش الإنكشاري المدينة ، وعمل تقتيلاً واغتصاباً ونهباً للممتلكات بأسلوب وحشي يندى له الجبين . (1)

وفي الوقت الذي كانت الدولة العثمانية منتشية بجيشها ، وبالنصر الذي أحرزه في احتلال عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ، كانت في بلاد فارس تنهض دولة تقودها حركة دينية صوفية هي الدولة الصفوية التي بدأت تظهر لها تطلعات توسعية هي الأخرى ، وخاصة على عهد الشاه [ إسماعيل ] الذي تولى الحكم في بداية القرن السادس عشر الميلادي وأخذ يوسع دولته حيث احتل قسماً كبيراً من بلاد القفقاس ، ثم التفت نحو العراق حيث استطاع احتلال بغداد في عام 1508 ، واستباح جيشه المدينة وعمل بالمواطنين من الطائفة السنية قتلاً ونهباً واغتصاباً ، تماماً كما فعل الجيش العثماني عند احتلاله للبلاد , وهكذا كانت الجيوش الغازية تفعل في احتلالها للبلدان الأخرى . (2)

سبب احتلال الصفويين للعراق قلقاً كبيراً لسلاطين بني عثمان الذين وجدوا فيها

دولة منافسة تهدد طموحاتهم في التوسع ، وعائقاً إمام بناء امبراطوريتهم ، وأصبح هاجسهم إيقاف المد الصفوي وتحجيم طموحات ملوكهم في التوسع والهيمنة على البلدان المجاورة .

ولم يكد يمضي أربعة أعوام على احتلال الصفويين للعراق حتى شن السلطان العثماني [ سليم] عام 1514 الحرب على الدولة الصفوية حيث  انتصر على جيش الشاه [ إسماعيل ] في معركة [ جالدرن ] بالقرب من مدينة تبريز وعمل قتلاً بالأسرى الشيعة بصورة وحشية .

لكن السلطان سليم توفي في عام 1520 ، وتولى السلطنة ابنه السلطان  [سليمان]  الذي توسعت الدولة العثمانية على عهده ،حيث احتلت جيوشه  بلغراد وبودبست في قلب أوربا .

وبعد أن أحرزت الجيوش العثمانية انتصاراتها الواسعة في أوربا التفت السلطان  [سليمان نحو جارته الدولة الصفوية من جديد على عهد الشاه [ طهماسب] الذي تولى الحكم على اثر وفات أبيه الشاه [ إسماعيل ] حيث اندفعت جيوشه عام 1534 نحو[ تبريز] واحتلها ، ثم اندفعت تلك الجيوش نحو الشطر الغربي من إيران تلاحق الجيش الصفوي المهزوم حيث احتل مدينة [همدان ]، ومنها توجهت الجيوش نحو بغداد ودخلها في اليوم الأخير من عام 1534 من دون مقاومة تذكر معلناً نفسه حامياً للطائفة السنية ، وكانت الحامية الصفوية قد انسحبت منها قبل وصول الجيوش العثمانية . (3)

لكن الصفويون ما لبثوا أن استعانوا بالخبرات العسكرية للبريطانيين ، وخاصة سلاح المدفعية الحديث العهد ، وشنوا الحرب على الجيوش العثمانية على عهد الشاه [ عباس ] ،واستطاعوا احتلال بغداد عام 1623 بعد حصار دام 3 اشهر حلت خلالها المجاعة في المدينة ،وقيل أن الناس أكلوا أطفالهم من شدة الجوع.(4)

 لكن السلطان العثماني [ مراد الرابع] استطاع قيادة جيوشه بنفسه واستطاع احتلال بغداد من جديد عام 1637 بعد أن استطاع سحق الجيوش الصفوية ، حيث استسلم قائد الحامية الصفوية في بغداد ، وقد اقترفت الجيوش العثمانية مذبحة كبرى ذهب ضحيتها قرابة 20 ألف جندي من الصفويين وقرابة 30 ألفاً من المواطنين الشيعة .(5 )

وفي عام 1638 ، أي بعد سنة من إعادة احتلال العثمانيين لبغداد تم عقد الصلح بين الدولتين الصفوية والعثمانية ، وتم بموجبه احتفاظ الدولة العثمانية بالعراق .(6)

  لم يكن الشعب العراقي راضياً بالاستعمار العثماني رغم محاولة الحكام العثمانيون تغليف حكمهم بجلباب الدين الإسلامي ، وكان يسعى جاهداً للإفلات من ذلك الطوق البشع ، فقد ظهرت عدة حركات وطنية ترمي إلى التحرر من تسلط الاستعمار التركي، وإقامة حكم وطني متحرر ، كما قامت العديد من الانتفاضات في معظم المدن والأرياف ضد الأتراك ، وكان أشهرها ثورة بغداد في 13 حزيران 1831. (7)

كما قامت عدة انتفاضات في الريف العراقي بقيادة بعض شيوخ العشائر ذوي النزعة الوطنية التحررية ، سواء في المناطق العربية أم الكردية، لكن الحكومة العثمانية كانت تلجأ إلى أقسى درجات العنف لقمع تلك الانتفاضات ، وتنفذ موجات من الاعدامات بحق النشطين من الوطنيين .

 

 ثانياً ـ الاحتلال البريطاني للعراق :

 

 وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أخذت الإمبراطورية العثمانية بالتفكك والانحلال ، حتى دُعيت [بالرجل المريض ] ، وأثار ضعف هذه الإمبراطورية  شهوة المستعمرين الأوربيين للحصول على موطئ قدم لهم في هذه البلاد الغنية بثرواتها إضافة إلى موقعها الاستراتيجي ، عن طريق الشركات التجارية وشركات الملاحة  مستخدمين العديد من الجواسيس والعملاء، واستطاعوا عن طريق الرشاوى والهبات بسط نفوذهم على العديد من الولايات والسلاطين العثمانيين المتفسخين .

واشتد التنافس على النفوذ بين الإمبرياليين الإنكليز والألمان والفرنسيين بشكل خاص  للهيمنة على ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، وكان للعراق نصيب في هذا التنافس الذي بلغ أشده عندما استطاعت ألمانيا الحصول على امتياز سكة حديد الشرق ، والذي أثار قلق الحكومة البريطانية الشديد.

كان الصراع بين الإمبرياليين الجــدد لتقسيم نفـــوذهم ، وسيطرتهم على العــالم

يتصاعد شيئاً فشيئاً حتى بلغ ذروته في عام 1914،عندما لجأ الإمبرياليون إلي قعقعة السلاح فيما بينهم ، فقامت الحرب العالمية الأولى ، والتي اكتوى بلهيبها العالم أجمع ، وكان أن دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية .

 كان الصراع بين المستعمرين رهيباً جداً دفع خلاله العالم الملايين من الضحايا على مائدة أطماع الإمبرياليين الذين حاولوا جرّ العرب لإعلان الثورة ضد الأتراك ، واعدين إياهم بتحريرهم من هيمنة الاستعمار العثماني ، ومنحهم حريتهم واستقلالهم ، واستطاع الإنكليز النجاح في مسعاهم هذا ، وجرّ جانب كبير من الزعماء العرب إلى جانبهم  ، وكان على رأس أولئك [الملك الحسين بن علي] ملك الحجاز، الذي أعلن الثورة العربية ضد الأتراك إ ثر اتفاق  [مكماهون ] عام 1916 ، وقاتل إلى جانب بريطانيا اعتماداً على التعهد الذي قطعته له بضمان استقلال البلاد العربية ، وتنصيبه ملكاً عليها بعد نهاية الحرب .

لكن الإمبرياليين كانوا قد رتبوا أمورهم ، وتقاسموا النفوذ والسيطرة على البلاد العربية فيما بينهم  بموجب معاهدة [ سايكس بيكو ] السرية عام 1916، ومن ثم بموجب معاهدة [ سان ريموٍ] ، والتي جرى الإعلان عنها في أوربا في 25 نيسان 1920 ، وكان العراق من نصيب المستعمرين البريطانيين الذين حاولوا بادئ الأمر حكم العراق بصورة مباشرة . (8)

لكن ثورة العشرين أجبرتهم أجبرتهم على تغيير أساليبهم لحكم العراق تحت ظل الحكم الملكي الذي أقاموه  .

 بدأ الاحتلال البريطاني للعراق في أواخر سنة 1914، بعد قيام الحرب العالمية الأولى، ودخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا .

 فقد هاجمت القوات البريطانية جنوب العراق ، وتمكنت من احتلال [شبه جزيرة الفاو ] دون مقاومة تذكر، وكانت حجة بريطانيا في حملتها على العراق آنذاك حماية نفط عبدان في إيران ، وطريق الهند ، لكن الحقيقة كانت غير ذلك تماماً ،   فقد أرادت بريطانيا فرض سيطرتها على العراق طمعاً في ثرواته .

وبعد أن تم للقوات البريطانية احتلال شبه جزيرة الفاو اندفعت نحو مدينة [البصرة] كبرى مدن العراق الجنوبية ، حيث اشتبكت مع القوات التركية في منطقة الشعيبة ، في أواسط شهر نيسان عام 1915، واستطاعت هذه القوات إلحاق الهزيمة بالجيش التركي ، واحتلال البصرة.

 ثم واصلت تقدمها شمالاً باتجاهين ،الاتجاه الأول نحو مدينة [الناصرية] الواقعة على نهر الفرات ، والاتجاه الثاني نحو مدينتي  [العمارة ] و[الكوت] على نهر دجلة ، ومن ثم نحو العاصمة [ بغداد ].

   وفي الثلاثين من حزيران دخلت القوات البريطانية مدينة [ العمارة ] وانتزعتها من أيدي الأتراك ، كما احتلت مدينة [الناصرية] في 25 تموز من العام نفسه ، واحتلت مدينة [ الكوت ] في 28 أيلول نفس العام .

 واستمرت القوات البريطانية بقيادة الجنرال [ طاوزند ] بالتقدم نحو[بغداد] وخاضت معركة طاحنة مع الأتراك قرب [المدائن]،على مشارف بغداد ، لكن القوات التركية استطاعت إلحاق الهزيمة المنكرة بالجيش البريطاني المهاجم الذي انسحب نحو [ الكوت ]، ولحقت به القوات التركية ، واستطاعت فرض الحصار على المدينة ، حيث استمر من 13 تشرين الثاني 1915 وحتى 29 نيسان 1916، واضطرت القوات البريطانية المحاصرة في المدينة أخيراً إلى الاستسلام دون قيد أو شرط  للقوات التركية التي دخلت المدينة ، وقامت بأعمال انتقامية دموية لا مثيل لها ضد السكان ، بتهمة التعاون مع القوات البريطانية . غير أن بريطانيا عادت وأرسلت قوات جديدة بقيادة الجنرال [ مود] الذي شرع بالتقدم نحو[ بغداد] ووصلت قواته إليها في كانون الأول 1916، واستطاعت إلحاق الهزيمة بالجيش التركي المدافع عنها، ودخلتها في 11 آذار1917 .

 وجه الجنرال مود عند دخوله العاصمة العراقية بياناً للشعب العراقي باسم السلطات البريطانية قال فيه :

{ إنني مأمور بدعوتكم بواسطة أشرافكم ، والمتقدمين فيكم سناً وممثليكم ، إلى الاشتراك في إدارة مصالحكم ، ولمعاضدة ممثلي بريطانيا السياسيين المرافقين     للجيش ، كي تناضلوا مع ذوي قرباكم شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً ،في تحقيق طموحاتكم القومية }.(9)

 لكن أهداف ومخططات الإمبرياليين البريطانيين ، والفرنسيين سرعان ما   تكشّفت، عندما قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917، بقيادة   [فلاديمير لينين]، حيث فضح بنود اتفاقية [سايكس بيكو] المعقودة بين الإمبرياليين البريطانيين والفرنسيين وروسيا القيصرية حول اقتسام ممتلكات الإمبراطورية العثمانية فيما بينهم.

 وعلى أثر ذلك سارع قائد الحملة البريطانية الجنرال [ مود ] إلى إصدار بيان جديد للشعب العراقي ، في محاولة لتطمينه ، والتستر على النوايا الحقيقية  للإمبرياليين البريطانيين ، وجاء في ذلك البيان ما يلي :

{إن الغاية التي ترمي إليها كل من بريطانيا وفرنسا في خوض غمار الحرب في الشرق من جراء أطماع ألمانيا هي تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء الاستعباد التركي  تحريراً نهائياً وتاما ً، وتأسيس حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطاتها من رغبة نفس السكان الوطنيين ومحض اختيارهم } . (10)

استمرت القوات البريطانية بالتقدم شمالاً واحتلت مدينة [ خانقين ] في كانون الأول 1917، ثم احتلال مدينة [ كفري ] في نيسان 1918، ثم واصلت زحفها نحو مدينة [ كركوك ] حيث احتلتها في 30 تشرين الأول 1918 ، ثم واصلت زحفها نحو مدينة الموصل وانتزعتها من أيدي الأتراك في 8 تشرين الثاني 1918 ، وقامت الحكومة البريطانية بتعيين العقيد [ لجمان ] حاكما سياسياً على المنطقة ، وامتدت سلطاته نحو أربيل، والسليمانية ، ودهوك ، وراوندوز، وبذلك أحكمت بريطانيا سيطرتها على كافة أرجاء العراق.

ولابد أن أشير إلى أن بريطانيا لاقت مصاعب جمة في سيطرتها على مدينة السليمانية ، التي تعتبر مركزاً لحركة التحرر الوطني الكردي ، مما اضطرها إلى تعيين الشيخ [ محمود الحفيد ] حاكماً على المنطقة في أواخر عام 1918، وعينت الميجر جنرال [ نوئيل ] مستشاراً له ، وخصصت له راتباً شهرياً مقداره 15000 روبية هندية[ الروبية تساوي 75 فلساً عراقياً آنذاك] ، وسمحوا له بتعيين عدد من الموظفين الأكراد لإدارة المنطقة .

 إلا أن الشيخ محمود الحفيد لم يكن راضياً على تلك الأوضاع ، واخذ يتحين الفرصة للثورة على المحتلين . استمرت بريطانيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في حكم العراق، حكماً عسكرياً ، وكان على رأس السلطة القائد العام للقوات البريطانية، يعاونه الحاكم الملكي العام السير [ بيرسي كوكس ] .

وكان من ضمن كادره الجاسوسة البريطانية المشهورة  [المس بيل ] حيث شغلت منصب السكرتيرة الشرقية ، ثم نقل بيرسي كوكس فيما بعد إلى إيران وحل بعده  الكولونيل  [أرنولد ولسن ]، والذي عُرف بممارساته القمعية وأساليبه الوحشية التي أثارت المشاعر الوطنية ضد الإنكليز في مختلف مناطق العراق ،وخاصة في منطقة الفرات الأوسط .

 فقد قام [أرنولد ولسن] بتنظيم استفتاء مزور حول رغبات الشعب في مستقبل البلاد مستخدماً كل أساليب التزوير والرشاوي والإغراء لكي يخرج الاستفتاء بنتيجة تؤيد بقاء الوجود البريطاني واستمراره .

ومن أجل إحكام سيطرتهم على البلاد أسس البريطانيون عدداً من الدوائر المدنية لتسيير أمور الشعب ، ما عدا جهازي الشرطة والتعليم اللذين بقيا تحت إدارة ضابط سياسي بريطاني مسؤول أمام المفوض السامي ، وكان يتلقى منه الأوامر بصورة مباشرة .

وجرى تقسيم العراق إلى وحدات إدارية كبيرة تسمى  [اللواء ] ، وقسم اللواء إلى وحدات أصغر تسمى  لقضاء ]، ونصّب الإنكليز في كل وحدة إدارية ضابطا بريطانياً لشؤون الأمن الداخلي، ومنحوا الضباط السياسيين سلطات واسعة في الشؤون الإدارية والقضائية والمالية .

 كما باشر المحتلون بتشكيل قوات محلية مسلحة بإشراف ضباط بريطانيين ، ودُعيت  قوات [ الشبانة، أو لليفي ] من أبناء العشائر التي كان شيوخها موالين لهم ، ومن الآشوريين الذين اعتمدت عليهم بريطانيا كل الاعتماد ، واستخدمتهم في إثارة الفتن والتناحر والانقسامات .

كما استخدمتهم في قمع الحركات الكردية مرات عديدة ، مما سبب في خلق الأحقاد والكراهية بين القوميتين ، وحقد الشعب العربي على أعوان الإنكليز.

 

 ثالثاً: المقاومة الوطنية للاحتلال البريطاني :

  أصيب الشعب العراقي بخيبة أمل مريرة ،بعد أن تكشفت مخططات الإمبرياليين البريطانيين في الهيمنة على البلاد ، حيث ما كاد يتخلص من الاستعمار التركي ليقع تحت نير الاستعمار البريطاني الجديد ، الذي بدأ يركز أقدامه ، ويجمع حوله عدد من الضباط السابقين ، في الجيش العثماني بالإضافة إلى عدد من كبار رؤساء العشائر الذين منحتهم قوات الاحتلال مقاطعات واسعة من الأراضي لتربط مصيرهم بالإمبريالية الجديدة ، وتحمي مصالحها .

 لكن الشعب العراقي لم يكن راضياً على ما آلت  إليه الأمور، وبدأت طلائعه الثورية تعبئ الجماهير الشعبية ، وتحثها على الكفاح ضد الاستعمار البريطاني الجديد ، وتدعو إلى الاستقلال الوطني الناجز .

 ومما أثار وضاعف في عزم جماهير الشعب على مقاومة الاحتلال  النداء الذي وجهه قائد الثورة الاشتراكية في روسيا [ لينين ] إلى شعوب الشرق والذي جاء فيه فيما يخص العراق ما يلي : {يا فلاحي ما بين النهرين ، إن الإنكليز قد أعلنوا عن استقلال بلادكم !! إلا انه يوجد 80 ألفاً من جنود الاحتلال على أراضيكم ، يعملون فيكم نهباً وسلباً وقتلاً ، ويستبيحون أعراضكم...الخ } . (11)

 أخذ قادة حركة التحرر الوطني يرددون النداء باستمرار، معلنين معارضتهم للاحتلال البريطاني ، ويشدون همم الشعب للنهوض والدفاع عن حريتهم واستقلال بلادهم ، وأخذت بذور الثورة تنمو وتكبر يوماً بعد  يوم ، وكانت الانتفاضات الشعبية تتوالى في النجف ، وأبو صخير والحلة وكربلاء  والكوفة والسليمانية والعمادية في كردستان العراق ، مشددين الضغط على قوات الاحتلال لإجبار بريطانيا على الوفاء بوعودها التي قطعتها على نفسها بمنح الحرية والاستقلال لسائر البلدان العربية، وكان على رأس حركة التحرر الوطني هذه المثقفين والتجار المستنيرين، ورجال الدين ، وشيوخ العشائر الوطنيين .

كانت أخطر تلك الانتفاضات ثورة النجف في آذار 1918، حيث وقعت معارك  عنيفة مع جيش الاحتلال  بعد حصار للمدينة دام 45 يوماً ، وقد وقع الكثير من القتلى والجرحى في صفوف الطرفين ، واستطاعت القوات البريطانية اقتحام المدينة ، وقامت باعتقال أعداد كبيرة من المواطنين المشاركين في الثورة ، وأعدمت قسماً منهم ، وسجنت القسم الآخر ، كما جرى نفي البعض الآخر إلى خارج البلاد .

 لكن الجولة مع الإمبرياليين الجدد لم تنتهِ ، بل كانت خير محفز لقوى العشائر العراقية على المقاومة ، والأعداد للجولة القادمة لا محالة .

  ففي السليمانية اندلعت ثورة الشيخ محمود الحفيد في عام 1919، بعد أن أدرك الحفيد أن الإنكليز ليسوا مهتمين بحقوق الشعب الكردي القومية  وأنهم إنما أرادوا إسكاته عندما عينوه حاكماً اسمياً على السليمانية، فقد كانت السلطة الحقيقية بيد مستشاره البريطاني،الميجر[ نوئيل] . (12)

 لقد دارت رحى المعارك الدامية بين قوات الاحتلال وقوات الليفي الآشورية من جهة ، والشعب الكردي من جهة أخرى ، وبسبب عدم تكافؤ القوى بين الطرفين استطاعت القوات البريطانية إخماد الثورة ، وألقت القبض على الشيخ الحفيد بعد أصابته بجروح أثناء المعارك ونفته إلى الهند ، ولكن إلى حين ، حيث لم يهدأ الشعب الكردي على الضيم الذي أصابه ، وأخذ يستعد للجولة القادمة . (13)

واستمر الغليان في نفوس العشائر العربية بعد أن وجدت أن المستعمرين الجدد في نيتهم الاستمرار في وضع العراق تحت الهيمنة البريطانية وبدأت عوامل الثورة  تنضج في رحم المجتمع العراقي التواق إلى الاستقلال والحرية لتفاجئ المحتلين البريطانيين بثورة عام 1920 التي دخلت التاريخ كأول ثورة ضد الاحتلال البريطاني الجديد ، ورغم أنها لم تحقق كامل أهدافها لكنها مثلت الخطوة الأولى في هذا السبيل .

 

رابعاًً ـ تصاعد الصراع مع المحتلين واندلاع ثورة العشرين

 

لم يكد يمضِ وقت طويل حتى تكشفت كامل الأهداف الاستعمارية لبريطانيا، وتصميمها على إدامة هيمنتها على العراق ، فقد أصدرت عصبة الأمم،التي كانت تهيمن عليها بريطانيا ، صك الانتداب البريطاني على العراق  في 17 حزيران 1920 والذي جاء فيه :

{حيث أن حكومة جلالته قد تقررت وكالتها في خصوص العراق ، فنتوقع جعل العراق مستقلاً  تضمن استقلاله جمعية عصبة الأمم ، وتكليف الحكومة البريطانية بالمسؤولية في حفظ السلم الداخلي والأمن الخارجي ، وبعد انقضاء الإدارة العسكرية سنعطي السلطة للسير  [بيرسي كوكس ] لتنظيم مجلس شورى تحت رئاسة عربي } .(14)

 وهكذا كشف صك الانتداب الأهداف الحقيقية للسياسة البريطانية ، وأثار صدوره موجة غضب عارمة لدى كافة فئات الشعب العراقي التواق للحرية والانعتاق من العبودية، وأخذ شرر ذلك الغضب ينذر بوقوع أحداث جسيمة.

كانت اجتماعات قادة التحرر الوطني في تلك الأيام تتوالى في المساجد والدواوين ، في بغداد والحلة والنجف وكربلاء وغيرها من المدن العراقية ، كما كانت الاتصالات مع رؤساء العشائر تجري على قدم وساق ، وأجراس الثورة تدق ، وأصواتها تتعالى شيئاً فشيئاً لتملأ أسماع العراقيين جميعاً .

وفي الوقت نفسه كان المحتلون البريطانيون يزدادون هستيرية وعنفاً في قمع نشاطات الوطنيين ،  حيث منعوا [المواليد] التي كان يجتمع خلالها الناس ، وتلقى الخطب الوطنية فيها .

 فقد أصدر القائد العام البريطاني في 12 آب 1920 قراراً بمنعها ، وأنذر بإنزال أشد العقوبات بحق المخالفين ، وأقرن القائد أمره بالأفعال  فأقدم على إعدام ستة من المناضلين الوطنيين لتحديهم ذلك القرار،  وقد عرف هؤلاء الشهداء بمواقفهم البطولية، وجرأتهم في تحدي الاحتلال البريطاني ، وأدى إعدامهم إلى هياج الرأي العام العراقي ، ودفعهم إلى التظاهر ضد الاحتلال الغاشم . (15)

 كما رفع المشاركون في التظاهر مذكرة للسلطات البريطانية تضمنت جملة من المطالب كان منها :

1 ـ تأليف مؤتمر يمثل الشعب العراقي ، ليقرر شكل الإدارة الوطنية وعلاقاتها بالدول الأجنبية .

2 ـ إطلاق حرية الصحافة والمطبوعات  ليستطيع الشعب التعبير عن آماله وتطلعاته الوطنية .

3 ـ رفع الحواجز البريدية  والبرقية بين أنحاء البلاد ، وبينها وبين الأقطار الأخرى.

كان الشعب العراقي في تلك الأيام ينتظر مَنْ يطلق الطلقة الأولى لتنبعث شرارة الثورة إلى شتى أنحاء العراق بعد أن أقدمت قوات الاحتلال على اعتقال الشيخ  [شعلان أبو الجون] المعروف بعدائه للاحتلال ، وسبب اعتقاله هيجاناً كبيراً في صفوف العشائر . (16)

 صمم أبناء العشائر على إطلاق سراح الشيخ شعلان ، وتحدي قرار المحتلين باعتقاله، فانطلقت عشائر الرميثة تهاجم السجن الذي أودع الإنكليز فيه الشيخ شعلان ، وتم تحريره من الاعتقال ، وكانت هذه العملية إيذاناً ببدء اشتعال نار الثورة ، وبدء المعارك بين الشعب العراقي والمحتلين. ففي مساء يوم 6 تموز 1920 توجهت قوة عسكرية بريطانية تضم 2000 ضابط وجندي بقيادة الكولونيل [دي مارفين ] نحو الرميثة ، التي سيطرت عليها قوى الثورة  في محاولة لفك الحصار عن القوات البريطانية المتواجدة هناك ، فكانت [معركة العارضيات ] التي يفتخر بها أبناء العشائر الثائرة والشعب العراقي كافة ، حيث لم تستطع القوات البريطانية من الوصول إلى[ الرميثة]، نظراً للمقاومة الباسلة التي واجهتها تلك القوات ، حيث تم إيقافها على بعد 7 كيلومترات منها  بعد معركة دامية دامت 17 ساعة متواصلة ، استبسل فيها أبناء الشعب ، واضطر قائد الجيش البريطاني إلى التراجع والانسحاب نحو الديوانية .

لكن تلك القوات لم تستطع الوصول إلى الديوانية ، حيث جوبهت بقطع الطريق عليها ، وقلع السكة الحديدية التي كانت القوات البريطانية تستخدمها في الانسحاب وجوبهت بوابل من الرصاص من قبل العشائر الأخرى التي هبت لدعم الثورة في الرميثة ، وهرب قائد الحملة البريطانية لينجو بنفسه تاركاً قواته تحت رحمة الثوار الذين استطاعوا قتل أعداد كبيرة منهم ، وتم أسر من بقي منهم على قيد الحياة واستولى الثوار على جميع أسلحة القوة البريطانية ، وقد بلغ عدد القتلى البريطانيين زهاء 260 فرداً .

ولما بلغ الأمر إلى قائد القوات البريطانية [ الميجر ديلي ] أمر بإعداد قوة أخرى قوامها 5000 ضابط وجندي مجهزين بكامل المعدات الحربية ، واستعدت قوى الثورة للمعركة القادمة ، وأخذت تنظم صفوفها  وترتب استحكاماتها ، وتحفر الخنادق في منطقة العارضية على بعد 7 كم من الرميثة استعداداً لمجابهة قوات الاحتلال الجديدة بقيادة [ الميجر كونتنكهام ]، حيث وصلت تلك القوات إلى [الحمزة] في 16 تموز 1920، تحت غطاء جوي من الطائرات الحربية ، وقد أبدى الثوار مقاومة باسلة ،منقطعة النظير ، وانزلوا بقوات الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والمعدات .

وامتد لهيب الثورة إلى [ الرارنجية ] التي ضربت مثلاً رائعا في البطولة والفداء ، وقامت قوات الثورة بمحاصرة مدينة الكوفة في أواخر شهر تموز 1920 من جميع أطرافها مشددون الضربات على القوات البريطانية المحاصرة فيها ، والتي أصبح موقفها في غاية الصعوبة ، وطلبت النجدة من القائد البريطاني في الحلة، الذي أسرع إلى إرسال قوات كبيرة لفك الحصار عن القوات المحاصرة في الكوفة .

 تقدمت القوات البريطانية باتجاه المدينة حتى وصلت إلى[ الرارنجية ]، التي تبعد 12 كم عن مدينة الحلة و8 كم عن [ الكفل ] وعسكرت هناك .

واستعد الثوار لملاقاة القوات البريطانية في منطقة الكفل ، وقسموا قواتهم إلى قسمين ، قسم أخذ مواقعه على طرف شط الهندية الشرقي والقسم الثاني أخذ مواقعه على امتداد سكة القطار التي تربط الحلة بالكفل، وكانت قوات الثورة مدفوعة بإيمانها بعدالة قضيتها ، وقد عقدت العزم على التصدي لقوات الاحتلال المدججة بشتى أنواع الأسلحة والمعدات الثقيلة ، وهي لا تملك سوى الأسلحة الخفيفة من بنادق قديمة ومسدسات وفؤوس ومكاوير، ولكنها كانت تملك الأيمان بعدالة القضية التي تناضل من اجلها ، والإصرار على التحرر من ربقة الاستعمار الجديد ، فيما كان الجنود البريطانيون الذين أتعبتهم الحرب يحاربون من أجل ملئ جيوب الرأسماليين الإمبرياليين.

كانت ثلة من الجنود البريطانيين برشاشاتهم الثقيلة قد أخذت مواقعها واستحكاماتها عند قنطرة على  [قناة الرارنجية]، وعندما أزفت ساعة الهجوم انقضّتْ قوات الثورة على القوات البريطانية عند الجسر، وما هي إلا برهة حتى وقع الجسر في أيديهم ، فيما التحمت قوات الثورة من الجهتين مع القوات البريطانية في معركة شرسة ومتلاحمة بحيث تعذر على قوات الاحتلال استخدام المدافع في القتال ، وكانت المعركة تجري بالبنادق والسيوف والفؤوس والمكاوير، وكان الثوار يرددون الأهزوجة الشعبية المشهورة { الطوب أحسن، لو مكواري }، فقد تغلب المكوار على السلاح البريطاني ، واندحرت قوات الاحتلال ، وهرب قائد الحملة تاركاً جثث المئات من أفراد قواته في ارض المعركة .

وفي الوقت الذي كانت قوات العشائر في الجنوب تخوض المعارك ضد المحتلين كان رصاص الثوار في كردستان ينطلق بغزارة ضد المحتلين هناك ، فقد هب ثوار كردستان بوجه المحتلين ، ووقعت بين الطرفين معارك شرسة في [السليمانية وعقره وكفري ].

وتمكنت قوات الثورة في [ كفري ] بقيادة [ إبراهيم خان ] في أواخر تشرين الأول 1920 من الاستيلاء على المدينة وتحريرها من سيطرة قوات الاحتلال ، وقتل القائد البريطاني [ جاردن ] ، واستمر لهيب المعارك ضد المحتلين في المنطقة 23 يوماً قبل أن تتمكن القوات البريطانية التي وصلتها نجدات جديدة من الهند من إعادة احتلالها .

 لقد امتد لهيب الثورة إلى كل بقاع الوطن ، وانغمر فيها عدد كبير من رجال الدين ، وشيوخ العشائر والمثقفين والعمال والفلاحين الشجعان الذين كانوا عماد الثورة،   وكانت الثورة على الرغم من التأخر الذي سببه الاستعمار العثماني الطويل على درجة عالية من التنظيم والتخطيط والدقة ، ويستدل على ذلك من التوجيهات التي كانت تصدرها قيادات الثورة إلى القوات المشاركة فيها ،والتي جاء فيها :

 توجيهات :

1 ـ يجب على كافة الأفراد أن يفهموا بأن المقصود من هذه الثورة إنما هو طلب الاستقلال التام .

2 ـ يجب أن يهتف الجميع للاستقلال في كل ميادين القتال .

 3ـ يجب التمسك بالنظام ، ومنع الاعتداء ، فلا نهب ولا سلب ، ولا ضغائن قديمة ولا أحقاد .

4 ـ يجب تأمين الطرق ، وحفظ المواصلات بينكم وبين مناطق الثورة .

5 ـ بذل الهمة لحفظ الرصاص،فلا يجوز إطلاقه في الهواء بدون فائدة .

6 ـ يجب الاعتناء بالأسرى ،ضباطاً وجنوداً ، إنكليزاً كانوا أم هنوداً .

7ـ المحافظة على أعمدة الهاتف والأسلاك لضمان استمرار الاتصالات.

8 ـ الاهتمام بقطع السكة الحديدية ، ونسف الجسور لمنع قوات الاحتلال من استخدامها.

9ـ الحفاظ على كافة وسائل النقل التي تقع في أيدي قوات الثورة والاستفادة منها.

10ـ المحافظة على الأسلحة المصادرة من العدو ، وإدامتها لغرض استخدامها ضده .

11ـ عند تحرير أي مدينة ، يجب الاهتمام بتشكيل إدارة وطنية لها، والاهتمام بالأبنية الحكومية ، وعدم هدمها أو إحراقها والمحافظة على الوثائق فيها .

12 ـ المحافظة على المستشفيات وأدواتها وأجهزتها والأدوية الموجودة فيها .

13ـ الرفق بالجرحى وإسعافهم، والاهتمام بهم والعمل على إنقاذ حياتهم قدر الإمكان . (17)

هذه هي الوصايا التي عممتها قيادة الثورة على قواتها ، وهي تمثل أرقى درجات التنظيم في إدارة شؤون الثورة ، والحرص على سمعتها ، والتحلي بالخلق السامي في معاملة الأسرى والجرحى ، والاهتمام بمرافق البلاد من عبث العابثين ، وهي تدل دلالة أكيدة على الشعور العالي بالمسؤولية .

بعد كل تلك الضربات القاسية التي وجهتها قوى الثورة لقوات الاحتلال البريطاني، وانتشار لهيب الثورة إلى كافة أنحاء العراق لجأ المحتلون إلى استقدام قوات كبيرة من خارج البلاد لمجابهة قوى الثورة الوطنية ، وجلبوا مختلف الأسلحة والمعدات الثقيلة لغرض إخماد لهيب الثورة ، وخاضت تلك القوات معارك شرسة دامت طيلة خمسة اشهر، ضد قوى الثورة التي كانت تفتقد السلاح الذي يمكن أن تحارب به قوات الاحتلال، واستخدم المحتلون أقسى درجات العنف وأشنعها ضد قوى الثورة، وضد أبناء الشعب ، وأبدى الثوار صنوفاً من البطولة النادرة ، رغم عدم تكافؤ أسلحة الطرفين ، والإمكانيات المادية والعسكرية للمحتلين الإمبرياليين الذين كانوا يمثلون أقوى دولة استعمارية في العالم ، واستطاع المحتلون في نهاية الأمر إجهاض الثورة ، بعد أن دفعت قواتهم ثمناً باهظاً من أرواح جنودهم ، ومن اقتصادهم الذي أنهكته الثورة  لدرجة أن أصوات الشعب البريطاني ارتفعت عالياً مطالبة الحكومة بسحب قواتها من العراق ، وإنقاذ جنودها من لهيب المعارك مع الثوار، وامتدت صيحاتهم إلى مجلس العموم البريطاني نفسه ، حيث طالب العديد من أعضاء المجلس بانسحاب القوات البريطانية من العراق ، نظراً للتكاليف الباهضة التي دفعتها بريطانيا للإدامة سيطرتها على العراق ، وتصاعد احتجاجات الشعب البريطاني على ارتفاع عدد القتلى من الجنود البريطانيين .

وغم أن ثورة العشرين لم تنجز هدفها الرئيسي في تحقيق الاستقلال الناجز للعراق إلا أن تلك الثورة كان لها الدور الحاسم في إسراع المحتلين البريطانيين في تغيير سياستهم تجاه العراق ، وصرف النظر عن حكمهم العسكري ، بعد أن كلفتهم الثورة آلاف القتلى والجرحى ، أثقلت كاهل خزانه الدولة البريطانية ، المثقلة أصلاً بأعباء الحرب العالمية الأولى .

لذلك فقد وجد المحتلون الإمبرياليون أن خير سبيل إلى تجنب المزيد من الخسائر البشرية والمادية هو إقامة ما سمي بالحكم الوطني ، وتأليف حكومة محلية ، والإتيان بالأمير فيصل أبن الحسين ملكاً على العراق ، مكتفين بالاحتفاظ ببعض القواعد العسكرية ، بعد تكبيل البلاد بقيود ثقيلة  بموجب معاهدة سنة 1920، التي تم بموجبها لهم الهيمنة الفعلية على مقدرات العراق السياسية ، والاقتصادية ، والعسكرية ، والثقافية ، وسائر المجالات الأخرى .

أما لماذا لم تحقق الثورة هدفها الأساسي في الاستقلال الحقيقي والناجز فيمكن حصرها بما يلي :

1 ـ عدم تكافؤ القوى بين المحتلين والثوار ، وخاصة في مجال الأسلحة والمعدات الثقيلة والطائرات ،هذا بالإضافة إلى فقدان الخبرة العسكرية .

2 ـ ضعف مستوى الخبرات العسكرية للثوار ، على الرغم ما قدموه من التضحيات ، وصنوف البطولة التي يعتز بها كل عراقي ، وكانت مثار إعجاب الجميع .

3 ـ استخدام المحتلين لسياسة التفرقة ، وخلق الحزازات ،والصِدام بين العشائر، واستمالة عدد من رؤساء العشائر الكبار إلى جانبهم ، وإغرائهم بالإقطاعيات والمناصب والسلطة ، كما استخدم المحتلون الخلافات الدينية والطائفية والعقائدية لتمزيق الوحدة الوطنية .

4 ـ ضعف القيادة السياسية، من حيث تنظيمها ، وتركيبها الطبقي، وخاصة البرجوازية الوطنية الضعيفة جداً آنذاك اقتصادياً وسياسياً ، مما حال دون أن تلعب دورها القيادي بشكل صحيح .

5 ـ عدم صلة الثورة بأي ارتباط أو دعم خارجي يساعدها على مقاومة المحتلين، فقد كان الثوار ينقصهم الكثير من الأسلحة والمعدات، والخبرات العسكرية والتدريب على استخدام الأسلحة المستولى عليها من العدو المحتل ، في حين كان العدو على أتم الاستعداد ومن كل الوجوه .

6 ـ عدم وجود قيادة موحدة للثورة ، وضعف التنسيق بين المناطق المختلفة ، ويعتبر هذا العامل من العوامل الهامة التي أدت إلى إجهاض الثورة ، وحالت دون تحقيق هدفها الرئيسي في الاستقلال الناجز .

 

خامسا ـ مؤتمر القاهرة يبحث مستقبل العراق :

بعد أن تسنى للمحتلين البريطانيين إعادة تثبيت سيطرتهم على العراق، وقمع ثورة العشرين، دعا المستر [ تشرشل ] وزير المستعمرات البريطاني الحكومة العراقية إلى حضور مؤتمر في القاهرة في 12 آذار 1921 لبحث المستقبل السياسي للعراق  ، وقد حضر وفد عن الحكومة العراقية التي شكلها المندوب السامي ، ووفد عن الحكومة البريطانية يضم المسؤولين الكبار في الإدارة البريطانية في  العراق ، والممثلون البريطانيون في بلدان الشرق الأوسط  لبحث مستقبل العراق ، وقد جرى في هذا المؤتمر بحث مستقبل العراق السياسي تحت ظل الانتداب البريطاني ، وكانت أهم المسائل التي جرى بحثها :

1 ـ اختيار شكل نظام الحكم في العراق ، وقد تم خلال البحث الاتفاق على جعل العراق دولة ملكية دستورية ، وترشيح الأمير فيصل ابن الحسين ليكون ملكاً على العراق.

2 ـ جرى بحث كيفية تخفيض النفقات البريطانية اللازمة لإدامة السيطرة البريطانية على العراق، حيث سببت ثورة العشرين خسائر مادية جسيمة لبريطانيا، بالإضافة إلى الخسائر الكبيرة في الأرواح والتي جاوزت 20 آلفاً من الجنود والضباط البريطانيين.

3 ـ جرى بحث موضوع تشكيل جيش عراقي قوامه 15 ألف جندي، وإناطة الأمن الداخلي به ، وتقرر أن تساهم الحكومة العراقية بنسبة 15% من ميزانية الجيش في بادئ الأمر ، على أن تزداد هذه النسبة مع نمو الجيش في المستقبل لتصل إلى 25% .

وقد صادق المؤتمر على جميع القرارات ، وكانت الحكومة البريطانية قد بدأت فعلاً بتأليف نواة لجيش عراقي في 6 كانون الثاني 1921، للقيام بمهمة حفظ الأمن الداخلي مؤلفاً من 24 فوجاً ، إلا أن ذلك الجيش بقي ضعيفاً ، وتعوزه الأسلحة الحديثة ، فقد كانت بريطانيا هي التي تقرر كمية ونوعية السلاح لهذا الجيش ، لضمان بقاء سيطرتها على البلاد .

 4 ـ جرى بحث وضع قوات الليفي البريطانية في العراق ، وتقرر زيادة عددها من  4000 إلى 7500 فرداً ، على أن تقوم الحكومة البريطانية بنفقاتها ، وجرى الاتفاق على مرابطة 6 أسراب من الطائرات الحربية في القواعد البريطانية بالعراق ، ثم تبادر الحكومة البريطانية بسحب قواتها تدريجياً من العراق .

لم يكد مؤتمر القاهرة ينهي أعماله حتى سارع [جعفر العسكري] وزير الدفاع، بطلب من المندوب السامي ، إلى توجيه رسالة إلى الأمير فيصل أبن الحسين في 25 أيار 1921 يدعوه للقدوم إلى العراق ، تنفيذاً لقرارات المؤتمر.

 وعلى الفور أبدى الأمير فيصل سروره واستعداده للسفر إلى العراق، والقيام بالمهام التي اختارتها له بريطانيا من أجلها، ملكاً على العراق .

كما أرسل الميجر [ مارشال ] رسالة أخرى للأمير فيصل ، يدعوه للتهيئ للسفر إلى العراق، وأبلغه أن الباخرة [ نورث بروك ] في طريقها إلى [جدة] وقد تم حجز المقاعد اللازمة له ولحاشيته ورفاقه.(19)

وفي 12 حزيران 1921 أستقل الأمير فيصل الباخرة البريطانية[ نورث بروك] في طريقه إلى البصرة وبصحبته عدد من زعماء ثورة العشرين يضم السادة : محمد الصدر ويوسف السويدي ، وعلوان الياسري ، ومحسن أبو طبيخ ، ورايح العطية . أما الحاشية الملكية المرافقة لفيصل فكانت تضم كل من السادة :

[رستم حيدر] و[أمين الكسباني ] و[تحسين قدري ] و[علي جودت الأيوبي ] وبراهيم كمال ] و[صبيح نجيب] و[مكي الشربتجي] و[المستر كورنواليس] البريطاني ، والذي أصبح مستشاراً للملك فيصل .

وفي 23 حزيران وصلت الباخرة التي تقل الأمير فيصل وحاشيته إلى ميناء البصرة ، وكان في استقباله كل من وزير الدفاع جعفر العسكري ، ومتصرف لواء البصرة أحمد الصانع ، ومستشار وزارة الداخلية جون فلبي ، حيث جرى للأمير استقبالا رسمياً هناك ثم تابع موكب الأمير فيصل سفره إلى بغداد بالقطار، حيث وصلها في 29 حزيران ، وجرى له استقبال رسمي شارك فيه المسؤولون البريطانيون ، وأعضاء الحكومة ، وعدد من الشخصيات السياسية ، ورؤساء العشائر . وفي 5 تموز نشر المندوب السامي بياناً رحب فيه بمقدم الأمير فيصل، ودعا العراقيين إلى تأييد تنصيبه ملكاً على البلاد .

وفي 11 تموز 1921 أتخذ مجلس الوزراء قراراً بمبايعة الأمير فيصل أبن الحسين ملكاً على العراق بعد أن تليت رسالة المندوب السامي [بيرسي كوكس ] المرقمة:س د /1631، والمؤرخة في 8 تموز 1921، واشترط قرار مجلس الوزراء أن تكون حكومة العراق ملكية دستورية نيابية ديمقراطية  مقيدة بالقانون ، وتقرر تخويل وزارة الداخلية نشر هذا القرار على عموم الشعب العراقي .

وعلى أثر صدور قرار مجلس الوزراء بمبايعة الملك فيصل ، أصدر وزير الداخلية أمراً إلى جميع متصرفي الألوية ، يدعوهم إلى تسجيل أراء أبناء الشعب في هذه البيعة !!.

 كما أمر بتشكيل لجان تتنقل في كافة الألوية للإشراف على تسجيل أراء أبناء الشعب وكانت هذه اللجان قد رتبت الأمور في كل لواء تزوره  ليبدو وكأن الشعب يؤيد كل التأييد بيعة الملك الهاشمي ، حيث يجري إلقاء خطابات معدة سلفاً تبين مآثر العائلة الهاشمية ، ثم ينتهي الاجتماع بكلمة [ مؤيدون ]!!.

ومع ذلك فأن المواطنين في لوائي كركوك والسليمانية رفضوا تأييد الملك فيصل ، بينما اشترط المواطنين في لوائي الموصل وأربيل ضمان حقوق الأقليات في تأسيس الإدارات التي وُعدوا بها من قبل الحلفاء بموجب  [ معاهدة سيفر] .

وفي 23 آب 1921 تم تتويج الملك فيصل  ملكاً على العراق ، وأقيمت حفلة التتويج في ساحة [ برج الساحة] ببغداد ، وحضر الحفلة ممثلو الألوية المشتركة في التصويت ، وأقبل الأمير فيصل بصحبة المندوب السامي البريطاني [ بيرسي كوكس]، وجلس على المقعد المخصص له، وجلس على يمينه المندوب السامي ، وعلى يساره جلس القائد العام للقوات البريطانية في العراق ، كما جلس وراءهم كل من رستم حيدر، وأمين الكسباني، وسكرتير مجلس الوزراء حسين فتيان ،  ومستشار الملك فيصل ، الكولونيل كورنواليس ، وبعد  أن جلس الحاضرون، ناول المندوب السامي بلاغاً ليتلوه على جمهور الحاضرين  وجاء فيه:

{ لقد قرر مجلس الوزراء باتفاق الآراء ، بناء على اقتراح رئيس الوزراء ، في جلسته المنعقدة في اليوم الرابع من شهر ذي القعدة من سنة 1339 هجرية ، والموافق 11 تموز 1921 ميلادية المناداة بالأمير فيصل أبن الحسين ملكاً على العراق ، على أن تكون حكومة سموه دستورية نيابية ديمقراطية مقيدة بالقانون ، وبصفتي مندوباً لجلالة ملك بريطانيا ، رأيت أن أقف على رضا الشعب العراقي البات  قبل موافقتي على ذلك القرار فأجري التصويت العام برغبة مني ، وأسفرت نتيجة التصويت عن رغبة أكثر من 97 % من مجموع الناخبين على المناداة بسمو الأمير فيصل ملكاً على العراق. وعليه أعلن أن سمو الأمير فيصل  نجل الملك حسين ، قد أنتخب ملكاً على العراق، وأن حكومة جلالة ملك بريطانيا قد اعترفت بجلالة الملك فيصل ملكاً على العراق ، وليحيا الملك }. (20)

وبعد نهاية تلاوة بلاغ المندوب السامي البريطاني ، أطلقت المدفعية 21 طلقة احتفالاً بهذه المناسبة ، ثم تلا ذلك خطاب التتويج الذي بدأه الملك بتقديم الشكر للشعب العراقي، الذي أولاه ثقته ، وواعداً إياه على السهر على خدمته، وخدمة العراق ، ثم تطرق إلى مآثر والده الملك حسين بن علي والعائلة الهاشمية ، مستعرضاً ما قدمه للشعوب العربية من خدمات في سبيل الاستقلال والحرية ، ودوره في إشعال الثورة العربية ضد الاستعمار العثماني الذي دام أربعة قرون من التخلف والعبودية، ثم أشار الملك فيصل إلى جهود بريطانيا من أجل استقلال البلاد العربية !!!، مؤكداً صداقته المتينة لحكومة صاحب الجلالة البريطانية .

كما وعد الملك فيصل بالنهوض بالعراق في كافة المجالات ، والقضاء على التخلف، وبناء عراق جديد قائم على أساس العلوم الصحيحة ، والأخلاق الشريفة ، والسير به قدماً نحو التقدم والرقي .

كما وعد الملك بأن أول عمل سيقوم به هو انتخاب المجلس التأسيسي ، الذي سيقوم بوضع أول دستور للبلاد ، على أسس ديمقراطية ، ويصادق على المعاهدة العراقية البريطانية ، التي ستحدد شكل العلاقة بين العراق وبريطانيا .

وفي الختام دعا الملك فيصل أبناء الشعب إلى الاتحاد والتعاضد والتبصر ، وإلى العلم والعمل ، داعياً الله أن يوفق الجميع لما فيه خير العراق والعراقيين .

كان في مقدمة المهام الموكلة بهذه الحكومة هي التفاوض مع البريطانيين ، لوضع معاهدة عراقية بريطانية، تستطيع بريطانيا من خلالها تأمين مصالحها في العراق ، وربط مصائر العراق السياسية والاقتصادية ، والعسكرية بالإرادة البريطانية.  وكان الشعب العراق يترقب ما سوف تسفر عنه تلك المفاوضات، ومصير الانتداب البريطاني الذي فرضته عصبة الأمم على البلاد  بناء على طلب بريطانيا نفسها.

وفي الوقت نفسه نظم الأهالي في معظم المدن العراقية ، وبشكل خاص مدن الفرات الأوسط ، عرائض تطالب الملك برفض الانتداب البريطاني  وتطالب بإطلاق حرية الصحافة لكي تستطيع الأمة التعبير عن رأيها عبرها بكل صراحة .

لكن خطاب المستر تشرشل وزير المستعمرات البريطاني في مجلس العموم  في 23 أيار 1922، والذي أدعى فيه أن الشعب العراقي لم يعارض الانتداب البريطاني ، أثار حماس أبناء الشعب وغيظهم ، فخرجت جماهير الشعب الرافضة للانتداب في مظاهرات صاخبة يتقدمها عدد من الشخصيات الوطنية كان من بينها كل من الشيخ محمد الصدر، والشيخ مهدي الخالصي ، وياسين الهاشمي ، ومهدي البصير، والشيخ احمد الداؤد ، وحمدي الباجه جى.(21)

توجهت المظاهرة إلى مقر الملك فيصل لتعبر عن سخطها واستنكارها لتصريحات تشرشل ، وطلب قادة المظاهرة مقابلة الملك فيصل للتعبير له عن رفض الشعب العراقي للانتداب ومطالبته بالحرية والاستقلال الحقيقي .

وافق الملك على المقابلة شرط تفرق المظاهرة ، وبالفعل تفرقت المظاهرة ، وتمت مقابلة الملك ، وعرضت عليه مطالب أبناء الشعب ، ووعد الملك بأنه سوف لا يقدم على أي خطوة لا يرغب بها الشعب .

وبعد المقابلة طيرّ الزعماء الوطنيون برقيات إلى عصبة الأمم ، والكونجرس الأمريكي ، مجلس العموم البريطاني ، الصحف العالمية ، معلنين فيها رفض الشعب العراقي للانتداب ومطالبته بالاستقلال الناجز  والتحرر من ربقة الاستعمار الجديد.

أما أبناء الفرات الأوسط فقد طيرّوا برقية إلى الملك فيصل تطالب برفض الانتداب وإسقاط أي وزارة تصدق على المعاهدة ، وإطلاق حرية الصحافة ،وجاء  في البرقية ما يلي :(22)

 جلالة الملك فيصل الأول، دامت سلطته :

نطلب من جلالتكم تنفيذ المواد التالية :

1 ـ رفض الانتداب ، ونطالب بريطانيا  بالاعتراف بإلغائه رسمياً.

2 ـ إسقاط أية وزارة تصدق معاهدة غير مرضية بنظر الأمة ، وتعيين وزارة وطنية تطمئن الأمة بأعمالها .

3 ـ إزالة أي سلطة أجنبية على الحكومة العراقية .

4 ـ إطلاق حرية الصحافة .

هذه هي رغائب الأمة ، وبما أن الأحوال الحاضرة مخالفة لرغائبها بادرنا بعرضها على جلالتكم لتكون الأمة معذورة بنظركم والأمر لوليه ، أدام الله شوكتكم.(23)

كما طيروا برقية أخرى إلى المندوب السامي البريطاني جاء فيها :

فخامة المعتمد السامي لحكومة بريطانيا العظمى المفخم :

نعرض لفخامتكم حسبما وعدت حكومة بريطانيا العراقيين بحكومة دستورية ديمقراطية يرأسها ملك عربي ، وبذلك بايعت الأمة العراقية على اختلاف طبقاتها جلالة الملك فيصل ملكاً عليه ، وقد أكد ذلك جلالة ملك بريطانيا في برقيته التاريخية بمناسبة تتويج الملك فيصل الأول .

إننا لا ننكر صداقة حكومة بريطانيا العظمى ، صداقة خالية من المحاباة  وبما أن فخامتكم يمثل حكومة بريطانيا العظمى نود أن نوقفكم على رغائب الأمة التي لا يمكن التنازل عنها مهما كلف الأمر ، وهذه المواد هي :

1 ـ رفض الانتداب ، ونطالب بريطانيا بالاعتراف بإلغائه رسمياً .

2 ـ إسقاط أية وزارة تصدّق معاهدة غير مرضية بنظر الأمة ، وتعيين وزارة وطنية تطمئن الأمة بأعمالها .

3 ـ إزالة أي سلطة أجنبية على الحكومة العراقية .

4 ـ إطلاق حرية الصحافة .

هذه هي رغائب الأمة ، وبما أن الأحوال الحاضرة مخالفة لرغائبها بادرنا بعرضها على جلالتكم ، لتكون الأمة معذورة بنظركم والأمر لوليه، أدام الله شوكتكم }.(24)

ضاق الملك فيصل ذرعاً بأساليب المعتمد السامي البريطاني ، وما سببه من هيجان شعبي ، أدى إلى استقالة الوزارة ، فكتب إليه مذكرة أستعرض فيها خطورة الأوضاع ، وطلب أحد أمرين  فإما أن يأخذ على عاتقه باسم بريطانيا مسؤولية البلاد ، ويطبق سياستها بحزم وجد لتخليصها من الخطر المحدق ، والخراب الذي يهددها ، وإما أن يترك المسؤولية له [ أي للملك فيصل ] ويطلق يديه لتدبير الأمور على الخطة التي يرى بها إنقاذ البلاد وسلامتها . (25)

لكن المندوب السامي أتهم الملك بالمسؤولية في تردي الأوضاع ، وكتب إلى وزير المستعمرات [ تشرشل ] يقول فيها :

{إن المسؤولية الكبرى عن تدهور الوضع الحالي تقع على عاتق الملك نفسه ، وأن الطريقة المثلى لمعالجة الموقف هو أن تقوم الحكومة العراقية بالتشاور معي حول  الخطوات التي تتخذها ، وإذا ما أهملت استشارتي فأني مستعد للتشاور مع قائد القوات المسلحة لاتخاذ التدابير الضرورية لذلك }!!! . (26)

أراد الملك فيصل أن يجري تغيراً حقيقياً في الحكومة بعد استقالة وزارة النقيب التي نالت استياء أبناء الشعب بسبب موالاتها المطلقة للمندوب السامي ، لا أن المندوب السامي طلب من الملك أن يكلف النقيب مرة أخرى بتأليف الوزارة الجديدة ، وأن يكون أكثر أعضائها من الوزارة المستقيلة  المتعاطفين مع الحكومة البريطانية .

لم يكن الملك فيصل ، وهو في بداية أيام حكمه قادراً على تحدي إرادة المندوب السامي ، فاضطر إلى تكليف النقيب مرة أخرى  بتأليف الوزارة ، وكانت المهمة الأولى لهذه الوزارة هي توقيع المعاهدة العراقية البريطانية، وقد مارس المندوب السامي ضغوطاً شديدة على الملك فيصل لإعادة تكليف رئيس الوزارة المستقيل [عبد الرحمن النقيب] بتأليف الوزارة من جديد ، وطلب منه اختيار الوزراء الذين يوافقون مسبقاً على الخطة السياسية التي وضعتها الحكومة البريطانية.(27) 

كما طلب منه العمل على تصديق المعاهدة المنوي إبرامها بين الحكومتين البريطانية والعراقية ، وإجراء الانتخابات للمجلس التأسيسي  والمصادقة على القانون الأساسي [ الدستور] ، وضمان التصديق على المعاهدة العراقية البريطانية [ معاهدة 1920 ] ، وقد تمت مصادقة مجلس الوزراء على المعاهدة في 13 تشرين الثاني 1922. (28)

  وما كادت الحكومة العراقية تنتهي من إقرار هذه المعاهدة في 13 تشرين الأول 1922 حتى استصدرت إرادة ملكية في 19 تشرين الأول 1922 تقضي بانتخاب مجلس تأسيسي لكي يقوم بإقرار المعاهدة المذكورة ، وإقرار دستور دائم للبلاد [القانون الأساسي]،مستغلة الضربة التي وجهها المندوب السامي للمعارضة العراقية .

لكن ذلك لم يمنع من قيام الاحتجاجات الواسعة من قبل أبناء الشعب ورجالاته الوطنيين ورجال الدين ، حتى أن الأمام الخالصي أعلن أمام جموع حاشدة من المواطنين عن تخليه عن مبايعة الملك فيصل بسبب موقفه من المعاهدة .

كما أصدر علماء الدين في النجف والكاظمية فتاوى شرعية تحرم الاشتراك في الانتخابات المزمع إجراؤها لأجل إقرار المعاهدة .

كما حذا حذوهم رجال الدين السنة ، وأصدروا الفتاوى بمقاطعة هذه الانتخابات .

 ونتيجة للمعارضة العارمة من قبل الشعب لبنود المعاهدة التي كبلت بها بريطانيا العراق بقيود ثقيلة جعلته عملياً خاضعاً لمشيئتها اضطرت وزارة عبد الرحمن النقيب إلى الاستقالة في 16 تشرين الثاني ، دون أن تحقق المهام الموكلة بها ، وقد قبل الملك فيصل الاستقالة ، وكلف السيد عبد المحسن السعدون بتأليف الوزارة الجديدة في 20 تشرين الثاني 1922 .

كان على الحكومة السعدونية تنفيذ المهام الموكلة لها بانتخاب المجلس التأسيسي، وإقرار المعاهدة ، وإقرار القانون الأساسي ، وقانون الانتخاب ، ومن أجل تنفيذ هذه المهام فقد كان على الحكومة أن تهيئ الأجواء التي تمكنها من تنفيذ هذه المهام بعد تلك الموجة العارمة التي اجتاحت العراق احتجاجاً على بنود المعاهدة التي وقعتها حكومة النقيب مع المندوب السامي البريطاني [ بيرسي كوكس ]، وذلك عن طريق توجيه ضربة قاصمة للقادة الوطنيين المعارضين للمعاهدة ، ولرجال الدين في النجف وكربلاء ، الذين وقفوا بصلابة ضدها . فقد قبضت السلطات الحكومية على الشيخ  [مهدي الخالصي ] وولديه في 27 حزيران 1923 ونفتهم خارج العراق ، كما نفت قريبيه الشيخين [ علي تقي ] و[سلمان الصفواني] وعطلت الحكومة عدد من الصحف المعارضة للمعاهدة ، وقامت بحملة إرهاب للمواطنين لحملهم على المشاركة في الانتخابات المزمع أجراءها ، والتي كان المندوب السامي يلح على إجرائها بأسرع وقت لغرض إقرار المعاهدة .

أثار عملية إبعاد الشيخ الخالصي وولديه وقريبيه موجة احتجاجات عارمة من قبل رجال الدين في النجف وكربلاء الذين هاجموا إجراءات الحكومة ، وطالبوا بعودتهم إلى العراق . غير أن الحكومة بدلاً من أن تستجيب لمطالبهم واحتجاجاتهم أقدمت على إبعاد ما يزيد على 30 رجل دين أخر منهم إلى إيران ، ووضعت تحت مراقبة الشرطة أكثر من 50 آخرين ، وأشاعت جواً من الإرهاب في جميع أنحاء البلاد .

أما الأحزاب السياسية فقد اختلفت في مواقفها من الانتخابات ، حيث قرر  حزب [النهضة] الوقوف على الحياد ، فيما انشق [ الحزب الوطني ] على نفسه ، حيث دعا القسم الأول إلى الاشتراك في الانتخابات  فيما دعا القسم الثاني إلى مقاطعتها.

أما [الحزب العراقي الحر] فقد قرر بادئ الأمر الاشتراك في الانتخابات  ثم عاد بعد ذلك وقرر المقاطعة في 19 آب ، غير أن العديد من أعضائه رشحوا أنفسهم في الانتخابات كمستقلين ، وفازوا في الانتخاب  وكان من بينهم [ فخري الجميل ] و[ مجيد الشاوي ] و[جميل الزهاوي] و[حسن غصيبة ] .

أما الحكومة فقد مضت في خطتها لإتمام عملية الانتخاب ، على الرغم من المعارضة والمقاطعة الواسعة ، وتمكنت من أن تنجز انتخاب [المنتخبين الثانويين] إلا أنها لم تستطع إكمال الشوط إلى النهاية بسبب موجة الغضب الشعبية العارمة ضد الأساليب التي اتبعتها الحكومة في انتخاب المنتخبين الثانويين من جهة ، واتهام المندوب السامي البريطاني للحكومة بالتلكؤ  وعدم الإسراع في إنجاز الانتخابات ، مما اضطر الحكومة إلى تقديم استقالتها إلى الملك .

 أثار تباطؤ عمل الوزارة السعدونية في إتمام إنجاز الانتخابات للمجلس التأسيسي، وإقرار المعاهدة العراقية البريطانية حفيظة المندوب السامي  وبدأت الضغوط على الملك فيصل تنهال لإقصاء الوزارة السعدونية، التي جرى اتهامها بالتسبب في الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد ، واتخذ الملك فيصل ذلك ذريعة لتوجيه اللوم إلى الحكومة على تدهور الأوضاع المعيشية للشعب .

فهم السعدون ما يدبره المندوب السامي، فأسرع إلى تقديم استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 15 تشرين الثاني 1923، حيث قبلها الملك على الفور ، وكلف السيد جعفر العسكري بتأليف وزارة جديدة ، وتم تأليف الوزارة في 22 تشرين الثاني 1923، وقد وضعت أمامها تنفيذ المهام التالية

1 ـ إكمال الانتخابات للمجلس التأسيسي .

2 ـ إقرار المعاهدة العراقية البريطانية .

3 ـ إقرار القانون الأساسي ( الدستور ) .

4 ـ إنهاء مسألة الحدود بين العراق وتركيا .

5 ـ إكمال الملاحق المتممة للمعاهدة العراقية البريطانية ، والتي لا يزال البحث فيها مستمراً .

عينت الحكومة يوم 25 شباط 1924 موعداً لإكمال انتخاب المجلس التأسيسي ، وجرت الانتخابات في موعدها المقرر، واستطاعت الحكومة المجيء بمجلس يضمن الأكثرية لها ، حيث جرت الانتخابات كما هو مخطط لها سلفاً ، ورأت الحكومة أن لا يخلو المجلس من عدد من المعارضين لكي تستطيع القول أن الانتخابات قد جرت بجو من الحرية التامة ، ولكن الحقيقة أن أسماء النواب الفائزين كانت قد أُعطيت للمنتخبين الثانويين قبل الانتخاب ، فجاء المجلس بالشكل الذي أرادته الحكومة والمندوب السامي لإضفاء الشرعية على المجلس أمام الشعب ، وأمام عصبة الأمم. وكانت حصة الحكومة في هذه الانتخابات 70 نائباً من مجموع 84 نائباً .

وفي 27 آذار صدرت الإرادة الملكية بدعوة أعضاء المجلس التأسيسي للاجتماع في قاعة [ سينما رويال] التي استأجرت لهذا الغرض ،لعدم وجود بناية مخصصة للمجلس آنذاك، وجرى الافتتاح باحتفال كبير ضم أركان السياسة العراقيين والبريطانيين ، وألقى الملك فيصل خطاب العرش ، واعتبرت الحكومة ذلك اليوم عطلة رسمية ، كما أصدرت عفواً عن عدد كبير من المساجين ، وأطلقت سراح عدد أخر من الموقوفين.

ترأس الجلسة رئيس الوزراء جعفر العسكري  في بادئ الأمر، ثم جرى بعد ذلك انتخاب رئيس المجلس ، حيث أنتخب عبد المحسن السعدون رئيساً له ، بضغط من [المس بيل ] .(29)

كما جرى انتخاب اللجان المختلفة ، وديوان الرئاسة .

حدد الملك فيصل في خطاب العرش المهام الملقاة على عاتق المجلس التأسيسي والمتضمنة ما يلي :

1 ـ البت في المعاهدة العراقية البريطانية وإقرارها .

2 ـ مناقشة وإقرار القانون الأساسي .

3 ـ سن قانون الانتخاب لمجلس النواب .

وفي 2 نيسان 1924 قدم رئيس الوزراء [ جعفر العسكري ] المعاهدة العراقية البريطانية ، مع البروتوكول المرفق بها ، والاتفاقيات المتفرعة عنها إلى المجلس التأسيسي طالباً منه إقرارها ، وحاول رئيس الوزراء تبرير ضرورة إقرار المعاهدة بصورة مستعجلة  بحجة تمكين بريطانيا من إدخال العراق إلى عصبة الأمم ، وتأمين الاستقلال الوطني ، وحسم مسألة الحدود العراقية التركية ، وقضية ولاية الموصل ، التي سعت تركيا بكل جهودها لضمها إلى تركيا ، واستخدمت بريطانيا هذه المشكلة وسيلة ضغط على الحكومة العراقية لقبول المعاهدة المفروضة على العراق ، وهذا ما أعلن عنه بصراحة  أمام المجلس السيد[ عبد المحسن السعدون ] رئيس المجلس ، رداً على اعتراضات النواب الوطنيين حيث قال : { أيها السادة، إن الإنكليز مصرون على ربط قضية الموصل بتوقيع المعاهدة، فإما المعاهدة ، وإما خسارة ولاية الموصل } . (30)

حاول رئيس الوزراء جعفر العسكري  تمرير المعاهدة بأسرع ما يمكن  بسبب إلحاح المندوب السامي البريطاني، لكن المعارضة طلبت توزيع لائحة المعاهدة على أعضاء المجلس لدراستها ومناقشتها، ولكي تعلن للشعب تفاصيلها ، و جاء ذلك الاقتراح على لسان السيد[ ناجي السويدي] حيث جرى التصويت عليه، وقبل الاقتراح تم توزيع نسخ من المعاهدة ، وطلب السيد ناجي السويدي تشكيل لجنة  لتدقيق المعاهدة على أن تضم عضواً عن كل لواء ، وبالفعل تم تشكيل اللجنة التي تألفت من عدد من النواب  ، وباشرت اللجنة اجتماعاتها لمناقشة بنود المعاهدة، حيث عقدت 29 جلسة نهارية، و20 جلسة مسائية ، درست خلالها بنود المعاهدة ، والمراسلات والوثائق المتعلقة بها، ووضعت تقريرها الذي تألف من 65 صفحة .

في الوقت الذي كان المجلس التأسيسي يناقش بنود المعاهدة ، كان الشارع العراق في حالة من الغليان الشديد ، وكان العلماء والمحامون والمثقفون والأساتذة والطلاب ينظمون الاجتماعات والمظاهرات المطالبة بتعديل بنود المعاهدة ، بما يتفق وأماني الشعب في الحرية والاستقلال الحقيقي ، وكان لتلك التظاهرات والاحتجاجات أثرها الكبير على العديد من أعضاء المجلس الذين غيروا رأيهم ، وطالبوا بتعديل بنود المعاهدة ، وقد سبب هذا الموقف قلقاً شديداً للملك فيصل ، وللمندوب السامي البريطاني على حد سواء ، وخاصة بعد إطلاق النار على أثنين من أعضاء المجلس المعروفين بولائهم للانكليز، وهما [عداي الجريان] و[سلمان البراك]،مما خلق جواً من الرعب والقلق ، ودفع عدد من أعضاء المجلس إلى تقديم استقالتهم ، فيما امتنع البعض الآخر عن حضور جلسات المجلس بحجج مختلفة .

لقد سرتْ إشاعات في بغداد تقول أن إطلاق النار كان مدبراً من الحكومة لاتخاذه مبرراً للتنكيل بالمعارضة وقمعها ، واعتقال العناصر النشطة المعارضة للمعاهدة ، وقيل أن الذي أطلق النار على عضوي المجلس ، هو أحد أزلام رئيس الوزراء جعفر العسكري ،المدعو  [شاكر القره غولي]، وبالتعاون مع [ عبد الله سرية ] .

ولم تكتفِ الحكومة بكل ذلك ، بل لجأت إلى إغلاق صحف المعارضة [لشعب ] و [الاستقلال ] و [ الناشئة ] بغية كمّ الأصوات الوطنية المطالبة بتعديل بنود المعاهدة بما يتفق ومصالح الشعب والوطن . لكن إصرار المعارضة الشعبية على مواصلة الكفاح ضد المعاهدة وضد سياسة الحكومة ، وتصاعد الأزمة التي نشأت

عن محاولة فرض المعاهدة ، والتي كانت تنذر بتطورات خطيرة أجبرت الحكومة

 على تقديم استقالتها . إلا أن الملك فيصل والمندوب السامي ضغطا على جعفر العسكري لكي يبقى في الحكم لحين إقرار المعاهدة .

كان المندوب السامي يراقب عن كثب مناقشات المجلس التأسيسي لبنود المعاهدة، وخطب الموالين والمعارضين ، كما كان يراقب ما تنشره الصحف المعارضة وتملكه شعور بالغضب لإصرار عدد  كبير من أعضاء المجلس على تعديل بنود المعاهدة ، وعلى تأخر إبرامها ، فبعث إلى الملك فيصل بمذكرة خطيرة  تنم عن التهديد في 26 نيسان 1924، وجاء في المذكرة :

 

 حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم، دام ملكه :

كثيراً ما اقُترح في أثناء المباحثات بخصوص معاهدة التحالف بين بريطانيا العظمى والعراق، والاتفاقيات المتفرعة ، أن يُطلب من الحكومة البريطانية أن توافق على تعديلات في بعض الأمور التي يداخل المجلس شك بخصوصها . فلي الشرف أن أبلغ جلالتكم أن الحكومة البريطانية لا يسعها الموافقة على أي تعديلات ، لا في المعاهدة ولا في البروتوكولات، ولا في الاتفاقيات ، والأمر متروك للمجلس التأسيسي في أن يقبلها[ أي المعاهدة والبروتوكولات والاتفاقيات]  أو يرفضها برمتها ، على نحو ما يراه الأفضل لمصلحة العراق .

إن السبب في قرار الحكومة البريطانية هذا هو أن إجراء التعديلات في المعاهدة والاتفاقيات بين توقيعها وإبرامها مخالف كل المخالفة للتعامل الدولي المقرر من أزمنة بعيدة في التاريخ ، ويؤدي إلى جعل إتمام المعاهدات إتماماً نهائياً من المستحيلات تقريباً}. (31)

كانت مذكرة المندوب السامي هذه بمثابة إنذار للملك فيصل  بضرورة إقرار المعاهدة دون تغير أو تأخير . وفي 16 أيار 1924 بعث المندوب السامي بمذكرة أخرى للملك فيصل جاء فيها:

 يا صاحب الجلالة :

 لقد قمت بإيقاف حكومة صاحب الجلالة البريطانية تمام الوقوف على ما قد بدا حديثاً في العراق من الآراء والرغبات فيما يتعلق بمعاهدة التحالف بين بريطانيا العظمى والعراق  والاتفاقيات المتفرعة عنها، وقد فوضتني الآن حكومة صاحب الجلالة البريطانية بأن أبلغ جلالتكم رسمياً ما يلي :

{ إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية لا يسعها أن تقبل قبل الإبرام  أي تعديلات ما في المعاهدة والاتفاقيات التي سبق توقيعها بالنيابة عن الحكومتين، ولكن ستكون بعد الإبرام مستعدة لأن تبحث بروح الاعتدال ، في كل ما قد يُرغب فيه من تعديلات في الاتفاقية المالية ، هذا ولاشك في أن جلالتكم ستتخذون الوسائل لنشر هذا الكتاب} . (32)

                                                  صديق جلالتكم

                                                                 هنري. دوبس

في الوقت الذي أشتد فيه ضغط المندوب السامي وحكومته على الملك فيصل والحكومة والمجلس التأسيسي من أجل الإسراع بإقرار المعاهدة العراقية البريطانية دون تأخير، ودون إجراء أي تعديل أو تغير عليها، صعد الشعب العراقي كفاحه ضد المعاهدة ، وسير المظاهرات الصاخبة المطالبة بتعديل بنودها بما يحقق السيادة الحقيقية ، والاستقلال التام للعراق .

 لقد أراد الشعب، وقواه السياسية الوطنية تقديم الدعم الأقصى للنواب الوطنيين في المجلس التأسيسي ليكون موقفهم قوياً أثناء مناقشة المعاهدة.

 ولما بلغ أسماع أبناء الشعب أن المعاهدة ستناقش يوم 29 أيار 1924، خرجت مظاهرة صاخبة تندد بالمعاهدة ، وتطالب بتعديلها ، وتوجهت المظاهرة إلى مقر المجلس التأسيسي ، وأحاطت به، وكانت أصوات الغضب المنبعثة من حناجر المتظاهرين قد دخلت القاعة ، مما اضطر رئيس المجلس [عبد المحسن السعدون] إلى الخروج والتحدث إلى قادة المظاهرة ، طالباً منهم التفرق والاعتماد على المندوبين ، واعداً إياهم بعدم التفريط بحقوق الشعب وحرية العراق واستقلاله .

لكن حديثه لم ينجح في إقناع المتظاهرين ، وحاولت الشرطة تفريقهم بالقوة ، ولكنها فشلت في ذلك ، ووقعت صِدامات عنيفة بينهم وبين المتظاهرين ، مما دفع [ نوري السعيد] وزير الدفاع ،إلى استدعاء قوات الجيش ، حيث جرت مصادمات عنيفة بين عناصر الجيش والمتظاهرين  بعد أن استخدم الجيش الرصاص لتفريق المظاهرة، ووقوع إصابات عديدة في صفوف المتظاهرين العزل من السلاح ، واستطاع الجيش تفريق المظاهرة .

سارعت الحكومة إلى إصدار بيان رسمي، في محاولة منها لتبرير استدعاء الجيش واستخدام السلاح ضد أبناء الشعب المطالب بحريته واستقلال وطنه ، كما أصدر رئيس المجلس التأسيسي في 29 أيار 1924  بياناً تطمينياً إلى أبناء الشعب  معلناً أن المجلس سوف لن يفرط بحقوق الشعب مهما كانت الأحوال ، طالباً من أبناء الشعب انتظار قرار المجلس بكل اطمئنان .

وعلى اثر تلك الأحداث الدامية  قرر المجلس تأجيل مناقشة المعاهدة إلى يوم السبت  31 أيار، لكن عدد من المندوبين تغيبوا عن الحضور في ذلك اليوم ، وكانت آثار الخوف والقلق بادية على وجوه الحاضرين منهم  حتى أنهم رفضوا الدخول إلى القاعة ، مما اضطر رئيس المجلس إلى تأجيل الاجتماع إلى يوم 2 حزيران .

وفيما بدأ الحاضرون في مغادرة بناية المجلس  حضر المندوب السامي [ هنري دوبس ] وبصحبته مستشار وزارة الداخلية المستر [كرونواليس]  واضطر أعضاء المجلس إلى العودة إلى القاعة ليستمعوا إلى المندوب السامي الذي  تحدث أمام الأعضاء الحاضرين بلهجة تنم عن التهديد قائلاً :

{ بلغني أن بعض النواب قدموا تقريراً يقولون فيه أن المجلس لا يقبل إبرام المعاهدة ما لم تعطي بريطانيا ضماناً بالتعديل على أساس تقرير اللجنة التي شكلها المجلس لدراسة بنود المعاهدة ، وهذا يعني في حقيقة الأمر تعديل المعاهدة ، وهذا ما تعتبره حكومتي رفضاً للمعاهدة ، وعلى المجلس أن يلاحظ تأثير ذلك على سير المفاوضات مع تركيا حول ولاية الموصل ، فقد أخذنا معلومات بأن السير  [بيرسي كوكس ] عند وصوله إلى الاستانة شاهد تسهيلات في المعاملة لإبقاء ولاية الموصل للعراق ، ولكن عند ما بلغ الأتراك سير أعمال المجلس التأسيسي العراقي ، تغيروا وصاروا يطلبون ولاية الموصل ، وإنهم يرفضون إحالة الأمر إلى مجلس عصبة الأمم .  (33)

كانت كلمة المندوب السامي أمام الحاضرين من أعضاء المجلس التأسيسي بمثابة إنذار لهم ، فإما إقرار المعاهدة وإما سلخ ولاية الموصل من العراق ، مستخدماً قضية الموصل ورقة ضغط كبرى لغرض إقرار المعاهدة . وقبل أن يغادر القاعة طلب إقرار المعاهدة بشكلها الحالي واعداً أعضاء المجلس بأجراء مفاوضات لتعديل ما طالبت به اللجنة في تقريرها ، شرط أن يكون ذلك بعد إقرار المعاهدة .

وفي 2 حزيران 1924 أجتمع المجلس التأسيسي من جديد ، وحضر الاجتماع 63 عضواً من مجموع 100، وبدأ المجلس بمناقشة بنود المعاهدة ، وأثناء المناقشة حدثت مشادات عنيفة بين الأعضاء المؤيدين للحكومة والمعارضين لها ، واسُتخدمت فيها أقسى العبارات  .

 في تلك الساعات الحرجة، كان الملك فيصل يشعر نفسه واقعاً بين نارين ، نار المندوب السامي البريطاني وضغطه المتواصل لإبرام المعاهدة ، بما فيها من مس خطير بحقوق العراق ومستقبله، ونار المعارضة الشعبية العارمة والرافضة لتلك المعاهدة ، وبقي في حيرة من أمره لا يدري ماذا يفعل  ، وكيف يرضي المندوب السامي ، ويرضي الشعب العراقي في الوقت نفسه .

وحاول الملك من خلال اللقاء الذي دعا إليه أعضاء المجلس التأسيسي  يوم 9 حزيران 1924 الوصول إلى حل ما لهذه الأزمة .

تحدث الملك فيصل مع أعضاء المجلس قائلاً :

{أنا لا أقول لكم أقبلوا المعاهدة أو ارفضوها ، وإنما أقول لكم اعملوا ما ترونه الأنفع لمصلحة بلادكم ،فان أردتم رفضها فلا تتركوا فيصلاً معلقاً بين السماء والأرض ، بل أوجدوا لنا طريقاً غير المعاهدة ، فلا تضيعوا ما في أيديكم من وسيلة للمحافظة على كيانكم وتحينوا الفرصة لتحصلوا على ما هو أكثر مما في أيديكم } . وفي 10 حزيران 1924 عقد المجلس التأسيسي جلسته الثالثة والعشرين، وأعلن رئيس المجلس أن هناك اقتراحاً من عدد من أعضاء المجلس بتأجيل البت في المعاهدة إلى حين الانتهاء من مشكلة ولاية الموصل . ثم طلب رئيس الوزراء [ جعفر العسكري ] الحديث وطلب من المجلس عدم تأجيل البت في المعاهدة بسبب أمور سياسية خارجية استوجبت ذلك ، وكان رئيس الوزراء يشير بذلك إلى التهديدات البريطانية المتصاعدة للملك والحكومة لإقرار المعاهدة .

لكن المجلس صوت على تأجيل الجلسة إلى اليوم التالي ، وقد أثار قرار التأجيل المندوب السامي الذي صمم على فرض المعاهدة فرضاً.

فقد تحدث المندوب السامي مع الملك فيصل بالهاتف ، وأعلمه بأنه سوف يكون عنده عصر ذلك اليوم لأمر هام ، فيما كان قد أعد مذكرة خطيرة يطلب فيها إصدار قانون بحل المجلس التأسيسي ، وإصدار أمر باحتلال بناية المجلس . وعند وصول المندوب السامي إلى البلاط عصر ذلك اليوم ، وفي بداية لقائه مع الملك ، سلمه نص المذكرة والتي جاء فيها : {لا تستطيع حكومة صاحب الجلالة البريطانية  في مثل هذه الظروف أن تسمح باستمرار الحالة الراهنة التي ينشأ عنها خطر عظيم يهدد سلامة العراق الداخلية والخارجية ، فأن المذاكرات الأخيرة للمجلس التأسيسي التي جرت في هذا اليوم  لم تظهر أي اقتراب من الاتفاق ، ولا أي أمل في اتخاذ المجلس قراراً صريحاً وسريعاً ، لذا طُلب إليّ أن أوجه أنظار جلالتكم  كشرط لاستمرار تأييد حكومة صاحب الجلالة البريطانية أن تصدروا فوراً ، بعد استشارة مجلس وزارتكم، وبواسطته ، تعديلاً لقانون المجلس التأسيسي  يخولكم حق فض المجلس في أي وقت شئتم ، خلال الأربعة اشهر من تاريخ افتتاح جلساته ، وأن تأمروا بموجب هذا التعديل حل المجلس اعتباراً من الساعة الثانية عشرة من ليلة 10 / 11 حزيران . وأرى من واجبي أن اطلب من جلالتكم أن تبلغوا الأمر رسمياً ، بواسطة رئيس وزرائكم ، إلى رئيس المجلس التأسيسي قبل الساعة السابعة من صباح اليوم الحادي عشر من حزيران ، وأن تصدروا التعليمات بواسطة وزير الداخلية ، لغلق بناية المجلس فورا ، وإحاطتها وما يجاورها بقوة من الشرطة تكفي لتنفيذ هذا الأمر }. (34)

حاول الملك فيصل، بحضور رئيس الوزراء [جعفر العسكري] وزعيم المعارضة [ياسين الهاشمي] إيجاد حل لهذه الأزمة مع المندوب السامي  وجرى بحث مستفيض حول السبل الممكنة لذلك ، وقد طلب المندوب السامي أن يدعى المجلس التأسيسي إلى عقد جلسة له ، فوق العادة ، وقبل منتصف الليل من هذا اليوم ، ويبرم المعاهدة ، كحل أخير ونهائي، وإلا يجب أن يحل المجلس .

وعلى الفور أمر الملك باستدعاء رئيس المجلس إلى الحضور، وطلب إليه الملك والمندوب السامي أن يجمع أعضاء المجلس هذه الليلة ويقرّ المعاهدة دون تأخير .

خرج رئيس المجلس  وبصحبته رئيس الوزراء ، واحد مرافقي الملك ، وبقي المندوب السامي في البلاط ليواصل الضغط على الملك لإقرار المعاهدة قبل الساعة الثانية عشرة ليلاً ، وصار مدير الشرطة ، يرافقه مرافق الملك وعدد من أفراد الشرطة ، يدورون على أعضاء المجلس ، ويرغمونهم على حضور الجلسة لأجل إقرار المعاهدة في تلك الليلة ، فقد ذكر الحاج ناجي ،أحد أعضاء المجلس، أن الشرطة انتزعته من سريره وحشرته في السيارة ، وهو لا يعرف إن كانوا سيأخذونه إلى المشنقة أم  إلى السجن ، فقد كان من معارضي المعاهدة  . (35)

استطاع مدير الشرطة ورجاله جمع  68 نائباً في ليلة 10 / 11 حزيران 1924، قبل منتصف الليل ، وأعلن رئيس المجلس [ عبد المحسن السعدون ] عن افتتاح الجلسة ، حيث تحدث إلى الحاضرين من أعضائه قائلاً :{كان مجلسكم العالي قد أجل جلسته إلى يوم الغد ( الأربعاء )، غير أن جلالة الملك أبلغني بأن فخامة المندوب السامي قد أبلغ جلالته بأنه لا يمكن تأجيل المذاكرات إلى الغد ، لأنه يعد ذلك رفضاً للمعاهدة ، وعليه فقد دعوتكم إلى الاجتماع ، ومن وظيفتي أن أبلغكم ذلك } .

لم يكن أمام المجلس إلا إقرار المعاهدة في تلك الليلة ، حيث جرى التصويت عليها على عجل ، وتحت التهديد بحل المجلس ، وقد وافق عليها 37 نائباً ، وعارضها 24، وامتنع عن التصويت 8 أعضاء ، وبذلك أقرت المعاهدة من قبل المجلس

ُسرّ المندوب السامي لإقرار المعاهدة ، وهرع إلى البلاط الملكي، حيث اجتمع إلى الملك فيصل ، وأبلغه أن الحكومة البريطانية تعتبر تصويت المجلس على المعاهدة وذيولها ، على النحو الذي تم ، يفي بالشروط المطلوبة في المادة 18 من المعاهدة  والتي تنص على أن المعاهدة لا تبرم من قبل الفريقين الساميين المتعاقدين إلا بعد قبولها من المجلس التأسيسي .

وبعد توقيع المعاهدة، وحصول الإمبرياليين البريطانيين على الامتيازات النفطية، صادقت عصبة الأمم في 16 كانون الأول 1925 على عائدية ولاية الموصل للعراق، وجعل حدود العراق وفقاً لما يسمى [ خط  بروكسل]، ودعت عصبة الأمم العراق إلى عقد معاهدة مع بريطانيا تضمن استمرار الانتداب على العراق لمدة 25 سنة ، وبالفعل تم إقرار المعاهدة الجديدة في البرلمان في 18 كانون الثاني 1926، رغم معارضة النواب الوطنيين الذين طلبوا إحالتها إلى لجنة برلمانية لدراستها ، ولكن دون جدوى فقد أصر المندوب السامي البريطاني على التصديق على المعاهدة بوضعها الذي صاغته وزارة المستعمرات البريطانية دون تغيير، وهدد بحل المجلس التأسيسي في حالة رفضه التصديق عليها، كما جرى تهديد الملك فيصل كذلك .

أما تركيا فقد خضعت للضغط البريطاني ، ووافقت على بقاء ولاية الموصل ضمن العراق ، وذلك بموجب المعاهدة العراقية البريطانية التركية ، المعقودة في 5 حزيران 1926، على أن تمنح الحكومة البريطانية تركيا نصف مليون ليرة بريطانية تعويضاً عن حصتها في البترول ، بعد أن فشلت في إقناع بريطانيا بمنحها ولاية الموصل  لقاء منحها بريطانيا امتياز استخراج النفط واستثماره فيها.

لكن الحكومة البريطانية رفضت العرض التركي لأنها وجدت مصلحتها في إعادة الولاية إلى العراق ، بعد أن ضمنت هيمنتها المطلقة على العراق سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ، بموجب المعاهدة التي فرضتها على المجلس التأسيسي وعلى الملك فيصل الأول .(36)

وهكذا جرى إقرار المعاهدة التي قيدت العراق بقيود ثقيلة لا فكاك منها ، وأصبحت بريطانيا بموجبها تملك السلطة الحقيقية في البلاد ، وبات على الشعب العراقي أن يخوض النضال ضد الهيمنة البريطانية من جهة ، وضد السلطة الحاكمة التي نصبتها من جهة أخرى ، فكان الصراع بين الشعب وحاكميه  يخبو تارة وينفجر تارة أخرى منذ ذلك التاريخ وحتى تكلل كفاحه بالنجاح في ثورة الرابع عشر من تموز 1958 عندما تلاحمت الجماهير الشعبية مع الطلائع الثورية في القوات المسلحة في صبيحة ذلك اليوم ، والتي قادها بنجاح خاطف الزعيم الركن عبد الكريم قاسم ، وبذلك اسقط النظام الملكي المرتبط بالإمبريالية  وتم إعلان النظام الجمهوري في العراق ، وجرى تشكيل أول وزارة عراقية دون فرض أو تدخل من قبل بريطانيا وسفارتها في بغداد .

 

توثيق الفصل الأول

  (1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الجزء الأول ـ الدكتور علي الوردي ـ ص 41 .

 (2) المصدر السابق ـ ص 43 .

 (3) سليمان القانوني ـ هارولد لا نب ـ ترجمة شكري محمود نديم ـ بغداد 1961 .

 (4) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الدكتور علي الوردي ـ ص 69 .

 (5) أربعة قرون من تاريخ العراق ـ  هيسلي لونكرك ـ ترجمة جعفر خياط ـ ص 74 .

 (6) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الدكتور علي الوردي ـ 89 .

 (7) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص 161 .

 (8) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الجزء الخامس ـ علي الوردي ـ ص 100 .

 (9) الثورة العراقية الكبرى ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص 18 .

 (10) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الجزء الخامس ـ علي الوردي ـ ص 41 .

 (11).الثورة العراقية الكبرى ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص 75

 (12) حقائق تاريخية عن القضية البارزانية ـ محمد البريفكاني ـ ص 21 .

 (13) مأساة بارزان ـ معروف جاويك ـ ص 156 .

 (14)صفحات من تاريخ العراق الحديث ـ الكتاب الأول ـ حامد الحمداني ـ ص 31.

 (15) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص  .

 (16) نفس المصدر السابق

 (17) الثورة العراقية الكبرى ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص 211 .

 (18) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ الحسني ـ ص 62 .

  (19) نفس المصدر ـ الجزء الأول ـ ص 102.

 (20 ) نفس المصدر السابق  .

 (21) نفس المصدر .

 (22) تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ الجزء الأول ـ ص 111 .

 (23) المصدر السابق  .

 (24) نفس المصدر .

 (25) نفس المصدر السابق ـ ص 131.

 (26) مذكرات المس بيل ـ ص 366 .

 (27) تاريخ الوزارات العراقي ـ الحسني ـ الجزء الأول ـ ص 214.

 (28) المصدر السابق ـ الجزء الأول ـ ص 218 .

 (29)نفس المصدر السابق.

 (30) المصدر السابق .

 (31) صحيفة العالم العربي ـ العدد 65 ـ 10 حزيران 1928 .

 (32) صفحات من تاريخ العراق الحديث ـ الكتاب الأول ـ حامد الحمداني ـ ص 66 ز

 (33) تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ الجزء الأول ـ ص 228 .

 (34) مذكرات المس بيل ـ ص 348 .

 (35) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ الحسني ـ ص 144 – 145 .

الفصل الثاني الفصل الأول المقدمة محتويات الكتاب
الفصل السادس الفصل الخامس الفصل الرابع الفصل الثالث
الفصل العاشر الفصل التاسع الفصل الثامن الفصل السابع