الفصل الأول
العراق
من الاحتلال العثماني إلى الاحتلال البريطاني
أولاً ـ الاحتلال العثماني
للعراق
ثانياً ـ الاحتلال
البريطاني للعراق
ثالثاً ـ المقاومة الوطنية
للاحتلال البريطاني
رابعاًً ـ تصاعد الصراع مع المحتلين واندلاع ثورة
العشرين
خامسا ـ مؤتمر القاهرة يبحث
مستقبل العراق
أولاً ـ الاحتلال العثماني للعراق
رزح العراق كما هو معروف تاريخيا تحت نير الاستعمار
العثماني زهاء الأربعة قرون ، و
كانت الحقبة التي حكم فيها العثمانيون العراق من أسوأ الحقب في تاريخه ، فقد كان عصر من التخلف قاتم الظلمة عانى
خلاله الشعب العراقي صنوفاً من الاضطهاد البشع تجلى في سياسة التتريك ، ومحاولة طمس اللغة العربية ، وتجنيد شبابه في حروب استعمارية لا مصلحة
للشعب العراقي فيها ، واستغلال خيرات البلاد وثرواتها أبشع استغلال ، مما أعاد العراق إلى القرون الوسطى بعد أن كان قبلة
العالم في تطوره وتقدمه ، في الوقت الذي كانت أوربا تغوص في ظلامها
الدامس .
ومنذُ أسست الدولة العثمانية الجيش الانكشاري على يد
السلطان [أورخان ] الذي تولى السلطة
عام 1326 ، وبعد أن قوي عود ذلك الجيش الذي جرى إشباع أفراده بالعقيدة الدينية
البكداشية ، بدأت الدولة تتطلع للتوسع بما دعي بالفتوحات الإسلامية بدعوى نشر
الدين الإسلامي ، واستطاع جيشها الإنكشاري في 29 أيار 1453احتلال القسطنطينية التي
كانت تعتبر أكبر مدن العالم في ذلك العصر وكانت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية
لأكثر من ألف عام ، وقد استباح الجيش الإنكشاري المدينة ، وعمل تقتيلاً واغتصاباً
ونهباً للممتلكات بأسلوب وحشي يندى له الجبين . (1)
وفي الوقت الذي كانت الدولة العثمانية منتشية بجيشها ،
وبالنصر الذي أحرزه في احتلال عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ، كانت في بلاد فارس
تنهض دولة تقودها حركة دينية صوفية هي الدولة الصفوية التي بدأت تظهر لها تطلعات
توسعية هي الأخرى ، وخاصة على عهد الشاه [ إسماعيل ] الذي تولى الحكم في بداية
القرن السادس عشر الميلادي وأخذ يوسع دولته حيث احتل قسماً كبيراً من بلاد القفقاس
، ثم التفت نحو العراق حيث استطاع احتلال بغداد في عام 1508 ، واستباح جيشه
المدينة وعمل بالمواطنين من الطائفة السنية قتلاً ونهباً واغتصاباً ، تماماً كما
فعل الجيش العثماني عند احتلاله للبلاد , وهكذا كانت الجيوش الغازية تفعل في
احتلالها للبلدان الأخرى . (2)
سبب احتلال الصفويين للعراق قلقاً كبيراً لسلاطين بني
عثمان الذين وجدوا فيها
دولة منافسة تهدد طموحاتهم في التوسع ، وعائقاً إمام
بناء امبراطوريتهم ، وأصبح هاجسهم إيقاف المد الصفوي وتحجيم طموحات ملوكهم في
التوسع والهيمنة على البلدان المجاورة .
ولم يكد يمضي أربعة أعوام على احتلال الصفويين للعراق
حتى شن السلطان العثماني [ سليم] عام 1514 الحرب على الدولة الصفوية حيث انتصر على جيش الشاه [ إسماعيل ] في
معركة [ جالدرن ] بالقرب من مدينة تبريز وعمل قتلاً بالأسرى الشيعة بصورة وحشية .
لكن السلطان سليم توفي في عام 1520 ، وتولى السلطنة ابنه
السلطان [سليمان] الذي توسعت الدولة العثمانية على عهده
،حيث احتلت جيوشه بلغراد وبودبست في
قلب أوربا .
وبعد أن أحرزت الجيوش العثمانية انتصاراتها الواسعة في
أوربا التفت السلطان [سليمان نحو
جارته الدولة الصفوية من جديد على عهد الشاه [ طهماسب] الذي تولى الحكم على اثر
وفات أبيه الشاه [ إسماعيل ] حيث اندفعت جيوشه عام 1534 نحو[ تبريز] واحتلها ، ثم
اندفعت تلك الجيوش نحو الشطر الغربي من إيران تلاحق الجيش الصفوي المهزوم حيث احتل
مدينة [همدان ]، ومنها توجهت الجيوش نحو بغداد ودخلها في اليوم الأخير من عام 1534
من دون مقاومة تذكر معلناً نفسه حامياً للطائفة السنية ، وكانت الحامية الصفوية قد
انسحبت منها قبل وصول الجيوش العثمانية . (3)
لكن الصفويون ما لبثوا أن استعانوا بالخبرات العسكرية
للبريطانيين ، وخاصة سلاح المدفعية الحديث العهد ، وشنوا الحرب على الجيوش
العثمانية على عهد الشاه [ عباس ] ،واستطاعوا احتلال بغداد عام 1623 بعد حصار دام
3 اشهر حلت خلالها المجاعة في المدينة ،وقيل أن الناس أكلوا أطفالهم من شدة الجوع.(4)
لكن
السلطان العثماني [ مراد الرابع] استطاع قيادة جيوشه بنفسه واستطاع احتلال بغداد
من جديد عام 1637 بعد أن استطاع سحق الجيوش الصفوية ، حيث استسلم قائد الحامية
الصفوية في بغداد ، وقد اقترفت الجيوش العثمانية مذبحة كبرى ذهب ضحيتها قرابة 20
ألف جندي من الصفويين وقرابة 30 ألفاً من المواطنين الشيعة .(5 )
وفي عام 1638 ، أي بعد سنة من إعادة احتلال العثمانيين
لبغداد تم عقد الصلح بين الدولتين الصفوية والعثمانية ، وتم بموجبه احتفاظ الدولة
العثمانية بالعراق .(6)
لم يكن الشعب العراقي راضياً بالاستعمار
العثماني رغم محاولة الحكام العثمانيون تغليف حكمهم بجلباب الدين الإسلامي ، وكان يسعى جاهداً للإفلات من ذلك الطوق البشع
، فقد ظهرت عدة حركات وطنية ترمي إلى التحرر من
تسلط الاستعمار التركي، وإقامة حكم وطني متحرر ، كما قامت العديد من الانتفاضات في معظم المدن والأرياف ضد الأتراك ، وكان أشهرها ثورة بغداد في 13 حزيران 1831. (7)
كما
قامت عدة انتفاضات في الريف العراقي بقيادة بعض شيوخ العشائر ذوي النزعة الوطنية
التحررية ، سواء في المناطق
العربية أم الكردية، لكن الحكومة العثمانية كانت تلجأ إلى أقسى درجات العنف لقمع
تلك الانتفاضات ، وتنفذ موجات من الاعدامات
بحق النشطين من الوطنيين .
ثانياً ـ
الاحتلال البريطاني للعراق :
وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أخذت الإمبراطورية
العثمانية بالتفكك والانحلال ، حتى
دُعيت [بالرجل المريض ] ، وأثار
ضعف هذه الإمبراطورية شهوة
المستعمرين الأوربيين للحصول على موطئ قدم لهم في هذه البلاد الغنية بثرواتها
إضافة إلى موقعها الاستراتيجي ، عن
طريق الشركات التجارية وشركات الملاحة مستخدمين العديد من الجواسيس والعملاء،
واستطاعوا عن طريق الرشاوى والهبات بسط نفوذهم على العديد من الولايات والسلاطين العثمانيين المتفسخين .
واشتد
التنافس على النفوذ بين الإمبرياليين الإنكليز
والألمان والفرنسيين بشكل خاص
للهيمنة على ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، وكان للعراق نصيب في هذا التنافس الذي بلغ أشده عندما
استطاعت ألمانيا الحصول على امتياز سكة حديد الشرق ، والذي أثار قلق الحكومة البريطانية الشديد.
كان الصراع بين الإمبرياليين الجــدد لتقسيم نفـــوذهم ، وسيطرتهم على
العــالم
يتصاعد
شيئاً فشيئاً حتى بلغ ذروته في عام 1914،عندما لجأ الإمبرياليون إلي قعقعة السلاح
فيما بينهم ، فقامت الحرب العالمية
الأولى ،
والتي اكتوى بلهيبها العالم أجمع ، وكان أن دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب إلى جانب
ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية .
كان الصراع بين المستعمرين رهيباً جداً دفع خلاله العالم الملايين من الضحايا على
مائدة أطماع الإمبرياليين الذين حاولوا جرّ العرب لإعلان الثورة ضد الأتراك ، واعدين إياهم بتحريرهم من هيمنة الاستعمار العثماني ، ومنحهم حريتهم واستقلالهم ، واستطاع الإنكليز النجاح في مسعاهم هذا ، وجرّ جانب كبير من الزعماء العرب إلى
جانبهم ، وكان على رأس أولئك [الملك الحسين بن علي] ملك الحجاز، الذي أعلن الثورة العربية ضد
الأتراك إ ثر اتفاق [مكماهون ] عام 1916 ، وقاتل إلى جانب بريطانيا اعتماداً على التعهد الذي قطعته له بضمان
استقلال البلاد العربية ، وتنصيبه
ملكاً عليها بعد نهاية الحرب .
لكن
الإمبرياليين كانوا قد رتبوا أمورهم ، وتقاسموا
النفوذ والسيطرة على البلاد العربية فيما بينهم بموجب معاهدة [ سايكس بيكو ] السرية عام
1916، ومن ثم بموجب معاهدة [ سان ريموٍ] ، والتي جرى الإعلان عنها في أوربا في 25 نيسان
1920 ، وكان العراق من نصيب المستعمرين البريطانيين الذين حاولوا بادئ الأمر حكم
العراق بصورة مباشرة . (8)
لكن ثورة العشرين أجبرتهم أجبرتهم على تغيير أساليبهم لحكم
العراق تحت ظل الحكم الملكي الذي أقاموه .
بدأ الاحتلال البريطاني للعراق في أواخر سنة
1914، بعد قيام الحرب العالمية الأولى، ودخول
الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا .
فقد هاجمت القوات البريطانية جنوب العراق
، وتمكنت من احتلال [شبه جزيرة الفاو ] دون
مقاومة تذكر، وكانت حجة بريطانيا في حملتها على العراق آنذاك حماية نفط عبدان في
إيران ، وطريق
الهند ،
لكن الحقيقة كانت غير ذلك
تماماً ، فقد أرادت بريطانيا فرض سيطرتها على العراق طمعاً في
ثرواته .
وبعد
أن تم للقوات البريطانية احتلال شبه جزيرة الفاو اندفعت نحو مدينة [البصرة] كبرى مدن العراق الجنوبية ، حيث اشتبكت مع القوات التركية في منطقة الشعيبة ، في أواسط شهر نيسان عام 1915، واستطاعت هذه
القوات إلحاق الهزيمة بالجيش التركي ، واحتلال
البصرة.
ثم واصلت تقدمها شمالاً باتجاهين ،الاتجاه
الأول نحو مدينة [الناصرية] الواقعة على نهر الفرات ، والاتجاه
الثاني نحو مدينتي [العمارة ]
و[الكوت] على نهر دجلة ، ومن ثم نحو العاصمة [ بغداد ].
وفي الثلاثين من حزيران دخلت
القوات البريطانية مدينة [ العمارة
] وانتزعتها من أيدي الأتراك ، كما احتلت مدينة [الناصرية] في 25 تموز من العام
نفسه ، واحتلت مدينة [ الكوت
] في 28 أيلول نفس العام .
واستمرت القوات البريطانية بقيادة الجنرال
[ طاوزند ] بالتقدم نحو[بغداد]
وخاضت معركة طاحنة مع الأتراك قرب [المدائن]،على مشارف بغداد ، لكن القوات التركية
استطاعت إلحاق الهزيمة المنكرة بالجيش البريطاني المهاجم الذي انسحب نحو [ الكوت
]، ولحقت به القوات التركية ، واستطاعت
فرض الحصار على المدينة ، حيث
استمر من 13 تشرين الثاني 1915 وحتى 29 نيسان 1916، واضطرت القوات البريطانية المحاصرة في المدينة أخيراً
إلى الاستسلام دون قيد أو شرط
للقوات التركية التي دخلت المدينة ، وقامت بأعمال انتقامية دموية لا مثيل لها ضد السكان ، بتهمة التعاون مع القوات البريطانية . غير أن بريطانيا عادت وأرسلت قوات جديدة
بقيادة الجنرال [ مود] الذي شرع بالتقدم نحو[ بغداد] ووصلت قواته إليها في كانون الأول 1916، واستطاعت إلحاق الهزيمة بالجيش التركي
المدافع عنها، ودخلتها في 11 آذار1917 .
وجه الجنرال مود عند دخوله العاصمة
العراقية بياناً للشعب العراقي باسم السلطات البريطانية قال فيه :
{
إنني مأمور بدعوتكم بواسطة أشرافكم ، والمتقدمين
فيكم سناً وممثليكم ، إلى الاشتراك في إدارة مصالحكم ، ولمعاضدة ممثلي بريطانيا السياسيين المرافقين للجيش ، كي تناضلوا مع ذوي قرباكم شمالاً وجنوباً، وشرقاً
وغرباً ،في تحقيق طموحاتكم القومية }.(9)
لكن أهداف ومخططات الإمبرياليين البريطانيين
، والفرنسيين سرعان ما تكشّفت، عندما قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا عام
1917، بقيادة [فلاديمير لينين]، حيث فضح بنود اتفاقية [سايكس بيكو] المعقودة بين
الإمبرياليين البريطانيين والفرنسيين وروسيا القيصرية حول اقتسام ممتلكات
الإمبراطورية العثمانية فيما بينهم.
وعلى أثر ذلك سارع قائد الحملة البريطانية الجنرال [ مود ] إلى إصدار بيان جديد للشعب العراقي ، في محاولة لتطمينه ، والتستر على النوايا الحقيقية للإمبرياليين البريطانيين ، وجاء في ذلك البيان ما يلي :
{إن
الغاية التي ترمي إليها كل من بريطانيا وفرنسا في خوض غمار الحرب في الشرق من جراء
أطماع ألمانيا هي تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء الاستعباد التركي تحريراً نهائياً وتاما ً، وتأسيس حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطاتها من رغبة
نفس السكان الوطنيين ومحض اختيارهم } . (10)
استمرت
القوات البريطانية بالتقدم شمالاً واحتلت مدينة [ خانقين ] في
كانون الأول 1917، ثم احتلال مدينة [ كفري
] في نيسان 1918، ثم واصلت زحفها نحو مدينة [ كركوك ] حيث احتلتها في 30 تشرين الأول 1918 ، ثم واصلت زحفها نحو مدينة الموصل وانتزعتها
من أيدي الأتراك في 8 تشرين الثاني 1918 ، وقامت الحكومة البريطانية بتعيين العقيد [ لجمان ] حاكما سياسياً على المنطقة ، وامتدت سلطاته نحو أربيل، والسليمانية ، ودهوك ، وراوندوز، وبذلك أحكمت بريطانيا سيطرتها على كافة أرجاء
العراق.
ولابد
أن أشير إلى أن بريطانيا لاقت مصاعب جمة في سيطرتها على مدينة السليمانية ، التي
تعتبر مركزاً لحركة التحرر الوطني الكردي ، مما اضطرها إلى تعيين الشيخ [ محمود الحفيد ] حاكماً على
المنطقة في أواخر عام 1918، وعينت الميجر جنرال [ نوئيل ] مستشاراً له ، وخصصت له راتباً شهرياً مقداره 15000 روبية
هندية[ الروبية تساوي 75 فلساً عراقياً آنذاك] ، وسمحوا له بتعيين عدد من الموظفين الأكراد لإدارة
المنطقة .
إلا أن الشيخ محمود الحفيد لم يكن راضياً
على تلك الأوضاع ، واخذ يتحين الفرصة
للثورة على المحتلين . استمرت بريطانيا بعد نهاية الحرب العالمية
الأولى في حكم العراق، حكماً عسكرياً ، وكان
على رأس السلطة القائد العام للقوات البريطانية، يعاونه الحاكم الملكي العام السير
[ بيرسي كوكس ] .
وكان
من ضمن كادره الجاسوسة البريطانية المشهورة
[المس بيل ] حيث شغلت منصب السكرتيرة الشرقية ، ثم
نقل بيرسي
كوكس فيما بعد إلى إيران وحل
بعده الكولونيل [أرنولد ولسن ]، والذي عُرف بممارساته القمعية وأساليبه الوحشية التي أثارت المشاعر الوطنية ضد
الإنكليز في مختلف مناطق العراق ،وخاصة
في منطقة الفرات الأوسط .
فقد قام [أرنولد ولسن]
بتنظيم استفتاء مزور حول رغبات الشعب في مستقبل البلاد مستخدماً كل أساليب التزوير والرشاوي والإغراء لكي يخرج الاستفتاء بنتيجة تؤيد
بقاء الوجود البريطاني واستمراره .
ومن
أجل إحكام سيطرتهم على البلاد أسس البريطانيون عدداً من الدوائر المدنية لتسيير
أمور الشعب ، ما عدا جهازي الشرطة
والتعليم اللذين بقيا تحت إدارة ضابط سياسي بريطاني مسؤول أمام المفوض السامي ، وكان يتلقى منه
الأوامر بصورة مباشرة .
وجرى
تقسيم العراق إلى وحدات إدارية كبيرة تسمى
[اللواء ] ، وقسم اللواء إلى وحدات
أصغر تسمى [القضاء ]، ونصّب الإنكليز في كل وحدة إدارية ضابطا بريطانياً لشؤون الأمن الداخلي، ومنحوا الضباط السياسيين سلطات
واسعة في الشؤون الإدارية والقضائية والمالية .
كما باشر المحتلون بتشكيل قوات محلية
مسلحة بإشراف ضباط بريطانيين ، ودُعيت
قوات [ الشبانة، أو لليفي ] من أبناء العشائر التي كان شيوخها
موالين لهم ، ومن الآشوريين الذين
اعتمدت عليهم بريطانيا كل الاعتماد ، واستخدمتهم في إثارة الفتن والتناحر
والانقسامات .
كما
استخدمتهم في قمع الحركات الكردية مرات عديدة ، مما سبب في خلق الأحقاد والكراهية بين القوميتين ، وحقد الشعب العربي على أعوان الإنكليز.
ثالثاً: المقاومة الوطنية للاحتلال البريطاني :
أصيب الشعب العراقي بخيبة أمل مريرة ،بعد أن تكشفت مخططات
الإمبرياليين البريطانيين في الهيمنة على البلاد ، حيث ما كاد يتخلص من الاستعمار التركي ليقع تحت نير
الاستعمار البريطاني الجديد ، الذي بدأ يركز أقدامه ، ويجمع حوله عدد من الضباط السابقين ، في الجيش العثماني بالإضافة إلى عدد من كبار
رؤساء العشائر الذين منحتهم قوات الاحتلال مقاطعات واسعة من الأراضي لتربط مصيرهم
بالإمبريالية الجديدة ، وتحمي مصالحها .
لكن الشعب العراقي لم يكن راضياً على ما
آلت إليه الأمور، وبدأت طلائعه الثورية تعبئ الجماهير الشعبية ، وتحثها على الكفاح ضد الاستعمار البريطاني
الجديد
، وتدعو إلى الاستقلال الوطني الناجز .
ومما أثار وضاعف في عزم جماهير الشعب على
مقاومة الاحتلال النداء الذي وجهه قائد الثورة الاشتراكية
في روسيا [ لينين ] إلى شعوب الشرق والذي
جاء فيه
فيما يخص العراق ما يلي : {يا
فلاحي ما بين النهرين ، إن
الإنكليز قد أعلنوا عن استقلال بلادكم !! إلا انه يوجد 80 ألفاً من جنود الاحتلال
على أراضيكم ، يعملون فيكم نهباً
وسلباً وقتلاً ، ويستبيحون
أعراضكم...الخ } . (11)
أخذ قادة حركة التحرر الوطني يرددون
النداء باستمرار، معلنين معارضتهم للاحتلال البريطاني ، ويشدون همم الشعب للنهوض والدفاع عن حريتهم واستقلال
بلادهم ،
وأخذت بذور الثورة تنمو وتكبر
يوماً بعد يوم ، وكانت
الانتفاضات الشعبية تتوالى
في النجف ، وأبو صخير والحلة وكربلاء والكوفة والسليمانية والعمادية في كردستان العراق ، مشددين الضغط على قوات الاحتلال لإجبار بريطانيا على
الوفاء بوعودها التي قطعتها على نفسها بمنح الحرية والاستقلال لسائر البلدان
العربية،
وكان على رأس حركة التحرر
الوطني هذه المثقفين والتجار المستنيرين، ورجال الدين ، وشيوخ العشائر الوطنيين .
كانت
أخطر تلك الانتفاضات ثورة النجف في آذار 1918، حيث وقعت معارك
عنيفة مع جيش الاحتلال بعد حصار للمدينة دام 45 يوماً ، وقد وقع الكثير من القتلى والجرحى في صفوف
الطرفين ، واستطاعت القوات
البريطانية اقتحام المدينة ، وقامت باعتقال أعداد كبيرة من المواطنين
المشاركين في الثورة ، وأعدمت قسماً منهم ، وسجنت القسم الآخر ، كما جرى نفي البعض الآخر إلى خارج البلاد .
لكن الجولة مع الإمبرياليين الجدد لم
تنتهِ ، بل كانت خير محفز لقوى العشائر العراقية
على المقاومة ، والأعداد للجولة
القادمة لا محالة .
ففي السليمانية اندلعت ثورة الشيخ محمود الحفيد في عام
1919، بعد أن أدرك الحفيد أن الإنكليز ليسوا مهتمين
بحقوق الشعب الكردي القومية وأنهم
إنما أرادوا إسكاته عندما عينوه حاكماً اسمياً على السليمانية، فقد كانت السلطة الحقيقية بيد مستشاره
البريطاني،الميجر[ نوئيل] . (12)
لقد دارت رحى المعارك الدامية بين قوات
الاحتلال وقوات الليفي الآشورية من جهة ، والشعب الكردي من جهة أخرى ، وبسبب
عدم تكافؤ القوى بين الطرفين استطاعت
القوات البريطانية إخماد الثورة ، وألقت
القبض على الشيخ الحفيد بعد
أصابته بجروح أثناء المعارك ونفته إلى الهند ، ولكن إلى حين ، حيث لم يهدأ الشعب الكردي على الضيم الذي أصابه ، وأخذ يستعد للجولة القادمة . (13)
واستمر الغليان في نفوس العشائر العربية بعد أن وجدت أن المستعمرين الجدد
في نيتهم الاستمرار في وضع العراق تحت الهيمنة البريطانية وبدأت عوامل الثورة تنضج في رحم المجتمع العراقي التواق إلى
الاستقلال والحرية لتفاجئ المحتلين البريطانيين بثورة عام 1920 التي دخلت التاريخ
كأول ثورة ضد الاحتلال البريطاني الجديد ، ورغم أنها لم تحقق كامل أهدافها لكنها
مثلت الخطوة الأولى في هذا السبيل .
رابعاًً ـ تصاعد الصراع مع المحتلين واندلاع ثورة العشرين
لم
يكد يمضِ وقت طويل حتى تكشفت كامل الأهداف الاستعمارية لبريطانيا، وتصميمها على
إدامة هيمنتها على العراق ، فقد
أصدرت عصبة الأمم،التي كانت تهيمن عليها بريطانيا ، صك الانتداب
البريطاني على العراق في 17 حزيران
1920 والذي جاء فيه :
{حيث
أن حكومة جلالته قد تقررت وكالتها في خصوص العراق ، فنتوقع جعل العراق مستقلاً تضمن
استقلاله جمعية عصبة الأمم ،
وتكليف الحكومة البريطانية بالمسؤولية في حفظ السلم الداخلي والأمن الخارجي ، وبعد انقضاء الإدارة العسكرية سنعطي السلطة
للسير [بيرسي كوكس ] لتنظيم مجلس
شورى تحت رئاسة عربي } .(14)
وهكذا كشف صك الانتداب الأهداف الحقيقية
للسياسة البريطانية ، وأثار صدوره موجة غضب
عارمة لدى كافة فئات الشعب العراقي التواق للحرية والانعتاق من العبودية، وأخذ شرر ذلك الغضب ينذر بوقوع أحداث جسيمة.
كانت
اجتماعات قادة التحرر الوطني في تلك الأيام تتوالى في المساجد والدواوين ، في بغداد والحلة والنجف وكربلاء وغيرها من المدن
العراقية ، كما كانت الاتصالات مع
رؤساء العشائر تجري على قدم وساق ، وأجراس
الثورة تدق ، وأصواتها تتعالى
شيئاً فشيئاً لتملأ أسماع العراقيين
جميعاً .
وفي الوقت نفسه كان المحتلون البريطانيون يزدادون هستيرية وعنفاً في قمع
نشاطات الوطنيين ، حيث منعوا [المواليد] التي كان يجتمع خلالها الناس ، وتلقى الخطب الوطنية فيها .
فقد أصدر القائد العام البريطاني في 12 آب 1920
قراراً بمنعها ، وأنذر بإنزال أشد العقوبات بحق المخالفين ، وأقرن القائد أمره
بالأفعال فأقدم على إعدام ستة من
المناضلين الوطنيين لتحديهم ذلك القرار، وقد عرف هؤلاء الشهداء بمواقفهم البطولية، وجرأتهم في
تحدي الاحتلال البريطاني ، وأدى
إعدامهم إلى هياج الرأي العام العراقي ، ودفعهم إلى التظاهر ضد الاحتلال الغاشم . (15)
كما رفع المشاركون في التظاهر مذكرة
للسلطات البريطانية تضمنت جملة من المطالب كان منها :
1
ـ تأليف مؤتمر يمثل الشعب العراقي ، ليقرر
شكل الإدارة الوطنية وعلاقاتها بالدول الأجنبية .
2
ـ إطلاق حرية الصحافة والمطبوعات ليستطيع الشعب التعبير عن آماله وتطلعاته
الوطنية .
3
ـ رفع الحواجز البريدية والبرقية
بين أنحاء البلاد ، وبينها وبين الأقطار الأخرى.
كان
الشعب العراقي في تلك الأيام ينتظر مَنْ يطلق الطلقة الأولى لتنبعث شرارة الثورة
إلى شتى أنحاء العراق بعد أن أقدمت قوات
الاحتلال على اعتقال الشيخ [شعلان أبو الجون] المعروف بعدائه للاحتلال ، وسبب اعتقاله هيجاناً كبيراً في صفوف العشائر
. (16)
صمم أبناء العشائر على إطلاق سراح الشيخ
شعلان ،
وتحدي قرار المحتلين باعتقاله،
فانطلقت عشائر الرميثة تهاجم السجن الذي أودع الإنكليز فيه الشيخ شعلان ، وتم تحريره من الاعتقال ، وكانت هذه العملية إيذاناً ببدء اشتعال نار
الثورة ،
وبدء المعارك بين الشعب العراقي
والمحتلين. ففي مساء يوم 6 تموز 1920 توجهت قوة عسكرية بريطانية تضم 2000 ضابط
وجندي بقيادة الكولونيل [دي مارفين ] نحو الرميثة ، التي سيطرت عليها قوى الثورة في محاولة لفك الحصار عن القوات البريطانية المتواجدة هناك ، فكانت [معركة العارضيات ] التي يفتخر بها
أبناء العشائر الثائرة والشعب العراقي كافة ، حيث لم تستطع القوات البريطانية من الوصول إلى[
الرميثة]، نظراً للمقاومة الباسلة
التي واجهتها تلك القوات ، حيث تم إيقافها على بعد 7 كيلومترات منها بعد معركة دامية دامت 17 ساعة متواصلة ، استبسل فيها أبناء الشعب ، واضطر قائد الجيش البريطاني إلى التراجع
والانسحاب نحو الديوانية .
لكن
تلك القوات لم تستطع الوصول إلى الديوانية ، حيث جوبهت بقطع الطريق عليها ، وقلع السكة الحديدية التي كانت القوات
البريطانية تستخدمها في الانسحاب وجوبهت
بوابل من الرصاص من قبل العشائر الأخرى التي هبت لدعم الثورة في الرميثة ، وهرب قائد الحملة البريطانية لينجو بنفسه تاركاً قواته تحت رحمة الثوار الذين استطاعوا
قتل أعداد كبيرة منهم ، وتم أسر من بقي منهم على قيد الحياة واستولى الثوار على جميع أسلحة القوة
البريطانية ، وقد بلغ عدد القتلى
البريطانيين زهاء 260 فرداً .
ولما
بلغ الأمر إلى قائد القوات البريطانية [ الميجر ديلي ] أمر بإعداد قوة أخرى قوامها
5000 ضابط وجندي مجهزين بكامل المعدات الحربية ، واستعدت قوى الثورة للمعركة القادمة ، وأخذت تنظم
صفوفها وترتب استحكاماتها ، وتحفر الخنادق في منطقة العارضية على بعد 7
كم من الرميثة استعداداً لمجابهة قوات الاحتلال الجديدة بقيادة [ الميجر كونتنكهام
]، حيث وصلت تلك القوات إلى [الحمزة]
في 16 تموز 1920، تحت غطاء جوي من الطائرات الحربية ، وقد أبدى الثوار مقاومة باسلة ،منقطعة النظير ، وانزلوا بقوات الاحتلال خسائر
فادحة في الأرواح والمعدات .
وامتد
لهيب الثورة إلى [ الرارنجية ] التي ضربت مثلاً رائعا في البطولة والفداء ، وقامت قوات الثورة بمحاصرة مدينة الكوفة في
أواخر شهر تموز 1920 من جميع أطرافها مشددون الضربات على القوات البريطانية
المحاصرة فيها ، والتي أصبح موقفها في
غاية الصعوبة ، وطلبت النجدة من
القائد البريطاني في الحلة، الذي أسرع إلى إرسال قوات كبيرة لفك الحصار عن القوات
المحاصرة في الكوفة .
تقدمت القوات البريطانية باتجاه المدينة
حتى وصلت إلى[ الرارنجية ]، التي تبعد 12 كم عن مدينة الحلة و8 كم عن [ الكفل ]
وعسكرت هناك .
واستعد
الثوار لملاقاة القوات البريطانية في منطقة الكفل ، وقسموا قواتهم إلى قسمين ، قسم أخذ مواقعه على طرف شط الهندية الشرقي والقسم
الثاني أخذ مواقعه على امتداد سكة القطار التي تربط الحلة بالكفل، وكانت قوات
الثورة
مدفوعة بإيمانها بعدالة قضيتها
، وقد عقدت العزم على التصدي لقوات الاحتلال
المدججة بشتى أنواع الأسلحة والمعدات الثقيلة ، وهي لا تملك سوى الأسلحة الخفيفة من بنادق قديمة ومسدسات
وفؤوس ومكاوير، ولكنها كانت تملك
الأيمان بعدالة القضية التي تناضل من اجلها ، والإصرار على التحرر من ربقة الاستعمار الجديد ، فيما كان الجنود البريطانيون الذين أتعبتهم الحرب
يحاربون من أجل ملئ جيوب الرأسماليين الإمبرياليين.
كانت
ثلة من الجنود البريطانيين برشاشاتهم الثقيلة قد أخذت مواقعها واستحكاماتها عند
قنطرة على [قناة الرارنجية]، وعندما أزفت ساعة الهجوم انقضّتْ قوات الثورة على القوات
البريطانية عند الجسر، وما هي إلا برهة حتى وقع الجسر في أيديهم ، فيما التحمت قوات الثورة من الجهتين مع
القوات البريطانية في معركة شرسة ومتلاحمة بحيث تعذر على قوات الاحتلال استخدام
المدافع في القتال ، وكانت المعركة تجري
بالبنادق والسيوف والفؤوس والمكاوير، وكان
الثوار يرددون الأهزوجة الشعبية المشهورة { الطوب أحسن، لو مكواري }، فقد تغلب المكوار على السلاح البريطاني ، واندحرت قوات الاحتلال ، وهرب قائد الحملة تاركاً جثث المئات من أفراد
قواته في ارض المعركة .
وفي
الوقت الذي كانت قوات العشائر في الجنوب تخوض المعارك ضد المحتلين كان رصاص الثوار
في كردستان ينطلق بغزارة ضد المحتلين هناك ، فقد هب ثوار كردستان بوجه المحتلين ، ووقعت بين الطرفين معارك شرسة في [السليمانية وعقره وكفري ].
وتمكنت
قوات الثورة في [ كفري ] بقيادة [
إبراهيم خان ] في أواخر تشرين الأول 1920 من الاستيلاء على المدينة وتحريرها من
سيطرة قوات الاحتلال ، وقتل
القائد البريطاني [ جاردن ] ، واستمر
لهيب المعارك ضد المحتلين في المنطقة 23 يوماً قبل أن تتمكن القوات البريطانية
التي وصلتها نجدات جديدة من الهند من إعادة احتلالها .
لقد امتد لهيب الثورة إلى كل بقاع الوطن ،
وانغمر فيها عدد كبير من رجال الدين ، وشيوخ
العشائر والمثقفين والعمال والفلاحين الشجعان الذين كانوا عماد الثورة، وكانت الثورة على الرغم من التأخر الذي سببه الاستعمار
العثماني الطويل على درجة عالية من التنظيم والتخطيط والدقة ، ويستدل على ذلك من
التوجيهات التي كانت تصدرها قيادات الثورة إلى القوات المشاركة فيها ،والتي جاء
فيها :
توجيهات :
1
ـ يجب على كافة الأفراد أن يفهموا بأن المقصود من هذه الثورة إنما هو طلب
الاستقلال التام .
2
ـ يجب أن يهتف الجميع للاستقلال في كل ميادين القتال .
3ـ يجب التمسك بالنظام ، ومنع الاعتداء ، فلا نهب ولا سلب ، ولا ضغائن قديمة ولا أحقاد
.
4
ـ يجب تأمين الطرق ، وحفظ المواصلات بينكم وبين مناطق الثورة .
5
ـ بذل الهمة لحفظ الرصاص،فلا يجوز إطلاقه في الهواء بدون فائدة .
6
ـ يجب الاعتناء بالأسرى ،ضباطاً وجنوداً ، إنكليزاً كانوا أم هنوداً .
7ـ
المحافظة على أعمدة الهاتف والأسلاك لضمان استمرار الاتصالات.
8
ـ الاهتمام بقطع السكة الحديدية ، ونسف
الجسور
لمنع قوات الاحتلال من
استخدامها.
9ـ
الحفاظ على كافة وسائل النقل التي تقع في أيدي قوات الثورة والاستفادة منها.
10ـ
المحافظة على الأسلحة المصادرة من العدو ، وإدامتها لغرض استخدامها ضده .
11ـ
عند تحرير أي مدينة ، يجب الاهتمام بتشكيل إدارة وطنية لها، والاهتمام بالأبنية
الحكومية ، وعدم هدمها أو إحراقها والمحافظة على الوثائق فيها .
12
ـ المحافظة على المستشفيات وأدواتها وأجهزتها والأدوية الموجودة فيها .
13ـ
الرفق بالجرحى وإسعافهم، والاهتمام بهم والعمل على إنقاذ حياتهم قدر الإمكان . (17)
هذه
هي الوصايا التي عممتها قيادة الثورة على قواتها ، وهي تمثل أرقى درجات التنظيم في
إدارة شؤون الثورة ، والحرص على سمعتها ، والتحلي بالخلق السامي في معاملة الأسرى
والجرحى ، والاهتمام بمرافق البلاد
من عبث العابثين ، وهي تدل دلالة أكيدة
على الشعور العالي بالمسؤولية .
بعد
كل تلك الضربات القاسية التي وجهتها قوى الثورة لقوات الاحتلال البريطاني، وانتشار
لهيب الثورة إلى كافة أنحاء العراق لجأ المحتلون إلى استقدام قوات كبيرة من خارج
البلاد لمجابهة قوى الثورة الوطنية ،
وجلبوا مختلف الأسلحة والمعدات الثقيلة لغرض إخماد لهيب الثورة ، وخاضت تلك القوات معارك شرسة دامت طيلة
خمسة اشهر، ضد قوى الثورة التي
كانت تفتقد السلاح الذي يمكن أن تحارب
به قوات الاحتلال، واستخدم المحتلون أقسى درجات العنف وأشنعها ضد قوى الثورة، وضد
أبناء الشعب ، وأبدى الثوار صنوفاً من
البطولة النادرة ، رغم عدم تكافؤ أسلحة
الطرفين ، والإمكانيات المادية والعسكرية للمحتلين الإمبرياليين الذين كانوا
يمثلون أقوى دولة استعمارية في العالم ، واستطاع المحتلون في نهاية الأمر إجهاض
الثورة ،
بعد أن دفعت قواتهم ثمناً باهظاً من أرواح جنودهم ، ومن اقتصادهم الذي أنهكته الثورة لدرجة أن أصوات الشعب البريطاني ارتفعت
عالياً مطالبة الحكومة بسحب قواتها من العراق ، وإنقاذ جنودها من لهيب المعارك مع الثوار، وامتدت
صيحاتهم إلى مجلس العموم البريطاني نفسه ، حيث طالب العديد من أعضاء المجلس بانسحاب القوات
البريطانية من العراق ، نظراً للتكاليف الباهضة التي دفعتها بريطانيا للإدامة سيطرتها على العراق ، وتصاعد احتجاجات الشعب البريطاني على
ارتفاع عدد القتلى من الجنود البريطانيين .
وغم
أن ثورة العشرين لم تنجز هدفها الرئيسي في تحقيق الاستقلال الناجز للعراق إلا أن
تلك الثورة كان لها الدور الحاسم في إسراع المحتلين البريطانيين في تغيير سياستهم
تجاه العراق ، وصرف النظر عن حكمهم العسكري ، بعد أن كلفتهم الثورة آلاف القتلى
والجرحى ، أثقلت كاهل خزانه الدولة البريطانية ، المثقلة أصلاً بأعباء الحرب
العالمية الأولى .
لذلك
فقد وجد المحتلون الإمبرياليون أن خير سبيل إلى تجنب المزيد من الخسائر البشرية
والمادية هو إقامة ما سمي بالحكم الوطني ، وتأليف حكومة محلية ، والإتيان بالأمير
فيصل أبن الحسين ملكاً على العراق ، مكتفين بالاحتفاظ ببعض القواعد العسكرية ، بعد
تكبيل البلاد بقيود ثقيلة بموجب
معاهدة سنة 1920، التي تم بموجبها لهم الهيمنة الفعلية على مقدرات العراق السياسية
، والاقتصادية ، والعسكرية ، والثقافية
، وسائر المجالات الأخرى .
أما
لماذا لم تحقق الثورة هدفها الأساسي في الاستقلال الحقيقي والناجز فيمكن حصرها بما
يلي :
1
ـ عدم تكافؤ القوى بين المحتلين والثوار ، وخاصة في مجال الأسلحة والمعدات الثقيلة
والطائرات ،هذا بالإضافة إلى فقدان الخبرة العسكرية .
2 ـ
ضعف مستوى الخبرات العسكرية للثوار ، على الرغم ما قدموه من التضحيات ، وصنوف
البطولة التي يعتز بها كل عراقي ، وكانت مثار إعجاب الجميع .
3
ـ استخدام المحتلين لسياسة التفرقة ، وخلق
الحزازات ،والصِدام بين العشائر، واستمالة عدد من رؤساء العشائر الكبار إلى جانبهم ، وإغرائهم
بالإقطاعيات والمناصب والسلطة ، كما استخدم المحتلون الخلافات الدينية والطائفية
والعقائدية لتمزيق الوحدة الوطنية .
4 ـ ضعف القيادة السياسية، من حيث تنظيمها ، وتركيبها الطبقي، وخاصة البرجوازية الوطنية الضعيفة جدا